لم يكن الأمر بهذه السرعة حتى في أحلامه. فمنذ أسبوع واحد فقط كان يتمنى أن تخرج له من شرفتها فيُملي عينه بالنظر إليها. كم من ليلة مرت عليه وأرقه السهر في التفكير بها. كم حرقه الشوق ليرى ضحكتها التي رآها مرة أو مرتين فقط، لكنها فعلت بعقله الأفاعيل حتى كاد أن يصيبه الجنون بها.
حتى بعد أن وافقت على طلبه بعد عذاب. حتى وهو يأخذ المباركة من أبيها بتحديد موعد مع والده للأتفاق على خطوبة رسمية أمام الناس، فتأتي المفاجأة من أبيه الذي اقترح اختصار الوقت بعقد قران ابنيه الاثنين على الأختين، متعشمًا بهذا بالتقارب الذي حدث بين العائلتين في هذه الفترة القليلة وتوطد العلاقة بينهم.
وكانت المفاجأة الأكبر حينما رحب أبوها ووافقت هي في الجلسة أمام الجميع. ليأتي هذا اليوم المبارك ويعقد قران أخيه أولاً على شروق، ثم يأتي دوره ليعقد على حبيبته التي كانت جالسة أمامه في الصالة التي توسطت المنزل بجوار شقيقتها العروس أيضاً ووالدتها ووالدته وبعض النسوة من الأقارب والجيران. فالحفل صغير واختصر على عدد قليل من المدعوين على حسب الاتفاق، على أن يتم الحفل الكبير بعد انتهاء شروق من اختباراتها الأخيرة في الدراسة.
حينما وضع كفه في كف العم شاكر، يبدو أن الرجل قد شعر برجفته فقال متفكهًا: "إيدك باردة أوي يابني. هو لدرجادي الوضع يخوف؟
صدحت الضحكات العالية من المدعوين القلائل بصخب. حتى علاء نفسه ضحك رغم تعرقه وتوتره. ثم جاءت اللحظة الحاسمة. فحَبَس أنفاسه وهو يراها تدنو على الدفتر الكبير وتوقع بيدها الصغيرة عليه. كانت دقات قلبه العنيفة تقفز في صدره قفزًا من سرعتها وهو يراقبها. فرغم كل ما يحدث الآن كان ينتابه الخوف من تراجعها المعتاد معه لآخر لحظة.
حينما رفعت رأسها إليه بابتسامتها الساحرة انطلقت الزغاريد الفرحة من الأحباب لإعلام الجميع بإتمام المهمة وأن فجر شاكر عبد المنعم أصبحت زوجة رسمية لعلاء أدهم المصري. كاد قلبه أن يتوقف من الفرحة وهو يتلقى المباركات من أبيها وأبيه وشقيقه حسين والمدعوين من الرجال.
حتى اقتربت زهيرة منهم بدموع الفرح تُعانق أبناءها بعد أن تم فرحها أخيرًا بزواجهم بأجمل الفتيات وأقربهن إلى قلبها رغم قصر المدة التي عرفتهم فيها، ولكنها علمتهم جيدًا وعلمت أخلاقهم. أخرجها من حضنه علاء ليقبل رأسها. فضحك من قلبه على هيئتها الباكية: "ههه إيه يا أم علاء، دا وقت بكى برضو؟ قالها وهو يمسح بإبهام كفيه الاثنين الدموع العالقة وجنتيها. ردت هي بصوتٍ مشحون بالعواطف:
"فرحانة أوي ياحبيبي بيكم. أخيرًا ربنا حقق أمنيتي وشوفتك عريس." هزها حسين فجأة بعد أن لف ذراعها كتفها قائلاً بمرح: "فرحانة بيه هو بس يا أم علاء؟ وأنا إيه بقى؟ نسيتيني؟ لكزته بقبضتها الصغيرة على كتفه قائلة بحزمٍ محبب: "بس يا واد، بلاش غلاسة. انتوا الاتنين أكيد طبعًا فرحنالكم. بس بقى فرحتي بعلاء ما تتوصّفش عشان دا البكري واللي غلبني سنين طويلة لحد ما ربنا أخيرًا هداه."
