الفصل 38 | من 40 فصل

رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم امل نصر

المشاهدات
20
كلمة
4,040
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

ارتبكت من حدته المفرطة في الحديث إليها، حتى كادت أن تقول الحقيقة وتذكر اسم فاتن وعصام. لكنها تداركت نفسها، فخرج صوتها بتلعثم: -أنا عند واحدة صاحبتي تانية غير سحر.. بزورها في بيتها عشان عيانة. وصلها صمته قليلًا، قبل أن يسألها بريبة: -صاحبتك دي اسمها إيه يا فجر؟ ردت كاذبة باسم واحدة أتى على رأسها فجأة: -مدام نور... هي مش أستاذة خالص على فكرة، معانا في المدرسة.. عشان تعرف يعني. -امممم. تابع بنبرة هادئة بشكل عجيب:

-طب خلصي مشوارك يا فجر، ويا ريت متتأخريش. أومأت بلهفة: -طبعًا طبعًا.. هحاول متأخرش يا حبيبي. قال منهيًا المكالمة: -تمام يا فجر، وأنا منتظرك عشان تحكيلي.. سلام بقى. بعد أن أنهت المكالمة، تنفست الصعداء وهي تشعر أخيرًا بدخول الهواء إلى صدرها. فقد وترتها مكالمة علاء الغريبة بشكل مخيف، وانتابها شعور القلق بشدة، فهي لم تعهد هذه الحدة قبل ذلك من علاء، خطيبها الحنون على الإطلاق.

التفت لتعود للأطفال بعد أن انشغلت عنهم بمكالمتها مع علاء، ولكنها لم تجدهم. جالت بعينيها تبحث عنهم في جميع الأنحاء وهي تنادي بأسمائهم: -نانيس.. عبد الرحمن.. نانيس.. بيدو.. يا ولاد انتوا فين؟ سقط قلبها عند أقدامها حينما رأت الكرة الصغيرة التي كانت تتلاعب بها معهم، بعد أن ابتعدوا عن طاولة فاتن وعصام بمسافة طويلة عنهم. وبدأت تردد بصوت مرتعش وتبحث عنهم بتشتت: -يا بيدو.. يا ناني.. يا نهار أسود انتوا روحتوا فين وسيبتوني؟

***

خرجت شروق من الباب الخارجي للمشفى لتستقل إحدى سيارات الأجرة للعودة لمنزلهم، بعد أن أنهت زيارتها اليومية لحسين والاطمئنان عليه. ابتسمت بخفة وهي تتذكر مناوشاته لها، وهذا الجزء الخفي من الشقاوة لديه، والذي لم يظهره لسواها، ومكره الدائم للأيقاع بها رغم حالته الصحية واصاباته العديدة، ولكنه استطاع بدهائه عدة مرات خطف القبلات واللمسات الجريئة منها، متعللًا بأنه زوجها حتى لو كان طريح الفراش. والغريب أنها في كل مرة تأخذ حذرها منه، ومع ذلك ينجح بألاعيبه معها.

اعتلت الرصيف القريب من المشفى تشير بيدها لسيارات الأجرة أمامها، ولكن شتت انتباهها هذا الصوت المتكرر والذي تجاهلته عدة مرات، حتى التفتت نحو المصدر حينما ازداد علوه. وجدت امرأة ترتدي عباءة سوداء واقفة بمدخل إحدى الشوراع الضيقة، وتغطي على نصف وجهها بطرف حجابها القصير، وهي تشير لها بيدها: -بس بس تعالي. أومأت بسبابتها نحو نفسها ترد: -انت بتشاوريلي أنا؟ أجابت بصوت خفيض: -أيوة انتِ ياشروق.. إيه مش واخدة بالك مني؟ -شروق!

