تحميل رواية عيسى القائد بقلم اية محمد pdf
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بالله عليك ما تلمسني اعتبرني زي أختك! ابتعد عنها يقول بضيق: _ أول مره؟ أومأت برأسها تقول ببكاء: _ آه والله، أبويا اللي أجبرني، بالله عليك اعتقني لوجه الله. _ جوز أمك؟ قالت بقهر: _ لا أبويا. أبويا اللي أنا من دمه. صاح عيسى بغضب: "منتصر!!! أنت يا زفت" دلف منتصر ينظر بقلق تجاه زعيمه يسأله: "خير يا قائد!" "كررت نفس الغلطة تاني، أنا مبحبش الغباء." "الغلط يتصلح يا قائد في لمح البصر، اخرجي يا بت أنتي برا." قال عيسى بضيق: "لحظة. أنتي ليكي إخوات؟" هزت رأسها نفياً فسألها من جديد: "عايزة ترجعي لأبوكي؟" "أح...
رواية عيسى القائد الفصل الأول 1 - بقلم اية محمد
بالله عليك ما تلمسني اعتبرني زي أختك!
ابتعد عنها يقول بضيق:
_ أول مره؟
أومأت برأسها تقول ببكاء:
_ آه والله، أبويا اللي أجبرني، بالله عليك اعتقني لوجه الله.
_ جوز أمك؟
قالت بقهر:
_ لا أبويا. أبويا اللي أنا من دمه.
صاح عيسى بغضب:
"منتصر!!! أنت يا زفت"
دلف منتصر ينظر بقلق تجاه زعيمه يسأله:
"خير يا قائد!"
"كررت نفس الغلطة تاني، أنا مبحبش الغباء."
"الغلط يتصلح يا قائد في لمح البصر، اخرجي يا بت أنتي برا."
قال عيسى بضيق:
"لحظة. أنتي ليكي إخوات؟"
هزت رأسها نفياً فسألها من جديد:
"عايزة ترجعي لأبوكي؟"
"أحسن من الشارع يا بيه."
"لا مش أحسن، مش ناقصه غباء. تاخدها للبنسيون وتديها أوضة هناك، وتشوفي لها شغلانة في مطعم تبعي."
قالت ببكاء:
"ربنا يجبُر بخاطرك ويعلي مراتبك يا بيه يا رب."
أخذهـا منتصر للخارج وظل عيسى مكانه ينفخ دخان سيجاره بضيق وصاح غاضباً:
"منتصر!!!"
عاد منتصر راكضاً تاركاً تلك الفتاة بالخارج وهو يتمتم بضيق:
"أركب جناحات واللي أعمل مني سبع نسخ!!"
"أمر يا قائد!"
"ألغِ صفقة مؤمن زيدان."
نظر له منتصر بصدمة:
"دي فيها رقاب يا قائد! إحنا واخدين نص المبلغ! وبعدين البضاعة جاهزة وعلى التسليم!"
وضع عيسى قدماً فوق الأخرى وقال بغرور:
"وأنا لقيت مشتري تاني وهيدفع مبلغ أكبر، وبالنسبة لمؤمن فأنا مبحبش الظلم، أديله فلوسه."
سأله منتصر بضيق:
"إنت كده هتخلق عداوة جديدة بينك وبين ابن زيدان يا عيسى! هو إحنا ناقصين عداوات! ومين بقى المشتري التاني؟"
قال عيسى بخبث:
"سليم مغاوري."
فتح منتصر عينه بصدمة:
"أكبر عدو لمؤمن! دا أنت كده هتولعها بين الاتنين."
"وهو ده بالظبط اللي أنا عايزه. خليها تولع بين الاتنين، حاسس بملل عايز أتسلى شوية، أي متسلاش!"
قال منتصر بضيق:
"لا إزاي يعني ودي تيجي! حيث كده بقى نتقابل بكرة الصبح."
"رايح فين!"
"هروح أسلم على مراتي قبل ما أموت. سلام يا قائد!"
تحرك منتصر للخارج بضيق وظل عيسى بمفرده، بدل ثيابه ثم أخذ مفاتيح سيارته وتحرك بها عائداً لمنزله الأساسي حيث يسكن ومعه والدته.
"خالة زينات! يا خالة خليهم يدخلوني... يا خااالة!"
خرج عيسى من سيارته يقترب بغضب من تلك التي تحاول دفع حراس أحجامهم يفوقون حجمها أضعاف ورغم ذلك تتدافع بينهم بإستماتة وتنادي باسم والدته، سأل بغضب:
"إيه! إنتي مين!"
التفتت له تقترب منه بلهفة:
"عيسى! أنا... أنا أختك."
نظر لها بتعجب ثم قال بتفكير يحاول تذكر اسمها:
"فريدة!"
هزت رأسها نفياً تقول بابتسامة:
"فردوس."
سألها بضيق:
"إيه اللي جابك هنا! عايزة إيه يعني!؟"
اختفت ابتسامتها وقالت بحزن:
"ماما ماتت. ممكن أتكلم معاك شوية لو سمحت!"
نظر لها بضيق ثم فتح باب سيارته فاتجهت سريعاً تجلس بداخلها والتف هو ليجلس بالجهة الأخرى وفتح له حراسه البوابة الخارجية يسير في الطريق الطويل الذي يؤدي في النهاية لقصـر القائد.
دلفت فردوس تنظر حولها بإنبهار، أشار لها عيسى لتجلس فجلست كما أخبرها وهو أمامها فسألته باهتمام:
"أخبار الخالة زينات إيه! كنت حابة أشوفها، أنا جايالك إنت بس عايزة أبقى أسلم عليها."
تأفف عيسى وسألها بضيق:
"إيه يا فردوس، إيه اللي جايبك بعد كل السنين دي!؟"
قالت بإحراج:
"عيسى أنا... أنا وحنة أختي هننطرد من البيت عشان مدفعناش الإيجار، وأبوك..."
قاطعها بحدة:
"متقوليش أبوك دي إنتي فاهمة!!"
قالت بضيق:
"ما أنا كمان مش قادرة أقول بابا."
قال عيسى بسخرية:
"خلاص نقول عنه الزفت. حلو الاسم ده!!"
قالت بضيق:
"المهم... الراجل ده طفش من خمس شهور وسايب علينا ديون كتير أوي، أنا وحنة بنشتغل بس مش عارفين نلاحق على أي ولا إيه. وأنا تعبت ومبقاش قدامي حل غير إني ألجأ ليك."
أومأ برأسه وقال بهدوء:
"ارجعي بيتك وكل الديون هتتسدد والإيجار، وهبعتلك فلوس كل شهر."
جاءت زينات من الداخل تقول بحدة:
"ترجع فين يا عيسى!!"
نظرت لها فردوس بابتسامة واسعة واقتربت منها فضمتهـا زينات بحنان ثم أخرجتها من أحضانها وقالت بجدية:
"عيسى! فيفي وحنة هيجوا يعيشوا هنا."
سألها باستنكار:
"يعيشوا هنا فين!؟"
قالت فيفي بهدوء:
"لسه في حاجة تانية عايزة عيسى فيها."
نظر تجاهها بضيق وملل فتابعت هي بتوتر:
"عايزاك تدور على إخواتك يا عيسى."
"نعم يا أختي!!"
اقتربت منه تتابع حديثها بجدية:
"ماما قالتلي قبل ما تموت إن... إنه يعني كان متجوز واحدة عرفي بعد ماما، ولما البنت حملت هو اتخلى عنها بس هي خلفت اتنين توأم وبعدين مشيت بسبب كلام الناس."
قال عيسى بسخرية:
"إذا كان إنتي اللي أنا عارف بوجودك من زمان وقاطعت علاقتي بيكي هروح أدور على أولاده اللي أنا مش عارفهم! ومش عايزهم أساساً أنا مش بدور على حد."
قالت فيفي بجدية:
"بس أنا عايزاهم يا عيسى! أنا عايزة يكون لينا سند وضهر في الحياة، أنا عندي ٢٤ سنة لما بيجيلي عريس مببقاش عارفة أقوله يطلبني من مين! أنا بنام وأنا مغمضة عين ومفتحة عين، مش حاسة بالأمان أنا وأختي. إنت اخترت متكونش موجود في حياتي بس يمكن هما يختاروني."
قال زينات بترجي:
"عشان خاطري أنا يا عيسى."
تأفف عيسى بضيق:
"الست دي اسمها إيه وعنوانها!"
أجابته فيفي بحماس:
"الورقة دي فيها كل المعلومات عنها."
أخذ عيسى الورقة وأخرج هاتفه يصوره ثم أرسلها لمنتصر.
على الجانب الآخر كان يجلس على السفرة ممسكاً بيد زوجته اليسرى وبيدها اليمنى كانت تضع الطعام بفمه، ارتبك عندما وجد هاتفه يرن بنغمة خاصة لعيسى فأخرجه وهو يبتعد بضيق عن زوجته:
"أوامرك يا قائد."
"بعتلك صورة، متنامش غير ما لما تجيبلي ولاد الست اللي اسمها في الورقة."
"اعتبره حصل يا قائد."
أنهى منتصر المكالمة بضيق وهو يشد شعره حتى كاد يأخذه بين يديه، نظر لزوجته بحزن وقال بضيق:
"نتقابل بكرة الصبح يا نوسة. سلام."
أخذ جاكته ثم رحل لتنظر هي في أثره بغضب وضيق.
"في حد برا هيوصلك. ودا رقمي الشخصي لو احتاجتي حاجة كلميني، متجيش هنا تاني يا فردوس."
أومأت برأسها بحزن ثم اتجهت لزينات تضمهـا بحب ثم أخذت حقيبتها وتحركت للخارج بينما هو صعد للأعلى تجاه غرفته وخلفه والدته.
"يا ابني علاقاتك مع اللي حواليك بتخسرهـا بسبب الفلوس، فيها إيه يعني لو كنت طبطبت على أختك وخدتها في حضنك وقعدتها في بيتك! يا ابني دي بنت وعايشة لوحدها في منطقة عشوائية، الناس هتنهش في لحمها."
"مش من النهاردة. أنا هحط حراس ليها هي وأختها وهبعتلها اللي تحتاجه. تمام كده!!"
"لا مش تمام!! إيه هتفضل عايش كده بطولك لوحدك! أنا إن عشتلك النهاردة مش هعيش بكرة يا عيسى. لا جواز عايز ولا عايز تخلي أختك جنبك لحد ما عدلها يجيلها ولا حتى عايز تدور على إخواتك."
ضحك عيسى بسخرية:
"الله أعلم أنا لو فضلت أدور ورا الراجل ده هيطلعلي كام أخ. مش بعيد لو روحت للتؤام دول يقولولي الحق أبوك كان مخلف من الست اللي هناك دي على أول الشارع."
"طب اسكت متخنقناش وتجيب سيرة. المهم أنا لما كنت مع صافي هانم ورتني صورة بنتها، والبت إيه يا ولا طالعة من فيلم أجنبي."
قال عيسى بسخرية:
"صافي هانم!!! الله يرحم يا زينات."
أجابته بتهكم:
"ركز في اللي بقوله، بقولك جايبالك عروسة!"
تنهد عيسى بتعب وهو يلقي بجسده على فراشه:
"لا يا ماما."
قالت بضيق ونفاذ صبر:
"ماشي يا عيسى، موافقة على رفضك بس بشرط."
"وإيه هو بقى!؟"
"متجيش كل يوم والتاني وقميصك في ريحة واحدة شكل يا حبيبي."
ألقت عليه ثيابه مع كلمة بضيق وغضب فقال بتهكم:
"سبحان الله بغير لبسي قبل ما أرجع وبرضو بتعرفي!! إنتي مرقباني يا زينات!! دا المخابرات معرفتش تراقبني!"
نظرت له بضيق فتحرك تجاهها يضع رأسه على قدمها وتمدد جوارها فمسحت هي على رأسه بحنان:
"نفسي أشيل عيالك يا عيسى، يا ابني دا أنت شعرك أبيض، هتعنس يا عيسى!!"
"هو في راجل بيعنس يا زينات! وبعدين مش خايفة تيجي واحدة تاخدني منك يعني!"
"يا حبيبي الأم بيبقى ليها مكانة تانية غير الزوجة، دور على بنت الحلال يا عيسى اللي تكمل معاك باقي عمرك."
تنهد يغمض عينيه بتعب حتى استسلم للنوم وأخيراً فتركته زينات لينعم بالراحة ويغوص في أحلامه، نفس الحلم الذي رافقه لسنوات وزائرة أحلامه تجلس أمامه مستندة بظهرها على صدرها وهو يحيط جسده بيديه، يتطلع لخصـلاتها السوداء وتلك الخصلة البيضاء تحاول هي تخبئتها بيدها فأمسكها هو بيده وقال بحب:
"بتخبيهـا ليه!! دي أكتر حاجة بحبها فيكي!!"
فتح عينيه على صوت رنين هاتفه وكان منتصر فأجابه عيسى بصوت ناعس:
"لقيتهم!!"
"آه لقيتهـم يا قائد في بيت عمك."
"عمي!! عمي مين هو أنا ليا أعمام؟"
"آه يا حبيبي ليك في طنطا. ف بكرة الصبح بقى نشد الرحال إنت وأنا على السيد البدوي."
"لا روح له إنت."
"عيسى الموضوع ده حساس أنا مش هروح آخد الشابين من وسط بيتهم وأقولهم معلشي أخوهم عايز ياخدهم. إنت لازم تيجي معايا."
"بعد إذن المشاعر يا منتصر، إنت الدراع اليمين لعيسى ال..."
قال منتصر بسخرية:
"مالك يا قائد مش فاكر باقي الاسم ولا إيه!!! ما علينا بس الموضوع ده مش هينفع فيه القوة."
أجابه عيسى بضيق:
"يبقى الصباح رباح."
همس منتصر بغيظ:
"ما كان من الأول ولا هو حرام ليك حلال فيا، دا أنت غتت."
"طب ما تسمعني بتقول إيه وتخليك راجل!!"
"بقولك نوم العوافي يا حبيبي، سلام يا قائد."
في الصباح التالي.
كان يتمدد في المقعد الخلفي لسيارته وبالأمام منتصر ينظر له بضيق من المرآة وهو يقود السيارة بتعب بسبب ساعات نومه القليلة، يتحرك في طريقه لمدينة طنطا.
وإن لم تكن سعيداً، عكر مزاج الآخرين.
قام بتشغيل الأغاني بصوت مرتفع ففتح عيسى عينيه بإنزعاج واعتدل في كرسيه ينظر له بغضب:
"اطفي الزفت ده."
لم يكن ليتجرأ منتصر على عصيان أوامر القائد فأغلقها بضيق فسأله عيسى بإنزعاج:
"مالك يا منتصر!!"
وأخيراً انفجر منتصر يقول بضيق:
"امبارح كانت ذكرى جوازي، واليوم اتضرب من أوله لأخره، ونسرين مبتكلمنيش كمان وشكلها ناوي يسيبلي البيت ويمشي."
"وهو إنت يعني بتلعب ما إنت في شغل، دا دلع وكلام فاضي."
نظر له منتصر بضيق ثم أكمل طريقه حتى أصبح أخيراً الاثنان أمام منزل ذلك العم الذي ظهر فجأة في حياته.
تحرك منتصر للداخل إذ كان البيت مزدحماً وتعلو به صوت الأغاني والزغاريد.
اقترب منعـم منهم يسألهم بتعجب:
"إنتوا مين يا بهوات!!"
اقترب منتصر من الرجل يصافحه ويسأله:
"حضرتك الأستاذ منعم!!"
"آه أنا."
اقترب عيسى يقول بضيق:
"أنا عيسى. ابن أخوك."
تساءل منعم بتعجب:
"ياه، بعد كل السنين دي!! طب اتفضلوا تعالوا بعيد عن الدوشة دي."
أخذهم منعم لإحدى الغرف وعيسى ينظر حوله بضيق حتى جلس وأمامهم جلس منعم فسأله عيسى بضيق:
"إنت اتجوزت الست اللي كان أخوك متجوزها ومخلف منها عيلين!!"
أومأ منعم برأسه:
"آه اتجوزتها، مهو طلقها وأساساً مكانش متجوزها رسمي يعني دي كانت ورقة عرفي."
"وعيالها فين!" سأله عيسى.
"برا يا ابني، أصل النهاردة كتب كتاب بنتي عقبال عندك."
"طيب أنا عايز أشوفهم، وعايزهم يجوا معايا القاهرة عشان فردوس عايزة تتعرف عليهم، يعرفوها وتعرفهم."
"خلاص يبقى تحضر كتب كتاب بنت عمك الأول وبعدين تتكلم معاهم وتتفق معاهم هما، اعتبروا البيت بيتكم، هروح أجيب لكم حاجة تشربوها."
تحرك منعم للخارج فبقي عيسى ومنتصر الذي تراجع برأسه على الأريكة وهو يتمتم بضيق:
"قصدك بنتك اللي هتبيعها."
نظر له عيسى يسأله بتعجب:
"إيه!!"
اعتدل منتصر يقول بجدية:
"وأنا بدور عليهم عرفت إن منعم ده اتجوز أم إخواتك على مراته اللي هي كانت مخلفة منه بنت، اللي هي العروسة دي. المهم يعني عرفت إن عمك ده عنده عيب واحد. الفلوس! العريس مش كبير أوي، عنده ٤٠ سنة وهي ٢٥. شغال في الإمارات بقاله عشر سنين ومعاه كتير أوي، بس مش دي المشكلة."
"اومال!!"
"بنت عمك هتكون الزوجة التالتة، وليه لأ عمك قابض مهر مليون جنيه."
"أما عيلة عايزة الحرق صحيح، دا حاجة تعر يا جدع."
ضحك منتصر وهو يؤيده:
"جدتك معرفتش تربي تقريبا كده."
"طيب تعال ندور على إخواتي دول نشوفهم فين عشان نخلص أنا مبحبش الدوشة."
تحرك معه منتصر للخارج وبدأوا في البحث عنهـم، تجول عيسى وكانت النظرات حوله من جميع من بالمنزل، حتى أن إحدى السيدات دفعت ابنتهـا تجاهه لتقدم له مشروباً بارداً فقدمته له الفتاة باضطراب ليأخذه عيسى ويتخطاها مكملاً جولته حتى توقف أمام إحدى الغرف، كان سيتخطاها لولا سماعه لصوت شهقات عالية.
