تبدأ أمينة بالنظر إلى الهاتف الذي يهتز على جانب رأسها، وكأنها لا تستطيع حصر أعداد المكالمات التي لم تعد ترد عليها منذ أن شحنته وعاد للعمل. تقف في حيرة، غير قادرة على الرد أو إغلاق الهاتف. تتذمر جارتها في التخت المجاور: "ياست أمينة ماتردي على التليفون دا اللي عمال هز قدامك بدل ماهو شغال يرن كدة عالفاضي." تزفر أمينة ساخطة وترد: "في إيه ياستي بس؟ ما أنا كاتمة الصوت اهو ضايقتك في إيه أنا؟
"يابت مضايقتنيش ولا حاجة أنا بس مستغرباكي. مدام انتي مش عايزة تردي ماتقفليه في وشه وريحي دماغك."
تقلب أمينة عيناها بسأم وهي تعتدل في فراشها، وتشيح بوجهها بعيدًا عن المرأة. الأفكار المتوالية ما زالت تعصف برأسها، ولا تدري ماذا تفعل الآن. في البداية كانت مُصرة على عدم إطلاعه على معرفة مكانها، ولكن الآن وقد اقترب موعد خروجها من المشفى، وهي لا تملك مأوى سوى بيت زوجها المعروف لعلاء وعصام، أو بيت والدتها التي لم تكلف نفسها عناء الاتصال بها. لا تجد سواه أمامها، ولكنها أيضًا لا تضمن غدره وخسته، فما العمل؟
وهو شريكها والخطر الذي يهددها، نفس الخطر الذي يهدده هو أيضًا، خصوصًا بعد أن علمت من شقيقته عن اختفائه وغضب أدهم المصري عليه وبحثه الحثيث عنه هو ورجاله. يصدح الهاتف مرة أخرى بورود مكالمته، وكالعادة تنظر نحوه دون حسم أمرها للرد أو إغلاق الهاتف. لكنها تجفل على قول المرأة بجوارها: "تاني برضوا التليفون اللي بيرن. الا بقولك إيه ياختي.. هو انتي مشغلة التليفون القديم دا ليه من الأساس؟ وانت معاكي عدة جديدة باللمس وكبيرة؟
تتمتم أمينة بقلق وهي تتحسس بكفها تحت الوسادة هاتف حودة، فتتكلم بعد أن اطمأنت لوجوده في مكانه: "لا ما أنا حاطة كل الأرقام المهمة هنا والتليفون الكبير سايبه بس للتصاوير والنت. مش عايزة أمرمطه أحسن يبوظ بسرعة." تمصممص المرأة، تلتفت للأمام بعيدًا عنها، وتتمتم بصوت خفيض وصل لأمينة: "قال مكالمات مهمة قال.. دا على أساس انها بتكلم حد تاني غير البنية اللي بتيجي هنا؟
تعض أمينة على باطن وجنتها غيظًا من هذه المرأة التي تحشر أنفها في ما لا يخصها، ولكنها تتمالك نفسها عن الرد، فيكفي ما يشغل عقلها في التفكير الآن عن حل لهذه المعضلة العويصة معها. أين تجد مأوى آمن لها؟ ***
في مكان آخر، فوق سطح أحد الأبنية، وقد اتخذ مسكنه فيه بغرفة قديمة في إحدى زواياه منذ أيام، كان واقفًا مستندًا بظهره على الحاجز الحجري وما زال ممسكًا بالهاتف، يحاول معاودة الاتصالات المتكررة بها دون رد. حتى هتف بحدة ساخطًا: "أبو شكلك يابعيدة.. ماتردي بقى هي ناقصة قرفك؟ ردت شريكة السوء التي كانت واقفة بجواره ومستندة بذراعيها على الحافة، تنظر للمدينة الساكنة أمامها: "لسه برضوا مش عايزة ترد عليك؟ قال بين أسنانه:
