كان سؤاله الذي نبه كل إشارات الحذر لديها. جعلها تنتصب في وقفتها، فتوقف تدفق دمعتها وهي ناظرة إليه بشراسة، مع تحفز كل خلية بجسدها نحو هذا الغريب الذي اقتحم خلوتها عن عمد. وها هو الآن يسألها بكل جرأة عن أشد أسرارها خطورة، هذا بالإضافة لسؤاله منذ البداية عن غريمها الأصلي علاء! خرج صوتها المتشنج وهي تسأله بقوة: -انت مين؟ لم تجفله هيئتها الجديدة، فقال بهدوء:
-أنا عصام الوالي، ابن الدكتور أكرم الوالي، مدير المستشفى اللي إحنا واقفين فيها دلوقتي. هتفت بحدة: -أنا مش عايزة أعرف اسمك، أنا عايزة أعرف... إنت إيه علاقتك بعلاء بالظبط؟ وتعرف فاتن وشبهنا إحنا بيها إزاي؟ مالت زاوية فمه بابتسامة ساخرة قبل أن يقول: -إنتِ مش ملاحظة إنك بتكرري نفس سؤالي ليكي بس مع فرق الصيغة؟ برقت عيناها أكثر مع ارتجاف جسدها الغاضب، فقالت وهي تجز على أسنانها:
-اسمع يا جدع إنت، أنا ما عنديش مقدرة على تحمل برود أعصابك ده وإنت بتكلمني عن أعز إنسانة عندي، وكأنك كنت تعرفها هي شخصيًا! جاوب عليا وقولي إنت مين؟ خرج سؤالها الأخير بصرخة جعلته يتخلى قليلًا عن ثباته المستفز، فقال: -أنا كنت صاحب علاء، وأعرفها هي زي ما كنت بعرف كل أهل الحارة عندهم. ده كان قبل ما تتقطع كل علاقتي بيه وأسافر على إنجلترا وأكمل تعليمي هناك. -بس؟
شعرت بارتباكه الملحوظ بعد سؤالها المختصر بكلمة واحدة، في لغة جسده المتوترة وشحوب وجهه الوسيم، فقال: -أظن أنا كده قلتلك على علاقتي بعلاء ومعرفتي بفاتن، جه الدور عليكي بقى عشان تقوليلي عن علاقتكم بيها. ضيقت عيناها قليلًا وهي تنظر إليه بتفكير، وكأنها غير مقتنعة بإجابته أو تشك بقوة أنها ناقصة بحقائق مهمة. خرج صوتها أخيرًا فقالت باقتضاب: -سر الشبه الكبير ما بينها وبين أختي، هو إنها تبقى بنت عمتي. تحركت فورًا لتستدير عنه،
فأوقفها بسؤاله المتلهف: -طيب هي فين دلوقتي؟ وإيه أخبارها؟ عادت مرة أخرى تحدق بعينيها إلى عينيه ذات اللون البني الفاتح، فقالت: -ما عادتش في أخبار عنها خلاص، فاتن ميتة بقالها سنين كتير، ميتة من يجي 11 سنة. هل هذه صدمة التي ظهرت جلية بشكل مخيف على ملامح الرجل، أم أنه تأثر بخبر موتها؟ لم تريد معرفة الإجابة، فقد استدارت مغادرة وتركته متسمرًا مكانه وكأنه تمثال حجري لا تبدو عليه أية مظاهر للحياة. ***
حينما عاد إلى منزله وفتح الباب ليدلف داخله. خطى بهدوء متعمدًا عدم إصدار صوت حتى لا يوقظ والدته، فترهقه بأسئلتها وهو لم يعد به طاقة، فيكفيه ما تلقاه من سعد منذ قليل. تمشى بهدوء حتى وصل لباب غرفته، فاتفاجأ بصوتها يهتف من خلفه: -إنت جيت من إمتى يا علاء؟ تدلت أكتافه بإحباط وأغمض عيناه قليلًا قبل أن يغتصب ابتسامة على وجهه وهو يلتفت لوالدته الجميلة.