كانت تدفن وجهها بين يديها وهي تبكي وينسدل شعرها على يديها ويخفي وجهها بشكل كامل، كان سيتخطاها للمرة الثانية لولا رؤيته لتلك الخصلة التي يعرفها جيداً.
اقترب عيسى أكثر وكاد يقتحم غرفتها حتى وهو يدقق نظره في خصلات شعرها ولكن أوقفه صوت أنثوي قادم من خلفه:
"عيسى!!!"
التفت عيسى لها، لم يتعرف عيسى عليها فقدمت نفسها:
"أنا فاتن، مامت عمار وعمر إخواتك."
انتبه عيسى لها وكاد يسألها عن إخوته ولكنه وجدهم بالفعل يأتون من خلفها ينظرون بتعجب لأخيهم كما أخبرهم منعم منذ قليل.
كانوا يشبهون بعضهم لحد كبير ولكن يمكن بالنهاية التفرقة بينهم فقالت فاتن بابتسامة:
"ده عمر، وده عمار. ده عيسى أخوكم يا حبايبي."
اقترب عمار منه بحماس يضمه ويربت على ظهره بقوة فرفع عيسى يده يضمه بهدوء:
"مكنتش أعرف إنكم كبار كده، فكرتكم مراهقين!"
قالت فاتن بابتسامة واسعة:
"لا دول أصغر من فردوس بسنتين اتنين بس. ٢٢ سنة، عمار اتخرج السنة دي من كلية التجارة لسه معملوش حفلة التخرج، وعمر لسه فاضله سنة في كلية طب الأسنان في جامعة طنطا هنا."
قال عمر بهدوء:
"وفيه كمان سنة امتياز."
مد يده يصافحه فصافحه عيسى ثم وضع يده في جيبه يقول بهدوء:
"الحقيقة فردوس عايزة تشوفكم وأنا قلت أجيبكم ليها لحد هنا، حد عنده مشكلة نروح القاهرة!!"
سبقتهـم فاتن بالحديث:
"يخلصوا بس كتب الكتاب بعدين هييجوا معاك يا ابني، هما من زمان عايزين يشوفوا أختهم ويشوفوك بس أنا قلت لهم محدش يعرفكم فيهم، مكنتش أعرف والله إنكم عارفين."
قال عيسى بجدية:
"لا أنا مكنتش أعرف، وعامة أنا أصلاً مشوفتش فردوس غير امبارح من ساعة ما سبت الحي. وفردوس عرفت لما أمها ماتت."
نظرت له فاتن بصدمة فهي ظنت بأن فردوس تعيش مع أخيهـا، تحرك عيسى من أمامهم وخرج ليجد منتصر يجلس بين النساء ويسقف بيده معهم يشاركهم الغناء.
وهكذا بدا المشهد، شاب قوي البنية كمنتصر يرتدي بذلة رسمية غاية في الأناقة، يضع نظارة الشمس ويجلس بينهم يسقف ويغني، ضاعت الهيبة!
اقترب منه عيسى يسحبه بضيق وأخذه بعيداً عن الجميع يقول بحدة:
"اسمعني كويس، عريس الغفلة ده ميوصلش."
نظر له منتصر بتعجب:
"يعني إيه ميوصلش!!"
"يعني..."
رواية عيسى القائد الفصل الثاني 2 - بقلم اية محمد
اسمعني كويس، عريس الغفلة دا ميوصلش.
نظر له منتصر بتعجب:
يعني إيه ميوصلش؟
نظر له عيسى بأعين غاضبة ليرتبك منتصر ويتراجع خطوة ثم قال بجدية:
اعتبره حصل يا قائد.
تحرك منتصر سريعاً من أمامه ليبدأ في التنفيذ وعيسى جلس بكل هدوء ينظر لهاتفه فهو ينتظر اتصالاً مهماً منذ الصباح.
وأخيراً صدع رنين هاتفه ليتركه لدقائق ثم أخذه بعدها بتكاسل يجيبه بهدوء:
مؤمن... عاش من سمع صوتك!
أتاه صوت مؤمن الغليظ الغاضب فأبعد عيسى الهاتف عن أذنه بضيق، قام برج هاتفه ثم قربه من أذنه مرة أخرى يقول ببرود:
شكلك واخد حباية الشجاعة ومش عارف أنت بتعلي صوتك على مين!
صك مؤمن على أسنانه بغضب فهو لا يود إنشاء عداوة ولا بأي شكل مع عيسى القائد ليقول بصوت أقل حِدة:
مفيناش من الغدر يا قائد!
دا بيزنس يا مؤمن، وسليم دفع أكتر قصاد نفس البضاعة، وأنت عارف اللي يدفع أكتر هو اللي يشيل، والله بقي أنت مش قدها دا ميخصنيش!
أنا قدها ونص وأنت عارف كويس أوي.. وأنا هدفعلك قد اللي هيدفعوهملك وأكتر، بس البضاعة دي بتاعتي يا عيسى.
تؤ، بتستغلوا طيبتي وحنيتي، طب خلاص اعتبر البضاعة بتاعتك.
التسليم امتى؟
هتعرف في الوقت المناسب.
أنهى عيسى المكالمة وجلس يشعر بالملل لما يقرب الساعة ثم تحرك لداخل المنزل.
فوجد عمه يخرج وقد بدا على وجهه الخوف والهلع:
العريس بيقول مش جاي!
تصنع عيسى الصدمة وقال بهدوء:
لا حول ولا قوة إلا بالله، إيه اللي حصل بس يا عمي! دا النهاردة كتب الكتاب!
والله ما عارف إيه اللي حصل، المصيبة إنه دافع مليون جنيه وعاوزهم وأنا اتصرفت في المبلغ، دا غير الفضيحة!
جلس عيسى بهدوء يضع قدماً فوق الأخرى:
مفيش فضيحة ولا حاجة يا عمي، عريس بنتك موجود والمليون جنيه اعتبرهم اتدفعوا.
عريس! ودا هتجيبه منين في ظرف ساعة زمن!
أنا! ومهـر مليون جنيه تاني غير اللي هدفعـه، وياريت نكتب الكتاب ونشهره علشان هاخد العروسة وأنا ماشي، ها يا عمي!! قولت إيه؟
ابتسم منعـم بتوتر:
هقول إيه يا ابني!! ألف مبروك.
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
لم يكن يتوقع أن يتزوج أبداً وكانت تلك نيته، هو لم يراها حتى! لم يعرف اسمها إلا من دقيقة، يحاول إقناع عقله أنه أنقذها من تلك الزيجة ولكنه يعلم من داخله بأنه أكثر الأشخاص أنانية في هذه اللحظات، ربما تلك المرة التي لم يستطع بها عقله التغلب على قلبه.
إيه يا عمي مش هشوف العروسة ولا إيه!
آه يا ابني طبعاً تعالى.
أخذه منعـم لغرفة ابنته، خرجت جميع الفتيات لتبقى هي "زمرد" تنظر أرضاً، ليس خجلاً وإنما تخفي عيناها المنتفختين من أثر البكاء.
صدمة ألجمته عندما وجد أمامه ملاكاً أبيض، فستانها الأبيض الراقي وحجابها ونقاب أبيض!
لم يكن يعلم أنها منقبة حتى!
عندما استمع لصوت إغلاق الباب اقترب منها يقول بهدوء:
لو مش هضايقك أشوفك!
رفعت وجهها له ورفعت يدها على النقاب فأقترب هو وأمسك بيدها لترتجف وتسحب يدها، الرجفة التي تؤكد له بأن تلك اليد لم يمسها غريب قط.
رفع هو عنها نقابها ليرى.. إن كانت هي نفسها زائرة أحلامه، أو لا!
همس بهدوء:
زمرد.
نظرت له بتساؤل ولكنه لم يكن يناديها، فقط يكرر اسمها على لسانه للمرة الأولى.
هو لا يصدق حتى الآن تحقق ذلك الحلم وها هي تقف أمامه بنفس ملامحها التي حفظها.
وضع النقاب مرة أخرى يقول بجدية:
يلا بينا.
تحركت السيارة بهم بعدما ودعت أهلها لينطلق بها ومعه أخوته ومنتصر للعودة للقاهرة من جديد.
كان يحاول منذ دقائق الخروج من بين أحضانها، فهي انهالت عليه بالمباركات والأحضان والقبلات بهذه المناسبة السريعة، وأخيراً تزوج ابنها الوحيد وآتى بعروسه لتكون سكناً له.
التفت لإخوته يقول بهدوء:
البيت بيتكم.
تحرك للأعلى تاركاً لها حرية الاختيار إن كانت تود البقاء معه بغرفته، أو سيبقى هو معها حيث تختار.
ولكن بعد دقائق دقت والدته الباب ودلفت وهي خلفها تسير ببطء تنظر حولها بقلق.
فأعتدل هو في جلسته يتابعها بهدوء.
قالت زينات بابتسامة:
هبعتلكم العشاء.
تحركت للخارج وأغلقت الباب خلفها لتضطرب زمرد وتتحرك تبحث عن حقيبتها.
وعاد عيسى لوضعيته مستلقياً على فراشه بإرهاق.
فتحت الحقيبة تبحث عن شيء لترتديه فأخذت فستان بيت مريح واتجهت للمرحاض.
هو فقط يتابعها في صمت.
نسرين! حبيبتي أنتي فين!
دلف منتصر يبحث عنها بضيق، كان يعلم بأنها ستترك المنزل وسيبقى هو بمفرده.
جلس بملل:
ليه يا نوسة انتي عارفة إني مقدرش أقعد هنا من غيرك!
أتاه رسالة على هاتفه، نغمة أخرى خصصها لرسائل عيسى ليعرفها على الفور.
تأفف بضيق وهو يسحب الهاتف يقرأ الرسالة:
فندق ******** الزمالك، أوضة 201.
تأفف بضيق وهو يجيبه:
دا إيه دا بالظبط!
هتلاقي هناك واحد، عاوزك تراقبـه كويس، عينك متتشالش عنه يا منتصر فاهم!
قال منتصر بحزن:
يا عيسى أنا لازم أروح أجيب نسرين من عند مامتها، هراضيـها بس وبعدين أروح أشوف الموضوع دا.
والله لو مكنتش قادر تشوف شغلك يبقى تقعد جمب مراتك أحسن! دا شغل واللي مراتك بتعمله دا دلع، وعامة ميخصنيش، اللي أقوله يتنفذ سامع!
أوامرك يا قائد.
تحرك منتصر بالفعل تجاه ذلك الفندق وهناك استقبله العمال وكأنهم بانتظاره.
ثم أتاه اتصال هاتفي من عيسى:
وصلت الفندق!
آه بس لقيت في ناس بتستقبلني وأدتني المفتاح! هو في إيه أنا مش فاهم حاجة.
طيب اطلع.. خليك معايا عشان لو حصل حاجة أعرف وأجيلك.
تحرك منتصر للأعلى بريب واتجه لتلك الغرفة يفتح بابها ليتفاجأ بها أمامه، عشقه الأول والأخير.
اقترب منها بحب كبير يضمها لأحضانـه يعتذر منها:
حقك عليا يا نوسة أنا أسف والله.
ابتسمت بحنان تضم وجهه بين يديها تقول بحب:
أنا بحبك أوي ومقدرش أزعلك.
غمزها منتصر بخبث:
بس إيه القمر والحلاوة والجمال دا، لا اتجرأنا ولبسنا قصير وحطي...
أنت يا روميوو!!!
فزع منتصر وهو ينظر لهاتفه ثم دفع زوجته بعيداً عنه يرفع الهاتف على أذنه مرة أخرى.
أوامرك يا قائد.
قال عيسى بخبث:
لا قائد إيه بقي والله النهاردة ما يكون فيه قائد غيرك، أنا حجزتلكم الأوضة النهاردة والمطعم كله ومظبطلكم عشاء حلو، صالح مراتك بقي.
أومأ منتصر بامتنان وقبل أن يشكره انتبه لشئ ما ليصرخ بغضب:
مين اللي جايب الفستان دا!
ضحك عيسى وقال بين ضحكاته:
ماما اللي جابت اللبس والله ما عارف هي جابت إيه حتى! بس شكله عجبك.
أجابه منتصر بضيق:
اخرس يا عيسى يا...
وقبل أن يكمل بقية الاسم أنهى عيسى المكالمة بضيق.
فضحك منتصر بسخرية ثم أغلق هاتفه وألقاه بعيداً يقترب من زوجته مجدداً يضمها بحنان:
يلا غيري هدومك وتعالي ننزل نتعشى عشان جعان أوي، مع إني مبقتش أقدر آكل غير الأكل اللي بتعمله إيديكي.
قبل يدها بحب فقال بابتسامة واسعة:
ماشي يا حبيبي ثانية واحدة وهكون قدامك.
خرجت من المرحاض فوضع هاتفه جانباً، كان فستان قطني من اللون الأسود يغطي كل جسدها، لم يكن ضيق أو واسع كثيابها المعتادة، وعقدت شعرها بضفيرة تضعها على كتفها بإهمال.
ذهبت لتجلس على الأريكة تمسك بهاتفها صامتة تنتظر منه هو الحديث ولكنه لم يتحدث.
وعندما سمع صوت طرقات الباب اتجه ليفتحه قبل أن تتحرك ثم أخذ الطعام ووضعه على الطاولة وقال أخيراً:
الأكل يا زمرد.
قالت بهدوء شديد:
شكراً أنا مش جعانة.
أقترب منها عيسى وجلس أمامها، تعلقت عيناه بخصـلتها البيضاء فرفع يده يتلمسها يقول بهدوء:
تعرفي إنها ملفته أوي.. يمكن بالنسبالي، أعتقد بالنسبالك مميزة صح!
هزت رأسها نفياً تقول بخفوت:
بالعكس أنا مبحبهاش.
ابتسم يقول بصوت أقرب للهمس:
عارف.
مد يده يرفع رأسها لتتقابل عيناها بخاصته، طالعها بهدوء يتفحص ملامح وجهها، توترها حتى نفورها منه.
قال بتعقل:
أنا مش عاوز منك غير إنك تفضلي معايا في نفس الأوضة، قدام ماما إحنا كويسين وعايشين في الحب بذاته بكل تفاصيله، غير كدا أنتي حرة.. القصر دا أنتي الملكة فيه.
قالت بدموع:
فكرتك هتعاملني وحش بسبب إني تقريباً أبويا باعني ليك!
وأنا اشتريت بالغالي يا زمرد، بصي علشان لازم تكوني عارفة، أنا اللي عطـلت العريس وعرضت على أبوكي إني أتجوزك.. مكنتش عايزة يظلمك زي ما أبو.. عمك ظلمني أنا وأخواتي كلهم.
نظرت له بصدمة بينما تحرك هو لخارج الغرفة ليتركها على راحتها في يومها الأول ببيته، واتخذ غرفة أخرى للمبيت.
أول مرة أشوف تسليم شحنة مخدرات الساعة ٦ الصبح يا عيسى!
كان عيسى صامتاً يتابع بعينيه كل ما يحدث أمامه بتركيز شديد فهو لا يأمن غدرهم بأي لحظة، ولا يثق بأحد، مؤمن ورجاله!
حتى حراسه هو نفسهم لا يثق بهم بالكامل.
أقترب من الأموال يتفحصها بخبرة فقال مؤمن بسخرية:
بتعرف الدولارات الحقيقية من المزيفة كمان!
لم يجبه عيسى بل سأله ببرود:
بضاعتك تمام!
أومأ مؤمن وهو يحمل حقيبة المخدرات ينظر لها بخبث:
زي الفل.
يدوب تلحق توزع بضاعتك، أصل نسيت أقولك إن مغاوري معاه نفس البضاعة بنفس الكمية.
أقترب منه مؤمن:
أنت اتجننت يا عيسى!
تؤتؤتؤ.. كدا أصوات عالية على الصبح! الناس نايمة عيب.
صرخ مؤمن بحدة:
مينفعش يبقى معانا نفس الصنف في نفس الوقت، أنت كدا هتبور البضاعة معايا!
ضحك عيسى يقول بسخرية:
أنت فاكر نفسك فكهاني!! الشاطر هو اللي هيصرف بضاعته النهاردة قبل بكرة.. وآه اللي بضاعته هتخلص الأول هو اللي يستاهل يكمل شغل مع عيسى.
أنت بتلعب بينا بقـي!
دا أوامر جاية من فوق، الظاهر كدا إنهم عاملين جدول مقارنة بينك وبين مغاوري، وأنت عارف اللي بيخسر بيروح فين!
ارتبك مؤمن وتحرك للخلف يشير لرجاله بالرحيل ليبدأ في توزيع بضاعته والانتهاء منه قبل منافسه.
وعيسى ينظر تجاهه ببرود مستنداً على سيارته.
أشار لمنتصر فأخذ الأخير حقيبة المال ووضعها بالسيارة ليقول عيسى بتسلية:
عجبتني اللعبة.
وضع نظارة الشمس الخاصة به ثم اعتدل في وقوفه يتحرك بكل هيبة تجاه سيارته يجلس بالكرسي المجاور لمنتصر.
بينما أشار بيده لرجاله أن يتحركوا وكذلك فعل منتصر.
تحرك منتصر لداخل القصر فأستقبلته زينات بود:
أخبارك إيه يا اللي مبتسألش في خالتك زينات أبداً، مع إني مظبطك يا واد، قولي صالحت نوسة!
ابتسم بسعادة:
آه يا قلبي صالحتهـا، ربنا يخليكي لينا وميحرمناش منك أبداً يا زوزو.
نظر لهم عيسى بضيق ولكنه لم يتحدث وجلس ينظر لهاتفه دقائق ثم رفع رأسه يسأل والدته:
هي زمرد صحيت ولا لسه يا ماما!
رفعت زينـات كتفها بمعنى أنها لا تعرف وكادت تتحرك وهي تقول:
هروح أصحيهـا.
لا أنا هروح أصحيهـا، قولي بس لعمر وعمار إنهم يجهزوا، هنفطر ونروح لفردوس.
تحرك للأعلى بينما جلس منتصر على طاولة الطعام وزينات تضع أمامه الطعام وكأنها أم له.