"بت ال..... بتعملهم عليا وعايزة تشلني.. فاتحة التليفون وبتشوف الرنات ومع ذلك مابترودش وكأنها بتقولي اتفلق." صمتت قليلًا، تاركة وجهها لنسمات الهواء الباردة، مغمضة عينيها باستمتاع، قبل أن تسأله بهدوء: "طب وانت عايزها تاني في إيه؟ ما كل شئ انكشف خلاص وبان.. يعني مش فارقة." التفت إليها رافعًا زاوية شفته باستنكار:
"نعم ياست نيرمين.. شايفك يعني حاطة على قلبك مرواح وجيالي هنا تعملي جو لنفسك تتمتعي بهوا السطح.. إيه ياعين خالتك؟ هو انتي نسيتي المصيبة اللي انتي فيها؟ ولا جوزك دا اللي قالب الدنيا عليا وعليكي؟ ولا يوكنش الفلوس اللي سرقتيها منه يابت قوة قلبك؟ التفتت برأسها إليه تواجهه بحدة: "يوه عليك ياسعد.. كان لازم يعني تفكرني بالهم اللي ورايا.. دا أنا مصدقت أنسى." اعتلى ثغره ابتسامة متهمكة يقول: "تنسي!!
طب لما تنسي انتي بقى ياحلوة.. أدهم المصري هينسى هو كمان؟ باينك عبيطة ومش دريانة بالمصيبة اللي احنا فيها." تنهدت ساخطة وهي تتكتف بذراعيها: "اديني اتنيلت ومزاجي اتعكر بسببك عشان تستريح وماتقولش عليا عبيطة.. ممكن بقى يا أبو العريف تقولي كدة.. انت إيه اللي في دماغك إيه بالظبط؟ وليه مُصر تلاقي أمينة؟ تناول علبة سجائره من جيب بنطاله وعود صغير من علبة الثقاب، أشعل به السيجارة التي وضعها في فمه، ينفث دخانها عاليًا في الهواء،
قبل أن يرد: "أولًا أنا اللي في دماغي كتير أوي وصعب على واحدة زيك تفهمه.. ثانيًا بقى وهو الأهم.. هو إني لازم ألاقي أمينة عشان أعرف منها هي قالت لهم إيه؟ عايز أعرف الساعة اللي قضيتها معاهم حصل فيها إيه بالظبط؟ ماهو أنا ماينفعش أسيب كل حاجة للظروف.. ثم إن ماحدش عارف.. مش يمكن ألاقي طريقة تطلعني من كم المصايب اللي عليا دي وأرجع فيها لبيتي وحالي ومالي.. مافيش حاجة في الدنيا مضمونة طول ما العقل شغال."
قال الأخير وهو يشير بسبابته بجانب رأسه. لوت هي شفتيها بغير اقتناع، ولكنها سألته: "طب يعني على كده أنت ممكن تبرئني أنا كمان بعقلك النور ده؟ صدح ضاحكًا بصوته العالي، يقهقه ساخرًا منها، فقال بين ضحكاته: "تتبرئي فين يا هبلة؟ ههه وانتي هاربة بفلوس الراجل والدهب كمان؟ ههههه" صمتت فمها، تشيح بوجهها عنه لكي تتجنب الرد على سخريته برد لاذع. فأكمل هو ببعض الجدية بعد أن هدأت نوبة ضحكاته:
"على العموم انتي لازم تخلي بالك من نفسك وماتخرجيش كتير لحد الدنيا ما تهدى ونشوف لنا صرفة.. الا قوليلي صح انتي غيرتي من اللوكاندة اللي قولتلك عليها؟ "لا مغيرتش ياسعد.. عشان ماينفعش أروح لبيت ستي ولا أي حد يعرفه أدهم.. بس أنا شايفة كدة السطح هنا شرح وبرج.. ماتشوفلي صرفة أسكن هنا أنا كمان في الأوضة اللي جمب أوضتك." "شرح وبرح! " قالها ساخرًا قبل أن يتابع:
"لا ياختي ماينفعش نبقى مع بعض عشان ماحدش فينا يوقع التاني.. وبرضه ماينفعش اللوكاندة ليكي وانتي ست ولوحدك.. شوفي لك سكنة عند أي حد ما يعرفهوش جوزك. فاهمني بقى." أومأت برأسها متفهمة، وهي تتساءل بداخلها أين يمكنها الذهاب؟ ***
في المقعد الخلفي بسيارة الأجرة، وهي جالسة بجوارها ولا تعلم عنوان وجهتها، تنهدت بقلق وهي تنظر من نافذة السيارة للخارج. لقد مر عدة أيام منذ حديثهم العاصف حينما طالبتها بإثبات ولائها ومحبتها لابنتها الراحلة فاتن. تلجلجت معها وهي لا تدري مقصدها، حتى سألتها بغموض: "يعني لو طلبت منك تسيبي علاء هاتسيبه؟
ظلت فجر لبعض اللحظات تحدق بها بعدم استيعاب، تنتظر منها التراجع عن مطلبها وادعاء المزاح، ولكن ملامحها المغلفة زادت من حيرتها. فخرجت إجابة فجر بتشتت: "انت بتتكلمي إزاي ياعمتي؟ هي علاقة حب ولا خطوبة عادية؟ دا جواز وأنا مكتوبة على اسمه.. يعني ما ينفعش." بابتسامة بلهاء نهضت من جوارها وهي تقول: "يعني انتي مش عايزة تسيبي حبيب القلب وبتقولي إنك بتحبي فاتن! ماشي يافجر." نهضت خلفها توقفها، ممسكة بذراعها، حتى سقطت دمعة
على وجنتها دون إرادتها: "يا عمتي بلاش كلامك ده.. أنا لو أعرف إن ده هايرجع فاتن هاعمله ومش هاتأخر.. بس ده مالهوش فايدة وهي دلوقتي عند ربنا.. يعني الحي أبقى من الميت زي ما بيقولوا."
انشق ثغرها بابتسامة جليدية لها، قبل أن تخرج بصمت وتتركها في حالة من الشتات والتخبط استمر لعدة أيام، وهي تعاملها بشكل طبيعي أمام الجميع. والأغرب أنها كانت تمازحها أيضًا معهم، ولكن تظل هذه النظرة المريبة منها تخبرها باستمرار الحرب الباردة بينهم. حتى جاءت اليوم تخبرها بشكل مباشر أمام والدتها أنها تريدها معها في الذهاب لزيارة إحدى الأقارب من أهل زوجها، بصفتها تعلم بأماكن المدينة أكثر منها. الغريب في الأمر أنها لم تأخذ ابنتها سميحة وهي الأولى، وحتى أنها لم تذكر لها العنوان، ولكن ذكرته بالتحديد أمام السائق؟
فما فائدة مجيئها معها إذن؟ "بس هنا على إيدك يا اسطى." استفاقت من شرودها لتجدها تنظر نحوها قائلة بهدوء: "إيه يافجر؟ مش عايزة تنزلي يا عين عمتك؟ إحنا خلاص وصلنا." "وصلنا!!