التي تقدمت نحوه بابتسامة غابت عنها طويلًا ووجه مشرق وكأنها عادت بالزمن سنوات للخلف، فقالت بمشاكسة: -ماشي كده بتتسحب وداخل على أوضتك على طول؟ هربان من حاجة يا ولا؟ مال بوجهه ينظر إلى حيويتها وهي تسير بخطواتها المتعثرة قليلًا، فقال: -إيه يا قمر إنتِ؟ عيني باردة عليكي النهاردة. فور أن اقتربت منه جذبته من ياقة قميصه، تطبع قبلة حنونة على وجنته. فقالت بتمني: -عقبالك إنت كمان يا حبيبي. ارتفع حاجباه فقال بمرح: -إيه ده؟
هو لحق يقولك؟ أما صحيح، اللي يتبل ما يتبلش في بقه فول. لكزته على ذراعه بقبضتها الضعيفة بعتاب: -بس يا ولا، ماتقولش كده على أخوك، ده فرحان والفرحة مش سايعاه، بعد ما اختار اللي شاور عليها قلبه، اتاريها كانت منمرة عليها وعاملة فيها ساهي، مش زيك خايب. خرجت ضحكته بدهشة: -أنا خايب برضه يا أم علاء؟ طب ليه الغلط ده بس؟ ده أنا حتى حبيبك.
-أيوه إنت حبيبي بس خايب برضه، عشان أنا عايزة أفرح بيك وأشيل عيالك وإنت ولا سائل، هاتعرف تعمل كده بقى زي أخوك؟ اللي عملهالي مفاجأة وخلت قلبي كان هايوقف من الفرحة. قال بحنان وخوف: -بعد الشر عليكي وعلى قلبك يا ست الكل، إن شاء الله أنا كمان أفرحك زيه. قالت بإلحاح: -طب أوعدني يكون قريب. تبسم بمرح من دلال والدته، فقال برجاء: -بس إنتِ ادعيلي من قلبك والنبي. -داعيالك يا حبيبي من كل قلبي تاخد اللي في بالك، وتحبها وتحبك.
بعد سماعه لهذه الدعوة الجميلة، دنا بجسده إليها لينعم بحضنها الأمومي، وقد أسعده مقصد الدعوة كثيرًا، كثيرًا جدًا. *** في اليوم التالي. كان موعد عودة إبراهيم إلى منزله، بعد أن اطمئن الأطباء على استقرار حالته، فصرحوا له بالخروج. ذهب شاكر مع علاء الذي أصر لإيصاله والعودة بإبراهيم داخل سيارته الفارهة، حتى أنه تولى مهمة حمله، صاعدًا به درجات السلم إلى شقتهم.
كانت شروق هي من استقبلتهم بابتسامتها المعهودة، مخيبة ظن علاء الذي كان يُمني نفسه برؤية شقيقتها. دلف بإبراهيم إلى داخل الشقة حتى وصل غرفته، فوضعه بخفة وحرص شديد على سريره. -بسس كويس أوي كده، ربنا يحرسك لشبابك يا حبيبي. تعبناك معانا. استقام بجسده وهو يرفع نفسه، فقال بمزاح ردًا على كلمات سميرة: -على إيه بس يا خالتي؟ ده حتى إبراهيم خفيف في الشيلة ومش تقيل يعني. رد عليه إبراهيم بمشاكسة:
-طبعًا يا عم، وإبراهيم هايجي إيه بس في شيل الأوزان الثقيلة اللي بتربي بيها عضلاتك. -يا ولد.. وإنت بقى مركز وواخد بالك؟ -وهي محتاجة تركيز يا معلم علاء؟ دول بارزين من الهدوم لوحدهم وكأنهم بيعلنوا على نفسهم. ضحك ثلاثتهم، فانضم إليهم شاكر الذي دلف متسائلًا: -إيه يا جماعة بتضحكوا على إيه؟ -ولا حاجة يا عم شاكر، أصل إبراهيم بيقرأ على عضلاتي. -بيقرأ ليه بس؟ بكرة يكبر ويربي أحسن منهم.