بالأعلى دلف عيسى للغرفة ليجدها نائمة على الأريكة فنظر تجاهها بتعجب، ترك لها الغرفة بأكملها لتنام على الأريكة بالنهاية!!
قرر تبديل ثيابه الرسمية بأخرى كاجوال فتحرك ليأخذ ثيابه فوجد خزانته قد تحولت بالكامل، نظر تجاه حقيبتها ليجدها فارغة، وقد أخذت نصف الخزانة تقريباً.
ابتسم بخفوت ثم اتجه للنصف الخاص به وأخذ ثيابه ثم تحرك لمرحاضه.
وعلى صوت الضوضاء فتحت زمرد عيناها لتضطرب عندما وجدته بالغرفة واعتدلت في جلستها.
خرج عيسى لينتبه لها يسألها بجدية:
تيجي معانا تشوفي فردوس!
أومأت برأسها بحماس ثم تحركت تجاه خزانتهـا تبحث عن شيء لترتديه فأخذت إدناء باللون الكافيه وخمار ونقاب باللون البيج وتحركت للداخل لترتديهم.
وجلس عيسى يتابعها بهدوء.
خرجت بعد قليل لتقف أمام المرآة ووضعت خمارها ثم عقدت نقابها من فوقه وأخذت حقيبته ثم نظرت لعيسى تسأله بقلق:
اتأخرت عليك!
اتأخري براحتك.
تحرك عيسى وهي خلفه تبتسم بتوتر، أسرعت خطواتها لتلحق بخطواته الواسعة حتى جلس هو على طاولة الطعام.
ابتسمت زينات بسعادة وهي تقول:
منورة بيتنا يا عروسة.
ابتسمت زمرد لها وهز عيسى رأسه بيأس فهو لم يسمع منها منذ الأمس سوى بعض الكلمات فقط وبقية يومها تقضيه في هز رأسها فقط!
زين البيض ناقص ملح.
نظـر له زين وأخذ الملح وتحرك تجاه السفرة يضع له الملح على طعامه ولكنه قال بضيق:
أنت ممنوع من الملح يا دكتور.
يبقى كدا مش هاكل خالص.
هز زين خادمه رأسه بيأس ثم تحرك للمطبخ من جديد لينتهي من أعماله.
تحرك سليم للمطبخ بعد انتهائه من طعامه وأمره بهدوء:
أوضتي محتاجة تنضيف.. مش قولتلك عليها امبارح!
آه معلشي كنت بغسل السجاجيد وملحقتش، متقلقش يا دكتور هتلاقيها نضيفة.
أومأ سليم برأسه ثم تحرك تجاه غرفته يبدل ثيابه وذهب للمستشفى حيث يعمل.
فدلف زين للغرفة يلملم الثياب من الأرض ورتب الغرفة.
وقف أمام المرآة ونظر لنفسه ولحاله.
رفع يده على ذلك الشال الذي يلفه بإحكام حول رأسه، ثم نزع تلك الذقن الصناعية.
كانت فتاة غاية في الرقة والأنوثة وانسدل شعرها الأسود المموج على ظهرها لتبتسم بحزن.
ولكنها اضطربت فجأة على صوت إغلاق الباب.
يا نهار أسود دا رجع!
رواية عيسى القائد الفصل الثالث 3 - بقلم اية محمد
" يا نهار اسود دا رجـع!!
استغـفرت ربهـا ف سب الدهـر حرام.
لملمت خصلاتها سـريعـا و وضعت الشال حـول رأسها ورقبتها ثم وضعت الذقـن و ألتقطـت المكنسـه و عـادت للعمل سريعـا قبل أن يدلف للغـرفـة.
ألتفتت له لتسأله بتعجب:
" خير يا دكـتور.. اي دا اي الد'م دا!! "
قال سليـم بضيق:
" كان في واحد عامل حادثـه هنا قريب من البيت، عملتله الإسعافات الأوليـه لحد ما الإسعاف توصل، بس لقيت نفسي اتبهدلت فقولت أرجع أغير هدومي علي السريـع "
تحـركت للخـارج تترك الغـرفة ثم اتجـهت للمطبـخ لتنشـغل بالعمل بـه بعيـدا عنه حتي ينتهـي.
وبعـد دقائق خـرج سليـم من جـديد ثم عاد يسألها بتعجب:
" زين هو أنت قـولت لسامي البواب يشوفلك شغل في حته تانيـه ليه!!؟ "
ابتلعت ريقهـا بتوتر وأجابته:
" أصل يعني حضـرتك عارف ان الشغلانه دي للستات أكتر وأنا قولتله يعني يشوفلي حاجه تانيه، بواب ولا حارس اسانسير أو حاجه من الحاجات دي يعني "
" أنا مش حابب اجيب واحـدة ست وما صدقت لقيتك الصراحـه يعني، برغم اني أوقات كتير بستغربك بس أنا مرتاح اننا شباب زي بعض وأنت شايف اني عايش لوحدي "
تـوترت زيـن و أومأت برأسهـا ثم قالت بهدوء:
" بس لو جـالي شغل أحسن أنا همشي.. أنا بشتغل هنا علشان كان عندي أزمة مـادية ويعني الحمد لله اتحلت و دا مستقبلي "
اومأ سليم بهدوء:
" ماشي اللي أنت شايفه.. "
تـوقف عيسى أمام منـزل فردوس.
تحرك الجميـع لخـارج السيـارة و جميـع من بالحي ألتفت لتلك السيـارة الفخـمة و هؤلاء الأشخـاص الذين بدى عليهـم الثـراء و الغنـي.
أقتـرب عيسى من البـاب ليدقـه ليجـد فردوس أمامه فأبتسمت بسعـادة كبيرة تقترب منه تضمـه بحب.
فربت هو عليها بهدوء ثم أبعـدها و أشار لإخوته:
" اخواتك يا فردوس "
نظرت فردوس تجـاههم بسعـادة فأقتـر عمر منهم ينـظر لها بدهشه:
" دي بجـد أختنـا! تصدق فينـا شبه من بعض!! "
أقترب عمـار منها يصـافحها بهـدوء:
" ازيك يا فردوس "
قالت فردوس بلهفـة:
" الحمد لله، الحمد لله.. اتفضـلوا يا جـماعه أهلا وسهـلا أتفضـلوا "
جـلس الجميـع بالداخـل و خرجـت حنـه بعـد قليـل تلقي السلام و جلست بهدوء.
فقال عيسى بجـدية:
" أنتي ممرضة يا حنه صـح!! "
أومأت برأسها فتحـدث مجددا:
" طيب أنا شوفتلك شغـل في مستشفي خاصـه، مستشفي كبيـرة ومعروفه لكـن لازم أول شهر تشتغلي في فرع بعيـد شوية للمستشفي و هناك بيكون فيه سكـن للمغتربين طبعا.. رأيك اي؟! "
قالت زينـات بسعادة لتفكير ابنها في تلك المسكيـنه:
" فـرصة حـلوة أوي يا حنة "
قـالت فيفي بحماس:
" والله حـلوة يا حنـة، أوعي تخسري الفرصـة دي "
ابتسمـت حنـة وقالت بهدوء:
" تمـام يا عيسـى قولي بس المفروض أعمل اي وأجهز ورق اي "
" طيب مستنيكـي تجهزي شنطتك و هاتي بس شهادة التخرج و هخـلي حد يعملك سي ڤي كويس "
سألته بتعجب:
" شنطـة اي؟! هو أنا هبدأ امتي! "
" من بكـرا الصبح، يدوب تلحقـي معاد القطر "
بالنهايـة هو شهر واحد و تلك الفرصه لن تتكـرر لفتـاة مستواهـا المادي يكـاد يكـون صفـر، وهي الآن بعـد وفـاة والدتهـا أصبحت وحيده بالكـامـل، لا عائلـة ولا زوج برغم أنها في منتصـف عامها الثامن والعشريـن لذلك لن ترفض الفرصـه فأدلت بموافقتها ثم تحركت للداخـل لتجمـع أغراضهـا.
بالخـارج قـال عيسى بجدية:
" والشهـر دا يا فردوس إخواتك هيقعـدوا معـاكي فيـه "
نـظرت بسعـادة كبيرة تجـاه التؤام ليبتسـم لها عمر و أقترب يجـلس جـوارها يسألها عن حيـاتها ودراستهـا و عن ذلك الحي وجيـرانها فسهـلت شخصية عمر الإجتمـاعيـه الطـريق لتنشأ علاقـة قويـه بين أخوه لم يعرفوا بعضهم أبـدا.
وبرغم غضب زينـات أصر عيسى أن يبقي إخوته بعيـدا عنه، فذلك الحي أكثر أمانا من بقائهم معـه.
بالنهـايـة عـاد عيسي ومعـه زوجـته وقد شعـرت بالملل أكثر في تلك الزيـارة.
تحـركت والدتـه ومعهـا حنـه لخارج السيـارة وكـادت زمرد تخرج فأمسك بيدهـا فنظرت تجـاهه بتساؤل لينظر هـو لوالدتـه يقـول بهدوء:
" السواق بالعربيـة التانيـه هيجـي دلـوقتي يوصل حنـه، أنا هخرج شوية أنا وزمرد "
ابتسمت لـه زينـات وهي تشعـر بإنقبـاضه بداخـل قلبهـا لا تـدري بسببهـا.
تحـرك عيسـى مجـددا بهـا، فرفعت نقـابها بمـلل تستنشق بعض الهـواء.
سألها بجديه:
" تحبي نروح فيـن! "
رفعت كتفيـها بجهل:
" معرفش أماكن في القـاهرة أصلا.. "
تـوقف علي جـانب الطـريـق فأنزلت نقـابها تنـظر جوارها تقـول بحماس:
" الله! دا النيـل.. "
" نيـل القاهـرة غير.. تعـالي نقعـد شوية علي الكورنيـش "
" لا عـاوزة أركب مركب زي اللي هناك دول "
اومأ لهـا ثم خرج من السيـارة و خرجت هي لتسيـر بجـواره ثم تحـرك لتأجيـر المـركب ليحقق لها رغبتـها.
بالفعل بعد قليل وقف يأخذ بيدهـا لتصعـد علي المركب وجـلست تنـظر حولها بإستمتـاع:
" ليه أجرته لينا لوحدنا كدا غالي أوي "
" خلينا كدا مرتاحيـن أحسن و نتكـلم براحتنا "
" نتكـلم في اي! "
سألها بجديـة:
" أبوكي كـان عاوز يجـوزك لواحد متجـوز اتنيـن علشان الفـلوس، وحتي جوزك ليا علشان الفلوس، ومشوفتش منك أي رد فعـل حتي، عياط وبس.. ليـه؟! "
" دا أبـويا، كنت هعمل اي! أنا رفضت كتيـر والله بس هو كان مُصـر و كنت مجـبورة علي الجـوازة من أولها لأخرها، بس في النهـاية كنت هعمل اي!! "
" أنتي بتحبي أبوكي ولا بتكرهيه!! "
" مشاعري ناحيـته مـاتت من وقعت ما تأكدت انها بيعه مش جـوازه.. أنا عارفه انه بيحب الفلوس من زمـان بس عمري ما اتوقـعت انها توصـل بيه للحد دا.. بس اكتشفت انه كـان طمـاع في حاجات كتير والفلوس حاجه منهم "
" زي اي يعني؟! "
" زي مرات عمـي اللي اتجـوزها علي ماما.. كان عينه عليها حتي....... "
بكـت قبـل أن تُكمـل حـديثهـا وقالت بين بكاؤها:
"أنا مبحبش أتكـلم عنه كدا أبدا، أنا كنت بحبـه أوي زمـان بس مع الوقت مبقيتش حابـه أشوفه حتـي.. كنت بفكـر أهرب من كتب الكـتاب بس مهانش عليـا.. مهانش عليا زي ما أنا هونت عليـه "
أقتـرب عيسى يجـلس جوارها بدلا من قبالتهـا و رفع ذرعه يلفـه حول كتفـها يربت عليهـا:
" ميستاهلش تعيطـي علشانـه أساسا "
ارتبكـت زمرد من اقتـرابه منها وحـاولت الإبتعاد فأنتبـه لمحاولاتها، هو لا يريد فرض نفسه أو وجوده عليها فتحرك عـائدا لمكـانه لتسأله هي بإرتباك:
" هو أنت اتجـوزتني ليـه؟! "
" في سبب غير اللي قولتهـولك، بس هتعـرفيه في الوقت المناسب "
نـظرت له بتعـجب فوجـهه هو عينـه ليـتابع المنـظر الطبيعي أمامه وكذلك فعلت هي تستمـتع بالماء و رحـلتها القصيـره.
تنهدت بتعـب وألتفتت له تسأله:
" هو أنت ممكن تساعدني ألاقي شغل أنا كمان!! "
نظـر لها بتعجب:
" وأنتي عاوزة الشغل في اي!! "
تنـاست الأمر فجاءة وسألته بإهتمام:
" اه صحيـح، هو أنت بتشتغل اي!! "
كـانت تجـلس بالقطـار تمسح دمـوعهـا.
وأخيرا انطـلق القطـار عن المحطـه فأرخت جسدهـا في كرسيـها فأمامهـا رحـلة طـويلـة.
أغمضت عيناهـا ليأتي ماضيهـا أمام عينيهـا.
" صبـاح الخيـر يا ماما.. عاملة اي!! "
قـالت يسـرا بتعب:
" الحمد لله يا حبيبتـي، عندك دروس النهـاردة! "
" مالك!! شكلك تعبـان؟ "
بكـت يسـرا تقـول بحزن:
" اتخانقـت مـع خالتك زينـات تاني، أو هي اللي اتخانقت معايا "
سألتها بتعجب:
" طيب ليـه؟! "
قـالت بآسي:
" علشان هرجـع لجـوزي "
صرخـت حنـة بصدمة:
" اااي!! اي اللي حدف الراجـل دا علينا تـاني يا ماما!!! "
قـالت يسرا بحده:
" متعليش صوتك، اختك تسمعك وتزعل وهي لسه صغيـرة، يا حبيبـتي هو اشتغـل و ساب الست اللي كان متجـوزها دي خلاص وعاوز يرجعلي "
قالت حنة بسخرية:
" اه.. في الأول خـالتي زينـات اللي اتجـوزها بفضيحـه وبعدين يطلقها و بعـدين اتجـوزك و أنتي علي ايـدك عيـلة مكملتش خمس سنيـن وجـابك هنا والكل ميطيقكيش بسبب سمعة جـوزك اللي زفت بين كل الناس ويقعدنا أيام مش لاقيين اللقمـة ومفيش إيد تتمدلنا غير خـالتي زينـات، و بعـد ما تخـلفي بكام سنـه يسيبك و يغور في ستين داهيـه ونعرف انه اتجوز واحده عرفـي و بعدين سابهـا و دلوقتي عاوز يرجـع و أنتي توافقي كمـان!! "
قالت يسرا ببكـاء:
" ضل راجـل ولا ضل حيطـة يا بنتي! "
" الحيطـة دي اللي هتقـع فوق دمـاغنا كـلنا وبكرا تشوفي، و ان مكانش الراجل دا راجـع وفي دماغه حاجـه ميبقاش اسمي حنـة "
انتفضـت حنة عن مقعـدها علي صـوت العكسـري فأخرجت تذكـرتها ليـراها ثم يبتعـد مكمـلا طريقـه.
أخرجت منديـلا تمسح قطـرات العرق عنهـا ثم أعتدلت في جـلستها تنظـر للطريق جوارهـا و ألتفتت علي صوت البائـع:
" قرص بسمسم وقرص بعجـوة.. بخمسه جنيـه وطازة "
أخرجـت محفظتهـا لتُخرج المـال الذي أعطتهـا اياه زينـات ثم اشترت طـعاما لهـا وجلست تتنـاوله وهي تفكـر بمستقبـلها و حياتهـا التي كُتب عليها البؤس بسبب ذلك الرجل.
" نـوسـه، أنا جيبتلك الطـلبات كلها.. أنتي فيـن "
تحـرك منتصـر تجـاه غرفـته يبحـث عنهـا فلم يجـدها.
تحـرك للمطبـخ ليتجـمد مكـانـه وهو يراهـا ملقاه علي الأرض تسبـح في بـركـة من الد'مـاء.
خـرجت تلك الد'ماء من رقبتها التي ذُبحـت بشكـل بشـع، كانت عيناها مفتوحـه تخـرج الدموع من طرفهـا.
اقترب منتصـر منها بأيدي مرتجفـه يمدهـا يمسح عنها دموعهـا، يرفع جسدها المتيبـس تجـاهه يشعر ببرودتهـا يقـول بضحك:
" اي الهزار البايخ دا يا نـوسه!! قومي أنا مبحبش الحركات دي "
هبطـت دموع منتـصـر وهو يهز جسدهـا بقوة و علت صـرخاته بإسمها:
" نوســــه! نسرين حبيبتي أصحي فتحي عينيكي!! نسرين متسيبينيش عشان خاطري أنا مقدرش اعيش من غيرك، نسرين انا معنديش لا اب ولا أم ولا اخوات، مليش غيرك متعمليش فيا كدا! "
أخـرج هاتفـه ثم اتصل بعيسـى بأيدي مرتجفه مختلطـه بالد'ماء:
" الحقني يا عيسي.. نسـرين مبتردش عليا "
فـتح عيسـى باب سيـارته يقـول ببعض الهدوء:
" طيب إهدي يا معتصم، أنا جايلك علي البيت وهطلب الإسعاف "
تحـرك عيسى سريعـا بالسـيارة و بجـواره زمـرد تتمسك بكـرسيهـا بفـزع تسأله بخـوف:
" هو في اي!! "
" منتصـر محتاجـني، هي مراته علطـول بتحمـل و بعدين بتفقد الجنين فأعتقد في مشكله زي دي.. اطـلعي معايا يمكن تساعديها "
اومأت له برأسهـا وبالفعـل صعـدت معـه للأعلي.
تحرك عيسى للداخـل يبحـث عن منتصـر ولكـن كان البيت هادئـا.
تفقد جميـع الغرف ثم تحرك للمطبـخ ليأخذ صدمتـه هو الأخر و خلفـه زمرد التي أغمضت عيناها بفزع مما تـري أمامها.
