أقسم أن يكمل المشوار. أقسم ألا يكرر خطأه مرة أخرى بعد أن سهى قليلًا عن مراقبته وفوجئ بعدها بفاجعة الحادث الأليم، والذي راح ضحيته صديق عمره. بقي حسين وحده بين يدي الله في صراع البقاء. هو لا يعلم الحقيقة كاملة، ولكنه يعلم جيدًا حقيقة هذا الثعبان ذي الواجهة الناعمة من كلمات صديقه الراحل، وبما لمسه هو نفسه أثناء مراقبته طوال الأيام السابقة، قبل أن يغفل عنه لدقائق فقط عند محطة الوقود.
حينها ابتاع بعض الأشياء من محل البقالة الكبير الملحق بالمحطة، متكلًا على دلول السائق المرافق له في غرفة المراحيض العامة، ليخرج بعد ذلك ويفاجأ باختفاء السيارة الكبيرة واختفائه معها. ظل فقط السائق الذي كان يسب ويلعن بأفظع الشتائم. حتى تحدث في الهاتف وهدّأ بعدها وكأن شيئًا لم يكن. وقتها فقط شعر بالخطر.
هذا الخطر الذي رآه بعد ذلك بعينيه، وهذا الثعبان يتسحب بقدميه ناحية غرفة العناية في هذا الوقت المتأخر من الليل، ورأسه تدور يمينًا ويسارًا بدليلٍ واضح على سوء نيته. مما جعله يترك موقعه بوسط الدرج الرخامي، والذي جلس يستريح عليه أخيرًا بعد رحلة تهربه من عمال المشفى بين الطوابق.
سار بخفة خلفه ليتبع خطواته، ثم توسعت عيناه بجزع وهو يراه من خلف الحاجز الزجاجي وبيده الحقنة التي كان يملؤها بالهواء. توقف عقله عن التفكير بأي شيء سوى إيقاف هذا المجرم. ليجد نفسه يتناول سلة القمامة الوحيدة التي وقعت عليها عيناه وقتها. وعلى أطراف أصابعه سار بداخل الغرفة التي دلفها، وبعزم شديد رفعها في الهواء ليضرب بقاعدتها القاسية على مؤخرة رأسه، وتبعه بضربة أخرى أقوى من سابقتها. أسقطته مغشيًا عليه قبل أن يتمكن حتى من رؤيته.
بصق بفمه مخرجًا سبة وقحة قبل أن يقترب من حسين، فخاطبه بلهجة حازمة ولوم: "ما تقوم بقى ياعم حسين وفوق عشان ترجع الفيران دي لحجورها من تاني. قوم بقى وكفاياك ياعم." ثم دون أي كلمة أخرى أخرج سلة المهملات سريعًا ليضعها قرب الباب، ثم سحبه من أقدامه ليخرجه منها نهائيًا، وتركه بالردهة الصغيرة خلف الغرفة بعد أن تناول الحقنة ووضعها بجيب سترته. خطا سريعًا عائدًا لمكانه وسط الدرج في انتظار من يأتي.
