الفصل 37 | من 40 فصل

رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم امل نصر

المشاهدات
20
كلمة
3,746
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

بداخل السيارة وهي جالسة في الأمام بجواره، كانت مستندة برأسها لخلف المقعد تنظر من نافذة السيارة للطريق الخارجي، وإليه مع ترديدها لكلمات الأغنية التي يصدح بها مذياع السيارة. "وهمس لي قال الحق عليّ نسيت ساعتها بعدنا ليه فين دموع عيني اللي مانامت ليالي بابتسامة من عيونه نساني أمر عذاب وأحلى عذاب، عذاب الحب للأحباب ماقدرتش أصبر يوم على بعده ماقدرتش أصبر يوم على بعده هدا الصبر عايز صبر لوحده."

كان يقود السيارة، هو مندمج معها ومع صوتها الرقيق ومعاني الكلمات الموجهة إليه وهي خالصة بالعشق. رفع كف يدها يقبلها بحب قائلًا: "ربنا ما يحرمني منك يا رب." تنهدت قائلة بصوتٍ كخرخرة القطة: "أنا بحب الأغنية دي قوي يا علاء عشان بتعبر قوي عن اللي جوايا ناحيتك. أنا فعلًا ما أقدرش أصبر يوم على بعدك ولا حتى دقيقة أحس فيها بجفاك. يعني لو حصل." ضغط بكفه المطبقة على كف يدها، يضعها على ركبته متأوهًا:

"بس بقى الله يخليك، كفاية كده. أنا مصبر نفسي بالعافية. مش كفاية عملة الزفت حسين اللي هاتخليني أنتظر فرحي عليكي شهور تاني. كنت ناقصني أنا ده." ضحكت بدلال وهي تزيح بكف يدها الحرة خصلات شعرها المتطايرة على وجهها بفعل الهواء: "يا سلام، يعني لدرجة دي أنت مستعجل على جوازنا؟ ترك الطريق لينظر إليها ويحدثها بصدق:

"أوي يا فجر. نفسي اليوم دا يبقى امبارح مش بكرة ولا النهاردة. نفسي أغمض عيني وأفتحها ألاقيقي معايا في بيتي ومعانا أولادنا. أنا مقدرش أوصف لك إحساسي كان إيه لما شوفت بنت عصام النهاردة. قلبي رفرف جوا ضلوعي وأنا بتخيل إنها تبقى بنتنا أنا وأنتي. حتة منك وشبهك. يا ه. إمتى دا يحصل؟ تبسمت بمرح قائلة: "بس بنت عصام دي حلوة زي الخوجات. لكن أنا يا عم على قدي." التف إليها محذرًا: "مين دي اللي على قدي؟

اثبتي مكانك طيب بدل ما أتعصب عليكي. لو بنت عصام قمر، فأنتم قمرين وبنتنا هاتتبقى تلت قمرات في بعض. عندك اعتراض بقى؟ قهقهت ضاحكة تقول: "طيب أنا كنت عايزة أسألك بقى مدام عجباك لدرجة دي كده زي ما بتقول. إيه أكتر حاجة شدتك فيا؟ التف إليها مجيبًا دون تفكير: "عينيكي." هزت رأسها قائلة بوجه متورد يشع بالسعادة: "اشمعنى عيوني بقى؟

أفهم. أصل أنا طول عمري شايفاهم عاديين يعني. مش زي عيون شروق مثلًا، لونهم العسلي بيلفت النظر خصوصًا في الشمس." كان قد وصل إلى وجهته، فأوقف السيارة أمام البناية التي تضم شقتيهم. نظر إليها محدقًا بعينيها يرد:

"مش موضوع لونهم ولا شكلهم إيه. الموضوع إني أول ما بصيت فيهم حسيت وكأن فيهم رابط بيربط ما بينا. فيهم حاجة بتشدني ليكي زي المغناطيس. فاكرة لما قولتلك بلاقي فيهم راحتي وقولت كلام كتير تاني عنهم. أنا ماكدبتش في حرف يافجر. أنا عندي استعداد أقعد بالساعات وأنا مركز فيهم وأقرأ كل لفتة منهم. وعمري ما أمل. عيونك المرسى اللي رست عليه مراكبي بعد شقا سنين طويلة يافجر." فغرت فاها وأغلقتها عدة مرات، حتى خرج صوتها أخيرًا:

"طب أنا أقول إيه دلوقتي قصاد كلامك الحلو ده؟ أنا حاسة إني لو حاولت أرد لك هاطلع حمارة قدام رومانسية المعلم علاء. أنت بتجيب الكلام ده منين؟ صدحت ضحكته الرنانة: "الكلام بيخرج من قلب المحب من غير تفكير ولا تركيز. يا قلب علاء." بقلب يضرب بالسعادة داخل صدرها، لوحت بكفها قائلة: "كفاية والنبي. خليني أستوعب شوية شوية الكلام الحلو ده بعد نشفان وشد أعصاب الأيام اللي فاتت. عشان ما يغمى عليا قدامك دلوقتي."