إلتفـت منتصـر لعيسى ليسأله بلهفه:
" الإسعاف جت!! "
أقتـرب عيسى منه بحـذر وحزن كبـير أثقل قلبـه في هذه اللحـظة وهو يري أمامه جـثة نسـرين و تمسك منتصـر بهـا.
فأقترب منهـا ومرر يده علي وجهها يغلق عينـاها ليصرخ منتصـر به بحده:
" بتقفـل عينيها ليـه يا عيسى!! متلمسـهاش أصلا "
نظر لزوجـته من جديد:
" نسـرين فتحي عينك يا حبيبتي، يـلا قومي اعملي عشاء عشان عيسى جـه، افتحي عينيكي وردي عليا بقي يا نوسه.. مبتردش يا عيسى! "
" منتصـر.. نسرين ماتت "
صرخ به منتصـر بغضـب:
" اطلع برا يا عيسى، لو هتقـول كدا يبقي اطـلع برا بيتي "
جـاء رجـال الإسعـاف فخـرج عيسى تجـاههم يقول بجـديه:
" دي جريمـة قت.ل أنا هبـلغ البوليس "
ظـل منتصـر بمكـانه حتي آتت الشـرطـة و إمتلأ المنزل برجـال الشرطـه.
اقترب عيسى من منتصر مجـددا وهو يسحـب منه نسـرين وتلك المره تجـاوب معه منتصـر وكأن عقله عـاد للعمل من جـديد.
حاول عيسى مساعدته علي الوقوف لكن منتصر قال بدموع:
" مش قادر أقف يا عيسى "
أخذ عيسى ذراعـه و وضعهـا فوق كتفـه و حـاوطه باليد الأخري و بكـل قوته رفـعه عيسى ليستند منتصـر علي الحائط بيده الأخري و أخذه عيسى للغرفـة.
سحب فوطـه من الخزانـه وألتفت ليجـد زمرد خلفـه أخذتهـا منه وهي تنظر لهم بآسي ثم تحركت للمرحاض الخاص بالغرفـة تبللها ببعض المـاء ثم عادت تعطيهـا لعيسى، فأخذها وأقتـرب من منتصر يمسح له يديـه و وجهـه من آثار الد'مـاء.
جـلس عيسى أمامه وقال بـحده:
" حقها هيرجـع يا منتصـر.. دا وعد مني ليـك "
قال منتصر بإستسلام:
" بس أنا عاوزها هي... أنا مليش حد غيرها يا عيسى، أنا ابن الملجـأ مكانش ليا هوية غيرها "
قال عيسى بحـزن:
" لازم تفـوق علشان هي كمـان مكانش ليها غيـرك، أقف علي رجـليك يا منتصـر متقعش.. "
تحـرك للخارج فتبعتـه زمـرد وخرجـت لتجـلس بالخـارج تنظر بآسي لذلك المنزل الذي دُمر الآن.
نظرت لعيسى الذي وقف يتحـدث مع الشـرطي الذي سأله بجديه:
" حد كان موجـود غيركم!! "
" لا، منتصـر رجـع لقاهـا كدا فأتصل عليا و أنا كلمـت الإسعاف واتحركـت، كنت قريب منه أصلا و المدام كانت معايا فجيبتهـا والإسعاف أول ما وصلـوا قولتلهم انها جريمة ولازم أبلـغ الأول... أنا عـاوز بس أعرف أحدد معاد الدفنـة إمتي، أنا مش عاوزهـا تتبهـدل "
" هتروح المشـرحه ويطـلع تقـرير الطب الشـرعي الأول وبعد كدا تقـدروا تستلمـوا الجثـة، حضـرتك شاكك في حد معين "
" لا.. الأسئـلة دي هيجـاوب عنها منتصـ..... "
أتي منتصر من الداخـل وقاطـع حديث عيسى يقول بحده:
" لا يا حضـرة الظابط، أنا مش شاكك في حد، أنا مليش عداوات مع حـد و لا زوجـتي ليهـا "
" ممكن تكـون محاولة سرقة بردو، عامـة احنا هنبدأ في القضيـه و هنوصل للي عمل كدا، بإذن الله العداله هتـاخد مجراهـا... البقاء لله يا أستاذ منتصر، شد حيلك "
في نهـاية اليـوم خـرجت من القطـار لتقف في المحطـه بإضطـراب.
تحـركت للخـارج تبحث عن سيـارة أجرة لتجـد من ينـاديهـا بإسمهـا:
" أنسـة حنـة!! "
نظـرت حنـة تجـاه ذلك الرجـل بتعـجب فأقترب هو تجـاهها يقول برسمية:
" أنا الدكـتور خـالد عبد الشافي، عيسـى كلمني أستقبلك في المحطـة وأوصلك لحد المستشفي، وكمـان قالي أديلك رقم تليفوني لو احتاجتي أي حـاجه كـلميني فـورا "
سألته بتردد:
" هو حضـرتك شغال في المستشفي دي!! "
هز رأسه نفيا:
" لا، أنا شغال في المستشفي الحكـومي، بس هي قريبة من المستشفي الخاص فـلو احتاجتي حاجه هكون قريب منك معظم الوقت، ماشي متتكسفيش عيسى موصيني عليكي "
أومـأت برأسها وقالت برسميه:
" شكـرا ليك يا دكـتور خـالد.. "
أخرجت هاتفـها وأعطته اياه ليكتب لهـا رقم هاتفهـا ثم أوقف لها سيـارة أجرة و أخبـره بالعنوان بالتفصيـل ثم أعطـاه المـال فتحرك السائق مبتعـدا بهـا تجـاه ذلك السكـن الجـامعي.
وعاد خـالد لمنـزلـه ليجـد ازدحـام شديد أمام المنزل فركض ليقف بجـوار والده الذي قال بحرج:
" والله ما عارف طريقهـا يا عالم، أعمل اي بس!؟ "
قـال ضاحي بحده:
" اسمع كويس، لو بتك دي مرجعتش و جوزتهـالي برضاك يبقي تـاري هاخده من ابـنك اللي واقف جمبك ده.. قدامك شهر واحد يا عبد الشافي بيه "
أخذ خـالد والده للداخل وهو ينظر لضاحي بحـده وغضـب.
جلس والده علي الأريكـة يقول بحيره:
"هتكون راحت فين بس بنت الكـلاب دي!! لو لقيتهـا أنا اللي هخلص عليها بيدي "
تحـرك خالد تجـاه غرفـته بدلا من الدخـول في جدال أخر لا داعي لـه مع والده.
ارتمي علي فراشـه يتذكـرها بحزن وألم.
" زين، لازم تهـربي حـالا، مش هجوزك ليه، مش هتتجوزيه "
" إنت بتقول اي يا خـالد!! أهرب يعـني اي دا أبوك يدبحنـي كيف الفرخه "
" مش هيلاقيكي.. أنا خسرت واحده مش هخسر التانيه فهـمتي، إطـلعي يا زيـن علي محطـة القطـر وروحـي القاهـرة... خدي الفلوس دي معاكي باتي في لوكـنده و يومين وهكـون عندك أدبرلك مكان وأتصرف "
أومـأت برأسها ثم ضمت شقيقـها بكـل حب، فهي ان تزوجـت ذلك" ضاحي "فكأنها تقدم نفسها للموت بكل رضا ولذلك قررت موافقة أخيها والهرب.
تنهد خالد بتعب:
" يا تري أنتي فين!! "
بعـد مرور عدة ساعـات.
" لا.. لا مش هدفنها دلـوقتي، نسـرين بتخـاف من الضلمـة، لما الصبح يطـلع، خلاص الفجر قرب يأذن "
استسـلم عيسـى وجـلس بجـواره في طرقـات المشفـي.
وضع منتصـر رأسه المتعبه علي كتف عيسى فربت عيسى علي ظهـره يقول بحزن:
" كـله مقدر ومكتـوب... "
قـال منتصـر بخفوت:
" أنا عارف مين اللي عمل كدا يا عيسى... "
رواية عيسى القائد الفصل الرابع 4 - بقلم اية محمد
"لا.. لا مش هدفنها دلوقتي، نسرين بتخاف من الضلمة. لما الصبح يطلع، خلاص الفجر قرب يأذن."
استسلم عيسى وجلس بجواره في طرقات المشفى. وضع منتصر رأسه المتعبة على كتف عيسى، فربت عيسى على ظهره يقول بحزن:
"كله مقدر ومكتوب."
قال منتصر بخفوت:
"أنا عارف مين اللي عمل كدا يا عيسى."
نظر له عيسى، فابتلع منتصر غصته يقول بألم:
"من شهر ونص في شخص بيهددني، عاوزني أسلمه ورق شغل وملفات خاصة بتاعة الشركة وأنا طبعًا رفضت، بس كانوا بيهددوني أنا، بحياتي أنا مش بيها!"
شدد على قبضته وهو يتذكر تلك التهديدات، وصورتها وهي على الأرض لم تفارقه بعد. اشتدت حدة ملامحه وبرزت عروق يده، وقال بصوت حاد غاضب:
"لكن وربي نهايته على إيدي، وقبل ما يبات جسمها في التربة هكون خلصت عليه."
أوقفه عيسى ثم أخرج هاتفه يضعه أمام عينيه. فأخذه منتصر وهو يرى ذلك الشخص بقفص يجلس ينظر أمامه بخوف، يضم قدمه إلى صدره حتى أن رجفته كانت واضحة للكاميرات. تحرك المصور ليرى منتصر قفصًا آخر يسبق ظهور ما به صوت زئير. علمه منتصر على الفور، يهمس بصوت متوعد:
"تايجر!"
أخذ عيسى هاتفه مرة أخرى يقول بصوت مختنق:
"أنا كنت عاوز أخليه وجبة عشاء لذيذة لتايجر، بس تايجر بيحب اللحمة نص سوا."
قال منتصر بحدة:
"ومحدش غيري هيجهز العشاء لتايجر النهاردة، بس خليني.. أكرم نوسة الأول."
جلس منتصر وقد لانت ملامحه الحادة وحل محلها الحزن الشديد والقهـر، وهو ينظر تجاه المشرحة. لا يصدق حتى أين يجلس هو!
سيعود لدياره ولن يجدها، سيمرض ولن تداويه، فهي سكنه ومسكنه وحبه الأول الذي عشقه في الطفولة والصبا والشباب.
خرج من المشرحة وتحرك تجاههم يقول بجدية:
"مساء الخير، أنا دكتور سليم مغاوري. أولاً البقاء لله."
لم يجبه أحدهما، حيث نظر كلاهما للآخر بصدمة عند سماعهما للإسم. حسنًا، فالمدعو "سليم مغاوري" يعمل في تجارة المخدرات باسمه فقط دون أن يظهر وجهه، فقط اسمه الثنائي لا أكثر. أشار عيسى بعينه لمنتصر بالصمت، فعاد منتصر لسليم يقول بهدوء:
"ونعم بالله."
أكمل سليم حديثه برسمية:
"قبل القتل كان في محاولة اعتداء، والواضح إن ده كان الهدف الأساسي للجاني. الضحية كانت متعلمة أي فن من فنون القتال أو الدفاع عن النفس؟"
أومأ منتصر برأسه:
"أيوا، هي مكانتش ضعيفة، هي كانت رياضية وكانت بتلعب ملاكمة بس بعد الجواز وقفت، يعني بقالها سنة بالظبط."
أكمل سليم بجدية:
"فشل الجاني في محاولة الاعتداء عليها خلاه يلجأ للقتل. لو كان الهجوم الهدف منه القتل في البداية كان الجاني هيستخدم سلاحه، لكنه استخدم سكينة من المطبخ عندك. وبرغم كدا السكينة مش عليها غير بصمات الضحية، لكن لقينا خصلات شعر بين ضوافرها وبنسبة 90% ده شعر الجاني، أو شعر حد من اللي قرب من الضحية بعد الوفاة."
قال عيسى بجدية:
"منتصر وأنا بس اللي قربنا منها، بس أنا ملمستش إيديها خالص. ومنتصر لما وصل كانت اتوفت. ومراتي مقربتش منها خالص وكمان هي محجبة، فبنسبة 100% ده شعر القاتل."
تنهد سليم يقول بحذر:
"مطلوب مني آخد عينة من حضرتك والأستاذ منتصر وكمان المدام بتاعت حضرتك."
اقترب منتصر من سليم يمسكه بغضب، يصرخ به بصوت غاضب:
"قصدك إيه!! إني قتلت مراتي؟!"
دفعه سليم بضيق يحاول أن يحتوي الموقف ويتفهم ما يمر به منتصر، فقال بحده:
"أستاذ منتصر، أنا طبيب شرعي، مش ظابط. وأنا بنفذ اللي بيطلب مني علشان التحقيقات، وقاسم باشا أمر إن الجثة متخرجش قبل ما نثبت إن الـ DNA بتاعكم أنتم التلاتة مش متطابق مع العينة اللي أخدناها من الضحية."
تأفف منتصر بضيق وهو يتراجع للخلف، يستند بظهره على الحائط. لا يستطيع التحمل، سيفقد عقله قبل نهاية اليوم بكل تأكيد.
تحرك للداخل في الطريق المؤدي للمشرحة ليمنعه سليم:
"مينفعش تدخل دلوقتي."
صاح منتصر بانفعال:
"هو إيه اللي مينفعش!! عاوز أشوفها.. فين أم مدير المخـروبة دي؟!"
قال سليم بضيق:
"لو عملنا التحاليل حضرتك هتقدر تشوفها، مش هتاخد وقت صدقني هنخلصها في أسرع وقت عشان نخرجلك الجثمان، بعد إنكم يا جماعة تفهموا الوضع.. دي جريمة قتل. نصيحة مني اعملوا التحاليل لأن لو البوليس وصل لحاجة جديدة هيفضلوا متحفظين على الجثة."
جثة، جثمان. لا يصدق منتصر أن تلك الكلمات تقال عن حبيبته، فانهار أرضًا يستند بظهره على الحائط، يدفن رأسه بين قدميه وبكى بتعب وانهيار وأسى، وحزن أسر قلبه وفتته.
قال عيسى بهدوء:
"هنعـمل اللي انتوا عاوزينه، أنا هروح أجيب زوجتي من البيت."
أومأ له سليم، ولكن قبل رحيله قال بهدوء:
"الأستاذ منتصر ممكن يستنى في مكتبي لحد ما حضرتك ترجع."
"متشكر يا دكتور سليم."
انحنى عيسى يجلس أمام منتصر الذي فقد أعصابه، فربت عيسى على ظهره بحزن:
"تعالى اقعد في المكتب.. يلا يا منتصر."
وقف عيسى يمد يده لمنتصر، فتشبث منتصر به واستند عليه، يتحرك بتعب تجاه المكتب. تركه عيسى بالداخل ثم تحرك بسيارته سريعًا عائدًا لقصره.
جلست والدته تبكي بحزن شديد، وبجوارها زمرد تواسيها وتحاول التخفيف عنها. اقترب منها عيسى وجلس بجوارها، فمالت تجـاهه ليأخذها بين يديه يربت عليها:
"كل واحد له عمره يا ماما."
قالت زينات بحزن:
"قلبي وجعني عليها أوي يا عيسى، دي كانت زي النسمة وعمرها ما أذت حد ولا وجعت حد بكلمة، ليه يحصل فيها كدا يا عيسى ليه؟!"
قال عيسى بحزن:
"بسببي."
تطلعت الاثنتان له بصدمة، ليكمل بغضب يحاول كتمه بداخله:
"أنتي عارفة إن معتصم عارف عن شغلي كل حاجة، واللي عاوزين يشتروه عشان يوقعوني كتير. ومنتصر كان في حد بيهدده عشان يخرج أوراق مهمة من الشركة والشغل وهو رفض."
اتجه بأنظاره تجاه زمرد يكمل حديثه:
"منتصر مش بس شغال عندي ودراعي اليمين، هو بيعتبرني أخوه ومستحيل يخوني، بس طبعًا متوقعتش إن الموضوع يوصل لموت مراته عشان شوية أوراق!! هما كانوا بينفذوا تهديدهم ليه ونسرين راحت ضحية."
قال عيسى بآسي:
"ماما أنا هدّفن نسرين في مدافن السيدات بتاعة عيلة والدك."
أومأت زينـات برأسها موافقة وهي تحاول التحكم في شهقاتها وبكاؤها، لتسأله زمرد بحيرة:
"فين أهلها؟"
قالت زينـات بحسرة:
"هي ومنتصر كانوا في ملجأ واحد، ميعرفوش لا أب ولا أم.. ملهـاش حد، مكـانش ليهم غير بعض."
قال عيسى بجدية:
"زمرد محتاجينك في المستشفى، أنا وأنتي ومنتصر هنعمل تحليل مطابقة لعينة شعر لقوها في ضوافر نسرين. البوليس مش راضي يخرجها غير ما نعمل التحاليل. منتصر كان بيتخانق بسبب كدا بس أنا مش شايف قدامي غير إننا نخرجها بقي كفاية مرمطة."
التفتت تبحث عن خمارها ونقابها، وقد تركتهم منذ أتى بها من بضعة ساعات، من وقتها تجلس بجوار والدته تواسيها عندما علمت بالأمر.
وضعت خمارها سريعًا وفوقه نقابها، ثم اتجهت تربت على زينـات بحزن:
"بالله عليكي يا طنط كفاية عياط، صلي الفجر وادعيلها بالرحمة."
وقفت زينـات تقول بجدية:
"أنا هاجي معاكم، عاوزة أشوفها يا عيسى."
هز عيسى رأسه رفضًا واقترب تجاهها يقول بحزن:
"مش هتستحملي يا ماما وهتتعبي، خليكي هنا وصلي وادعيلها."
"لا يا عيسى هاجي، ملهـاش لا أم ولا أخت يقفوا على غُسلها، أمك مش ضعيفة وأنت عارف. دقيقة واحدة هغير هدومي، أوعي تمشي."
أومأ لها بإستسلام، ثم جلس على الأريكة بتعب، ينظر للأعلى بشـرود. تدمرت حياة منتصر بلحظة واحدة، لفظت نسرين أنفاسها الأخيرة ورحلت عن عالمنا وأغمضت عيناها عن دنيانا، وهذه هي نهاية الرحلة مهما طالت.