قالت الأخيرة بتأثر واضح ارتد أثره على علاء الذي قربها منه يقبلها مرة أخرى على رأسها عدة قبلات. جذبها فجأة حسين نحوه بملكية: "إيه يا عم، هي أمك لوحدك؟ ماتسيب شوية للناس الغلابة." صدرت ضحكة زهيرة النادرة من قلبها وابنها حسين يقبلها على رأسها ووجنتها بصبيانية أمام علاء الذي أصابته عدوى الضحك من والدته. فتوقفت ضحكته فجأة على صوت أبيه الذي أتى نحوهم ناهرًا حسين بوجه عابس:
"ابعد شوية عن أمك ياض وبطل شغل عيال. الناس بتبص عليكم." خبأت ابتسامة زهيرة وهي ترى زوجها شديد القرب منها هي وابنها الذي قربها أكثر يلف ذراعه حولها قائلًا بمزاح: "ومالو يا أبو علاء؟ خليهم يبصوا براحتهم. واحد فرحان وبيبوس في أمه اللي زي القمر، فيها حاجة دي؟ تجاهله أدهم وهو يحدق بزهيرة عن قرب بأعين مشتاقة. فخاطبها قائلًا: "مبروك يا أم العرسان. ربنا يفرحك بولادهم كمان." أجابته بتماسك وأعين متهربة وهي تتملص من حسين:
"الله يبارك فيك يا أبو علاء ويفرحك انت كمان. معلش بقى عن إذنكم عايز أشوف الضيوف." تركها حسين تذهب أمام نظرات أبيه التي تعلقت عيناه بها وتحرك فمه دون صوت وكأنه يناجيها للتوقف حتى ابتعدت. أصابه الإحباط فذهب هو أيضًا عائدًا لجسته مع شاكر. تبادل حسين نظراته مع أخيه علاء الذي كان مراقبًا بصمت. فانتقلت عيناه بتشفٍ نحو نيرمين الواقفة بإحدى الزوايا مع جارة قديمة لهم وهي تغلي من الغيظ. ***
وفي الجهة الأخرى كانت فجر هي الأخرى لم تستوعب الأمر بعد. هزتها سحر التي كانت جالسة بجوارها وهي تضحك بمرح: "إيه يابنتي مالك؟ اصحي كده وفوقي وأنا بكلمك." رمشت بعينيها وهي تهز برأسها: "أفوق إزاي بس ياسحر؟ والنعمة ما مصدقة اللي بيحصل دا كده وبالسرعة دي. دا أول امبارح بس كنت بستخبي وأتهرب منه عشان ما يشوفنيش ولا أشوفه. وقبلها بسنين طويلة ما كنتش بكره في حياتي حد قده. النهاردة بقى بقيت مراته!
لا بجد أنا حاسة إني في غيبوبة." ردت سحر بمشاكسة: "غيبوبة إيه بس يا كهينة؟ هو انتي هاتعمليهم عليا يابت؟ يعني لما وافقتي على كتب الكتاب ما كنتيش دريانة ياقطة." ضحكت فجر وهي تبرر: "والنبي ياشيخة أنا لحد الآن ما أعرف إزاي دا حصل؟
كل اللي فاكرة إن عمي أدهم كان موجود عندنا هو وعلاء وحسين بيتكلموا في الخطوبة ونده علينا أنا وشروق نسلم عليهم ونقعد معاهم. فجأة لقيته بيسألني وياخد رأيي في علاء. طبعًا أنا اتكسفت ومعرفتش أجاوب بس مع الإصرار هزيت دماغي بالموافقة. وكانت هي الإشارة ياستي. لقيت الراجل بيقول لأبويا.. إحنا بدل الفرحة نخليها فرحتين وبدل الخطوبة نخليها كتب كتاب للعريسين على البنات واحنا أهل وعارفين بعضنا. لقيت بقى والدي ووالدتي والحجة زهيرة بيرحبوا بلهفة وحسين وشروق كمان الفرحة مش سايعاهم. فضل بقى علاء يبصلي برجاء وكأني هاكسر قلبه لو رفضت. من غير تفكير لقيت نفسي بهز دماغي وقبلت. وعنها بقى نزلنا تاني يوم جبنا الشبكة وأدي اليوم التالت أهو بقيت مراته!
انتي نفسك صدقتي؟ جذبتها سحر ترد عليها وهي تعانقها بسعادة: "أصدق ياحبيبتي وما أصدقش ليه بقى؟ ربنا يكتبلك الفرح والهنا ياروح قلبي." بادلتها فجر التهنئة: "وانتي كمان ياحبيبتي. ربنا يتمم فرحتك انتي ورمزي على خير وتتجوزوا قريب بقى وأفرح فيكي. هو فين صحيح مجاش معاكي ليه؟ "مين هو اللي مجاش ياعنيا؟ هو يقدر؟
دا أنا بس سبته يدور على مكان يركن فيه عربيته ونزلت أجري عشان أحصل كتب كتابك. دلوقتي إن شاء الله يجي يبارك ويهني ونتصور أنا وهو معاكي انتي والمعلم علاء. دي هتبقى ذكرى حلوة قوي." قالت فجر بتشتت: "طبعًا هتبقى ذكرى حلوة أكيد. بس دا تسميه إيه دا اللي بيحصل معايا ياسحر؟ لأني بصراحة مش فاهمة." أومأت سحر بعينيها ورأسها عن اقتناع:
"دا بقى اسمه النصيب ياحبيبتي عشان تفهمي بقى وتفوقي. واتعلمي بقى من المحروسة أختك هي ومقاصيف الرقبة أصحابها وشوفي بيعملوا إيه."