" قالتها قاطبة حاجبيها باندهاش ازداد أكثر حينما ترجلت من السيارة وهي ترى رقي المبنى السكني التي تتقدم بخطواتها نحوه، وهي خلفها تسير كالمغيبة. دلفت لداخل المبنى الرخامي، تلقي التحية على الحراس وهم يرددون التحية خلفها بمودة، وكأنها من أصحاب المبنى وليست غريبة عنهم. ***
وفي مكان آخر، بحديقة المشفى، وعلى أريكة خشبية تحت ظلال الأشجار الكثيفة، كان جالسًا متكتف الذراعين، رأسه مطرقة للأرض نحو قدميه الممدودة للأمام، تاركًا نفسه للحزن. وقد تمكن أخيرًا بالانفراد مع نفسه بعيدًا عن والدته أو شقيقه المريض الذي انتبه رغم تصنع السعادة والمزاح أمامه بحزنه وسأله عما به، ولكنه كان دائمًا ما ينكر، متهربًا منه ومن فراسته. يخفي بقلبه هذه الغصة المريرة لشعور الغباء الذي تملكه طوال هذه السنوات. شقيقه الصغير رغم طيبته ودماثة أخلاقه، يكتشف العيب وهو المشهور دائمًا بقرب الشبه بينه وبين والده في قوة الشخصية والتحكم، يظل أعمى وينساق خلف حمائية كاذبة لشخص مريض استغل هذه العاطفة بكل خبث ودهاء. كيف كان سيسامح نفسه لو حدث السوء لشقيقه؟
موته أهون من هذا الإحساس! "الجو جميل هنا صح؟ رفع عينيه نحو محدثه، وقد علمه من صوته من قبل أن يراه. أومأ له برأسه بروتينية غير قادر على الرد. تنهد عصام بصوت عالٍ قبل أن يجلس بجواره، مربتًا على ركبته برفق: "هون على نفسك هون.. إحنا عايشين في الدنيا عشان نتعلم." ابتسم بجانبية قائلًا: "أتعلم إيه بالظبط؟ أنا راجل داخل ٣٣ سنة واكتشفت إني طول سنين عمري اللي عدت دي كنت حمار.. يبقى هاتعلم إمتى بقى؟ جاء رد عصام حازمًا:
"ماتقولش كده يا علاء.. أنت مش أول واحد تنخدع في صديق.. في غيرك بينخدع في حبيبته وفي غيرك بينخدع في أهله نفسهم.. دي طبيعة النفس البشرية.. ماحدش له سيطرة عليها.. طب مثلًا عندك أنا.. كنت فاكر خالي ده في مقام والدي.. لكن بعد ما اتجوزت بنته تعالى شوفه بقى.. مطلع عين أمي على شوفة البنت رغم إنه عارف إني أحق من بنته المدلعة في حضانتها وإني بيعدي عليا وقت بخاف أمسك المشرط لاحسن أسرح من خوفي طول الوقت على بنتي لاتميل فيها والدتها زي ماعملت قبل كده كتير واحنا متجوزين.. بس اهو بقى هاعمل إيه يعني؟
حدق به للحظات قبل أن يسأله باهتمام: "هي بنتك عندها كام سنة يا عصام؟ أشرق وجهه مبتسمًا وهو يجيبه بحب: "بنتي عندها ٣ سنين بس إيه بقى قمر زي البطة كده ودمها زي السكر عكس أمها خالص.. تنكة وشايفة نفسها مش عارف أنا على إيه والله." ضحك علاء وقد اندمج معه في الحديث قائلًا بمزاح: "إيه يا عم ده أنت شكلك مش طايقها خالص." أشار بإصبعيه على عظمة رقبته قائلًا بأسلوب فكاهي:
"ده كده هو.. شايف.. كده هو والنعمة مخنوق منها وهافرقع.. مش عارف اتطفت في نظري واتجوزتها إزاي بجد؟ ولا إكمنها أغرتني باللبس العرياني باين ولا إيه؟ صدحت ضحكة علاء مقهقهًا حتى دمعت عيناه، والآخر يشاركه: "ده أنت باينك مغلول منها يا جدع؟ "آه والنبي يا خويا ماتفكرنيش.. ده أنا قلبي شايل ومعبي." تبادلا المزاح لعدة لحظات أخرى، وكأنهم استعادوا صداقتهم القديمة. حتى أجفلتهم إحدى الممرضات التي أتت إليهم بخطوات مترددة:
"يا دكتور عصام لو سمحت." "في إيه يا نهلة عايزة إيه؟ فركت بيديها بتوتر وهي تتنقل بعينيها بينه وبين علاء الذي شعر بالقلق: "بصراحة يادكتور أنا مكنتش أعرف إنكم مخبين عليه؟ سألها علاء: "هو مين اللي مخبين عليه؟ في إيه يا آنسة؟ ردت بخوف وهي تخاطب علاء: "بصراحة بقى الأستاذ حسين أخو حضرتك سألني عن الولد اللي كان معاه في الحادثة وأنا قولتله تعيش أنت.." "بتقولي إيه؟ " انتفض واقفًا يقاطعها. نهض عصام هو الآخر، ولكن ليسألها بهدوء:
"وبعد ما قولتي له حصل إيه؟ أجابت متهربة منهم بعينيها: "بصراحة حزن قوي وهو دلوقتي عمال يعيط عليه بحرقة وحتى والده مش عارف يهديه؟ "يخرب بيتك." قالها علاء وهو يجري مهرولًا نحو المبنى الموجودة به غرفة أخيه. أما عصام فجز على أسنانه ملوحًا لها بقبضته يقول: "كان لازم يعني تنسحبي من لسانك.. ماينفعش تعملي شغلك وانتي ساكتة؟ روحي يا شيخة ربنا ياخدك." ثم تحرك مسرعًا ليلحق بصديقه. ***
بدموع الوجع التي لا تتوقف، كان يبكي صديقه الصغير، وهو لا يزال عقله لا يستوعب أو يصدق الخبر، ولكن وجع قلبه يخبره الحقيقة: "آه يا حودة." أدهم وهو يربت على ذراعه بقلب وجل: "يا حبيبي مش كده هدي نفسك.. ده إحنا مصدقنا إنك بدأت تتحسن." "أنا السبب أنا السبب عشان لو مكنتش أخدته معايا في مشوار الزفت ده مكانش حصل اللي حصل وراح فيها." صاح عليه أدهم بصرامة:
"بس يابني حرام عليك واستغفر ربنا.. ده قضاء الله وقدره.. وإحنا مالناش الاعتراض على حكمته." حاول التماسك وهو يجاهد للتوقف، ولسانه يتمتم بالاستغفار: "استغفر الله العظيم.. استغفر الله العظيم يا رب." تنهد أدهم بعمق وهو يهدهده: "أيوه يابني استغفر واستعيذ من الشيطان الرجيم.. دي كلها أقدار من ربنا." مسح بإبهامه دمعة أخرى وهو يخاطب والده بحدة:
"بس ده مكانش قدر ربنا.. شكل العربية اللي دخلت علينا فجأة ما يظهرش أبدًا إنها حادثة.. لا دي واضح قوي إنها كانت قصدانا.. هو أنا تليفوني فين؟ والبت أمينة راحت فين؟ ماتت هي كمان ولا إيه بالظبط؟ حرك أدهم رأسه بعدم فهم: "بت أمينة مين؟ إحنا ما نعرفش إن كان معاكم ست ولا نعرف هي راحت فين؟ وإن كان على تليفونك فهو موجود ياحبيبي.. بس ده اتدشدش واتكسر خالص." سأله بخشونة: "وتليفون حودة راح فين؟ أجاب أدهم وهو يلوح بكفه:
"والله يابني ما أعرف بس بكرة هأسأل عليه الشرطة ولازم أعرف بس أنت مهتم أوي كده ليه؟ أجابه على الفور بمغزى: "عشان عليه التسجيلات ولا هي الست نرمين ما قالتلكش باللي حصل؟ انتفض في وقفته واتسعت عيناه سائلًا: "مالها نرمين ياحسين؟ هي إيه حكايتها بالظبط البت دي؟ عشان أنا لو شفتها تاني بعد ما هربت من غير سبب هاشرب من دمها." ابتسم يجيبه بسخرية مريرة:
"لا هو أنت متعرفش إن الزفت سعد اللي أخد فلوس منك زمان عشان يبعد فاتن عن ابنك علاء هو نفسه اللي كان مرافق نرمين صاحبة أخته قبل ما يزقها على علاء واما تفشل معاه ترمي شباكها عليك أنت فتوقعك وتتجوزها.. وهي لسه برضه عشيقته." فغر فاهه وتدلى فكه وعيناه اتسعت بشكل مخيف وهو يردد وأنفاس صدره تصعد وتهبط بحدة: "إيه اللي أنت بتقوله ده ياحسين؟ دا كلام خطير أوي يابني." ردد مؤكدًا قوله:
"أنا شوفتك بعيني وأنت بتديله الفلوس ومكنتش فاهم ساعتها عشان كنت صغير لكن الشك كان دايمًا بيكبر معايا.. وإن كان على نرمين فدي حكايتها في تسجيلات الفون بتاع حودة.. بس السؤال بقى يا ولدي.. أنت كنت عارف بالملعوب اللي عمله الزفت ده لما اغتصب فاتن ولبس عصام التهمة عشان يكسر قلب أخويا...