رددت خلفها وهي تميز بحة الصوت والشبه الذي ليس غريبًا عنها. تحركت بخطواتها حتى اقتربت منها على مدخل الشارع، فسألتها وهي تدقق النظر بها: -انتِ نرمين صح؟ أومأت برأسها وتكلمت بانكسار: -أنا عارفة إنك مستغرباني دلوقتي، بس أنا خايفة أكشف وشي لايشوفني أدهم ولا علاء ابنه، وأنا مش ناقصة. سألتها بحيرة: -مش ناقصة إيه؟ ثم انتِ موقفاني ليه بالظبط، وانتِ هربانة من يوم حادثة حسين وماحد عارف مكانك فين؟ تلجلجت قليلًا ثم قالت بتماسك:

-ممماهو ماهو انتِ ماتعرفيش ياشروق باللي عمله أدهم معايا عشان أهرب.. دا كان بيشك فيا وفي أخلاقي من غير سبب لحد أما هربت طفشانة.. بس أنا تعبت وكنت عايزاه يسامحني عشان أرجع. -عايزة ترجعيلوا يعني، طب وأنا مالي؟ سألتها فحركت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا وخاطبتها: -طب بقولك إيه.. ماتيجي معايا نقعد في أي حتة كدة عشان أفهمك. هزت رأسها رافضة: -آسفة معلش، أنا يدوب أروح. تحايلت بإصرار:

-طب حتى ادخلي لجوا الشارع شوية، لاحسن حد يوصل فجأة منهم.. دول بس كلمتين عالواقف، عايزاكي تبلغيهم لأدهم عشان يرجعني. زفرت متأففة وهي تستسلم لسحبها لداخل الشارع الضيق، وقبل أن تبتعد هتفت برفض: -خلاص كفاية هنا، قولي بقى واتكلمي، اديكي اداريتي شوية عن مبنى المستشفى.

وقبل أن تتفوه نرمين بكلمة، تفاجأت شروق بيد كبيرة تلتف حولها، والأخرى تكمم فاهها بمنديل أبيض ذو رائحة نفاذة. حاولت مقاومتها ولكنها لم تستطع الصمود أكثر من دقائق، حتى ارتخت أعصابها ولم تعد تشعر بما حولها على الإطلاق. ***

تذرف الدمعات بدون توقف، والقلق يأكل قلبها على الطفلين، مع شعور بالحرج يكاد أن يفتك بها، وهي لا تقوى على النظر بأعين عصام الذي انطلق مع عمال النادي والموظفين في رحلة البحث عن الطفلين. وفاتن قريبًا منها على إحدى المقاعد تبكي وتنوح اختفاء طفلها، وبجوارها مجموعة من النساء أعضاء النادي يواسينها بعدة كلمات مطمئنة بقرب العثور على طفلها، فلا أحد يدخل ولا يخرج من النادي غير معلوم، بالإضافة للكاميرات الموضوعة في مدخل النادي وخارجه.

-آآه يابني ياترى انت روحت فين بس؟ ردت عليها إحدى النساء: -يا مدام اطمني، مدام الكاميرات ماسجلتش خروجهم من البوابة، يبقى أكيد هنا في النادي. قالت ببكاء: -بس أنا قلبي هايوقف من الخوف عليه.. خايفة ليكون جراله حاجة هنا كمان جوا النادي، دا مساحته كبيرة والأطفال ما بيفرقش معاها أي حاجة عشان تجربها. واستها المرأة الأخرى: -تفائلي يا مدام وخلي إيمانك بربنا كبير. -ونعم بالله.. أنا بس لو أعرف اختفوا إزاي كدة؟

وجهت السؤال نحو فجر التي أشاحت بوجهها عنها بصمت، وهي تتمنى الموت على أن يصيب الأطفال السوء. انتفضت فجأة على صرختها باسم طفلها وهي تنهض من مقعدها مسرعة. التفت فجر للأمام فوجدت عصام وهو يحمل الطفلين، ابنته وعبد الرحمن، الذي اختطفته والدتها لتعانقه بلهفة وشوق. -انت لقيتهم فين يا عصام؟ سألته فجر بعد أن استقامت واقفة، فأجاب هو بنبرة مرحة:

-لقيتهم تحت الطاولة مستخبيين يا ستي، في نفس المكان اللي كنتي بتلعبي فيه معاهم. العفريتة بنتي بقى حبت تعمل فيكي المقلب اللي بتعمله معايا على طول، وجرجرت ابن فاتن معاها يا عيني. -يعني كان مقلب من العيال وأنا شربته! قالتها بصدمة، لتسقط مغشيًا عليها بعد ذلك. *** بداخل السيارة التي يقودها، كانت نرمين جالسة في المقعد الخلفي مسندة رأس شروق الفاقدة للوعي على كتفها بسبب ما استنشقته.