لم يشعر بدخول الهواء داخل صدره سوى بعد ساعة تقريبًا من الزمن، بعد أن رأى الفتاة الممرضة وهي تتقدم نحو الغرفة، والتي خرجت بعدها بقليل مهرولة بجزع لتأتي ببعض العمال وأصدقائها الممرضات. *** حينما عاد علاء من صلاته التي وصلها بصلاة الفجر، تعجب من مجموعة البشر الملتفة حول شيء معين. شعر بالخوف يجتاح قلبه وهو يسرع بخطواته حتى وصل إليهم. أبعد بيده اثنين من الأشخاص وهو يسأل بتوجس: "فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟
تفاجأ بسعد، والذي ارتفعت إليه عيناه غريزيًا إليه وإحدى الممرضات تطبب له رأسه وتربطها بالشاش الطبي. سأل علاء بجزع وهو يحدق لهذا الجرح الواضح خلف رأس سعد: "إيه عوّرك كده؟ حصلك إيه بالظبط ياسعد؟ اعوج فمه وهو يطرق برأسه بإحباط بعد فشل مخططه، وتكلفت إحدى الممرضات بالإجابة: "الأستاذ صاحبك لقيته مرمي جمب غرفة العناية المركزة بتاعة المريض اللي يخصكم." توسعت عيناه بصدمة وهو يتساءل بعدم استيعاب: "إزاي يعني؟
أنا مش فاهم حاجة.. وقعت على دماغك يعني؟ ما ترد ياسعد." سبقه أحد العمال برد متحذلق: "وقع دا إيه؟ دا شكله خد ضربة شديدة على نفوخه من ورا.. ولا انت مش واخد بالك يا أستاذ من مكان الإصابة فين؟ حدق علاء بتفحص نحو ما أشار الرجل على رأس سعد في الخلف مكان الإصابة، وبأطراف أصابعه حركها قليلًا، فصرخ عليه سعد: "آه ما بالراحة يا علاء أخي.. انت مش واخد بالك من التعويرة." "معلش يا عم أسف.. بس أنا كنت بشوف حجم الإصابة."
هم ليرد عليه مرة أخرى ببعض الكلمات التي تُظهر حجم ضيقه، ولكن احتدت نظراته فجأة نحو هذا الذي أتى إليهم لاهثًا يسأل: "ألف سلامة عليك ياسعد.. هو انت اللي حصلك دا حصل إزاي؟ أظلم وجهه وهو ينظر إليه بأعين مشتعلة وإشارات الشك برأسه تدور نحوه. ثم من دون أن ينطق ببنت شفاة نهض يتجاهله وهو يخاطب علاء: "أنا رايح الحمام." ذهب على الفور أمام نظرات التعجب من الاثنين والصمت الذي قطعه عصام: "انت معرفتش ماله؟ هز علاء رأسه نافيًا:
"لا معرفش أنا واصل حالا لإني كنت بصلي الفجر في الجامع اللي تحت." "وأنا بصراحة عيني غفلت على كنبة المكتب و... لم يكمل جملته وذلك لأنه تفاجأ بأحد الأشخاص من إداري المشفى يستأذنه: "دكتور عصام لو سمحت ممكن كلمة." استأذن ليذهب للرجل من علاء الذي عاد للجلوس على مقعده من الأمس في انتظار إفاقة شقيقه. ليضاف إليه أيضًا انتظار سعد ومعرفة ما الذي أصابه. ***
بداخل غرفة المراحيض الخاصة بالمشفى، وقف أمام المرأة الكبيرة المعلقة بالحائط يغسل بحرص من ماء الصنبور على جانبي وجهه آثار الدماء التي نزلت على رقبته ولوثت قميصه أيضًا. وحريق مشتعل بداخله مما حدث له منذ قليل وأجهض خطته وما كان ينتوي فعله. عقله يشير نحو هذا عصام، ولكن مع مساحة قليلة من التفكير. إن كان هو بالفعل، فما الذي منعه من كشفه أمام علاء، بل وفضحه أمام المشفى جميعها أيضًا وهو مديرها وله السلطة بالقبض عليه وتسليمه للشرطة؟
إذن، فمن هذا الذي فعلها؟ من الذي رآه واكتفى بضربه فوق رأسه؟ فجأة انتابه شعور الخطر الكبير وقد ذهب منه إحساس الأمان بداخله لغير رجعة. ولابد من التصرف! *** حدق بالشاشة أمامه لدقائق بأعين متسعة قبل أن يتجه بأنظاره نحو هذا الفتى الصغير، والواقف بجوار رجال الأمن بثقة وعدم خوف من نتائج ما فعله. "إيه ده إيه ده؟ إيه يابني ده؟ جبت الجبروت دا منين عشان تعمل دا كله لوحدك ولا انت معاك شريك؟ أجابه بجرأة: "أنا لوحدي ومعايش حد؟
"كمان!! قالها باستهجان قبل أن يخاطب رجال الأمن وجميع الموجودين داخل الغرفة من موظفين بغرفة الكاميرات بالإضافة إلى رئيسهم: "وانتوا بقى كنتوا نايمين ولا إيه ظروفكم بالظبط؟ عشان عيل زي ده يستغفلكم ويبات في المستشفى، لا وكمان يجيب لنا مصيبة؟ دافع كبيرهم قائلًا: "يا دكتور عصام الولد زي ما انت شوفت بنفسك.. كان بيتهرب من مكان لمكان وجسمه الصغير مساعده.. لكن اهو قدرنا بالكاميرات نجيبه ونعرف مكانه."