ابتعد عن أخوته لسنوات لئلا يكونوا نقطة ضعف أو تهديد له، ولكن بلحظة ضعف تزوج منها ووضعها هي أمام المخاطر بأكملها. إن أحبها حقًا ما كان ليتزوجها، هو فقط أراد زائرة أحلامه وأراد منع ظلم عمه المماثل لأبيه. هي بريئة، بسيطة، عادية تحاول الاندماج في عالمه الباهت المزيف. لا يملك مشاعر الحب ليقدمها لها، هي نقية وهو كان يرى نفسه ملاكًا لرفضه أي فتاة تجبر عليه ويساعدها، ولكنـه كان يتغافل عن معصيته مع غيرهم من سمحوا له بما لا يحل له أبدًا.
اعتدل يلتقط أنفاسه ليجدهـا أتت أمامه بكوب من الماء البارد وشطيرة صغيرة على حاملة الطعام الصغيرة:
"أنت على فطارك من امبارح ولسه بكرة اليوم طويل. أنا بصراحة معرفش حاجة لسه في المطبخ وإلا كنت عملتلك حاجة تانية."
أمسك بيدها وربت عليها بهدوء، ثم أخذ الطعام يتناوله واحتسى كوب الماء البارد لعلـه يطفئ نيران قلبه. سحبت يدهـا بهدوء وابتعـدت تبحث عن هاتفها الذي تركته لتشحنه من فترة، أخذته مع وصول زينـات بذلك الرداء الأسود.
دلفـت زينـات لذلك المكتب ولم تشعر بنفسها إلا وهي تضم منتصر تربت عليه بحنان، وهو تشبث بها ازداد بكاؤه وكأنه انتظر من يشاركه الضعف والبكاء بدلًا من قوته الزائفة التي اصطنعها أمام عيسى.
سحب عيسى والدته لتجلس على الكرسي المقابل لمنتصر. في النهاية هو ليس ابنها الحقيقي. قال منتصر بخفوت:
"الدكتور خد مني العينة، روح له أنت ومراتك عشان نلحق ندفن قبل الضهر. مش هبهدلها الليل واليوم كله، كفاية عليها كدا."
تحرك عيسى للخارج يسحب زمرد خلفه، وبالفعل انتهى الأطباء من تلك الإجراءات خلال ساعات قليلة، وانتهى الغسل. فدلف منتصر يقترب منها بأعين مرهقة من كثرة البكاء، جثا على ركبتيه ليصبح وجهه أمام وجهها وقال بين دموعه:
"هتوحشيني يا قلب منتصر، كنتي نعم الزوجة يا نوسة، راضي عنك وأتمنى مكونش ظلمتك في يوم. لو دا حصل سامحيني."
ابتعد عنها بصعوبة، وبدأت مراسم الدفن. كان يغلق ذلك القبر تاركًا روحه وأنفاسه بداخله. ابتعد الجميع، حتى أن عيسى أرسل زوجته ووالدته مع أحد حرّاسه الموثوقين وبقي خلفه.
قال منتصر بتعب:
"روح أنت يا عيسى أنا قاعد شوية."
"هو أنا سألتك هتقعد شوية ولا كتير! أنا هفضل معاك مش هتحرك من غيرك."
تحرك منتصر معه بعد مرور ساعة أخرى. أصر عيسى عليه أن يأخذه لقصره، ولكنـه رفض رفضًا قاطعًا، يقول بصوت مليء بالغضب والتوعد:
"خدني عنده.. خليني أبرد ناري يا عيسى."
نظر عيسى أمامه بملامح جادة تخفي خلفها الكثير من الغضب والدهاء والمكر. تخطت سرعته الحد المسموح به، ولكنه يعلم بأن هذا الطريق خالي من السيارات. وأخيرًا توقف أمام مبنى قديم، تستطيع من الخارج سماع صوت زئير ذلك النمر الجائع.
ابتسم عيسى بخبث وتحرك للداخل وخلفه منتصر. فتح لهـم الحراس الباب، فتحرك الاثنان بهيبة وحضور طاغي برغم يومهم المتعب وكل ما مروا به.
اقترب منتصر ينظر بتشفٍّ لذلك الذي تصبب عرقًا وهو ينظر بخوف يرى مصيره بين أسنان ذلك النمر الجائع، فقال بصوت مرتجف:
"أنا.. والله ما قولتلـه يقتلها. هو اللي غبي.. خلينا نتفاوض يا منتصر!، متنساش أنا نبيل الصيـرفي.. ورايا اللي أكبر من عيسى اللي أنت بتتحامى فيه."
"صح، عندك حق خلينا نتفاوض."
كان عيسى يجلس بعيدًا يتابع المشهد أمامه ولا ينوي التدخل بأي شكل، حتى إن أثار نبيل استفزازه بكل الطرق. تحرك منتصر لداخل القفص وبدون أي مقدمات كور قبضته ولكم نبيل بقوة لدرجة أنه سمع صوت تكسر عظام فكه وارتطم جسد نبيل بالأرض بألم حاد في وجهه. ولم يكتفِ منه منتصر بل أنزل عليه وابلاً من الضربات المؤلمة وهو يراها أمامه، يراها غارقة في الدماء، يرى موتها القاسي.
خرج منتصر وأحضر زجاجة من الماء ثم أفرغها على رأس ذلك الفاقد لوعيه، فابتعد نبيل للخلف يقول بتعب:
"كفاية، كفاية.. أمره يبعد يا عيسى."
رفع عيسى نظراته تجاهه بكبرياء وغرور، فهو يعلم جيدًا بأن منتصر حتى في هذه اللحظة سيمتثل لأوامره، ولكنه قال بغضب:
"أنا بحرم نفسي إني آخد حق واحدة كنت بعتبرها أختي عشان منتصر يطفي ناره ويكتفي منك. أنا اللي جايبك هنا يا نبيل مش منتصر. لتكون فاكر إني مكنتش عارف تهديداتك! بس أنت بالنسبالي حشرة متسواش. أنا عارف من قبل ما البوليس يكتشف إن اللي أنت بعته مكانش ناوي على قتل، بس نصيبك الأسود هو اللي وقعك تحت إيد عيسى ومنتصر."
نظر عيسى تجاه منتصر يأمره:
"اخرج يا منتصر، خلي تايجر يرحب بضيفنا."
تحرك منتصر للخارج وأشار عيسى بعينه للحراس، فأقتربوا من ذلك القفص يحركوه فأصبح باب القفصين متقابلين وبمجرد فتحهما سيصبح قفصًا واحدًا. أشار عيسى لمنتصر أن يفعلها بنفسه، فتحرك منتصر يقف فوقهما يسحب البابين وقد علت صوت أنفاسه وهو يشاهد ما يحدث، فقد اقترب منه تايجر وعـلت صوت صرخات نبيل المرتعـبة وكاد يغشي عليه من خوفه حتى شعر بسهم يصيب ذلك الحيوان فترنح تايجر قليلاً ثم سقط.
نظر نبيل تجاه مصدر ذلك السهم ليجده هو بنفسه:
"عيسى."
نظر له عيسى بتقزز، ليهبط منتصر من أعلى القفصين ويمد يده يربت على تايجر:
"متزعلش مني يا صاحبي، بس متنفـعكش اللحمة الفاسدة."
نادى عيسى أحد حراسه أو يمكننا القول الحارس الخاص بتايجر وأشار له أن يأخذه للداخل:
"و... سيبوه هنا البوليس قدامه دقيقتين بالظبط."
تحرك عيسى وخلفه منتصر، وقبل خروجهم للسيارة التقوا بقاسم الذي قال بحده:
"مكـانش في داعي للتصرفات دي يا عيسى بيه."
ابتسم عيسى يقول بسخرية:
"يا رب بس يوصل عندكم للإعدام يا قاسم باشا، ولو دا محصلش يبقى هضطر أوسخ إيدي بدمه. القضية لسه متقفلتش، أنا عاوز الواد اللي عمل كدا بأوامر نبيل."
أكمل حديثه بسخرية أكبر:
"ولا إني أشك إنكم توصلوا قبلي يا حضرة الظابط."
تحرك عيسى من أمامه وبالطبع خلفه منتصر، لينظر قاسم تجاهه بضيق واتجه للداخل ليفتح عينيه بصدمة:
"ده الراجل بينازع!!!"
.........................................................
كانت تحك ذقنها الصناعية بضيق وتأفف. انتفضت على صوت فتح الباب وإغلاقه بقوة وغضب بادٍ على ملامحه. نظرت تجاهه بريب فهو متغيب منذ البارحة ويبدو أنه يواجه مشاكل بعمله.
ولكنها لم تهتم وبدأت في تسخين الطعام الذي أعدته مسبقًا وبدأت في وضعه على الطاولة، فرأته يعود من جديد يجلس على السفرة يتنهد بتعب. فضولها لم يمنعها أبدًا من التدخل في شؤونه:
"مالك يا دكتور؟"
تأفف سليم يقول بضيق:
"الحالة كانت زي الزفت امبارح، بنت مكملتش خمسة وعشرين سنة جاية مذبوحة. جوزها كانت حالته صعبة أوي، أنا لولا بحب شغلي وشاطر فيه كان زماني في مستشفى الأمراض العقلية من اللي بشوفه."
قالت زين بآسي:
"ربنا يرحمها، اهي استريحت من الدنيا وقرفها."
نظر تجاهه سليم بضيق:
"أنت يا ابني بائس ليه كدا!! شغال هنا بقالك ييجي شهرين وعمري ما شوفتك مرة بتنزل تخرج ولا ليك أهل ولا صحاب بيكلموك!"
ارتبكت زين من تطرقه للمرة الأولى عن حياتها، فقالت بتوتر:
"أصل أنا شخص انطوائي مبحبش الناس ولا الزحمة ولا بحب الدوشة."
كانت كل تلك الصفات عكس شخصيتها الحقيقية، فالملل يكاد يقتلها في هذا المنزل، ولكنها تخشى أن يجدها أحد من أهلهـا أو ضاحي وأهلـه. ولولا فقدانها لهاتفهـا لكانت تواصلت مع أخيها، ولكن سـُـرقت حقيبتها في محطة القطار بالقاهرة.
قال سليم بملل:
"عايز أحلق دقني بس المكنة بتاعتي باظت، مش معاك واحدة أظبط بيها نفسي دلوقتي على ما أبقى أشتري واحدة."
حكت رأسها بتردد تقول بحيرة:
"لا أنا.. آه دي استخدام شخصي وأنا بصراحة مبحبش أشارك حاجتي."
نظر سليم تجاهه بضيق وعاد ليكمل طعامه بملل، وارتكنت زين على طاولة المطبخ تأكل أظافرها بملل حتى انتهى، فأقتربت تنظف السفرة وتحرك هو يغسل يديه ثم عاد يلقي بجسده على الأريكة، وهي انسحبت كعادتها بعدما يعود من عمله وينتهي من الطعام تذهب للغرفة، ولكنـه أوقفها.
"زين هاتلي التيشيرت الأبيض من الدولاب."
خلع قميصه وألقاه لها، فأخذته بارتباك وهي تنظر أرضًا، وبعدما ابتعدت عنه هربت دمعة منها تهمس ببكاء:
"يا رب اغفر لي، يا رب اغفر لي."
وقفت أمام خزانته تبحث عما يريد، أخذته فالتفتت لتصطدم بجسد كالحائط، يقف كالسد المنيع أمامها. رفعت عينيها له تنظر له بتعجب، بينما هو ابتسم يرفع يده يسحب عن رأسها ذلك الشال يقول بسخرية:
"المسرحية طالت وبخت أوي فكرة..."
رواية عيسى القائد الفصل الخامس 5 - بقلم اية محمد
"التمثيلية طالت وبخت قوي على فكرة.
"أنا.. أنا.. هفهمك كل حاجة."
اقترب سليم تجاهها يكمل ما بدأ وسحب ذلك الذقن المصطنع، رماها على الأرض.
امتلت عيني زين بالدموع وحاولت الابتعاد، ولكنه منعها يسألها بصوت أقرب للهمس:
"إيه اللي يخلي بنت زيك تقعد في بيت واحد عازب بالتمثيلية دي؟"
رفع يده يتلمس خصلاتها، فأبعدت يده ثم دفعته بكل قوتها في صدره ليبتعد عنها. ابتعد سليم للخلف بإرادته، فقوتها أمامه لا تُذكر.
تحركت زين لخارج الغرفة سريعًا، وتحرك هو خلفها يرتدي ثيابه يناديها بغضب:
"اقفي عندك."
ارتبكت زين لكنها أكملت سيرها تجاه غرفتها، وعادت بعد دقائق بعدما لملمت خصل شعرها ووضعت فوقه حجابًا.
ليعلو صوت ضحكاته، وانتظرت هي بضيق حتى ينتهي من سخريته.
"أنت عارف من إمتى؟"
"من أول ليلة قعدتي فيها هنا. أنتي مين وعايزة إيه بالظبط؟"
"عايزة أكل عيش والله مش أكتر. أنا.. أنا هربت من أهلي من ٣ شهور. أول ما وصلت القاهرة اتسرقت. بعد يومين من الجوع واللف في الشوارع طلبت أكل من واحد بواب عمارة، ادالي ١٠٠ جنيه وقالي أمسح سلم العمارة كله. ومن هنا قولتله لو عندك أي شغلانة أنا موجودة. بعرف أطبخ وأغسل وأعمل كل حاجة. جابلي شغل في بيت ناس كدا بس الزفت ابن البيه الكبير مكانش سايبني في حالي، فسيبت المكان كله على بعضه. وأنا ماشية في أرض الله لقيت احتفالات وناس بتوع عرايس ومهرجين، وقفت أتفرج لحد ما جت بنت من بتاعة العروض ولزقتلي على وشي شنب. من هنا جالي الفكرة. لما لقيت شغل هنا اترددت كتير بس بسبب إن جيبي مكانش فيه جنيه واحد وأسباب تانية أنا وافقت، خصوصًا لما عرفت إنك بتقضي معظم اليوم برا البيت."
جلس سليم على الأريكة وهي وقفت أمامه كالمذنبة تخفض رأسها أرضًا.
ليُسألها من جديد:
"ليه هربتي من أهلك؟"
مسحت دموعها تقول بتعب:
"ملهاش لازمة الأسئلة دي يا دكتور سليم. أنا مش جاية في أذى، وكمان أنا عمري ما مديت إيدي على حاجة هنا. أنا لازم أمشي."
قال ببعض الهدوء:
"أنا حاولت أعرف عنك كتير، دورت في حاجتك ملقيتش حتى بطاقة. عاجبك المرمطة اللي أنتي فيها دي بعيد عن أهلك؟ ارجعي بيتك يا بنت الناس عيب."
قالت ببكاء:
"المرمطة دي أهون بكتير صدقني."
سألها بحيرة:
"طيب مفيش أي حد خالص يساعدك؟ ملكيش صحاب ملكيش قرايب تروحيلهم؟ أنتي منين أصلًا؟"
قالت بخفوت:
"الأقصر."
فتح عينيه بصدمة، لم يكن يتوقع إجابتها تلك فصمت.
ولكنها عادت تقول بحنين:
"أخويا هو اللي هربني."
أخرج هاتفه يقول بتفكير:
"هربك من إيه؟"
تنهدت بتعب وجلست تقول بقلق:
"قضية قتل."
***
كان يتممد على فراشه بتعب.
دلفت زمرد للغرفة وحملت ثيابه التي ألقاها أرضًا.
ودلفت للمرحاض تضعها في سلة الثياب.
بدلت ثيابها ببيجامة خريفيّة بأكمام طويلة ورفعت شعرها ثم عقدته بالأعلى.
اعتدل عيسى في جلسته ثم تحرك ليخرج من الغرفة.
فنادته زمرد:
"لو خرجت من أوضتك هروح أنا كمان أي أوضة تانية."
التفت ينظر لها بتعجب.
رفع حاجبه وهو يعود للداخل يقول بجدية:
"لو فضلت هنا يبقى مش هتنامي على الكنبة."
نظرت تجاهه لدقائق وكأنها تفكر.
فقال بصدق:
"متقلقيش، أمان."
لم تثق به كليًا ولكنها تحركت تجلس جواره.
فرفع هو رأسه يسندها على ذراعه يدقق النظر لها.
فأخفضت نظرها بخجل وهي تحاول إخفاء بسمتها.
وبسبب خفضها لرأسها سقطت تلك الخصلة التي يعشقها لتذكره بزائرة أحلامه.
رفع يده بدون وعي ليتلمسها.
ولكنها ابتعدت تنظر له بحدة ترفع إصبعها لها كأنها تحذره:
"مفيناش من الغدر."
ضحك عيسى بسخرية وهو يستمتع بمشاغبتها تلك التي يعهدها منها للمرة الأولى.
ويبدو أنها بدأت تعتاد عليه وعلى وجوده.
عاد لموضعه مرة أخرى ينظر للأعلى ينتظر أن يداهمه النوم.
أما هي فأخذت مصحفها وبدأت تقرأ بصوت خافت ليستكين قلبه وتسقط عيناه في النوم.
وتبعته هي أيضًا بعد عشرين دقيقة بعدما أغلقت مصحفها واختطفها النوم سريعًا بسبب إرهاق ذلك اليوم.
في الصباح التالي فتحت عينيها لتجد عيسى يجلس على الأريكة يسحب الطاولة تجاهه ويعمل على اللابتوب الخاص به.
طالعته بهدوء ثم تحركت تجاه المرحاض.
لم تأخذ وقتًا طويلًا وهي تخرج مجددًا ممسكة بفرشاة الأسنان الخاصة بها وباليد الأخرى تُمسك ظهرها بألم وتقول بغضب:
"المفروض تنشف الحمام طالما في حد عايش معاك. حرام عليك ضهري كان هيتكسر."
رفع عينه لها ببطء ينظر تجاهها.
تزداد جرأة تلك الفتاة عليه كل يوم أكثر من اليوم السابق.
رفع حاجبه وهو يراها ترمقه بنظرات حادة ثم تعود للداخل من جديد ممسكة بظهرها.
ويبدو أنها سقطت لأنه ترك الماء على الأرض بعد انتهى من استحمامه.
عاد لعمله وهو يحاول كتم ابتسامته.
خرجت بعد قليل ترتدي فستان محتشم واسع ممسكة بفوطة تحاول تجفيف شعرها.