قالتها وهي تشير بيدها نحو شروق الجالسة بالقرب منهم على مقعد وحدها وحولها عدة فتيات أصدقائها يتبادلن معها التقاط صور السيلفي بعدة أوضاع، غير عابئين بنظرات الجميع حولهم. ولا نظرات حسين التي تراقب أصدقائها بحسد للقرب منها في هذه اللحظة المهمة لهم وهو محاصر بعدد من أصدقائه وأقاربه، يستعجل التملص منهم للذهاب إليها. *** "إيه يا حبيبتي، هو انتي سرحتي مني؟ التفتت نيرمين على محدثتها مجفلة فسألتها بتشتت: "نعم يـ...
هو انتي كنتي بتقولي حاجة؟ ردت المرأة وهي تهدهد في ابنها الصغير النائم برأسه على كتفها وهي تحمله على ذراعها: "أنا أم مروان وساكنة في الشقة اللي فوق. هو انتي لحقتي تنسيني؟ دا انتي كنتي سرحانة بجد بقى وماخدتيش بالك من كل الكلام اللي قولتهولك." ردت بسأم وابتسامة مصطنعة: "معلش يا أم مروان متأخذينيش يا أختي. أصلي حاسة بصداع كده ودوخة." قاطعتها بلهفة: "انتي بتقولي دوخة؟ معقولة يكون عملتيها وحملتي؟
طب خلي بالك بقى من صحتك اليومين دول. دي العيال بتيجي بوجع قلب." ردت عليها نيرمين مستنكرة: "حامل دا إيه ياستي انتي كمان؟ دي شوية دوخة كده وهايروحوا لحالهم. يعني لا حامل ولا زفت." لوت المرأة شفتيها وهي تتقرب منها وتهمس همسًا بالنصائح لها: "طب شدي حيلك بقى ياناصحة واتشطري عشان تلحقي تجيبلك حتة عيل قبل ما الراجل يفلسع. يعني الشر بره وبعيد. أصل الزمن دلوقتي ياحبيبتي مش مضمون. واديكي شايفة بنفسك نظرة جوزك ناحية ضرتك."
توسعت عينا نيرمين بجزع من فراسة المرأة والتي بدت وكأنها تقرأ أفكارها بخبث. وتابعت المرأة بنفس الهمس: "ماتتبصيش كده ياحبيبتي بخضة. دي حكاية باينة زي عين الشمس. وضرتك زي ما انتي شايفة كده حلوة ومش باين عليها سن. دا اللي يشوفها وهي واقفة مع خالتي سميرة يديها هي السن الأصغر. دا غير إنها متحامية بولادها الرجالة اللي بكرة يورثوا الجمل بما حمل مع بنات سميرة وتطلعي انتي من المولد بلا حمص لو ما خلفتيش عيل يشاركهم في الورث."
هبط قلبها بداخل صدرها وهي تتخيل سيناريو ما سيحدث بعد وفاة زوجها من زهيرة وأبناءها الكارهين لوجودها من الأساس. فتعود هي لحياة الفقر والعوز مرة أخرى! استفاقت من شرودها على صوت رجاء والدة سحر وهي تهتف على إبراهيم الجالس بجوار السماعات: "إيه يا عم هيما؟ ماتشغلنا أغنية فرايحي خليها تفرفشنا كده وتهيصنا عايزين نرقص. دا إحنا في فرح ياحبيبي." "من عنيا يا خالتي رجاء. أحلى أغنية لأحلى رجاء."
قالها إبراهيم ليصدح بعدها أغاني مهرجانات خاصة بالأفراح أشعلت الأجواء. لترقص رجاء في الوسط وشروق وصديقتها يحاوطنها يصفقن بكفوفهن ويرقصن معها. أمام سحر التي كانت تنظر إليها بيأس مع فجر التي كانت تضحك لها بمرح لإغاظتها. ***
بعدها بقليل جلس علاء بجوارها على أريكة ضمتهم هما الاثنان فقط. ليلبسها خاتم زواجه بها ومعها محبس آخر من الذهب وأسورة جميلة زينت رسغها. ليصدح صوت الزغاريد من النساء والفتيات التي التفت حولهم يشاهدن ويلتقطن الصور لهم بفرح تحول لهمهات منبهرة لرؤيته وهو يقبل كفها دون أن يأبه بهم ولا لخجلها الذي أنعش قلبه بالفرحة بها أكثر.