توعدهم بحزم وهو يطرق بقبضته على خشب المكتب المثقل: "ماشي ماشي خلي تبريرك دا لبعدين انت والبقية في التحقيق إن شاء الله." "وهما ذنبهم إيه عشان تجازيهم؟ أنا اللي غلطت تبقى تحاسبني أنا." صاح به الفتى مما جعل عصام يفقد البقية من أعصابه:
"وانت كمان ليك عين يا ولد إنك تدافع وتتكلم بعد ما عملت مصيبتك لما كنت هاترتكب جريمة قتل بضربك لسعد بالطريقة الغبية دي وفي نص الليل كمان. ولا انت ماشوفتش شكلك في الكاميرا حالا وانت بتجره زي القتيل." هتف حانقًا: "أما كنت عايزيني أشوفوه وهو بيحاول يقتل عم حسين بحقنة الهوا وأتفرج زي الأهبل بقى وأقعد ساكت؟ قطب حاجبيه يسأله بعدم تصديق: "يقتل مين يا ولد؟ هو انت بتخرف ولا اتجننت؟
"أنا ما بخرفش ولا اتجننت وادي الحقنة أهي وشوف بنفسك." قال الأخيرة وهو يضع الحقنة بعنف على المكتب الصغير، بعد أن أخرجها من سترته. مما جعل عصام ينظر لها جاحظ العينين لعدة لحظات قبل أن يستدرك نفسه مخاطبًا وكيل المشفى: "نعيم اقفل علينا باب الأوضة دي حالا دلوقتي وانت يابني عايزك تشرحلي كدة وبهدوء انت بتقول إيه بالظبط عشان أفهم." ***
في منزل شاكر، بداخل غرفتها وبعد أن أدت فرضها بصلاة الفجر، استقامت فجر وهي ترفع معها سجادة الصلاة. وفور أن استدارت، أجفلت لوجود سميحة ابنة عمتها واقفة بجوار الباب. خاطبتها وهي تخلع عنها رداء الصلاة (الإسدال) "واقفة عندك ليه؟ ماتدخلي." تحركت بتثاقل لداخل الغرفة لتجلس بجوارها على التخت وهي ترد عليها: "أنا بس مستغرباكي يعني.. إمتى لحقتي تنامي؟ وامتى لحقتي تصحي؟ ردت بابتسامة باهتة وهي تشد الغطاء عليها وتستند
بظهرها على قائم السرير: "يابنتي أنا ملحقتش أنام أساسًا عشان أصحى؟ دا احنا على ما وصلنا امبارح بالليل واطمنا على خالتك زهيرة كانت الساعة واحدة وعلى ما دخلنا البيت وصلينا أنا وشروق كانت الساعة مقربة على تلاتة. بعدها بقى حطيت راسي عشان أعرف أنام معرفتش أبدًا أو يمكن أكون غفلت نص ساعة وما حسيتش بيها. المهم إني قمت بدري زي ما انتي شايفة كدة وصليت الفجر. انتي بقى إيه اللي مصحيكي بدري؟ لوت شفتيها وهزت كتفيها تقول:
"مش عارفة والنبي يابنت خالي.. ولا يمكن عشان نمت بدري امبارح لما لقيت البيت هس هس ومافيش حد غيري عشان أكلمه وابراهيم أخوكي قاعد على شاشة الكمبيوتر بتاعه في أوضته. قال وأنا اللي قولت إني هاخد السبوع هنا معاكم رغي طول الليل والنهار. قوم تيجي الحادثة المنيلة دي.. عشان تعرفي بس إني حظي الزفت مرافقني على طول. حتى هنا." ردت عليها فجر برقة: "ليه بتقولي كدة بس يابنتي؟