قالتها زهيرة وهي تدلف فجأة إليهم لداخل الغرفة. تقدمت نحوها سميرة، هاتفة بمودة: -أم علاء.. تعبتي نفسك ليه بس وجيتي؟ بادلتها المصافحة قبل أن تقترب من إبراهيم قائلة: -تعبت إيه بس ياختي؟ ده أنا كان نفسي أروح المستشفى وأطمن عليه بنفسي. -وأنا اللي مانعتها، ماتزعلوش مني يا جماعة، إنتوا عارفين اللي فيها. قالت سميرة: -ونزعل ليه بس يا بني؟
ربنا يشفي عنها يا رب، هي حمل خروج ولا تعب، وإحنا أهل وحبايب ما بينا بعضينا، يعني ماندوقش. قالت زهيرة بابتسامة راضية: -تعيشي يا حبيبتي وتسلميلي. وإنت بقى يا عريسنا الحلو.. عامل إيه النهارده؟ وجهت الأخيرة لإبراهيم الذي بادلها الابتسامة في قوله: -الحمد لله أحسن من الأول يا خالتي. -الحمد لله يا حبيبي.. أمال فين البنات أخواتك حبايب قلبي دول؟ عايزة أسلم عليهم يا سميرة. *** دلت مقتحمة الغرفة عليهم هاتفة بانزعاج:
-إيه يا عنيا إنت وهي؟ لازقين في الأوضة كده ليه ومستخبيين؟ ردت شروق التي كانت تمشط شعرها أمام المرآة: -أنا مش لازقة ولا حاجة يا ماما.. أنا بس بوضب نفسي على الخفيف كده عشان ما أطلعش بشعري منعكش ولا لابسة حاجة مش تمام.. دي مهما كان برضه هتبقى إن شاء الله حمى المستقبل، والواحد لازم يخلي باله. -آه ياختي عندك حق.. طب وإنتي يابرنسيسة.. مش ناوية تخرجي برضه وتسلمي على الست؟ قالت الأخيرة لفجر التي كانت تلعب في هاتفها.
فردت بعدم اكتراث: -وأخرج لها أنا ليه؟ طب دي هتبقى حماتها.. أنا بقى إيه دخلي؟ تغضن وجه سميرة بالغضب وهي تهتف على فجر بصرامة: -فجر.. إنتي مش شايفة إنك مزوداها؟ هو فيه إيه بالظبط؟ أجفلت فجر من هيئة والدته المتحولة، فقالت بتوتر وهي تترك الهاتف سريعًا من يدها وتنهض عن مقعدها: -هايكون فيه إيه بس يا ماما؟ أنا بس مخنوقة ومش عايزة أخرج ولا أشوف حد. قالت سميرة بحزم:
-اسمعي أما أقولك يا بنت.. إنتِ لما كنتي رافضة تروحي للست بيتها في تعبها أو حتى تباركيلها على المحل الجديد.. أنا ما غصبتكيش. لكنها بقى مدام الست وصلت هنا بيتنا.. يبقى ملزوم عليكي تخرجي وترحبي بيها، مفهوم؟ قالت تجادلها: -طب ده بالنسبة للست.. لكن بقى اللي اسمه علاء ابنها ده كمان.. أنا بصراحة مش طايقاه. -وإنت مالك بعلاء؟
تحبيه تكرهيه إنت حرة مع نفسك.. لكن بقى يا حبيبتي.. الأصول لازم تمشي.. واجب الضيافة لازم يمشي.. يعني مش كل حاجة على مزاجك.. سامعاني كويس؟ أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة. فالتفتت والدتها نحو شروق قائلة: -وإنتي كمان.. اخلصي في لبسك واستعجلي في الخروج.. جاتكم القرف. بصقت كلماتها وخرجت تصفق الباب خلفها بقوة على الفتاتين. *** بعد قليل خرجت مضطرة إليهم في صالة المنزل.