أقبلت عليهم سحر وخطيبها رمزي بالتهنئة والتعارف مع علاء والتقطت بعض الصور الجميلة لأربعتهم. مما أثار غيرة حسين الذي سحب شروق من يدها لينحشرا بجوارهم على الأريكة مما أثار امتعاض علاء الذي كشر بوجهه لهم. فبادله حسين النظرة بكل برود وفاجأه بـقلبه سمجة على وجنته. مسحها علاء بقرف فانطلقت ضحكات شروق بقهقه هي والفتيات أصدقائها والمدعوين. وازدادت اللحظات الجميلة لتسجلها عدسات الكاميرات. فتجفلهم سميرة فجأة برشة من الملح منعًا للحسد تسير امتعاض الجميع وثناء زهيرة التي كان قلبها ينبض بسرعة خوفًا من كم الفرح الكبير الذي أتى بعد سنوات طويلة عجاف.
تحول وجه حسين فجأة وهو يومئ بعينيه لعلاء نحو مدخل الباب ويهمس: "دعيته ليه ياعلاء؟ إحنا مش قولنا قاعدة عالضيق وخلاص؟ أجفل علاء لحدة شقيقه فرد بدهشة هامسًا هو الآخر: "وإفرض عالضيق ياحسين؟ مدعيش أنا بقى صاحبي؟
قال الأخيرة وهو ينهض قائمًا ليستقبل سعد الذي تنقلت عيناه بين صديقه وبين الجميلة ذات الثوب العسلي والذي تناسب مع لون عينيها وانعكس على بشرتها فزادها بياضًا ونضارة. وقبل أن يصل إليهم تفاجأ بحسين الذي جذبها من يدها وابتعد بها عن مرمى عيناه.
حاول التماسك وهو يعانق علاء يهنئه ويغتصب الابتسامات ليخفي بها اشتعال صدره من الداخل. لقد فاجأه علاء حينما هاتفه في الظهيرة يخبره بعقد قرانه هو وأخيه على الشقيقتين. كالعادة ذهبت لغيره ولم يجد الفرصة للتقرب منها. كالعادة حظه العسر يحول بينه وبينها. وكالعادة يكبت مشاعره من داخله ليظهر العكس في الظاهر. ***
صدحت بعض الأغاني الخاصة لمحمد منير بناءً على رغبة علاء الذي نسق مع إبراهيم لإذاعتها من السماعات. فسحب فجر من يدها يراقصها عليها لتتمايل معه هي بخجل. يعبر بيداه وجسده وفمه يردد مع كلمات الأغنية ما يعبر عما بداخله ناحيتها. فهو يعشق أغانيه ويعشق كلماتها.
دلف حسين يشاركهم الرقص مع شروق واشتعلت الأجواء. حتى أنهم سحبوا سميرة وزهيرة أيضًا التي كانت تتمايل بخفة لظروف مرض ظهرها وعظامها. بعباءتها التركواز وكأنها عادت طفلة صغيرة. وقد خففت الفرحة عنها ألمها وتعبها. غافلة عن أعين أدهم المصري الذي ارتكزت أبصاره عليها بحسرة وندم. أنسته طعم الفرحة بزواج أبناءه الاثنين.
أما نيرمين فكان بداخلها بركان يغلي من التجاهل وهي تشعر بقزمها وضآلتها بينهم. علاء الذي تمنته حتى الموت وهو لم يعيرها أدنى اهتمام ها هو الآن يرقص مع هذه الفتاة القصيرة بفرحة لم ترها على وجهه طوال سنوات معرفتها به. حسين وهو يراقص شروق وعيناه تحاصرها ولا ترى غيرها وكأنها قطعة منه. مشاعر جميلة حرمت منها. وضاعت سنين عمرها بين شقاء في العمل وعلاقات خفية مع أشخاص استغلوها فيرحلوا بعد أن تنتفي حاجتهم منها. ثم الزواج برجل
بعمر أبيها وقد ظنت أن الدنيا فتحت لها أبواب الهناء. وها هو أيضًا يبدو أنه قد مل منها. حتى سعد الذي لطالما كرهته وكرهت علاقتها به، لم يكلف نفسه حتى النظر إليها وكأنها ليست جميلة ولا تستحق الاهتمام كهاتين الفتاتين الملعونتين. أو حتى هذه المرأة العجوز التي خطفت قلب زوجها وأعادت إليه الحنين إليها رغم بساطة ما ترتديه وتزين به وجهها.