قرب وجهه منها يقول بحنان: "سلامتك يا عمري من أي سوء. أنا عارف إني مقصر معاكي عشان الظروف اللي طبت علينا فجأة. بس وعد عليا. كل ده هايتعوض الأيام اللي جاية." هتفت بلهفة: "بجد يا علاء. يعني هايبقى فيه كلام حلو زي اللي قلته دلوقتي؟ تنهد باضطراب أمامها محدقًا بها بصمت وملامح مبهمة غير مفهومة، وهي منتظرة الإجابة. ثم مالبث أن قال: "بقولك إيه يافجر. قومي الله يرضى وخلينا نكمل كلامنا بعدين عشان بس مانعملش فضايح."

تسائلت باستفسار وحسن نية: "فضايح ليه؟ هو إحنا بنعمل حاجة غلط؟ رد مقررًا بتأكيد: "أنا اللي هاعمل لو ما قومتيش من قدامي دلوقتي على طول. يبقى اتحملي انتي اللوم لو والدك ولا حد من الجيران ظبطني وأنا بحضنك أو... -لا وعلى إيه؟ سلام يا عم." قالتها بعجالة وهي تترجل من السيارة هاربة. أثارت ضحكته المرحة مرة أخرى.

اعتلت الدرج وقلبها يقفز من السعادة معها، وهي تستعيد كل لفتة وكل همسة منه. تغزله لعيناها ولهفته عليها ونظراته المشبعة بالعشق. ولكنها توقفت فجأة وكأنها استفاقت من سكرة عشقه. ليصدح هذا الصوت بداخلها: "ياترى لو عرف فاتن عايشة، هايفضل على حبه ولهفته دي ولا هايحن لحبه القديم؟ تنهدت بأسى تكمل اعتلاء الدرج، وقد ذهب عنها مرح اللحظة وعاد إليها هم القادم. ***

بداخل المدرسة محل عملها، كانت جالسة مع صديقتها في ركن وحدهم تحت ظلال إحدى الشجيرات يتحدثن كالعادة في الموضوع الملّح. "ما تقولي يابت، رديتي وقولتي إيه؟ زفرت سحر تشيح بوجهها عنها: "يووه عليكي يافجر، ما قولتلَك موضوع وخلص. لزومه إيه بس الرغي." هتفت عليها حانقة: "لزومه إن الراجل بيكلمني ويتصل بيا عشان أقنعك. هو فيه إيه بالظبط؟ أنا حاسة إن الموضوع أكبر من حكاية سفرك معاه." التفتت إليها تنظر صامتة بأعين خاوية، مما

جعل قلب فجر يسقط في صدرها: "إيه اللي حصل ياسحر؟ وليه الحزن ده اللي أنا شايفاه في عيونك؟ هو غلط فيكي ولا خانك ولا إيه بالظبط؟ ردت بصوت منكسر: "ما خاننيش ولا غلط فيا، بس أنا قولتلَك إحنا ماننفعش لبعض. أنا أبلة وروحي في مناخيري، وهو حلو ومتشيك، تليق له واحدة زيه صغيرة تدلعه ويفتخر بيها." لكزتها بقبضتها على ذراعها: "بت انتي، أنا مش ناقصة ألغاز. طلعي اللي جواكي واحكي إيه اللي حصل بالظبط؟

صدح هاتف فجر فجأة ليقطع تركيزها في التفكير لمعضلة صديقتها. زفرت بغيظ وهي تنظر في اسم المتصل: "اسمعي أما أقولك. لينا قاعدة نرغي فيها وتحكيلي كل اللي جواكي. لولا إن أنا بس مش ورايا حاجة مهمة دلوقتي. لكن والنعمة ما هسيبك ياسحر. سامعة." نهضت عن المقعد ترد على الهاتف بعد أن توعدت صديقتها: "الوو......... أيوه يا عصام........... تمام، حاضر هاتصل بيها ونيجي على طول، ما تقلقش أنا عارفة العنوان."