كانوا جالسين والدتها على مقعد وحدها، وعلى الأريكة أمامها كانت المرأة البيضاء ذات العيون الملونة بجوار شروق التي سبقت في الخروج إليهم. تداعبها وتتحدث معها بفرح. وفي الجهة الأخرى كان أبوها والمدعو علاء، الذي ارتفعت عيناه إليها فور خروجها من الغرفة. جالسان على أريكة وحدهم. حينما اقتربت منهم رحبت برزانة: -السلام عليكم. لم تعِ جيدًا من رد خلفها التحية، وذلك لأن المرأة وقفت إليها تستقبلها بفرح وهي تجذبها من يدها بتبسط:
-يا حبيبة قلبي إنتِ أخيرًا شوفتك. استسلمت مجفلة لقبلات المرأة على وجنتيها وعناقها لها. هزت برأسها تستجيب على مضض مع المرأة التي كانت تتفحصها جيدًا عن قرب بعينيها: -بسم الله ما شاء عليكي.. ده إنتِ قمر إنتِ كمان.. أنا المرة اللي فاتت كنت تعبانة وملحقتش أتحقق من جمالك يا حبيبتي. أومأت برأسها وهي تنزع نفسها عن المرأة بلطف قائلة: -شكرًا يا طنط.. شكرًا على ذوقك. -بتشكريني على إيه بس يا حبيبتي.
همت لتغير وجهتها في السير، ولكن نبرة والدتها وهي تأمرها أمامهم بنظرات محذرة فهمتها وحدها: -سلمي على علاء يا فجر. تمتمت تشتم بداخلها وهي تتقدم نحوه. وقد نهض عن مقعده واقفًا باحترام ليصافحها. حينما أطبقت كفه الدافئة كفها الصغيرة والباردة، كانت تنوي انتزاعها في الحال، ولكنه أجفلها بضغطه الخفيف عليها لترفع عيناها إليه ناظرة لعينيه بتساؤل. قال هو بصوت أجش وقد غابت عن وجهه التسلية المعتادة وحل محلها مشاعر أخرى غامضة عليها:
-دي أول مرة نتعرف بجد.. أنا تشرفت بيكي يا آنسة فجر. أومأت بعينيها وهي تنزع يدها لتستدير وتعود لغرفتها، ولكنها أجفلت مرة ثانية عندما جذبتها والدته لتجلسها بجوارها من الناحية الأخرى، فتحيط الاثنتين بذراعيها. -اقعدي يا حبيبتي هنا معايا زي أختك.. ربنا يفرحني بيكي إنتِ كمان عن قريب يا رب. حينما رفعت عيناه فجر ولمحت نظرة زهيرة وهي تنتقل بحالمية منها وإلى ابنها المبتسم أمامها، عرفت ما يدور بعقل المرأة جيدًا!! ***
بملامح متجهمة وقفت أمام المرآة تعدل وشاحها الحريري لتغطي به شعرها بعد أن ارتدت عباءتها السوداء الغالية. رمشت عيناها مجفلة من صوته الذي صدح خلفها فجأة وهو خارج من حمام غرفته. -إيه يا حلوة؟ إنتِ لحقتي تغيري وماشية؟ زمت شفتيها امتعاضًا ولم ينطق لسانها بكلمة. مال إليها برأسه فقال بخشونة: -ما بترديش ليه يا بت؟ القطة أكلت لسانك؟ التفت إليه بنيرانها فخرج صوتها الحانق: -إنت مش خدت اللي إنت عايزه خلاص.. عايز مني إيه تاني بقى؟
