جالسًا محله على إحدى المقاعد المخصصة للزوار في المشفى.. من وقت أن سمع الخبر وأتى إلى هنا بخطواتٍ مسرعة بجوار غرفة العمليات منتظرًا. وهو على وضعه هذا.. منكمش على نفسه بالمقعد الذي يبدوا وكأنه التصق به.. فلم تقوى أقدامه على حمل جسده.. يبتلع في ريقه الذي جف من الخوف وهو يردد بلسانه الآيات والأدعية.. علّها تساعده على الثبات وفك الكرب.
شعر بكف العم شاكر وهي تطبق على كتفهِ بمؤازرة.. فالقى نحوه نظرة خاوية قبل أن ينقلها سريعًا نحو محبوبته الجالسة أمامه بصف آخر للمقاعد بقلبٍ ملتاع وحزين تؤازر هي الأخرى شقيقتها التي لم تجف دموعها بعد من وقت أن استفاقت من غشيتها وتحاملت على نفسها كي تأتي معهم إلى هنا.
نقلت فجر أنظارها نحوه والتقت عيناها بعينيه.. فاَلمتها هذه النظرة الضائعة منه لها. ودت من قلبها لو استطاعت معانقته للتخفيف عنه في هذا الحدث الجلل وطمأنته أن كل هذا سيمُر وسيصبح كل شيءٍ بخير. "علاء يابني أخوك ماله؟ صدحت بصوتٍ عالي بعض الشيء ومرتعش رغم خشونته من قلب للممر.. انتقلت نظرات الجميع على صاحب الصوت والذي كان أدهم المصري. يتقدم نحوهم بخطواتٍ مثقلة و بملامح جزعة وكأنه ازداد في العمر سنواتٍ أخرى. يسير بجواره سعد!
وهو يدعي مراعاة الرجل من السقوط. نهض شاكر عن مقعده يتلقف صهره من يده ليجلسه ويطمئنه. "إطمن ياحج أدهم إن شاء الله خير." رد أدهم برجاء وهو يستسلم لسحب شاكر نحو الجلوس على أقرب المقاعد أمامه. "ابني ماله ياشاكر.. أبوس إيدك تقولي الحقيقة." شدد شاكر على ذراعه وهو يجلسه. "ياسيدي طمن قلبك هو بس دلوقتي في أوضة العمليات والدكاترة إن شاء الله يلحقوه."
نظر إليه أدهم بأعين ملتمعة وكأنه يلتمس منه الصدق قبل أن يتجه نحو ابنه الجالس بالقرب منه يخاطبه بتوسل. "أخوك هايبقى كويس يا علاء صح.. حسين جدع ومش هايرضى إنه يزعلني ولا يتعب قلبي بالقلق عليه." أومأ له علاء برأسه صامتًا لا يقدر على النطق ولو بكلمة قبل أن يرفع عينيه نحو سعد الذي ربت بكفه على كتفهِ بمؤازرة. أومأ له برأسه وعاد ليطرق برأسه للأسفل وعاد لانكماشه.
تنهد سعد بصوتٍ عالي يدعي الأسى وهو يجلس بجواره هو الآخر صامتًا يواكب الحدث. وجدها أمامه جالسة بجوار شقيقتها.. تبكي بحرقة وجهها الجميل البيضاوي مرقط بالإحمرار من أثر البكاء.
تنهد بداخله وهو يتساءل عن فرصته معها الآن وقد أوشك غريمه على الانتهاء. لقد رأى بنفسه حطام السيارة التي دهسها بالسيارة ذات الحمولة الثقيلة. مشهدها ينبئ باستحالة نجاة من بداخلها. إنه حتى لا يدري كيف تمكن من التصرف بهذه السرعة. إنه لم يوقفهم وحسب.. لقد قضى عليهم جميعًا وضرب ٣ عصافير بحجر واحد. ولكن مهلًا.. لماذا يشعر أن هناك شيء غير مظبوط!