بعد أن ابتعدت بمسافة كافية، وسحر تتابعها بعينيها بشرود، أُجفلت فجأة على اهتزاز المقعد بجوارها يشير لجلوس أحدهم. وبمجرد التفافها إلى الجالس، تفاجأت به يحدثها: "أنا آسف لو فاجئتك أو أزعجتك. بس انتي ممكن تسمعيني الأول." ضيقت عينيها متسائلة: "أسمعك في إيه بالظبط يا أستاذ عبد الله؟ *** وفي مكان آخر.

كان حسين على سريره الطبي يحاول جاهدًا بيده السليمة أن يتناول منديلًا ورقيًا من العلبة الموضوعة على الطاولة القريبة منه. يستحي أن يوقظ والدته التي غفت بجواره على المقعد الجلدي، ولا يريد النداء على الممرضة. انتابته رغبة أن يصل إلى العلبة بنفسه دون المساعدة من أحد، ولكنه كلما حاول أن يرفع جسده تألم بشدة. تكررت المحاولات، وفي كل مرة كان يسقط متنهدًا بتعب، حتى كاد أن يفقد الأمل. ليفاجأ في المرة الأخيرة

بشهقة أنثوية وصوتها يصدح: "انت بتعمل إيه ياحسين؟ انتفضت زهيرة من نومتها وكادت أن تستيقظ، فلاحقها حسين: "نامي يا أمي، ما تقلقيش. دي شروق بتهزر." عادت زهيرة لنومتها، ودلفت شروق للداخل بخطوات خفيفة. هتف عليها حسين ضاغطًا على أسنانه بصوت هامس: "مش تخلي بالك ياشروق. ده أنا مصدقت عيونها غفت من لُطعتها جنبي طول الأيام اللي فاتت." تقربت منه قائلة بأعتذار: "معلش، آسفة. بس أنا بصراحة لما شوفتك قلقت. هو انت كنت بتعمل إيه؟

رد بصوت خشن: "أنا كنت عايز أوصل لعلبة المناديل اللي هناك دي. بس مدام انتي جيتي اتفضلي، يلا هاتي لي منديل." حينما تناولت المنديل، أردف بأمر: "اتشطري بقى وامسحي العرق اللي على وشي كمان." همت لتنفيذ أمره، ولكنها ارتدت فجأة قائلة بتوجس: "حسين.. أوعى تكون دي لعبة من ألاعيبك؟ قال متصنعًا الغضب: "ألاعيب إيه وزفت إيه؟ فيه إيه شروق، هو إحنا هنهزر؟ تخصرت مدافعة: "آه ألاعيب، ولا انت نسيت امبارح؟

لما قولتلي أشوف عينك اللي اتطرت عملت إيه؟ رد بابتسامة خبيثة: "عملت إيه؟ ما تفكريني بقى عشان أنا مش فاكر." قالت بابتسامة ازدادت اتساعًا تخفي خجلها: "يا سلاااام... يعني نسيت لما شدتني بدراعك السليم ده لحد أما اترميت عليك و....... لعب حاجبيه قائلًا بابتسامة عبثية: "وايه؟! ما تقولي. ولا تيجي نعيد من تاني." لكزته بقبضتها على ذراعه السليم هاتفة بضحك: "بس بقى قلة أدب. أومال لو ما كنتش مدشدش كنت عملت إيه؟ تأوه متألمًا:

"آه ياني يا مّا. دراعي يا مجنونة." صدح صوت زهيرة خلفهم: "ماله دراعك ياحبيبي؟ عملت لك إيه البت دي؟ وضعت كفها على فمها بإحراج، غير قادرة على الالتفاف نحو المرأة. فرد حسين بجدية مصطنعة: "مافيش حاجة يا أمي، ده أنا بس بهزر مع شروق." "كده. طب تمام يانور عيني. ربنا يهنيكم ببعض. بس ياريت والنبي توطوا صوتكم شوية عشان أعرف أنام يعني."

قالتها بنبرة تنضح بالخبث، جعلت حسين يضحك من قلبه متشفيًا في شروق التي تسمرت محلها تكاد أن تموت من الخجل، ووجهها أصبح كقطعة الفراولة من الإحمرار. *** -أنا عارف إنك متفاجئة وتلاقيكي مستغرباني كمان؟ بس بصراحة أنا مصدقت اتشجع عشان أكلمك. خصوصًا لما عرفت بموضوع فسخ خطوبتك مع الجدع البقف ده." -بقف! تفوهت بها مجفلة، وقبل أن تتابع وجدته يقاطعها: -أرجوكي سيبيني أكمل كلامي ياسحر." -سحر!! تمتمت بها داخلها باستنكار،