أمسك ذراعها فجأة فباغتها أن لفه خلف ظهرها. وقال وهو يجز على أسنانه: -حِسِك ده ما يعلاش عليا يا عين أمك.. ولا إنتِ العيشة المريحة ولا الأكل الحلو نسوكي نفسك ونسوكي إن أنا السبب في ده كله. قالت بألم: -سيبِ إيدي يا سعد أنا ما غلطتش فيك.. عشان تذلني وتكسر نفسي كده. ضغط أكثر ليزيد من ألمها ونبرته ازدادت حدة:
-ما قلتليش بلسانك.. لكن أنا حسيتها بفعلِك وإنتي قرفانة من لمستي.. وبتعدي الثواني عشان تهربي من خلقتي.. ولا إنتِ فاكراني ما بفهمش طريقتك دي يا بت. قالت برجاء مع هذا الألم المتزايد: -حرام عليك يا سعد دراعي هاينكسر في إيدك. تركها فجأة فارتدت للخلف تدلك ذراعها وهي تتابع: -إنت ليه مش حاسس بالوضع اللي بقيت فيه دلوقتي؟ أنا ما عدتش فاضية زي الأول.. أنا بقيت ست متجوزة. ابتسم بزاوية فمه قائلًا بسخرية وهو يتقدم ليجلس على التخت:
-فرقتي إيه يعني عن الأول؟ بقيتي محترمة مثلًا؟ ارتسم الألم جليًا على وجهها وهي تكبح بصعوبة دمعة احتجزت داخل مقلتيها. فقالت: -إنت مش ملاحظ إنك مصمم على جرحي من أول ما جيت؟ وكأنك بتنتقم مني في ذنب أنا ما عملتوش. أشاح بوجهه عنها وهو يتناول سيجارة من علبته ويضعها في فمه ليشعلها بقداحته بعد أن شعر بنصل كلماتها وقد أصابه في الصميم. ظلت صامتة تنظر إليه وهو ينفخ دخان سيجارته في الهواء أمامه. فقالت:
-شكلي كده قلت الحقيقة.. عشان تعرف بس إني فاهماك كويس. نظر إليها بازدراء قائلًا: -إنتِ مش كنتي عايزة تمشي.. ما تجري عجلك بقى واخلصي.. مستنية إيه؟ تحركت بتمهل تتناول حقيبتها وتتحرك للخروج، وفور أن وضعت يدها على مقبض الباب. أوقفها قائلًا: -استني عندك. التفتت إليه بكليتها مجيبة: -نعم عايز إيه؟ -حسين ابن جوزك.. خطب البت جارة أخوه علاء ولا لسه؟ أجابته رغم دهشتها:
-بكرة إن شاء الله رايحين يتقدموا رسمي ويتفقوا على حفلة خطوبة قريب. شاح بوجهه يصرفها من تحت أسنانه: -خلاص غوري. لوت شفتيها قائلة بتهكم: -يا ريت بس نظرة القرف اللي شايفاها في عينك دي.. تمنعك ما تتصل بيا تاني ولا تطلبني أجلك غصب عني.. حل عني بقى يا أخي عايزة أعيش. تمتمت الأخيرة بصوت بطيء وهي تفتح الباب فخرجت من الغرفة والشقة نهائيًا. تاركة إياه ينظر في أثرها عاقد الحاجبين بملامح غاضبة لا تنبئ بخير. ***
في المساء وبداخل غرفتها كانت جالسة على التخت مع صديقتها العزيزة سحر، والتي كانت تضحك دون توقف. أثارت استياء فجر وهي تهتف عليها: -ما كفاياكي بقى يا سحر.. إنتِ مش ناوية توقفي في يومك ده النهارده؟ -هههههه مش قادرة أتخيل منظرِك يا فجر وإنتي زي الفار المبلول وسطهم.. أمك تبحلقلك من ناحية والست وابنها يرسموا عليكي من ناحية. صاحت بها فاقدة التحكم: -ده بعيونهم دول كمان.. قال يرسموا عليا قال. توقفت ضحكها