استفاق من نشوته وهو يتذكر كلمات علاء الذي هاتفه باستغاثة لكي يخبر والده بخبر حادث شقيقه مع الملعون حودة.. لعدم قدرته هو على الكلام ومواجهة صدمة أبيه. ولكنه لم يذكرها! هل خجل أم تناسى ذكرها أمامه؟ ابتلع ريقه بتوتر وقد اكتنفه شعور بعدم الراحة. نهض فجأة معتذرًا من جوارهم. وذهب فورًا نحو استعلامات المشفى. وقف أمام الفتاة المنشغلة بالرد في الهاتف. يطرق بقبضته على الخشب المثقول لتنبيهها. "لو سمحتي يا آنسة."
أشارت له بيدها لينتظر ولكنه ازداد طرقه بعصبية. "لو سمحتي بقى أفضيلي." حدقت إليه الفتاة بحدة وهي تزيح على الهاتف عن إذنها. "نعم يا حضرة عايز إيه؟ "عايز أعرف عدد المصابين في حادثة حسين أدهم المصري؟ نفخت الفتاة بنزق وهي تتناول الدفتر أمامها تبحث. ثم ما لبثت أن ترفع رأسها قائلة. "هما اتنين بس اللي دخلوا المستشفى من الحادثة دي.. واحد متوفي والتاني دخل العمليات فورًا بأمر الدكتور عصام اللي شافه أول واحد." رد بدهشة.
"الدكتور عصام!! طب والبت؟ سألته بحدة. "بت مين؟ قال وهو يشدد على أحرف كلماته. "انتي متأكدة من كلامك ده؟ زفرت حانقة. "حضرتك دا اللي مقيد عندي في الدفتر.. وأنا ما عنديش رد تاني." قالتها واستدارت برأسها تنهي الجدال معه وتكمل مكالمتها في الهاتف. شتم بداخله صلف الفتاة معه وتجاهلها له. قبل أن يتحرك مبتعدًا وعقله يكاد أن ينفجر من التفكير متسائلًا. "يعني هاتكون غارت فين بس بت ال......
دي.. اتخطفت يعني ولا داستها عربية تانية غيرها؟ زفر حانقًا وهو يتحرك ذاهبًا للانتظار معهم خارج غرفة العمليات ونية العزم بداخله في ازدياد. لقد سار في طريقه ومهما كانت العواقب والصعوبات سيتخطاها كما.. وسيصل إلى وجهته مهما كانت النتائج. وبعد ساعات طويلة خارج غرفة العمليات.. حينما خرج إليهم عصام ومعه بعض الأطباء. تسارعت نحوهم الخطوات حتى علاء انتفض أخيرًا من جلسته يسأل بلهفة. "إيه الأخبار يا عصام طمني؟
ربت عصام على ذراعهِ يتكلم بإرهاق. "خير يا علاء إن شاء الله.. خير." "يعني حسين حالته إيه دلوقتي؟ خرجت من عدة أفواه بأصواتٍ متعصبة وقلقة. تنهد يشير إليهم بكفيه الاثنتين. "يا جماعة اهدوا كدة وافهموني أبوس إيديكم.. عملية حسين كانت خطيرة.. وأنا مقدرش أفتي ولا أتكلم دلوقتي بحاجة غير بعد ما نطمن عليه بعد ٢٤ ساعة.. يعني دلوقتي أرجوكم بس تكثفوا الدعاء الفترة دي عشان بس ما تحصلش تطورات تعقد الموضوع معانا."
قال الأخيرة بصوت خفيض ومتوتر.. زادت من جزع الجميع. وتابع هو. "هما دلوقتي هايخرجوه على غرفة العناية." صدرت أصوات صرخات عالية. فاردف هو بعجالة. "يا جماعة أرجوكم منكم أن تمسكوا نفسكم شوية وتحافظوا على ثباتكم عشان المرحلة دي حرجة وهتبقى صعبة الجميع معلش يعني.. عن إذنكم." قالها وتحرك على الفور متهربًا من صعوبة الموقف. سعد والذي كان شديد التركيز مع كل كلمة قالها عصام.. تكلم بخبث ليلهي عقله قليلاً.
"ودا ماله ده مش طايق يرد على حد فينا.. هو ما عندوش دم البعيد عشان يحس بحرقة قلبنا على حسين." خرج الرد من خلفه بحمائية من طبيب شاب. "مين حضرتك اللي معندوش دم؟ دا لولا الدكتور عصام ما لحق الحالة بسرعة.. لكان الله أعلم هايحصل إيه معاه.. ما أنت لو شوفت الدكتور جوا في أوضة العمليات وشوفت المجهود الجبار اللي عمله ما كنتش اتكلمت من الأساس."