ادعي انتي ربنا يعديها على خير وبعدها نرغي ونحكي معاكي للصبح. بس انتي مقولتليش يعني.. هي والدتك مباتتش معاكي امبارح ليه؟ "لا ياستي.. ماهي باتت مع عمتي سميرة عند الست، حماتك العيانة.. ربنا ياخد بإيدها يارب.. دي هي نفسها رجعت متأخر كمان يدوبك قبلكم بساعة." قطبت بحيرة: "قبلنا بساعة؟! ليه يعني واليوم كله امبارح قضته فين بقى؟ تنهدت بيأس قائلة:
"مقلتش يافجر ولو سألتها هاتقولي أي كلام. أمي أساسًا اتغيرت من ساعة أختي ما اتوفت زيها زي أبويا. بس على الأقل هي بتتعامل كويس معانا غيرش بس لما تفتكر أختي وتدخل أوضتها وتقعد فيها بالساعات وماحدش فينا يقدر يقرب ولا يخبط عليها. أما أبويا بقى فدا في ملكوت تاني. دايمًا سرحان وضحكته مطفية. حتى في عز فرحته بيا."
"إخواتي الصبيان بيحبوا بعض عشان فاهمين بعض وأنا بحس إني غريبة وسطيهم. أصلها حلوة أوي لما تبقي أختك هي صاحبتك. ياما كان نفسي يبقالي أخت أكبر ولا أصغر مني أحكي وأتحاكى معاها زيك انتي وشروق كدة. على قد ما هي زي القطة النفرية لكن تتحب من أول قعدة." ارتسم الحزن جليًا على ملامح وجهها اشفاقًا على ابنة عمتها الصغيرة التي حُرمت من شقيقتها الكبرى والتي كانت لها هي قديمًا خير صديقة. ربتت على ذراعها وقالت بحنان:
"أنا صاحبتك واختك وحبيبتك ياستي.. مبسوطة بقى؟ تبسمت لها سميحة وهمت أن ترد ولكن استوقفها نداء شاكر من خارج الغرفة: "يافجر انتي وسميحة أنا سامع صوتكم.. ومدام صاحيين يابنات اطلعوا يالا حضروا الفطار عشان ألحق مشوار المستشفى." *** لماذا لم يفكر فيه سابقًا؟ لماذا غفل عنه كل هذه السنوات في خضم بحثه عن الحقيقة؟
متناسيًا بكل غباء الوجه الآخر لسعد الذي رآه هو فقط في عدة مواقف صغيرة أثناء دراستهم بالجامعة، والتي كان يستغل فيها بكل حنكة ومسكنة طيبة علاء وعاطفة الحماية نحوه. كيف تمكن عقله الغبي من نسيان نظراته المكشوفة نحو فاتن حبيبة صديقه؟ كيف صدقه حينما أنكر معرفته بأمينة الطرف الآخر في الجريمة وهو من أتى بها؟ كيف غفل عن المستفيد الوحيد للتفرقة بينه وبين علاء وبين علاء وحبيبته السابقة فاتن؟ "سرحت في إيه ياسعادة الدكتور؟