-طب أنا كدة عملت كل اللي قلت عليا.. هاتنفذ وعدك بقى معايا ولا هاتخلي بيا؟ سألت، وكان رده بحماس: -اطمني يا نرمين.. هو آخرهم يوم ولا يومين بالكتير وهتسافري معايا بلد جديدة، أنا جهزت كل حاجة. -طب دي هاتعمل فيها إيه؟ وليه أصريت على خطفها أصلًا؟ لزمتها إيه معانا؟ سألته بالإشارة إلى شروق. رد هو بابتسامة ذئب وعيناه في المرآة عليها:

-هعمل نفس اللي عملته من عشر سنين يا نرمين.. وبعدها هي تختار بقى، تيجي معايا ولا تتحمل اللي هايحصل معاها. وفي الحالتين هابقى انتقمت من حسين سبب كل البلاوي اللي حصلت معايا.. ويبقى يوريني هايرفع راسه إزاي قدامي بعد كده بعد ما أكون علمت عليه.. مش قولتلك مدام خربانة يبقى أخد حقي صح. أومأت برأسها وهي تزدرد ريقها خوفًا منه ومن عقليته السامة. لقد تجاوز بفعله فكر الشيطان نفسه. بعد عدة دقائق سألته وهي تلف رأسها للخلف:

-على فكرة يا سعد، في عربية ماشية ورانا من ساعة ما تحركنا. -عربية إيه؟ وما قولتيش ليه من الأول عليها؟ -التاكسي اللي ورانا على طول دا يا سعد.. أنا بس مستغربة إنه ما فرقناش نهائي. دقق النظر في مرآته الخلفية إلى ما تشير إليه وهو يبطئ السير، فاحتدت عيناه بغضب وهو يزيد من سرعته: -دا مش تاكسي عادي يا بت الهبلة.. دا الواد مازن ابن صاحب الخبز جارنا راكب فيه.. أكيد شافنا ابن الـ... وفهم. شهقت عاليًا، مخضوضًا:

-يعني إحنا كدة متراقبين؟ انت بتقول إيه؟ الله يخرب بيتك وبيت سنينك ياشيخة.. دا...... إيه ده؟ قطع جملته وهو ينظر إلى السيارة التي ظهرت أمامه فجأة، ليتابع بهلع: -يا ولاد الـ...... دول عاملين عليا كماشة! هتفت بجزع هي الأخرى من الخلف: -تقصد إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة؟ -عربية علاء دي اللي جاية من بعيد علينا.. دا باين الزفت مازن بلغه. صاح بها وهو يضرب على وجنتيها بكفيه:

-يانهار أسود.. دا أنا كدة روحت في خبر كان.. أدهم مش بعيد يقطع من لحمي نساير لو عرف باللي حصل. مش كفاية إنه عرف بتاريخي معاك. -بطلي ندب بقى وسيبيني أتصرف أنا مش ناقصك.

قالها من تحت أسنانه وهو يفتعل حركة غير محسوبة بسيارته، حينما غير وجه سيرها للجهة العكسية متحديًا قوانين السلامة والمرور كي يفلت من الاثنين. مما جعل علاء يزمجر عليه بداخل سيارته مطلقًا وابلًا من الشتائم النابية نحوه. فزود سرعة السيارة هو الآخر وغير طريقه سيره للحارة الأخرى من الطريق كي يتمكن من ملاحقته. ومازن الذي توقفت سيارته بوسط الطريق، كان يتصل بإدارة المرور، بناءً على توجيهات علاء المتابع معه على الهاتف، مبلغًا عن الخاطفين وأوصافهم مع أرقام اللوحة الخلفية لسيارتهم وشكل المخطوفة.