جز على فكه بغيظ وهو يرى رد فعل الجميع وهما يتأسفون للطبيب الشاب المدافع بتعصب عن رئيسه. بعد قليل. وقف أربعتهم خلف الزجاج العازل لغرفة العناية المشددة.. بعد انسحاب أدهم المصري الذي لم يتحمل رؤية ابنه على هذه الحالة وتبعه شاكر القلق على صحة الرجل الكبير.
علاء و الذي طار ثباته في الهواء وتساقطت دمعته على رؤية شقيقه الغائب عن الوعي. رأسه ملفوفة بالأربطة الطبية والتي أحاطت العديد صدره وبعض أعضاء جسده الأخرى. معلق بيده الأنابيب الطبية والموصلة بالأجهزة الحيوية. كانت فجر تربت على ذراعه كي تدعمه بوجه مغرق بالدموع وبنفس الوقت محتضنة شقيقتها التي على نشيج بكائها الحارق. تكلم سعد وهو ينظر بطرف عينه نحوها.
"مش كدة يا جماعة.. إحنا لازم نمسك نفسنا شوية.. البكاء ما فيش منه فايدة.. كلنا قلوبنا محروقة بس لازم نتماسك.. هدي أختك يا أبلة فجر.. لا يجرالها حاجة.. دي لسه صغيرة على وجع القلب.. ولا إيه يا علاء." مسح بكفه على جميع وجهه. يجفف دمعته وينشد القوة وهو يرد. "عندك حق يا سعد إحنا فعلًا لازم نتماسك.. عشان أنا عارف أخويا قوي وعنيد.. وإن شاء الله مش ها يخذلني ولا يخذل حبيبته."
عض بداخل فمه على باطن وجنته من كلمات علاء المستفزة ولكنه مضطر التصنع. "طبعًا يا حبيبي أمال إيه؟ ربنا يطمنكم عليه." "مين فيكم اللي يخص المريض؟ التفتت الرؤوس نحو الرجل الذي تقدم إليهم بالحلة الرسمية يكررها. "مين فيكم يا خوانا قريب المريض؟ تقدم نحوه علاء يرافقه سعد الذي يريد الإطلاع على كل شيء. "أنا حضرتك علاء المصري أخو المريض حسين المصري." رد رجل الأمن بعملية. "طيب إحنا كنا عايزين نسألك شوية أسئلة." قاطعه بلهفة.
"قبل أي سؤال ياسعادة الباشا.. أنا عايز أعرف منكم قدرتوا تقبضوا على اللي عمل كدة ولا لأ." رد الرجل وهو يمُط شفتيه ويهز رأسه بالنفي. "للأسف إحنا عرفنا من أقوال الشهود أن اللي قام بالحادثة دي.. كان سايق عربية نقلة خشب كبيرة.. جري بيها بسرعة.. ومن أرقامها الموصوفة عرفنا أن صاحب العربية بلغ النهاردة بسرقة عربيته." "يعني اللي عمل كدة كان قاصد أخويا بقى مش موضوع حادثة عادية في الطريق." خرجت منه هدرة حارقة بأعين جاحظة بصدمة.
"ابن ال...... وديني لأدور عليه وما هأرحمه." ازدرد ريقه الذي جف بصعوبة من هيئة علاء الذي توحشت ملامح وجهه وهو لم يراعي حتى وجود رجل الأمن أمامه. والذي رد كالعادة بتحذير. "بلاش كلامك ده يا أستاذ علاء لا يعرضك للمسؤولية القانونية.. إحنا أكيد هانوصل للفاعل وساعتها بقى القانون ها ياخد مجراه." أومأ علاء برأسه رغم عدم اقتناعه. اردف رجل الأمن. "طيب ممكن بقى تيجي معانا عشان نتأكد من صفة الشاب المتوفي في الحادثة."
ود سعد لو يسأله بفمه عن الملعونة أمينة ووجودها في السيارة وقت الحادث ولكنه لم يقدر. وتابع مسيره مع علاء نحو ثلاجة الموتى.