استفاق من شروده ينظر بأعين شاردة نحو هذا الفتى الصغير الذي تمكن بشجاعته من كشف الستار أخيرًا عن اللغز الذي أرق مضجعه لسنوات طوال. مسح بأطراف أصابعه على ذقنه بتوتر وقال: "بقولك إيه يا مازن.. مستعد انت بقى تشهد بالكلام ده قدام علاء أو الحاج أدهم المصري؟ "وأشهد قدام المحكمة كمان لو حصل.. لهو أنا جبان عشان أضيع حق أصحابي؟ أومأ برأسه له قبل أن ينتقل لوكيل المشفى المتبقي الوحيد معهم في الغرفة بعد أن أخرج جميع الموظفين:
"اسمعني يانعيم عايزك تراجع الكاميرات وتنبه على العمال ينتبهوا قوي على غرفة حسين في الأيام اللي جاية وتاخد بالك من مازن وتجيبلوا فطار وتشوفله مكان يريح فيه و... "أنا مش هفضل هنا أنا عايز أخرج عشان آخد بالي من عم حسين." قالها مقاطعًا لعصام الذي هتف عليه حانقًا: "بس بقى يابني وافهم إن المهمة دلوقتي بقت على المستشفى كلها." فتح مازن فمه ليجادله مرة أخرى ولكن أوقفه طرق الباب وأحد الأطباء يهتف من الخارج:
"يادكتور عصام حالة المريض بتاع حادثة امبارح الأستاذ حسين فاق من البنج! *** في شقة علاء التي اقتحمتها شروق هاتفة بصوتها العالي: "خالتي زهيرة يا خالتي.. انتي فين يا خالتي زهيرة؟ خرجت سميرة مجفلة من المطبخ وبيدها كوب زجاجي ممتلئ بإحدى المشروبات الساخنة: "مالك يابت بتزعقي كدة ليه؟ ردت شروق بلهفة وهي تتجه نحو غرفة نوم المرأة وخلفها فجر أيضًا: "حسين فاق يا ماما حسين فاق."
حينما فُتح الباب فجأة، وجدوا زهيرة واقفة بوسط الغرفة وهي مستندة بجسدها الضعيف على ذراعي عمتهم فوزية، متسمرة بوجه رخامي وكأن سماعها للخبر من خارج الغرفة أصابها بالتخشب. كررت شروق على مسامعها بهدوء: "حسين فاق يا خالتي زهيرة وان شاء الله هايبقى كويس." هطلت دمعتها بغير تصديق وهي تنقل عيناها نحو فجر تلمس الصدق منها. فرددت هي أيضًا بتأكيد:
"صدقيها يا خالتي زهيرة.. علاء اتصل بينا دلوقتي حالا وبشرنا وقال لنا نيجي كمان نبشرك عشان مستنيكي تيجي مع والدتي على هناك. هاتقدري تيجي تروحي تشوفيه يا خالتي؟ لم تستطع النطق سوى أنها فتحت ذراعيها لتستقبلهما بعناقها ودموع الفرح انطلقت منها بشهقات ومنهن أيضًا داخل أحضانها. مسحت فوزية بإبهامها الدمعات التي سقطت متأثرة ببكائهن. أما سميرة القوية دائمًا فكانت تكرر بكلمات الحمد مترافقة أيضًا بسقوط دموع عزيزة قلما تخرج منها.