توقفت جملته حينما رأى أخيه واقفًا بجوار الباب بوجه شاحب، يبدو أنه استمع لمعظم الحديث. انصعق أدهم على رؤية ابنه الصامت ونظرة عينيه وحدها تتحدث. *** حينما انفتح باب الشقة الفخمة، استقبلتهم الخادمة الصغيرة بابتسامة مرحبة بهم: "أهلًا أهلًا ياهانم اتفضلوا." توقفت مكانها مندهشة وهي ترى عمتها تدلف لداخل الشقة وترد التحية على الفتاة: "إزيك يا صابرين عاملة إيه؟ "صابرين!!
" همست بالاسم متمتمة بتعجب قبل أن تجفلها عمتها التي عادت لتسحبها وتدلف لداخل المنزل: "شايفاني داخلة مش تدخلي على طول ورايا بدل ما انتي واقفة كده زي سنفور المحطة." رددت مندهشة: "يقربولك إيه أهل الشقة دي ياعمتي؟ دول شكلهم يعرفوكي من زمان وكأنهم عشرة معاكي." ابتسمت فوزية وهي تجلسها على أقرب مقعد وجدته أمامها، فجلست هي على الآخر بجوارها تقول: "عشرة فين يابت؟ وأنا ساكنة في الصعيد وهما هنا في القاهرة."
اهتزت شفتيها فجر، وهي لا تجد من الكلام ما ترد به على عمتها التي تغرقها في غموض كلماتها وأفعالها المختلفة. أشرق وجه فوزية فجأة وهي تنظر أمامها: "أهلًا أهلًا يا قمر." التفت فجر نحو ما تنظر إليه عمتها لتجد طفلًا أسمر شديد الجمال بشعره الكستنائي شديد السواد، عمره يقارب الخمس سنوات وهو يتقدم إليها حتى ارتمى بأحضانها، وهي تقبله في وجنتيه. ابتسمت فجر وهي تسألها ببلاهة:
"ما شاء الله ياعمتي.. الولد اترمي في حضنك وكأنه يعرفك من زمان؟ ازداد اتساع ابتسامة عمتها وهي تخرج الطفل من أحضانها وتخاطبه: "بيدو يا قمر سلم على البت الحلوة دي اللي قدامك." "واسمه بيدو كمان؟ " قالتها وهي تدنو نحو الطفل الذي مد إليها كفه الصغيرة بأدب قائلًا: "أهلًا يا طنط." ضحكت مرحبة وهي تستقبل كفه الصغيرة بكفها: "يا أهلًا يا حبيبي يا روح طنط انت."
رفعت رأسها فجأة نحو عمتها، ثم عادت تدقق جيدًا في ملامح الطفل، وقد ارتسم الوجوم على وجهها بشكل جلي، قبل أن تهتف على عمتها بزعر: "مين ده ياعمتي؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!