*** فتحت سميرة باب شقتها متأففة من صوت الجرس المستمر بإزعاج وهي تهتف: -ما خلاص اديني وصلت عشان أفتح.. هو أنا كنت واقفة على الباب يعني؟ يانهار أسود البت جرالها إيه؟ قالت الأخيرة وهي تضرب على صدرها شاهقة حينما رأت ابنتها وهي مستندة بإعياء على جسد علاء الذي كان محاوطها بذراعه حتى لا تقع. ورد على سميرة: -مش وقته دلوقتي يا خالتي، خليني أدخلها الأول وأفهمك اللي حصل. -اتفضل يابني البيت بيتك.. هو انت غريب.

قالتها سميرة وهي تنزاح عن الباب بجسدها ليدلفا لداخل الشقة. غمغمت تدلف خلفهم: -أموت وأعرف بس المصايب مش سايبانا ليه؟ هو احنا كنا طلعنا القمر بس ولا إيه ياربي بس؟ قال بحزم: -احمدي ربنا يا خالتي، دا احنا ربنا نجدنا. ردت بريبة على كلماته: -الحمد لله يابني، بس هو إيه اللي حصل؟

بعد ساعة، كان المنزل صاخبًا بالأصوات الساخطة والعالية، بعد أن قص علاء جميع ما حدث من وقت أن أخبره مازن برؤية شروق ترفع مغيبة عن الواقع لداخل السيارة الغريبة، ثم ملاحقته هو لهم وبعض أفراد الشرطة، حتى يئس المجرمون فتركوا السيارة ومن بداخلها ليتمكنوا من الهرب. صاحت سميرة: -منه لله اللي يأذي الولايا.. بس انتي يابنتي إيه اللي يوقفك مع واحدة غريبة ومتلمتمة.. مخك راح فين بس؟

قبل أن تجيبها شروق وهي متلحفة بغطائها على الكنبة وسط الصالة داخل أحضان زهيرة، ألقت نظرتها نحو علاء الذي وصاها بعدم ذكر أسماء الخاطفين حرجًا من أبويها لما كان يمثله الاثنان بقربهم منه ومن عائلته. فردت بصوت ضعيف: -معلش يا ماما.. هي كانت غلطة وربنا ستر. شددت عليها زهيرة: -ألف حمد وشكر ليك يارب إنه نجاكي.. حد عارف ولاد الحرام دول من أنه بلد. تكلم شاكر بغضب:

-بس أنا مش هاستريح ولا يهدالي بال غير لما يتقبض عليهم ولاد الـ...... دول.. هي سرقة بنات الناس وفي وسط الشارع كدة هينة؟ دول باينهم فجرا ولاد الـ...... ازدرد علاء ريقه الذي جف وانسحبت الدماء من وجهه وهو يومئ برأسه. وبداخله يتمنى الأرض أن تنشق وتبتلعه ولا أن يعرف شاكر الحقيقة. أجفل على صوت أبيه الثائر وهو يدلف لداخل المنزل:

-وشرفي أنا ما هاسكت على اللي حصل ده.. مش مرات ابن الحج أدهم المصري اللي يتعمل معاها كدة.. هي العيال دي خابت ولا إيه؟ تركه علاء يلقي بكلماته الغاضبة وهو يرمقه بصمت في انتظار انتهاءه من مناقشاته معهم، ثم طلب منه الجلوس على انفراد في شقته بعيدًا عن الجميع. *** -يا ولاد الحرام. قالها أدهم وهو يشتد بجلسته على المقعد، وقد ارتسم الذهول مشوبًا بالغضب على وجهه. فتابع:

-ما اتصلتش بيا ليه وقتها عشان ألحقك أنا والرجالة ونعرف نجيبهم ولاد الـ...... دول؟ دا أنا كنت عاجنتهم عجن. رد علاء وهو مستند بوجنته على أطراف أصابعه بسأم: -هو دا كل اللي هامك.. إنك تمسكهم وتعجنهم! مش هامك منظرنا قدام الناس لما يعرفوا إن الحركة الواطية دي عملها صاحب ابنك ومراتك انت معاه؟ -يعني هانعمل إيه بس؟ ماهو دا حظنا بقى إننا وقعنا مع ولاد حرام. قالها أدهم وهو يزفر بتعب وإحباط. فقال علاء وهو ينظر أمامه بشرود:

-أنا كنت في نص هدومي دلوقتي وأنا وسط الجماعة وهما بيسألوني لاكون شفت الخاطفين.. حمد لله شروق التزمت بوعدها معايا وما اتكلمتش.. بس القضية شغالة وأنا معرفش هقدر أخبي لحد إمتى؟ تفاجأ بكف أبيه وهو يربت على ركبته بدعم يقول: -هون على نفسك يابني.. شاكر عاقل وأنا متأكد إنه لو عرف الحقيقة هايتفهم الوضع وهايقدر.. المهم انت عرفت إزاي في وقتها؟ تنهد بعمق وهو يرد: -لا يلدغ المرء من جحر مرتين.. أنا سهيت مرة، ولا يمكن أكررها تاني؟

أما أشوف التانية كمان ظروفها إيه. غمغم الأخيرة بصوت خفيض لا يصل إلى أبيه، مع زحمة من الأفكار والمخاوف تكاد أن تعصف برأسه. ***

في طريق عودتها إلى البيت بعد أن استفاقت جيدًا من مقلب الأطفال، أصر عصام على توصيلها بسيارته، مع استحالة أن يرافقا فاتن. كانت جالسة في المقعد الخلفي بجانب الطفلة التي كانت تلهو ببرائة معها، وهي غير قادرة على الاندماج، بسبب انشغالها في موقف علاء الذي تجاهل كل مكالماتها في الساعات الأخيرة بعد أن أخلفت بوعدها معه وتأخرت في العودة للمنزل. أمسكت بالهاتف مرة أخرى تحاول الاتصال، ولكنه كالعادة أغلق الاتصال دون رد.

زفرت بإحباط وتمتمت: -استغفر الله العظيم.. أكيد هايعملي فيها موضوع كبير. -أنت كنتِ بتكلميني يا فجر؟ سأل عصام مما جعلها تخرج من شرودها وردت بالنفي: -لا لا أنا بس افتكرت حاجة كدة وطلع صوتي من غير ما أحس.. ما تاخدش في بالك انت. قال ضاحكًا: -ليكون افتكرتي مقلب النهاردة ولا حاجة.. دا إحنا شيبنا من الخوف لما اغمى عليكي.. واحنا كنا يدوبك كنا بناخد نفسنا برجوع الولاد. تغضنت ملامحها وهي تتذكر، فقالت بسأم:

-والنبي ما تفكرني.. دا أنا لسة لحد الآن مش قادرة ألم على جسمي من الخضة.. أنا في حياتي ما اتعرضت لموقف زي ده. ضحك من قلبه بصوت عالٍ وهو يرد: -بصراحة أنا عاذرك.. هي حاجة صعبة فعلًا.. بس أنا أعمل بقى في بنتي؟ أصلها طالعة شقية زي أبوها.. انتي ماشوفتيش هي كانت ماسكة في الواد إزاي؟ ابتسمت لدعابته وردت: -ماهو عبد الرحمن كمان قمور.. عندها حق تعجب بيه. -انتِ هاتقوليلي.. ماهو جميل زي والدته دي بقت بطل.. آسف يا فجر متأخذينيش.

لم تستطع منع ضحكاتها وهي تشيح بوجهها عنه، مما جعله يبتسم بحرج. *** حينما عادت أخيرًا لبنايتهم وصعدت الدرج، تفاجأت بعلاء وهو يحتل الدرجة الأخيرة أمام شقتهم، مشبكًا كفيه وينظر نحوها بتحفز، وكأن سبب جلسته الغريبة هذه هو انتظارها. -انت قاعد كدة ليه؟ طب والسكان اللي طالعة ونازلة بيعدوا إزاي؟ سألت باندهاش، وكان رده باقتضاب: -مستنيكي. صعدت الدرجات الباقية نحوه وهي تسأل: -طب ما أنا كنت بتصل بيك ماردتش عليا ليه؟