وبعدما انتهت قامت بتضفيره ثم تركته على كتفها.
نظرت لعيسى تسأله بتلقائية:
"حلو كده؟"
طالعها بهدوء:
"عسل يا عسل."
ابتسمت بخجل ثم تحركت للخارج.
وقبل أن تترك الغرفة التفتت تسأله بهدوء:
"تحب تفطر حاجة معينة؟"
رفع رأسه يستند بها على الأريكة وغمزها يقول بخبث:
"عسل."
توترت زمرد وارتبكت فكادت تتحرك ولكنهـا توقفت على صوت ضحكاته.
فالتفتت تنظر له بغضب.
ترك اللابتوب ثم تحرك معها للخارج وقد شابك ذراعها بذراعه يقول بجدية:
"أنا وماما رايحين لمنتصر أكيد حالته دلوقتي زفت. متخرجيش برا القصر ولا تخرجي للبلكونات ماشي؟"
ارتجفت يداها بشكل ملحوظ.
لينظر لها بتعجب وهي تقول بهدوء مزيف:
"لا أنا مش عايزة أفضل لوحدي أنا هاجي معاكم."
سألها بحيرة:
"أنتي كويسة؟"
أومأت برأسها:
"آه بس أنا بخاف أفضل لوحدي."
وضع يده على وجنتها يقول بهدوء:
"طيب روحي البسي النقاب على ما أشوف زينـات."
تحرك عيسى تجاه غرفة والدته.
بينما ركضت هي عائدة لغرفتها ترتدي خمارها ونقابها.
ثم اجتمعوا ثلاثتهم في الأسفل بعد دقائق.
***
طال وقوفهم بالخارج أمام الباب.
طرق عيسى الباب بقوة للمرة الأخيرة وقد قرر أن لم يخرج منتصر بعد دقيقة سيقوم بكسر الباب.
ولكن فتح منتصر الباب ونظر لهم بأعين منتفخة ووجه شاحب.
تحرك الثلاثة للداخل فأرتمي منتصر بجسده على الأريكة وبجواره زينـات التي ربتت على صدره بحنان:
"عامل إيه يا حبيبي؟"
نظر لها منتصر بأعين متعبة يهمس:
"بتعذب."
وما الصديق سوى أخ لم تنجبه أمك، تضعه الحياة بطريقك ليكون لك سندًا وقت الضعف، عزوة وقت الفرح، معينًا وقت البلاء.
لم يكن بالأمر القليل أن يجلس عيسى على ركبتيه أمام منتصر يقول بقلب متألم لأجله:
"عارف إن الوجع كبير، بس اللي مش هقبل بيه إنك تحس إنك لوحدك. أنت مش دراعي اليمين يا منتصر، أنت عكازي اللي بتسند عليه. وعيسى ال... عيسى القائد مش هيسمح إن عكازه يتكسر أبدًا. عندك واحد اعترف بإخواته اللي من دمه ومش قادر يعترف غير بيك أنت. وعندك أمي أهي أقسم بالله يا جدع بحسها بتحبك أكتر مني."
ضحك منتصر بين دموعه.
فأقتربت زمرد قليلًا تود الحديث.
نظرت لعيسى خوفًا من أن يمنعها من الحديث لصديقه.
ولكنه شجعها وهو يعلم بأنها ستتحدث ضمن الحدود.
فقالت بهدوء:
"ربنا بيبتلي العبد على قدر تحمله. كل واحد في الدنيا متوزع له نصيبه ٢٤ قيراط ممكن ياخدهم كلهم في زوجة أو صاحب أو عيلة أو شغل. ويمكن حتى ميكونش له كتير في الدنيا ونصيبه الأكبر في الآخرة، ولعل النصيب دا جنة عرضها السماوات والأرض. ربنا سبحانه وتعالى قال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). خليك من الصابرين يا أستاذ منتصر. اصبر على الفقد دا وبلاش تسقط في الاختبار وتضعف. لازم تخرج أقوى عشان لسه الدنيا دار ابتلاء وهنفضل كده لحد ما نموت."
ابتسم عيسى لها ثم عاد بأنظاره تجاه منتصر يقول بجدية:
"صحيح مش نبيل دخل المستشفى وحالته خطر، وشه اتشوه. دا أنت يتخاف منك على كده يا منتصر!"
قال منتصر بغضب:
"كان نفسي أخلص عليه يا قائد، كان نفسي أنا اللي أقطعه بإيدي حتت وأكله لتايجر."
قال عيسى بهدوء:
"خلاص يا جماعة منتصر رجع ألف مبروك. وأنتي يا ماما بعد إذنك يعني شيلي شوية حنان ليا."
ضحك منتصر أخيرًا ضحكة خافتة وهو يتمسك بيد زينـات:
"ملكش دعوة دي أمي أنا."
ربتت على يده بحنان ونظرت للتعب الواضح على عينيه وجهه فقالت بهدوء:
"هقوم أعملك حاجة تاكلها وبعدين تدخل تنام. غمض عينيك وخليها تروح في النوم يا منتصر ماشي؟"
أومأ برأسه يقول مبتسمًا بحزن:
"أنا فعلًا عايز أنام بس أنا مدخلتش جوا من امبارح. هدخل أنام في الأوضة التانية ولما أصحى هاكل إنما دلوقتي مش قادر. البيت بيتكم."
سحبه عيسى يُرغمه على الجلوس يشير لزوجته:
"شوفي أي حاجة جوه ياكلهـا. وأنت اقعد هتاكل الأول وبعدين تنام."
تنهد عيسى بتعب وهو يتمدد على الأريكة واضعًا رأسه على قدم والدته التي رفعت يدها تضعها على عينه.
حركتها الدائمة معه منذ كان صغيرًا.
حاول تنظيم أنفاسه وهو يراها تقف تنظر له بابتسامتها الواسعة وقد تركت خصلاتها حرة.
زائرة أحلامه التي تشبه زوجته أو ربما هي نفسها.
لم يقتنع عقله بأنه كان يعرفها قبل أن يلتقي بها بنفس ملامحها تلك التي حفظها.
بينما منتصر يتابعهم بابتسامة خافتة ليهمس بصوت يكاد مسموع:
"شكرا على وقفتك معايا يا قائد."
اعتدل عيسى ينظر له يبتسم له بخفوت حزنًا لحاله.
وقبل أن يتحدث عادت زمرد من الداخل وهي تحمل ما وجدته بالثلاجة من معلبات وقامت فقط بتسخين الخبز.
أشار له عيسى بأن يتناول الطعام فأقترب منتصر يأكل بعض اللقيمات على قدر شهيته ثم ابتعد لا يشعر بأي طعم في فمه.
قالت زينـات بيأس:
"طيب قوم نام شوية، مش همشي إلا لما عينك تروح في النوم. يلا يا ابني قوم ربنا يريح قلبك."
تحرك منتصر بتعب للغرفة ووضع رأسه على وسادته يُغلق عينيه بتعب وبعد صعوبة استسلم للنوم وأخيرًا.
قال عيسى بهدوء:
"يلا نمشي احنا. هبقى أعدي عليه تاني بعد الشركة."
تحركوا للخارج وتحرك عيسى بهم منطقًا لقصره من جديد.
توقف بالسيارة وترجل منها يتحرك للجهة الأخرى يساعد والدته على النزول.
خرجت زمرد من الباب الخلفي تسأل عيسى:
"أعملك إيه على الغداء؟"
ضربتها زينـات على يدها بخفة تقول بضيق:
"مفيش عروسة بتطبخ، ولا عريس بيروح الشركة بس هنعمل إيه بقى!"
"الدنيا حالها اتغير يا طنط هنعمل إيه!"
"بدل ما ياخدك يفسحك في حتة، وبدل ما تمسكي في خناقه وتقوليله شركة إيه! دا انتوا عالم مملة بصحيح، انتوا كده في أول أسبوع بعد سنة هنلمكم من محكمة الأسرة."
"لا لا يا طنط ربنا يستر."
استند عيسى على سيارته يتابع حديثهم بيأس.
تحركت والدته للداخل فنظر عيسى تجاهها بابتسامة خافتة يقترب ليُمسك بيدها:
"تعالى معايا."
"فين؟ الشركة؟"
"آه.. اركبي يلا."
"طب حتى هلبس حاجة تانية."
سحبها عيسى يفتح باب السيارة يحثها على الجلوس فجلست على مضض ونظرت تجاهه بضيق.
"لبسك مش مناسب على فكرة."
"أنا شايفه مناسب."
"لا بجد مش حلو، أقولك روح أنت الشركة ووديني عند أختك وعمر وعمار أسلم عليهم."
قال بضيق:
"لا."
"عيسى أنت ليه مبتحبش إخواتك، أنت أكبرهم على فكرة المفروض تعوضهم عن أبوهم."
سألها بسخرية:
"وأنا مين يعوضني! على الأقل هما ولاده الشرعيين، إنما أنا.. أنا أكتر واحد اتظلم فيهم."
"الظلم مفيهوش مزايدة، كل واحد فيكم اتظلم من نفس السبب بس عدى بالتجربة بظروف مختلفة. ودلوقتي لما ربنا جمعكم من تاني المفروض تكونوا في ضهر بعض وتنسوا ال...."
قال عيسى بحدة:
"أنسى إيه يا زمرد! أنسى إني جيت الدنيا من جريمة اغتصاب!!!"
***
"آنسة حنة!"
التفتت حنة بتعجب لترى من يناديها فهي جديدة بالمشفى بالكاد تعرفت على فتاتين، ولكنها تعرفت عليه على الفور وتحركت تجاهه تحييه برسمية:
"دكتور خالد، إزاي حضرتك."
"أنا بخير يا حنة إيه أخبار الشغل معاكي؟"
"الحمد لله كويس أوي والمستشفى حلوة والسكـن بردو كويس."
"طيب كويس الحمد لله."
"حضرتك بتعمل إيه هنا؟"
انتبه خالد ونظر لساعة يده ثم قال بإنهاك:
"كان في حالة متابعة معايا واتنقلت هنا فالدكتور المشرف عليها دلوقتي طلب يقابلني.. معادي معاه دلوقتي، بعد إذنك."
"تمام، ربنا يوفقك."
ابتسم له ثم تحركت عائدة في طريقها تتنهد بتعب.
ثم أوقفتها إحدى الفتيات التي تعرفت عليها بالصباح:
"آه حنة.. البنات كلهم جايين حنتي بليل هستناكي تيجي معاهم."
سألتها حنة بتعجب:
"محدش هيكون في شقة السكن؟"
"لا لا كلهم هيقضوا معايا اليوم.. أنا رايحة كنت جاية أخلص موضوع الإجازة."
ابتسمت لها حنة تهنئها بتلك المناسبة السعيدة:
"مبروك يا حبيبتي ربنا يتمم بخير، إن شاء الله هاجيلك."
تحركت حنة تكمل سيرها، دقت باب إحدى الغرف ودلفت لتتفاجأ بثلاثة شباب أمامها.
تعرفهم جيدًا يطالعونها بصدمة.
تدارك أحدهم تلك الصدمة يقول بسخرية:
"يا محاسن الصدف يا... عشـيقة أبويـا."
حنة بصدمة:
"أنتوا!!!"
يتبع.
رواية عيسى القائد الفصل السادس 6 - بقلم اية محمد
"يا محاسن الصدف يا... عشيقـة أبويـا."
حـنـه بصدمه: "أنـتوا!!!"
اقتـرب الأخـر ينـظر لها بتفحص: "لا بس كبرنا واحلوينـا."
تنهـدت حنـة بضيق وقررت تجاهلهم. وبالفعل تحـركت للداخـل، تُمسك بملف المريضـة، وبدأت في تدويـن الأرقـام على الأجهـزة بجـوارهـا. ثم أقتـربت تأخـد بعض الأدويـة لتضعهـا بالمحـلول المتصـل بوريد المريضـة.
كادت تتحـرك للخـارج ولكنها وجدت من يعترض طريقـها. فرفعت رأسـها بضيق، ثم ربتت على كتفـه تقول بغضب: "عيب يا كـارم.. عيب، أنا في مقام أمك بردو."
تحـركت حنـة للخـارج وهي تتنفس الصعداء لتمكنـها من الوقـوف أمامه. فهي لم تعـد تلك الصغيـرة صاحبة الـ١٧ عامًا، بل هي الآن شابـة ناضجـة. وإن كانت ستخـوض تلك الحيـاة بمفردهـا فرغمًا عنها، عليها التحـلي بالقـوة.
وبعدمـا ابتعـدت عنهـم بمسافـة لا بأس بهـا، جلست في إحدى الزوايـا تنـظر حولها بـتيـه وقد داهمتهـا ذكرياتها المؤلمـة.
"هو بيقـول إيه يا ماما!! جواز إيه ده اللي بيتـكلم فيه؟!"
اقتـرب شريـف، زوج والدتها، منهـا يقول بحده: "زي ما سمعـتي كدا، إيه هو أنا برميكي في النـار!! أنا بجوزك جـوازة مكانتيش تحـلمي بيها أنتي وأمك يا اختـي."
ابتعـدت حنة عنـه تقـول ببكاء: "حرام عليـك، جواز إيه أنا حتى لسه قاصـر، يعني أنت تقبـل الكلام ده على فيفـي؟!"
"كلهـا سنة وتبقى ١٨ سنة، مش مفتـري أنا يعني."
اقتـرب يُسـر منه تقـول بقهر: "طب استنـي عليها حتى لما تخـلص الثـانويـة العامة، بالله عليك يا شـريف البت لسه صغيـرة."
فـاض الكيـل به، واقتـرب منها بشر يدفعـها بغضب لتسقـط أرضـا: "أنا مباخـدش رأيـك لا أنتي ولا هي، أنا بقولكم إن كتب الكتاب بعد إسبـوع."
بكت يسـرا بألم وسألته بحيره: "إزاي وهي لسه قاصر؟!"
"هنكـتب ورقتين عُرفي دلوقتي، ولما تتم الـ١٨ نبقـي نوثق الـورقة في المحكـمة."
"حـنـة!!.. حـنـة! آنسة حنة أنتي كويسـه؟!"
انـتفضـت حـنـة على صوته، فـرفعـت رأسهـا لـه وتعود لأرض الـواقـع. وقفت فجـاءة لتشعـر بدوار يهاجـمها، وغيمـة سوداء تمنـع عنها رؤيـة من حـولها، وسقطـت أرضا فـاقدة لجميـع الحواس.
خـالد بقلق: "حـنـة!!"
"يعـني إيه!! قت.لتـي ميـن؟!"
جلست زيـن تقول بقهـر: "القصـة طـويلة أوي وصعبـه، أنا عـارفة إني غلطـت وفتحت الباب للـد'م بين العيـلتيـن. هي مش قضيـة متقلقش يعني أنت مش متستر على مجر'م أو حاجة، محدش يعـرف أني خلصت عليه."
سألها بتعجـب وإهتمام: "طب وإزاي فتحـتي باب الد'م!! يعني تـار بقي وكـدا طالما محدش يعرف إنك عمـلتي كدا؟!"
قالت بتعب: "هحكيـلك... أنا كـان ليا أخت أكبر مني بسنتيـن، كانت حـلوة أوي ومؤدبة وهادية على عكسـي، عشان كدا كان الكـل بيحبهـا وأنا كمان كانت روحي فيها. لحـد ما في مـرة كـان أبويا وأمي وخـالد برا البيت وقالـتلي هتروح تجيبلنا شوية حاجات من الدكـان نتسلى فيهم واحنا قاعديـن. بس ياريتهـا ما خرجت ولا راحت المشـوار ده!!"
"حد اتعرضلها؟!"
كتمت بكـاؤها وهي تومئ برأسهـا، فسألها بحيره: "اتعرض. عليها؟!"
قالت ببكاء: "أيـوا.. مش قادرة أنسي شكلها وهي راجـعة البيت مكسـورة وضعيفة وكأن الحيـاة وروحها اتسحـبوا من جسمها. وأنا كنت لوحدي مش عارفه أتصرف إزاي. بقلة خبرة مني أخدتها وغيرتلها لبسها وخلّيتها تاخد شاور. كان المفروض أطلع بيها على المستشفى أو القسم، بس أنا مكنتش عارفة أعمل حاجة وفضلت جنبها وهي لا بتنطق ولا بتعيط لحد ما أهـلي رجعـوا البيت."
"محدش صدقها صح؟!"
هزت رأسها بالنفي: "لا طبعـا صدقوها.. أنا أهلي مكانش في أحن منهم. ماما دخلت الأوضـة عشان تطمن علينا، وطبعًا أول ما شافتنا قلقت أوي وقربت تسألنا في إيه!! أنا ساكتة ونـور ساكتة لحد ما ماما شافت فستانها اللي على الأرض. وعلى صوت صريخـها بابا وخـالد دخلوا الأوضـة وأنا حاضنـاها وهي مخبيـة نفسها فيـا مش قادرة تشوف أي حد. جسمي كله كان بيتـرعش من الموقف، وبابا فضل مصدوم وساكت وملامحه كانت كأنها كبرت ١٠٠ سنة. وفضلنا كتير ساكتين لحد ما خـالد هو اللي اتكلم وقال إن لازم نوديها المستشفى ولازم دكتور يطلع لنا تقرير بحالتها ونرفع قضية عليه، بس..."
توقفت عن الحـديث، فسألها هو بإهتمام: "بس إيه؟!"
"بابا قال إنه هيروح لأبوه ولكبير عيلتهـم ويجبروه يتجوزها ويطلقها في نفس القاعـدة. وبعدين ياخدنا ونسيب الأقصر كلها. خالد رفض واتعصب، وهو بابا اتخـانقوا خناقة كبيرة يومها. بس في الآخر خـالد خدها بالعربية هو وبابا وراحـوا المستشفى ورجعـوا قبل آذان الفجر بشوية. أخدت نـور وفضلت جنبها في سريرهـا، وماما قاعدة قصادنا مبطـلتش عياط. وخـالد وبابا بـرا. وفجـأءه حسيت جسمها بيـبرد وشهقت شهقة مكتومة وجسمها انتفض. مبقتش فاهمه مالها، فناديت لخـالد اللي عرف إنها... بتـنازع!!"