وهي تغمز بعينيها بمشاكسة: -بس الواد حلو أوي يا فيفي.. ويستاهل التفكير بصراحة. هبت ناهضة عن الفراش قائلة بغضب: -الكلام ده ما فيهوش هزار يا سحر.. ماتخلينيش أزعل منك.. مش كفاية الحصار اللي بقيت حاسة بيه منهم.. وهما فارضين نفسهم علينا بالعافية وكأنهم بقوا جزء من عيلتي. قالت سحر بيأس: -للأسف يا فيفي هما فعلًا بقوا جزء من عيلتك من ساعة ما والدك وافق بالنسب معاهم. -إلا أنا. قالتها بمقاطعة وتابعت:
-مهما حصل يا سحر.. أنا لا يمكن أستسلم للناس دي وأنسى اللي أذوني في أعز واحدة كانت على قلبي.. لا يمكن هانسى عذابها قبل ما تسيب الدنيا خالص وتموت بسببهم. لا يمكن. قالت سحر مغيرة دفة الحديث لتخرج صديقتها من دوامة ذكريات لجروح قديمة لم تشفِ منها أبدًا رغم مرور السنوات. -صحيح يا بت فجر.. كان شكله إيه الراجل ده اللي قلتي عليه امبارح؟ -راجل إيه؟ -الراجل مدير المستشفى.. إنتي نسيتيه؟ همت لتجيب ولكنها أجفلت على صياح
والدتها وهي تهتف عليها: -بت يا فجر.. تعالي هنا بره الأوضة عايزاكي.. اسحبي معاكي مقصوفة الرقبة سحر وهاتيها. شهقت سحر مندهشة: -أنا مقصوفة رقبة! -اخلصي يا بت.. تعالي إنتِ وهي. -يانهار أسود.. هببتي إيه يا سحر؟ دي أمي عمرها ما عملتها. نهضت عن التخت متمتمة: -والنعمة ما عملت حاجة.. يكونش زعلت عشان سيبت أمي معاها لوحدها! *** حينما خرجت الاثنتان للصالة القريبة.
وجدن سميرة جالسة على إحدى المقاعد وعيناها المشتعلة مسلطة عليهم تطلق شرارات حارقة بوجههم. بجوارها كانت رجاء حاجبة وجهها بين كفيها وجسدها يهتز كأنها تبكي بحرقة. -هو فيه إيه؟ ومالها خالتي رجاء؟ كان سؤال فجر التي تجاهلتها والدتها وهي تطلق سهامها تجاه سحر مباشرة: -مش موافقة تراضي أمك ليه يا بت؟ أجابت سحر بإجفال: -ها.. أنا يا خالتي سميرة؟
-أيوه إنتِ.. يعني عشان مدرسة وكلمتك ماشية يبقى بقى تتكبري بقى على والدتك وما ترضيهاش في حاجة تافهة زي دي. تابعت تنظر ببلاهة لوالدتها التي كانت تجفف دمعتها بمحرمة ورقية وسميرة التي أكملت بغيظ: -بت يا سحر.. إنتِ زيك عندي زي الزفتة اللي واقفة جمبك دي. يبقى كلمتي أنا تمشي عليكي ولا لأ. هزت برأسها بحركة غير مفهومة وهي تمتم: -أكيد تمشي يا خالتي سميرة.. بس أنا مش فاهمة حاجة. صاحت عليها بحزم:
-عنك ما فهمتي.. إنتِ تروحي البيت مع أمك دلوقتي تحضري هدومك وبكرة الصبح تسافري معاها على البلد عدل.. سامعاني.. ولا إنت عشان أمك غلبانة هاتحطي عليها؟ تلجم لسانها عن معارضة سميرة وهي تحدق بوالدتها التي تنظر إليها ببرائة. فهمست بداخلها وهي تعض على لسانها غيظًا: -بقى دي غلبانة دي؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!