*** قبله فوق رأسه الجريحة وواحدة أخرى فوق جبينه استمرت للحظات قبل أن يقبل كفه أيضًا وصوته الأجش خارج بصعوبة من فرط مشاعره نحو ابن قلبه الذي نجا واستفاق أخيرًا: "حمد الله على سلامتك ياحبيبي.. ألف ألف حمد الله على سلامتك." أومأ له بعينيه ورد بصوت بالكاد خارج منه: "الله يسلمك يا والدي." ردد خلفه بصوت خرج بارتعاش: "يا حبيبي.. وحشني صوتك قوي يانور عيني ربنا ما يحرمني منك يارب." صدر صوت عصام من خلفه:
"كفاية بقى يا عم أدهم عشان مانتعبوش أكتر من كده." رفع رأسه يرد عليه: "يعني ما ينفعش أفضل دقيقتين كمان معاه؟ جاء الرد من علاء، والذي كان واقفًا من البداية متكتفًا باستمتاع وهو يراقب أدهم المصري الرجل المهيب والمشهور بقوته، وهو الآن في أضعف حالاته بجوار شقيقه الذي استفاق أخيرًا بمعجزة: "ما خلاص بقى يا والدي مش عايزين نبقى طماعين كفاية إننا اطمنا عليه." تحرك أدهم مضطرًا يقبل كف ابنه مرة أخرى قبل أن يبتعد عنه:
"عندكم حق أنا مش عايز أبقى طماع وكفاية عليا إنه فاق للدنيا والباقي بعد كده يجي بالصبر. ألف حمد ليك يارب.. ألف حمد." نظر علاء نحو أخيه قبل أن يخرج معهم، فهمس إليه باسم حودة. أومأ له بتوتر يرجو ألا يكشف كذبته: "كويس يا خويا اطمن.. كويس إن شاء الله." هم ليتهرب ولكنه همس باسمها هذه المرة فأشرق وجه علاء ليطمئنه بابتسامة أعادت الدماء إلى وجهه:
"اتصلت بيها يا عم وزمانها جاية في السكة مع فجر وابوها. دي فرحتها بسلامتك ماتتوصفش." *** بعد أن خرج الثلاثة من غرفته تنهد علاء ارتياحًا ومعه والده الذي لم يكف لسانه عن الحمد. أجفلهم عصام قائلًا: "طب يا جماعة أنا كنت عايزكم تيجوا معايا على مكتبي في موضوع مهم." تكلم أدهم بقلق: "أوعى يكون في حاجة خطر على حسين." أسرع نافيًا: "لا يا عم أدهم.. حسين ماشاء الله وضعه لحد الآن كويس أوي. بس أنا كنت عايزكم في حاجة تانية خالص."
"حاجة إيه يعني؟ قالها علاء بعدم تركيز فقد انشغل برؤية حبيبته التي كانت خارجة من المصعد، فهرولت إليه بفرحة استقبلها معانقًا إياها حتى ارتفعت أقدامها عن الأرض. خرج صوتها بتلجلج وارتباك لعدم توقعها فعلته هذه أمام الجميع: "ألف... ألف... حمد على سلامة حسين." أنزلها مضطرًا باستحياء حينما رأى هذه النظرة الحازمة من أبيها، والذي ردد من تحت أسنانه: "حمد على سلامة حسين يا عم علاء."
ضحك أدهم يشاكسه والتفت هو لحبيبته التي زحف اللون الأحمر على وجنتيها وهي مطرقة عيناها للأرض بخجل، فزجرته شروق كالعادة تدفعها: "ودا وقته ده؟ أنا عايزة أشوف خطيبي." عض على أسفل شفته غيظًا وهو يكور قبضته نحوها مما أثار ضحكة عالية لأدهم، فخاطبها مابين ضحكاته: "قدمي لقدام شوية يا بنتي مع والدك وفجر واسبقونا. واحنا دقيقتين كدة وراجعين لكم."
تحرك شاكر ومعه ابنتيه نحو غرفة حسين. وتحرك الثلاثة في رواق المشفى في اتجاه غرفة مكتب عصام، الذي لم يكن منتبهًا لكل أجواء البهجة والمرح من حوله. وسألهم: "أما سعد راح فين يا علاء؟ أصل يعني مش شايفه." هز بكتفيه يرد بعدم معرفة: "معرفش.. فجأة اختفى في وسط المعمعة اللي حصلت لما الدكتور بشرنا بفوقان حسين." تمتم عصام بداخله عليه بسبة وقحة وهو يتوعده: "ماشي ياسعد ال..... حسابك جاي جاي.. هاتروح فين يعني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!