خرج من الحجرة الباردة يجر أقدامه للتحرك بصعوبة.. يكاد أن يشعر بذهاب أنفاسه عن صدره. من وقت أن رأى الفتى اليافع جثة هامدة وأكد هويته لرجل الأمن. رأسه تدور في السيناريو الأسوأ لو كان شقيقه مكان الفتى. ما أصعبه من إحساس وأخيه الآن بين الخالق. يدعو داخله بتوسل إلى الله ألا يحدث هذا وينجيه. دمعته المحتبسة تحرق مقلتيه وهو يدعي الثبات أمام البشر المترقبة المنتشرة في هذا المحيط.
ربت على ظهره سعد للمرة التي لا أذكر عددها. وهو يلقي بكلمات التهوين على أسماعه وهو يومئ له برأسه. مقدرًا شهامته وعدم تركه ولو لحظة في هذا الوقت العصيب! أجفل فجأة على رسغ يده وهو يجذب بشدة من فتى صغير لا يتعدى عمره الثامنة عشر يخاطبه بوجهٍ مغرق بالدموع والكلمات خارجة منه بصعوبة ما بين شهقاته. "وحياة النبي يا عم علاء خليهم يدخلوني عشان أشوف صاحبي.. ما هم دخلوكم انتوا أهو.. هي جات عليا يعني؟ سأله بعدم استيعاب.
"انت مين يا حبيبي؟ ومين دا اللي عايز تدخلوا؟ "أنا مازن ابن سيد صاحب مخبز العيش في الشارع اللي وراكم.. وصاحبي هو حودة.. حودة اللي كان مع عم حسين أخوك في الحادثة." أومأ برأسه متفهمًا قبل أن يرد على الفتى بإشفاق. "يابني بس أنت صغير أوي وهما مش بيدخلوا أي حد وخلاص." "كلمهم يا عم علاء.. هما أكيد هايسمعوا كلامك." رد عليه سعد ما بين أسنانه.
"ما قالك ياض أنت صغير وهما مش بيدخلوا حد يعني لازم تكون قريبه أو يخصك.. هي غلبة وخلاص." تجاهله مازن عن قصد وهو يتناول كفه يود تقبيلها ولكن علاء رفعها على الفور مما أثار سخط الآخر. فقال بتوسل. "وحياة الغالين عندك لا تخليهم يدخلوني.. أنا راجل وهأتحمل.. يعني مش هأعملهم مشاكل ولا أجيب عليهم مسؤولية.. ربنا ينجيلك عم حسين يارب."
بعد دقائق وبعد أن تمكن الفتى من إقناع علاء الذي تصرف مع عمال الحجرة اشفاقًا على الفتى وتقديرًا لرجولته رغم صغر سنه ووفائه النادر لصديقه. كان واقفًا أمام جثة صديقه بشجاعة نادرة ومع ذلك ينوح بصوت عالٍ وهو يقبل رأسه. "صاحبي....... يا صاحبي......... هاتوحشني يا حبيبي......... "والنعمة ما هانساك وهافضل فاكرك طول حياتي............ أخذ فترة يشهق بغير توقف. قبل أن يكمل. "اطمن يا حبيبي على خواتك البنات ووالدتك....
والنعمة ما هأخليهم يحتاجوا لحاجة ورقبتي هاتفضل دايمًا سدادة في أي حاجة يحتاجوها....... وعد عليا يا حبيبي لأكمل أي طريق مشيت فيه لوحدك أو مشيتوا أنا معاك...... وأنت عارف ومتأكد من صدق أي كلمة بتخرج من صاحبك.......... "صاحبك يا حبيبي .. يا حبيبي يا غالي."
حينما أنهى أخيرًا الفتى لقاء صديقه خرج يسير بداخل أروقة المشفى يكفكف دموعه. وقد أفرغ من ضيق صدره شحنة كبيرة ببكائه. كان قد وصل إلى القسم الموجودة بهِ غرفة حسين. حينما تلقى اتصال والدته. "الو ياما ...... ربنا يرحمه يارب أنا لسه مخرجتش من المستشفى............ "ياما والنبي أنا ما فيا حيل للكلام دلوقتي .......... حاضر ياما مش هاتأخر ........... "لأ ياما أنا مضمنش أنا هارجع امتى عشان أنا دلوقتي عندي شغل..........