زفر مطولًا قبل أن ينهض مفسحًا لها الطريق وهو يتحرك نحو شقته يقول: -تعالي عايزك الأول قبل ما تدخلي بيتكم. ردت مزبهلة وهي تراه يفتح بالمفتاح باب شقته: -أجي عندك إزاي؟ والظاهر كدة إن خالتي زهيرة مش موجودة في البيت جوا. ألقى نحوها نظرة مخيفة وهو يدفع بيده الباب: -وافرض الشقة مافيهاش حد غيرنا، تفتكري أخلاقي تسمحلي إني استغل الوضع حتى لو كنتِ مراتي. أطرقت رأسها في الأرض بخزي منه. وهو تابع:

-خالتك زهيرة قاعدة عندكم في الشقة جوا.. والموضوع اللي أنا عايزك فيه ما يستناش. بدون تفكير تحركت لتدلف معه الشقة، رغم تخوفها الكبير من هيئته. *** -بتقول إيه؟ صرخت بها بأعين جاحظة بهلع، لتكمل وهي تهز رأسها بغير تصديق: -لا انت أكيد بتهزر صح؟ مش معقول يكون كلامك دا جد؟ مال برأسه مضيقًا عينيه قائلًا بنبرة متهكمة: -يعني هو دا كلام ينفع أهزر فيه؟ بزمتك انتِ تعرفي عني كدة؟ هتفت باكية: -يانهار أسود.. يعني أنا أختي اتخطفت صح؟

-أيوه صح، ولولا إني مشغل حد يتابعها ويجيبلي أخبارها، ماكنتش أنا هقدر أوصل في الوقت المناسب عشان أنجدها من إيد ولاد الـ...... دول. -انتي مخلي ناس تراقب أختي؟ قالت بعدم تصديق، وهو اقترب منها يؤكد: -أيوه يا فجر.. أنا مشغل ناس تراقب شروق من ساعة اللي حصل مع سعد، وأنا مابقيتش ضامن أي حركة غدر ولا خسة منه.. زي ما بالظبط مشغل ناس تراقبك انتِ كمان عشان ماضمنش إنه يمكن يأذيني فيكي! فغرت فاهاها وهي تستوعب كلماته، وقبل أن

تنطق ببنت شفاة وجدته يسأل: -مين الست اللي دخلتي معاها النادي النهاردة يا فجر وقعدتي فيه اليوم بطوله عشان تخرجي بعدها مع عصام يوصلك في عربيته؟ ارتدت للخلف مجفلة وهي تشعر كأن عقلها أصابه الشلل، وما عادت قادرة على اختلاق كذبة ترد بها. فقالت بتعلثم: -دي واحدة صاحبتي ااا.. اصرت تاخدني معاها النادي، وو عصام اا.. قابلته هناك بالصدفة واصر يوصلني معاه في سكتة.. بس كدة. أومأ برأسه يمط شفتيه: -بس كدة!! طب الست دي اسمها إيه؟

هتفت بدفاعية: -وانت مالك انت باسمها؟ ما أنا قولتلك إنها واحدة صاحبتي، ولا هو تحقيق وخلاص. -لا مش تحقيق يا فجر.. بس أنا لما ألاقي خطيبتي أو مراتي بمعنى أصح بتكذب وتألف قصص وتتأخر بسبب ست بتقابلها في الخفاء، يبقى أنا لازم أعرف الست دي صفتها إيه عندك؟ ولا انتِ نسيتي لما قولتي الصبح إنك في زيارة لواحدة عيانة اسمها نور وانتِ بتكلميني من قلب النادي. سقطت على المقعد خلفها بانهيار ولسانها انعقد عن الرد، وكأنها فقدت النطق.

فتابع هو: -براحتك يا فجر.. على العموم الست دي أنا بقى عندي عنوانها، وبكرة هسأل وأعرف اسمها.. وإن حصلت أروح لها البيت وأحذرها من أذيتك هاعملها ومش هايهمني.. يبقى من الأحسن إنك تتكلمي انتِ من نفسك. -اسمها فاتن. صرخت بها بانهيار. قطب حاجبيه يسألها بتفسير: -إيه؟ بتقول إيه؟ مسحت بيدها دمعة فرت على وجنتها، فقالت بقوة: -بقولك الست اسمها فاتن.. ولا انت مش فاكر فاتن؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...