وهي تستمع إلى باقي حديثه: "أكيد انتي عارفة أو حسيتي من طريقة معاملتي ليكي إن معجب من زمان ونفسي أتقدم. بس طبعًا كنت متردد عشان يعني كنت خايف لترفضيني عشان شكلي. رغم إني في أوقات كتير كنت بحس بإعجابك بيا من خلال نظراتك أو تلميحاتك بالكلام." أشارت بسبابتها نحوها بجزع: "أنا كنت معجبة بيك وبلمح بالكلام؟ باغتها فجأة وهو يتناول كف يدها قائلاً:

"مش مهم ياسحر إن كنتي لمحتي ولا لأ. المهم إني فوقت لنفسي أخيرًا واتشجعت وفاتحتك. فاضل بقى إنك تتشجعي انتي كمان وتعترفي باللي جواكي. بأنك متقبلاني رغم إني شكلي يعني على قدي، مش زي الجدع ده اللي فاكر نفسه ولا نجوم السيما وهو ما يسواش قشر بصلة." -قشر بصلة!! غمغمت بها مصدومة، قبل أن تفاجأ بالأستاذ عبد وهو يرفع من ياقة قميصه وصوت رجولي خشن محمل بالغضب: "مين ياض اللي ما يسواش قشر بصلة؟ هتفت بجزع:

" يانهار أسود رمزي. سيبه يا رمزي." لوح بسبابته محذرًا نحوها: "اخرسي انتي، ما أسمعش نفسك خالص. وانت ياض.. لساك ماسك في إيدها؟ سيبها ياض بدل ما أقطعلك إيدك دي." قالها وهو يفلت كفه عن كفها عنوة. فصاح عبد الله: "وانت مالك انت يابارد. هي مش خلاص فسخت خطوبتها منك؟ ما تسيبها بقى تشوف حياتها مع الإنسان اللي بتحبه." شهقت سحر بغيظ من كلمات عبد الله، لتتفاجأ برد فعل رمزي القوي وهو يهتف: "بقى أنا بارد وهي بتحبك انت؟

طب دافع بقى ياشاطر عن حبها ليك." ثم طرحه أرضًا ليكيل له باللكمات، وسحر تهتف لتركه خوفًا على الاثنان ودرءًا للفضائح، رغم انتشاءها بكل ضربة يتلقاها عبد الله بعد افتراءه عليها. ***

على منضدة خشبية صغيرة بإحدى الأندية الخاصة بعلية القوم، كان جالسًا يراقب صغيرته التي تلعب حوله مع أقرانها من الأطفال. منتظرًا بشرود اللقاء المرتقب. لا يصدق حتى الآن أن تكون حقيقة. لقد مرت سنوات طوال منذ الحادثة المأساوية التي ظلت عالقة بذهنه دون أن يتمكن من تخطيها والنسيان. وكانت السبب الرئيسي لتحوله من إنسان عابث إلى دكتور جاد لا يلتفت سوى لمستقبله والمحافظة على إرث والده الذي كاد أن يفقد صحته حزنًا على إصابة ابنه الوحيد. هذه الإصابة التي نتجت عن الحادثة وجعلته يتأخر في مساعدتها، وهو يثق تمام الثقة في براءتها وطهارتها.

"في مكان نقعد جمبك يادكتور؟

رفع رأسه على مصدر الصوت، فارتد بمقعده للخلف مجفلًا. لا تصدق عيناه رؤيتها. رغم النظارة السوداء التي أكلت نصف وجهها، لكنه عرفها. ملفحة بحجاب طويل على ملابس عصرية ذات ماركات غالية يعلمها هو جيدًا. وجهها الأبيض ازداد صفاءً ونضارة أكثر من ذي قبل مع ابتسامة رائعة زادته إشراقًا، كما أظهرت النظارة الشمسية رقيها ونضجها. وتحمل بيدها طفلًا أكبر من ابنته بقليل، ولكنه جمع بين صفات أبيه الشكلية وجمال والدته. طُرقت فجر

بقبضتها على المنضدة بقوة: "هتفضل متنح لها كده كتير مش ناوي بقى تقولنا اتفضلوا؟ نفض رأسه وهو ينهض عن مقعده بارتباك: "آه طبعًا اتفضلوا يا جماعة." مدت إليه كفها الحرة بابتسامتها المعهودة: "طب مش تسلم الأول يادكتور؟ مد كفه المرتجفة يصافحها بتوتر: "أهلًا بيكي يا فاتن... انتي عاملة إيه؟ "أنا كويسة والحمد لله. انتي اللي إيدك باردة أوي وكأنك عيان."