سعد الذي كان ممسكًا بكوب العصير يتناوله وكأنه العلقم بحلقه مع مراقبته لهم ولفرحهم. انتبه على ورود مكالمة منها تجاهلها في البداية ولكن مع رؤيته لرسالتها انتفض خارجًا من المنزل وذهب إليها بسرعة. *** فتح بمفاتيحه باب الشقة ليدلف داخلها بسرعة هاتفا عليها: "انتي يازفتة انتي هببت إيه في الشقة؟ خرجت إليه أمينة مهرولة من المرحاض: "أنا مهببتش حاجة ياعنيا؟ سباكة الشقة بتاعتك هي اللي مصدية وقديمة."
تسمر مكانه وهو ينظر إليها ولم يعي ما تقوله. شعرها الحريري الأسود كان مبتلًا وبشرتها النضرة دومًا كانت ندية بشكل لافت. عباءتها الخفيفة أظهرت امتلاء خفيف حوط جسدها برشاقة بعد النحافة الشديدة قبل ذلك. ابتلع ريقه وهو يسألها ببعض الهدوء: "هي إيه بالظبط اللي مصدية؟ عشان أنا اتخضيت لما شوفت رسالتك." لوحت بيديها نحو المرحاض:
"أنا بكلمك عن حنفية الحمام ياسعد. دي باظت مني ومرداياش تتقفل. بقالي ساعة عمالة أحاول فيها وأنشف بالمساحة عشان الشقة ماتغرقش." تقرب منها حتى اشتم رائحة الصابون في شعرها فسألها: "هو انتي واخدة حمام؟ ارتدت للخلف منتفضة وقد رأت اشتعال الرغبة في عينيه. فصاحت عليه تجفله: "واخدة حمام ولا عني ما كنت متزفتة حتى. انت مالك؟ مش تسمع الأول أنا بكلمك في إيه؟ أظلمت عيناه وتبخرت رغبته بها في الهواء فقال مزرءًا:
"على أساس إني ميت في جمالك يا أختي؟ دا أنا بس كنت بجبر بخاطرك." قالت ضاحكة بسخرية: "هه كتر خيرك يا شيخ ياسعد. خش ياخويا الحمام وشوف حنفيتك لا تغرق الشقة وتقع على أصحابها هي مش ناقصة." جز على فكه غيظًا منها قبل أن يتحرك نحو المرحاض فهتف ساخطًا: "يخرب بيتك ياشيخة بهدلت الدنيا. يخرب بيتك ياشيخة."
لوت شفتيها ولم ترد على سبابه وشتائمه وراقبته وهو يشمر بنطاله ويخلع قميصه في الأعلى ليضعهم على كنبة صغيرة في صالة الشقة قبل أن يدلف للحمام ويقوم بأعمال التصليح. أجفلها مناديًا: "هتفضلي واقفة كتير كده مكانك وتعمليلي فيها هانم؟ اخلصي يابت اعمليلي كوباية شاي." تحركت متأففة لتفعل ما أمرها به ولكنها توقفت فجأة على صوت هاتفه. تناولته وقبل أن تهتف منادية عليه لتنبيهه استوقفها الاسم الغريب. رددته بدهشة: "ن م.. إيه ده؟
هو عامل اختصار للأسماء." دققت جيدًا في الرقم الذي لم يكن غريبًا عنها. فتذكرت صاحبته على الفور فمصمصت شفتيها مستنكرة. همت بتركه حتى لا تتسبب لنفسها بمشاكل معه. ولكن مع انتهاء المكالمة صدر صوت رسالة قادمة في الهاتف بتطبيق الواتساب بنفس الرقم. لم تقوى على حجب فضولها نحو رؤية الرسالة. فقرأت ( عايزة أشوفك ضروري ياسعد. أنا عارفة إنك مستغرب. بس أنا محتاجالك قوي. فاضي بكرة أجيلك الشقة؟
قضمت نعيمة على أطراف أظافرها بتوتر وهي تراقب نحو المرحاض وانشغال سعد في تصليح صنبور المياه. فكتبت ترد باقتضاب: ( تعالي ) تبسمت بانتشاء وهي تمسح الرسائل. وتعود بنظرها مرة أخرى تراقب قبل أن تذهب نحو المطبخ وتفعل ما أمرها به.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!