"خـالد حاول كتير أوي ينعش قلبها، بس هي استسلمت بسرعة أوي. استسلمت للموت."
"لا حول ولا قوة إلا بالله، البقاء لله."
قالت بدموع: "ونعم بالله."
تـحـرك سليـم يُحضـر لها زجـاجـة ماء واقترب يضعـها أمامها، فأخذتها بأيدي مرتجـفة تتجرع منها، لعلها تهدأ قليلًا. ألتقطت أنفاسها لتُكمـل حديثهـا: "بـابا وخـالد مقـدروش يسيطروا على أعصابهم بعد وفـاتها. وبعد الدفنه علطـول كانوا في بيت الحيـوان ده وحصلت خـناقة كبيرة. لدرجة إن البجح اعترف إن هو اللي عمـل كدا وشايف إنه ميتعـاقبش غير على اللي كانت برا بيتها في وقت متأخـر. بابا كان هيخلـص عليه، كان معاه سلا'ح بس خالد اللي منعه. وراح لكبير البـلد عشان نعمـل قاعدة عرفي نرجع بيها حق نور."
قـال سليم بغضب: "والقـانون فين؟!"
"مكناش هنعـرف نثبت أي حاجة، وطبعًا اعتـرافه ده مكـانش هيفيدنا لأنه قدام القانون هينكر كل حاجة."
وقف سليـم يقول بحده: "لا أكيد كان هيبقي في طريقـة نثبت بيها!! لو مكـانش بالطب الشرعي كان هيبقي أكيد هو سايب دليل وراه."
تنهـدت زين تقول بتعب: "أنا أخويا دكـتور.. كان عارف إن مفيش في ايدينا حاجة نثبتها. الشارع اللي كانت فيه مكانش فيه كاميرات مراقبة ولا كان فيه حـد شاهد. آه كنا هنثبت اللي حصلها، بس مش هنقدر نثبت عليه حاجة. لكـن لما نقعده قدام كبـار البلد وقدام أبوه وأخوه وجده اللي اعترف قدامهم بكل حاجة، هنقدر ساعتها نـذله ونبيعـه اللي قدامه واللي وراه. يعني مثلا ممكن يكتب على نفسه وصولات أمانة بمبالغ كبيرة، ولما ميقدرش يدفعهم نقدر إحنا نسجـنه بيهم. بس ملحقناش، عشان للأسف مات."
"وأنتي اللي خلصتي عليه.. إزاي؟!"
"بجـرعـة مخـدرات زايدة."
سألها بصدمه: "وجبتي المخـدرات منيـن؟!"
صمتت ولم تجيبـه، فسألها بصوت أعلى حاد: "جيبتيها منيـن؟!"
تـوقف بالسيـارة أمام الشركـة بعد صمت دام بينهما بعد جملته الأخيـرة. قبل خروجه، مدت يدها بتردد تُمسك بيده وقالت بهدوء: "أنا آسفـة لو ضايقتك.. بجد والله أنا بتمنالك الخير وعاوزاك تكون مبسوط مش أكتر."
تمسـك بيدهـا يقـول بهدوء مزيف: "لو عاوزاني أكون كويس متفتحيش السيرة دي قدامي أبدا."
أومـأت برأسهـا، فترك يدها ثم تحـرك لخـارج السيـارة. وخـرجت هي تقـرأ اللافتـة الموضوعـة: "شركـات آل عيسـى".
نظرت تجـاهه تسأله بتعجب: "ليـه مسميها كدا؟!"
قـال بهدوء: "عـلشان مش نـاوي إن الكـل يعملي حـساب لوحدي. عاوز من قبل ما يكون لي إبن يكون ليه الكيان الخاص بيه. آل عيسـى المقصود بيهم ولادي."
اتسعـت ابتسامتهـا وهي تتأمـله، كيف ظنتـه قاسي متبـلد المشاعـر، كيف يتعـامل بجـفاء مع الجميـع وهي تشعـر بأعينه تفيض حنانا يكـفي العالم بأكمله. خللت أصابعها بين أصابعه فتمسكت بهـا وتحـرك بهيبتـه وبكل ثقة. والجميـع ينظر له بإحترام وبعض الخوف الذي استشعـرته زمرد بأعينهـم.
تـوقف عيسـى بمنتصف الشركـة يقول بهدوء: "أحب أعـرفكم.. المدام زمرد مراتـي."
حـياهـا الجميـع بإحترام، واقتربت بعـض الفتيات منها تصافحـها، واقترب بعـض الموظفين من عيسـى يهنئونه بزواجـه المفاجئ. وبعدمـا أنتهوا، تحـرك بهـا تجـاه مكتبـه. دلفت ترفع نقابها وتنـظر لمكتبـه الراقي تقـول بإعجاب: "ما شاء الله، مكتبك حـلو أوي!"
ابتسم عيسـى وهو يجـلس على كرسيـه. وقبل أن يتحـدث، التفت الاثنان على صوت طرقات البـاب ودلـوف سكرتيرته تحمـل بيدها بعض الأوراق. توقفت قليلا ترمق زمرد بنظـرات لم تعجب الأخيرة أبدا. وبدلا من الوقوف أمام المكتب، تخطتـه واتجهت تقف بجـوار زين تضع أمامه الأوراق وأنحنت بطريقة أثارت تعجـب زمرد، وهي تقول: "مطلوب توقيعك هنا يا مستر عيسـى."
اعتدلت، تطـالع زمرد تقـول بتأفف: "ولا حضرتك مشغـول!! واو... زوقك هايل يا مستر."
كـانت تطـالعهـا بطريقة أثارت حنق زمـرد التي أقتـربت منهـم وبكل تلقـائية كانت تجـلس على قدم عيسـى وتلف يدها حول رقبتـه لتثير استفزاز من أمامهـا، تقول بإبتسـامة صفراء: "ميرسي أوي يا قمـر.. متقلقيش مش هشغل عيسـى وهخليه يوقع على الأوراق."
تدارك عيسـى صدمـته وكتم ضحكـاته، يحيط خصرها بيده ويوجه حديثـه لسكرتيرته: "نص ساعـة وتعالي خديهم."
تحـركت الأخيرة وهي تكتم حقدهـا للخـارج وأغلقت الباب خلفها. فأنتفضـت زمرد بعيدا عن عيسى الذى طـالعهـا بضحكـات مكتومة. تقـول بغيظ من تصـرفات الفتاة ليس إلا: "أنا كنت مستنية الحتة الصفراء دي من أول ما رجلي دبت في الشركـة.. بس على ميـن، دا أنا أغـيظ بلد."
تعـالت ضحكـات عيسـى يسألها بخبث: "مالها ضايقتك في إيه بس؟!"
"آه هتضايقني، أنا هتضايقك أنت ليه، دي كان فاضلها ثانية وهي اللي كانت هتبقى على رجلك."
"دي غيرة ها؟!"
"لا طبعـا، أنا بس مبحبش السهوكـة."
سألها بضحك: "واللي أنتي عملتيه من شوية مكانش سهوكة؟!"
"نعم!! أنت جوزي على فكرة، إنما هي اللي... استغفر الله العظيم يا رب، استغـفر الله. قولي الحمام منين، عاوزة أتوضى وأصلي الضهر قبل ما أنفجر فيكم."
أشـار لها تجـاه المرحـاض الخـاص بمكتبـه وهو يتأملهـا بهـدوء. ذلك السلام النفسي الذي يشعـر به تجاه تلك الفتـاة. تقبـله لهدوئها وغضبهـا، خجـلها وجرأتها. تمـر كـل أفعالها على قلبه كالنسمـة الباردة في بداية الشتاء بعد صيف جـاف. تدينـها يأسرُه، يأخذُه معها في عالم ساكن لا ضجيج به، كغيمـة صافيـة أفرغت ما بها من أمطـار. هي رائحـة الأرض بعض ليلة شتويـة وربيع تفتحت به الأزهـار. هي الضحكـة الأولي لطفل رضـيع. هي لمسة ناعمة احتضنتـه وغمرته بدفئ وملأت قلبه بشعور خاص يعهـده للمرة الأولي.
ربمـا هي الحب.. الحب الأول.
انتهـت من صلاتهـا ثم فتحـت هاتفهـا تقرأ بعـض الآيـات القرآنيـه بصوت هادئ، وهو لا يزال يطـالعهـا حتى انتبهت له. نظرت له بتعجـب وسألته: "مالك يا عيسـى؟!"
انتبـه لها وفاق من غفـوته يهز رأسه بـلا شيئ، ثم انتبـه للأوراق يحـاول قرأتها بتركيز. ثم قـام بتوقيعها. وبالفعل آتت سكرتيرته وأخذت الأوراق وهي تبتسم ابتسامتها المزيفـة. لتطـالعها زمرد بضـيق. أقتربت تجـلس على الكرسي مقابل عيسـى تقول بملل: "شغلك ممل أوي على فكرة."
"معلش هو ده اللي بيـأكلنا عيش."
"إنت عارف، أنا كنت فاكرة إني بحب شغل الشركات أوي وبصراحة مكنتش حابة كليتي بسبب إن هي ميكونش فيها كدا. بس بعد كدا حبيتها أوي."
سألها بتعجب: "صحيح يا زمرد، أنتي خريجـة إيه؟!"
"كليـة الصيدلة."
نظـر لها بصدمه: "أنتي دكـتورة؟!"
"أنا صيدلانية قد الدنيا على فكرة، بس مشتغلتش من بعد الكلية لأن مفيش تكليف."
سألها: "طيب ليـه مثلا مشوفتيش صيدلية تشتغلي فيها تعملي لنفسك اسم أو حتى شركة أدوية؟!"
ارتبكـت ومرت ذكرى أمام عينيها، تداركتها سريعًا، لكن لاحظها عيسـى فسألها بشك: "في حاجة منعتك؟!"
"لا، أنا بس مكانش عندي حماس أوي للشغل."
سألها بذكـاء: "أنتي تقديراتك إيه يا زمرد؟!"
"امتياز الخمس سنين الحمد لله."
"طيب واحدة عندها شغف الخمس سنين إنها تجيب امتياز وكمـان بتحب مجالها، ليه ميكـونش عندها شغف للشغل؟!"
"عادي.. النصيب."
ابتسـم وهو يحـاول تصـديقها، وعاد للأوراق أمامه. فسألتـه بملل: "هي الشركة دي مفيهـاش كافتيـريا أو أي حتـة أشتري منها حاجة أشربها؟"
"آه فيه في الدور الأول، روحي برا خلي واحدة من الموظفين توديكي."
تحـركت وهي تُنزل نقابهـا على وجهـها. وقبل أن تخـرج من الباب، التفتت مُتذكرَة، تنادي بإسمه: "عيسـى!"
رفع نظره لها بتساؤل لتقول بحرج: "أنا مش معايا فلوس."
أخـرج محفظتـه يخرج لها ورقتين فئـة المئتيـن يمد يده لهـا بهم يقول بهدوء: "هاتي اللي نفسك فيه."
اقتربت تأخذهـم تسأله بإبتسامة واسعه: "أجيبلك حاجة معايا؟!"
هـز رأسه نفيـا، فتحـركت للخـارج تتجـول بعينيها في شركـته، كم تبـدو فخمة والجميـع يعمـل بكـل تركيز وجـد، والنظام يسـود المكان. اتجهت لإحدى الفتيات تطلب منها بهدوء: "ممكن تقوليلي فين الكافتيـريا؟!"
نـظرت لها المـوظفه ووقفت عن مكتبـها تقول بود: "تعـالي يا فندم أوصلك، وأنا بردو هجـيبلي حاجة أشربها."
"ماشي، بس بلاش فندم دي، أنا اسمي زمـرد، وأنتي؟"
"اسمي آلاء."
تحـركت الفتاتيـن تسألهـا زمرد بإهتمام عن الشركة وأعمالها، وبالطبـع مالكها.
وأمام الكافتيـريا، خرج شـاب يحمـل المشـروبات وأعطـاها لأصحابهـا، ثم توجه لهم يسألهم بضيق: "ها هتشـربـوا إيه؟!"
قـالت آلاء بتفكيـر: "اعملي فنجان قهـوة عشان التركيز ضايع خالص."
ألتفت تجـاه الأخري التي تجـمدت في مكانهـا وهي تطـالعه بصدمة. فتعـجب نظرتهـا له، ثم تحول تعجبـه للصدمـة هو الآخر. يعرف تلك العينين حق المعرفـة، بل يحفظها ويتذكر كل رمش بها. تراجعت زمـرد للخلف وهي ترى بعينـاه أنه تعرف عليها. وخـرج هو سريعـا ينظر لها بلهفـة: "زمرد!!! زمـرد!!"
ألتفـتت زمـرد تبتعد عنه، وأسرعت في خطـاها وهو خلفـها يناديها بصخب وصوت عالِ. التفت الجميـع على أثره وهي تركض تجـاه مكتب عيسـى. والأخيـر خلفها يصـرخ بجنون.
انتفض عيسـى على ذلك الصوت الذي ينادي باسم زوجته. وبمجرد فتحـه للباب، وجدهـا ترتمي بين يديه. فجلس بها أرضا يسألها بصدمه: "في إيه؟!"
لم تُجيبـه إذ تحـركت بخـوف للداخـل تتمسك به، تخفي نفسها خلف جسـده. ونظر هو بتعجب لذلك الذي يركض تجـاههم يصرخ بإسمها من جديد: "زمـرد، أنتي زمرد!"
يتبـع....
رواية عيسى القائد الفصل السابع 7 - بقلم اية محمد
"زمرد، أنتي زمرد!"
صرخ عيسى به:
"هو في إيه!! أقف عندك، تعالوا وقفوا الحيوان دا!!"
بالفعل اقترب منه شابين يقيدون حركته بأمر من عيسى الذي طالعَه بغضب برغم عدم فهمه لما يحدث.
التفت لزمرد يمسك بيدها المرتجفة يسألها بدهشة:
"أنتي تعرفيه!!"
قالت بصوت مرتجف:
"رجعني البيت يا عيسى.."
سحبها عيسى للخارج وقال بحدة للشابين:
"خلوكم ماسكينه على ما أبعتلكم الأمن."
تحرك عيسى للخارج ممسكًا بزمرد التي التفتت تنظر للخلف بخوف.
أجلسها عيسى بالسيارة ثم أشار لفرد الأمن يأمره:
"اطلع خد الحيوان اللي ماسكينه فوق وإرميهولي في أي مخزن أو جراج هنا على ما أفضاله، حسك عينك يهرب منكم!!"
دلف للسيارة ينظر لها بحيرة ثم انطلق بها بغضب.
أما هي فكانت تجلس يتملكها شعور الخوف، تحاول السيطرة على يدها المرتجفة ودموعها المنهمّرة.
رفعت نقابها عنها تحاول التقاط أنفاسها وهي تلعن ذلك الشخص الذي لم يتركها للراحة أو العيش بسلام أبدًا، فهي ذاقت المعاناة على يده من قبل واختارت الحياة ليظهر أمامها من جديد...
"مين دا يا زمرد؟ فهميني!!"
"دا.. دا كان معايا في الكلية، كان بيحبني..."
وبرغم ضيقه إلا أنه سألها بحيرة:
"وليه خايفة منه كدا!!!"
"عيسى الشخص دا مجنون.. عنده هوس غير طبيعي"...
عودة للماضي...
"زمرد مش هتسمعيني المرة دي كمان!!"
تأففت وهي تتحرك بعيدًا عنه ولكنه تحرك خلفها ملتصقًا كالعلكة واعترض طريقها من جديد يقول بصوت وأيدي مرتجفة مما زاد تعجبها منه:
"أرجوكي اسمعيني لأنك لو مشيتي أنا هتصرف بطريقة هتأذيني وتأذيكي."
كانت حركاته المتوترة عنوان واضح لشخص مضطرب ربما.
تحركت مرة أخرى ترمقَه بتعجب وهي تتخطى بوابة الجامعة وهو خلفها...
تلك المنطقة تُسمى بـ"الشاملة" وهو مجمع للمستشفيات منها مستشفى طنطا التعليمي وعادة ما يكون ذلك المكان مزدحمًا بالمرضى وأقاربهم، كل في عالمه لا ينتبه أحد للآخر، خطوات سريعة وصراخ وضحكات وصوت أبواق السيارات وأمن الجامعة وطلاب الطب...
اقترب على غفلة منها يغرس تلك الإبرة ويدفع ذلك السائل سريعًا لجسدها وسريعًا ما أسندَها قبل أن تفقد الوعي بأول سيارة أجرة أمامه...
"اطلع على شارع الإستاد."
تحرك السائق تجاه ذلك الشارع والذي لم يكن بعيدًا فبعد عشرة دقائق توقف به السائق بنهاية ذلك الشارع المتمدن ولكن بنهايته تنتهي المباني الفاخرة والمطاعم الراقية وتبدأ الحقول في الظهور، وأمام بيت ما توقف بها وأخذها للداخل والسائق ينظر له في ريب ولكنه لم يتدخل!!..
بعد نصف ساعة كانت تفتح عينيها لتجد نفسها أمامه مقيدة على كرسي وهو ينظر لها بهيام وكان ذلك قبل أن ترتدي النقاب..
"أنت اتجننت!! أنت إزاي تعمل كدا!!"
"بحبك، بحبك يا زمرد.. بحبك".
"أنت مجنون بجد والله مش طبيعي!! يا أخي وأنا مبحبكش سيبني في حالي!!"
قال بضحك:
"عارف إنك بتهزري، عارف إنك بتحبيني، بصي حواليكي يا زمرد دا بيتنا، هنفضل هنا أنا وأنتي مع بعض، هجيبلك كل المحاضرات وتذاكري ومش عاوزك تعملي حاجة أنا هعمل كل حاجة هنا ماشي، ومتقلقيش مني أنا مش هعمل حاجة تضايقك ومش هقرب منك متخافيش، أنا بس عاوزك قدامي."
تسرّب الخوف أكثر لداخلها وهي ترى هيسترية ذلك المجنون ربما إن تجاوبت معه ستستطيع التحرر منه، فسألته بخفوت:
"طيب وهتفضل رابطني كدا، فكني وأنا أوعدك مش ههرب."
نظر لها بشك واقترب منها يمسك بيديها يضغط عليهم بقوة لم يقصدها ولكنها ألمتها بشدة فتراجعت بظهرها للخلف وهي تكتم بكاها وتحاول التماسك..