"ما فيش حاجة انتهت ياما بموت حودة... أنا لسه شغلي ما وقفش! قال الأخيرة وأنظاره متجهة بتصميم نحو الجالسين بالردهة الواسعة في المشفى. فتحت أجفانها لتُبصر هذا الضوء الأبيض القوي. تئن بألم من جميع جسدها. تتناثر الأصوات كثيرة حولها دون توقف. حركت رأسها بصعوبة نحو هذا التجمع الكثير لأُناس تغدي وتروح ولا تعلمهم. توقفت عيناها نحو المرأة الجالسة بالسرير الطبي بجوارها والتي انتبهت عليها هي الأخرى فقالت بحماس. "إيه ده؟
أخيرًا صحيتي يا بنت الناس.. حمد الله على سلامتك يا أختي." رفرفت برموشها قليلاً تستوعب أين هي. نزلت أنظارها نحو جسدها الممدد على التخت الطبي. تفاجأت بهذه الأربطة الطبية والملتفة حول ذراعها المستند فوقها. فقالت بصوت متعب. "هو أنا من امتى هنا؟ وليه حاسة بجسمي كله واجعني؟ هو حصل إيه؟ ردت المرأة وهي تقضم قطعة من الفاكهة التي بيدها وهي تتفحصها بتركيز.
"هو أنا مش شايفة حاجة تانية متربطة في جسمك غير دراعك.. والباقي بس يدوبك خدوش في وشك وأكيد هايكون في منها كتير في جسمك.. وتلاقي دا اللي تاعبك.. بس أنا سمعت من الممرضة أن عملية دراعك كانت صعبة وأخدت شرايح ومسامير كتير.. دي العضم كان متفتفت حسب ما سمعت.. هي دي واقعة ولا حادثة؟ أغمضت عيناها وقد أعادت المرأة بكلماتها كل ما كانت قد تناسته في غيبوبتها المؤقتة. وقت الحادث.
كانت في المقعد الخلفي ترتجف بداخلها من ما سوف يحدث معها على إثر هذه الاعترافات التي اعترفت بها بكل سهولة أمام هذان الشخصان والذي علمت أن أحدهم يكون شقيق علاء المصري. تبكي بصمت وهي منتظرة حدوث الأسوأ معها. ورغم تسليمها من داخلها أن هذه هي النتيجة الطبيعية لخطئها. ولكنها كانت ترتجف من رأسها حافي أخمص قدميها. الفتى الشاب يتلاعب في الهاتف مع هذا المدعو حسين.
"دا إحنا كدة بالأعترافات دي يا حسين باشا هنوديه في داهية على طول من غير كلام." رد حسين. "أهم حاجة عندي دلوقتي يا حودة أن أكشفه قدام والدي وعلاء المغشوش فيه وفاكره صاحبه كمان! مصمص حودة بشفتيه. "ونعمة ربنا أنا عارفه من الأول وس...... عشان ياما شوفته مع نساوين لامؤاخذة ... ويجي قدام الناس يعمل نفسه شريف وابن أصول كمان.. ياخد أوسكار في السفالة وقلة الأصل."
ضحك حودة وضحك معه حسين هو الآخر. وكانت الأخيرة في كل شيء. فقد وجدت نفسها أمينة تنقلب من مكانها مع انقلاب السيارة والذي تكرر لعدة مرات مع صراخها وصراخات الجالسين بالمقاعد الأمامية حتى شعرت بالنهاية. قبل أن يتوقف انقلاب السيارة أخيرًا وتشعر أمينة بأنها محتجزة في هذه المسافة وعدة الأمتار لا تحمل بجسدها وذراعها أسفل جسدها وهي ما عادت تشعر به وكأنه تخدر وقتها ولم تعي ما بهِ. حتى انتبهت على الأصوات الكثيرة لبشر لا تعلمهم.