قالتها وجلست على الفور مع ابنها. نظر هو لكفه التي صافحتها للتو صامتًا، ولكنه أجفل على صوت فجر التي هتفت عليه: "أنا واقفة على فكرة قدامك لسه. ولا أقولك اقعد أحسن، مش وقت سلام." لم يرد على مزحتها، بل اكتفى أن يجلس على مقعده أمامهم، وهو ما يزال مأخوذًا برؤيتها. تكلمت فاتن بمرح: "انت لسه برضوا مش مصدق إن أنا اللي قاعدة قصادك؟

"بصراحة متأخذنيش، دي حاجة ولا في الخيال. خصوصًا كمان لما عرفت إنك كنتي متجوزة الدكتور منذر. يعني قريبة من دايرتي وأنا اللي بقالي سنين بضرب أخماس في أسداس عن مصيرك المجهول." خبأت ابتسامتها وهي تتنهد قانطة، قبل أن ترد: "عندك حق فعلًا. اللي حصل كان أكبر من أي استيعاب أو أي منطق. بس الحمد لله ربنا وضع في سكتي اللي ياخد بإيدي وينجدني. بس أنا عمري ما نسيت جميلك معايا ياعصام." ضيّق عيناه متفكرًا: "جميل إيه بالظبط؟

أنا مش فاكر حاجة." أجابت ممتنة: "يمكن انت مش هتكون فاكر، بس أنا لا يمكن أنسى اللحظة لما.... توقفت قليلًا متأثرة بذكرة الماضي، ثم أردفت:

"لما دخل علاء واشتغل ضرب فيك وأنت كل اللي على لسانك فاتن شريفة وملمستهاش. اتحملت الضرب وانت بتدافع عني في أضعف أوقات حياتي من غير ما ترد بضربة واحدة على علاء اللي سابك في الأرض سايح في دمك. وأنت برغم كل اللي فيك كنت رافض مني المساعدة أو إنقاذك. ده انت حتى فضلت تنتظر والدم بينزف من دماغك، مش راضي تتصل بحد ينجدك غير بعد ما أنا أمشي عشان ما تضرش بسمعتي. كان أهم حاجة عندك إنّي أفضل مستورة وما نفضحش."

ظل ساهمًا بحديثها، وهو لا يجد ما يرد به عليها، وكيف يرد، وهذه الحادثة حاضرة في ذهنه كأنها حدثت أمس، وجرحه مازال ينزف بداخله. صفقت فجر بكفيها لتفيق الاثنان: "اصحوا يا جماعة، اللي فات راح وعدى. خلينا في الحاضر. وشوفوا اجتماعكم النهاردة على إيه بالظبط." انشق ثغره بابتسامة مضطربة وهو ينظر نحو الطفل الصغير ليغير دفة حديثهم: "بسم الله ما شاء الله. صحيح. ابنك جامع في الصفات اللي هاتخلي البنات تجري وراه لما يكبر."

ابتسمت بإشراق قائلة وهي تنظر نحو الطفل: "ده حبيبي دا ابن عمري. عبد الرحمن هدية والده ليا قبل ما يتوفاه ربنا." "ربنا يخليهولك يارب ويرحم الدكتور منذر. ده كان من أحسن الناس خلقًا والله، حتى في شراكته معانا كان في منتهى الإخلاص والتفاني." تبسمت ترد على كلماته: "آه شركته ليكم. جينا بقى للمهم. عشان أنا كنت عايزة أتكلم معاك في الموضوع ده." أومأ برأسه:

"حقك طبعًا. أنا جايب معايا النهاردة كل حسابات الشهور اللي فاتت. ده غير طبعًا إني عايزك تطلعي على كل التطورات اللي حصلت في الفترة دي وخصوصًا قسم الدكتور منذر." قاطعته فجر: "بس بس يا عم، أنا ما عنديش دماغ للتفاصيل بتاعتكم دي. إيه رأيكم آخد عبد الرحمن ونروح نلعب مع الأمورة نانيس بنتك؟ نهضت من جوارهم لتلعب مع الطفلان بحرية وسعادة، متناسية الزمان والمكان، حتى أتاها اتصاله فردت ضاحكة: "الوو ياحبيبي عامل إيه؟

أتاها صوته الغاضب: "انتِ فين يافجر؟ ردت مرتبكة: "يعني هاكون فين يعني؟ رحلت مثلًا؟ هو انت بتسأل عليا ليه؟ وصلها صوت زفرة طويلة وحادة قبل أن يهتف بغضب: "عشان أنا روحتلك مدرستك وسألت عليكي، قالوا لي خرجت من يجي ساعتين وفي البيت مش موجودة وعند حسين وشروق في المستشفى برضه مش موجودة. قاعدة فين يافجر دلوقتي؟ جاوبيني حالًا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...