حتى شعرت بنفسها وهي تجذب بجسدها الهزيل من عدة أيادي. حتى أخرجوها من السيارة والأصوات تزداد في ترددها بكلمات الأسى على الشابين المغرقين في دمائهم بالجزء الأمامي من السيارة والذي نال النصيب الأكبر من التدمير. والقليل من يردد بكلمات أخرى على اسماعها بالقرب منها حتى استفاقت لتعي جيدًا وضعها.
فهتف الرجل العجوز ومعه عدة شباب حولها. "الحمد لله أهي واحدة فاقت.. عقبال الباقي يارب." ترددت كلمات اليأس من الشباب التي تحاول إخراج الشابين مع بعض الأدعية لنجاتهم حتى سمعت بأحدهم وهو يهتف بصوته. "خلاص يا خوانا الأسعاف قريبة من هنا قربت توصل ومعاها البوليس إن شاء الله عشان يعاين." بمجرد سماعها اسم الشرطة انتبهت بداخلها غريزة النجاة فقالت بتوسل للرجل العجوز. "أبوس إيدك يا عم روحني.. لو البوليس وصل أنا هأتفضح."
قال شخص بالقرب من الرجل. "تتفضحي ليه يا ست؟ هو أنت عاملة غلط؟ دي حادثة." بيدها السليمة تمسكت بقماش قميص الرجل العجوز. "والنبي روحني أبوس إيدك.. أنا ركبت معاهم بحسن نية لكن بقى لو الخبر اتنشر هايقولوا مرات فلان كانت مع جوز الرجالة اللي عملوا الحادثة.. دا غير إني هادخل في سين وجيم كمان.. ربنا يستر على ولاياك يارب."
اقتنع الرجل العجوز فخاطب الشباب المشغولة في محاولاتهم الحثيثة لإخراج الجسدين المكومين في الجزء المدمر بالسيارة. "الست عندها حق ياشباب.. هي مش عايزة حد يجيب سيرتها.. أنا هاخدها وأوديها على أقرب مستشفى." قال أحدهم بعدم اكتراث. "خدها يا عم.. يعني هايبقى موت وخرب ديار." فقال الآخر وهو يرفع هاتفًا محمولًا بيده. "طب التليفون دا بتاعك يا ست ولا بتاع الشباب؟
حدقت بالهاتف فتذكرت أنه يخص الفتى الصغير والذي كان يتلاعب به.. يبدو أنه سقط من يده للخلف وقت ارتطام السيارة. تذكرت تسجيلات اعترافها عليه. فاأومأت له برأسها موافقة بدون تفكير. وضعه الرجل على حجرها فقالت بتذكر لهاتفه الحقيقي والصغير والموجود بحافظتها. "طب والنبي كمان هات البوك بتاعي دور عليه عندك هتلاقيه." "رجعت لحاضرها تتساءل بجذع أمام المرأة. "التليفون بتاعي؟ والبوك الكبير خدوه مني ولا راحوا على فين بس؟
لاحقتها المرأة بالرد على عجالة. "يا حبيبتي ماتقلقيش.. أنا شايفة الممرضة بنفسي وهي بتحطهم تحت المخدة في الناحية اليمين." مدت يدها السليمة تبحث حتى أخرجت الاثنان. تنهدت بارتياح وهي تضع هاتف حودة وكأنه تضمه داخل أحضانها. أجفلت على قول الممرضة التي أتت إليها. "حمد الله عالسلامة يا أمينة.. عاملة إيه دلوقتي؟ أومأت برأسها صامتة دون رد. فقالت الممرضة. "طب يا حبيبتي.. انتي ماتعرفيش حد قريبك بقى يجيلك ويشوف حساب المستشفى؟
حكم الراجل اللي وصلك.. دفع جزء صغير من الحساب ومشي ومحدش شافه تاني." سهمت بشرود ولم تنطق أيضًا فكررت الممرضة. "يا ست أمينة عندك حد تتصلي بيه يجيلك؟ ماينفعش سكوتك ده." توترت وهي تنظر لهاتف حودة بيدها قبل أن ترفع أنظارها نحو الممرضة الشابة تسألها. "أنا تليفوني فاصل شحن ممكن تتصلي انتي من تليفونك." أخرجت الممرضة هاتفها من جيب سترتها فسألتها بعملية. "أهو ياستي مليني الرقم وقوليلي اسم صاحب الرقم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!