كان يتحرك بنظراته على وجهها كأنه يرسم لوحة داخل عقله بملامحها..
"هفكك بس هقفل باب الأوضة."
انتفض جسدها وهو يقف فجأة يدور في الغرفة ويضع يده على رأسه في محاولة تذكر شيء ما، اتجه للخزانة ثم أخذ منها فستانًا يضعه على قدمها يقول بابتسامة واسعة:
"دا هيكون تحفة عليكي.. هيكون تحفة، هتلبسيه صح!! هتلبسيه؟"
اقترب منها يمسك فكها بيديها فتأوهت بألم وهي تومئ برأسها إيجابًا لتخف قبضته يتحسس وجنتها برفق:
"أسف.. أسف."
أقترب يفك وثاقها وهو يقول:
"هستناكي برا، جايب لينا أكل، هنقعد سوا.."
تحرك للخارج فركضت تغلق الباب تنظر حولها بحيرة وهي تهمس بخوف:
"اه يا مجنون يا إبن المجانين!!! اعمل إيه دلوقتي بس!! هي كانت ناقصاك!"
لم يكن بالغرفة شرفة واحدة، فقط ذلك الباب فلم يكن أمامها سوى أن ترتدي ذلك الفستان اللعين وتتحرك لتتناول الطعام مع ذلك المجنون!!
خرجت لتجده جالسًا بإنتظارها وبمجرد أن رآها ركض تجاهها ففزعت تتحرك للخلف..
"إهدي إهدي متخافيش."
"إهدي أنت بس."
"حاضر هحاول أوعدك... تعالي اقعدي."
جلست زمرد وهي تنظر للطعام بقلق فهي لا تؤمنه ولا تثق به لتتناول طعامًا يقدمه هو، هي لم تكن تفكر بالطعام على أي حال هي فقط جولت بعينيها في المكان تبحث عن باب، هاتف أو أي شيء معدني تستطيع خويفه به مثلاً!!
أخفضت نظرها للسفرة لتجد الشوكة الخاصة بالطعام فسألته بخفوت:
"ممكن ماية!!"
استغلت التفاتته ليحضر الماء الذي لم يكن بعيدًا وخبأت تلك الشوكة بثيابها ثم أمسكت بالملعقة بتوتر وهي تحرك الطعام دون تناوله..
وضع أمامها الماء فارتشفت البعض ثم تركت الكوب، وهو جلس يطالعَها وقال بجدية:
"أنا عمري ما هأذيكي يا زمرد، يعني مثلاً عمري ما هحطلك حاجة في الأكل علشان أقرب منك."
حمل معلقته وأقترب يأخذ من طبقها يتناوله بهدوء ثم أشار لها:
"تقدري تاكلي دلوقتي."
"هو، هو أنا مش هرجع لأهلي!!"
عبس وجهه واستطاعت رؤية الغضب وهو يحتل ملامحه واضطراب جسده ويده التي تحركت تمسك بالأطباق يقربها لها...
"كلي.. خدي رز دا طعمه حلو أوي وخدي فراخ يلا كلي.. بقولك كلي!!!"
قال كلمته الأخيرة بصوت غاضب وهو يدفع الأطباق لتسقط أرضًا فصرخت زمرد ووضعت يدها على فمها تنظر له بأعين متسعة، بينما هو جلس يتنفس بصعوبة وهو ينظر للأرض المتسخة...
"أرجعك تاني.. أرجعك علشان أتقدم وابوكي يرفضني تاني، أرجعك عشان أكلمك ومترديش عليا، أقولك بحبك وتتجاهليني!! إنتي هتعيشي هنا معايا، هتفضلي هنا معايا أنا، لما تعرفيني هتحبيني ماشي، لما تقربي مني هتعرفي قد إيه أنتي كنتي غلطانة في حقي".
"بس الدنيا مبتمشيش كدا."
صرخ بها واقترب يسحبها بغضب تجاه الداخل:
"أنا دنيتي بتمشي كدا."
دفعها على الكرسي يقيدها من جديد فضربته بساقها ليسقط على ظهره فوقفت تركض للخارج تجاه الباب تحاول فتحه لكنها وجدته خلفها يسحبها فأخرجت الشوكة وضربته بقوة في كتفه ليصرخ متألمًا وفزعت عندما رأت الدماء تسيل منه ولكنها تداركت الأمر فإصابة كتلك لن تودي بحياته..
دفعته والتفتت مرة أخرى تحاول فتح الباب والهروب ولكنه سحبها من قدمها لتسقط أرضًا متألمة وأصطدم وجهها بالأرض فنزفت شفتها السفلية، أخرج هو الشوكة من يده متألمًا هو الأخر ثم رماها بعيدًا واقترب يفحصها...
"أنا آسف، أسف وجعتك!!"
نظرت نحوه بصدمة ورفعت يدها تكتم الدم في ثيابها فأخرج من جيبه منديلًا وضعه على فمها فأبعدت يده تقول ببكاء:
"لو بتحبني يبقى هتسيبني أمشي، حرام عليك مش بالعافية هي."
اقترب منها يضم وجهها بيديه الملوثة بدمائه يقول بصوت خائف:
"لا لا مش بالعافية، أنا أسف إني اتعصبت عليكي، بس أنتي اللي عصبتيني، أنتي وعدتيني إنك مش هتحاولي تهربي."
هزت رأسها بيأس فهي في حضرة شخص مجنون بكل تأكيد.........
عودة للحاضر...
كان يصف سيارته على جانب الطريق يستمع لما تقوله بهدوء شديد يحاول خلف ذلك الهدوء إخفاء جزء من شخصيته لن تعجبها أبدًا، لكنه لم يستطع التحمل فتحرك لخارج السيارة وأولاها ظهره يخشى بقية حديثها...
ترجلت من السيارة ووقفت أمامه تقول ببعض الهدوء بعدما مسحت دموعها عن وجنتها:
"عيسى، أنا معنديش حاجة خايفة أقولها لك.. يعني القصة مخدتش الشكل اللي أنت متخيله."
"يعني مقربلكيش؟"
هزت رأسها نفيًا فسألها مجددًا:
"يعني مروحش أفجر دماغه وأرتكب جناية دلوقتي!!"
ضحكت بخفة وهزت رأسها نفيًا بينما طالعَها هو بغضب يقول بتوعد:
"هكتفي بكسر إيديه ورجليه الإتنين.. بس كمليلي الأول."
"لا يا عيسى!! دا مريض نفسي لازم يرجع المصحة."
"مصحة!!"
.............................................
"يعني إيه مش هتتكلمي!! أنتي كنتي مستخبية وهربانة في بيتي يعني أنا كنت متستر عليكي!! حقي أفهم كل حاجة."
"المخدرات دي وقعت في طريقي وخلاص، عامة حضرتك متأذتش بسببي وكفاية أنا همشى أصلاً."
"تمشي تروحي فين!! هتفضلي هربانة لحد إمتى!! أنت هتفضلي هنا لحد ما أشوفلك صرفة."
"لا.. أنا كدا كدا كنت ناوية أمشي، شكرًا على مساعدتك بس حقيقي أنا مش هينفع أفضل هنا بعد ما أنت عرفت الحقيقة."
"علفكرا أنا عارف حقيقتك بقالي كتير أوي، لو كنت ناوي على حاجة مكنتش هستنى دا كله، أنتي تطمني هنا وتخافي من اللي برا... أنتي بنت لازم تخافي على نفسك."
قالت بتوتر:
"بس إزاي يعني يا دكتور سليم!"
قال بضيق:
"عادي زي ما كنا.. أنت هتهتمي بالبيت ومرتبك زي ما هو.. وهحاول أساعدك."
"إزاي!!"
"هكلم عمي.... سليم مغاوري."
نظرت له باستنكار تسأله بتعجب:
"يعني إيه!؟ أومال أنت مين!"
"أنا سليم صادق مغاوري.. ابن أخوه."
حمل هاتفه وتحرك تجاه التراث واحتارت هي ماذا تفعل أتذهب خلفه أم تبقى بمكانها، فقررت الجلوس وانتظاره لعله حقًا يستطيع مساعدتها في ذلك الأمر...
طالعَته وهو يتحدث مستندًا بظهره على الجدار وجهه تجاه الداخل....
"أيوة يا سليم، طالما أنت بتقول إنها مش لابسة في القضية يبقى هربت ليه!!"
تعجب سليم فهو لم يسألها، تحرك للخارج يسألها نفس السؤال:
"لما محدش عارف إن أنتي اللي عملتي كدا.. هربتي ليه!!!؟"
..................................................
"الحمد لله على سلامتك يا آنسة حنة."
قالت بألم:
"الله يسلمك يا دكتور خالد، معلشي تعبتك معايا أنا مش عارفة دوخت فجأة كدا ليه."
"يمكن علشان ما أكلتيش بقالك فترة!!"
"أنا فعلاً مليش نفس لأي أكل خالص الفترة دي."
جلس خالد على الكرسي أمامها حيث كانت تتسطح على الفراش في إحدى غرف المستشفى تتصل بأوردتها إحدى المحاليل المغذية....
نظر خالد لها معاتبًا ولكنه لم يعلّق وجلس صامتًا ينوي البقاء لدقائق ثم العودة لعمله ولكن يبدو أن للقدر رأي آخر وأعلن رنين هاتفه عن اتصال..
"دا عيسى.. الو!"
"خالد، حالا تروح لحنة وتاخدها عندك البيت.. لو جرالها حاجة هعتبرك أنت اللي آذيتها."
"إهدي بس يا عيسى وفهمني في إيه!! حنة قدامي أهي أنا عندها في المستشفى."
"تمام، خدها وأمشي قبل ما حد يعرف إنها معاك، مش عاوز مخلوق يعرف مكانها يا خالد فاهم!!"
"حاضر متقلقش، أنا هتحرك حالا."
أغلق خالد هاتفه ووقف يسحب المحلول من يدها ثم أخذ بقيته وسألها بجدية:
"هتقدري تمشي!؟"
سألته بتعجب:
"هو في إيه!!"
"عيسى قالي أخدك عندي البيت."
"نعم!!!!"
"متقلقيش أنا عايش مع أبويا وأمي، هناك حماية ليكي يا حنة، أكيد حصل حاجة خلينا نتحرك الأول وبعدين نبقى نفهم منه."
"أيوة بس هدومي وحاجتي كلها في السكن!!"
"هو قال حالا، مفيش وقت ترجعي، لازم نتحرك دلوقتي... يلا بقولك."
قال جملته الأخيرة بحدة فانتفضت عن الفراش تتحرك معه للخارج، رفعت نظرها له قائلة برجاء:
"عاوزة أكلم عيسى".
"لما نوصل البيت."
بالفعل دلفت معه داخل السيارة وتحرك بها تجاه منزله،
توقف أمام بيت كبير بوابة عالية ولافتة صغيرة تحمل اسم والده...
صف سيارته ثم تحرك وهي خلفه تنظر حولها بحذر فهي لا تثق بمن حولها حتى خالد نفسه لكنها تحاول أن تثق به لثقة عيسى به لا أكثر...
"ماما! تعالي أنتي فين؟! اتفضلي يا حنة أدخلي."
دخلت تقف في منتصف المنزل تقريبا حتى وجدت سيدة في الخمسينات من العمر تقترب منها بوجه بشوش مريح تبتسم بخفوت:
"نورتي يا حبيبتي تعالي اتفضلي اقعدي، خالد كلمني وفهمني حكايتك."
جلست حنة وأخيرا وأمامها تلك السيدة التي بدأت في التعرف عليها والحديث لها بنبرة هادئة، تبدو متعبة وثيابها السوداء أكدت لها بأن هذا المنزل ودع حبيبا من فترة قليلة...
"تعالي ادخلي ارتاحي أنا جهزتلك الأوضة وحطيتلك أسدال وكام عباية وطرحه من بتوعي تلبسيهم هنا في البيت... الحمام اللي جمب الأوضة ده كان بتاع بناتي هتلاقي فيه كريمات وشامبوهات وحاجات كتير تقدري تستخدميهم لو حابة."
أومأت حنة بهدوء وقد تفهمت أن تلك السيدة ربما فقدت بناتها الصغار فلم تود سؤالها لئلا تجرحها وذهبت لتلك الغرفة بعدما شكرت الإثنين...
دخلت للغرفة وقد كانت لفتيات تلك السيدة، نظرت للصور المتعددة بالغرفة وللخزانة المغلقة..
اقتربت من إحدى الصور لترى إحداهما تحتضن الأخرى لتتذكر أختها تهمس بحنين:
"يا ترى أنتي فين يا فيفي!!"
...........................................
اقتحم عيسى المنزل غاضبا منذ أن هاتفه عمار منذ قليل وأخبره بما حدث وزمرد بجواره لا تفهم أي شيء حتى أنها خشيت سؤاله من ملامحه الحادة والقسوة التي أتخذت مكانها في تصرفاته...
انتفض عمار وعمر في ذلك المنزل حيث تركهم عيسى ليبقوا بجوار أختهم ولكنها بالحقيقة ليست كذلك..
أقترب عيسى يلكم أخيه بغضب فتحركت زمرد بخوف تجاه عمار الذي طالع عيسى بحده وغضب ليصرخ عيسى بها:
"زمرد... إرجعي ورا سيبه يمكن يتعلم المسئولية، مهمة خايبة زي دي تفشل فيها أنت والخايب التاني."
انتفض عمر للخلف بخوف فتحرك عيسى تجاهه يسحبه من ثيابه ودفعه ليسقط بجوار أخيه:
"أنتوا شوية عيال وأنا اللي غلطت لما اعتمدت عليكم.. فين السنيورة!!"
أشار له عمر للداخل فتحرك عيسى للداخل بينما اقتربت زمرد بحيرة تسألهم:
"هو في إيه!؟ أنتوا عملتوا إيه!!"
قال عمار بغيظ:
"ابقي خلي جوزك يقولك."
تأففت زمرد تتحرك للداخل لترى فردوس المقيدة على كرسي وعيسى يدفعه بغضب لتقع الفتاة على الأرض صارخة بألم واختلطت معها صرخة زمرد:
"عيسى!! إيه اللي بتعمله في أختك دي!!"
صرخ عيسى بجنون:
"دي مش أختي، مش أختي، أنا أختي مخطوفة.. بس ورب محمد لو فردوس جرتلها أي حاجة لأحرقهم كلهم واحد واحد.. وده مش مجرد تهديد."
تحرك عيسى تجاه الفتاة التي نظرت تجاهه برعب ليهمس بصوت متوعد:
"وأكيد أنتي عارفة كويس عيسى القائد.."
"أنا معرفش هي فين، كل مهمتي كانت أخد مكانها وأهدد حنة إنها متتكلمش، هما قالولي إنك متعرفش شكلها أساسا!!"
حطم عيسى كل ما أمامه ثم تحرك للخارج من جديد يجلس أمام إخوانه يلتقط أنفاسه بعنف وعقله يضع كافة الاحتمالات لما قد تمر به أخته...
"اتفضلوا فهمنوني إيه اللي حصل!"
قال عمار بضيق:
"سمعتنـا وإحنا بنتكلم.."
أقتربت زمرد تسألهم بنفاذ صبر:
"أنتوا لازم تفهموني كل حاجة!!!"
............................................................
"طب وعهد الله ما هحلك النهاردة! وهخلي الرجالة دي كلها تتفرج عليكي يا حلوة."
"ده لما تبقي تشوف حلمة ودنك يا أبو كرش."
فتح سلاحه الأبيض يقترب منها ليهددها به لتبتسم فردوس وهي تنظر لعينه بتحدي:
"بس متنساش.. متنساش أنا أخت مين."
وكأنها أخذته من محيط الشر وسحبته لمستنقع الخوف فقرر إخافتها فقط دون أن يلحق بها الأذى وبمجرد اقترابه ضربتـه فردوس في يده وسحبت ذلك السلاح ببراعة وكأنها متمرّسة:
"يا ويلك وسواد ليلك، إيه اللي جاب المطوة في إيدي مش معقول، كنت ما صدقت أبطل يا أبو كرش."
قال الرجل بغضب:
"يخربيتك ده أنتي جبروت!"
اقتربت منه تهمس له بمكر:
"ابقي اسحب رجالتك برا بهدوء عشان اللي مشغلك ميعرفش إنهم وقعوا وانت واقف مش واخد بالك."
فتح عينيه بصدمة وألتفت للخلف ليجد الثلاث رجال على الأرض، ومن الظلام آتي شخصا حاولت فردوس التعرف عليه فهي تتذكر أنها ربما رأته مرة أو اثنتين...
"استاذ منتصر!!!"
رواية عيسى القائد الفصل الثامن 8 - بقلم اية محمد
"استـاذ منتصـر!!! أنت اللي عملـت كدا!! اخس عليك مكنش العشـم! مطمرش فيك كوباية الشاي أم تلات معالق سكر اللي طفحتهالك عندنا في البيت!؟"
نظر لها منتصـر بضـيق ثم ألتفـت يسحب ذلك الذي حـاول التسـلل والهرب قبل أن يفتـك به منتصـر.
"قـول للي مشغلك إن نهايتـه قـربت علشان القائد وراه رجـاله مش شوية شنبات علي الفاضي."
"اوب اوب اوب.. قصف جبهـات."
قـالتها فـردوس وهي تضـحك علي ذلك الذي فر هاربا من بين يدي منتصـر. فطـالعها منتصـر بضيق فهو يعـرف هذه الفتاة ويعرف كم هي ثرثـارة وفوضويـة وهو مُتعب للغايـة ورأسه يؤلمه لأبعد حـد.
تحرك منتصـر للخـارج وركضت هي خلفـه تقـول بحرج: "معلشي بقي أنا والله مكنتش بصالك في كوباية الشاي بس كان في أزمة سكـر ساعتهـا و الدنيا غاليـة أنت عـارف، بس متغلاش عليك والله صدقني أنا مش بخيـلة."
فـتح منتصـر باب السيـارة فنـظرت له تُكمـل حديثهـا وهي تتحرك للداخل.
"شكل حضرتك زعلت، خلاص أنا هعزمك علي كوباية المره دي بأربع معـالق سكر ولا تزعل نفسك خالص والله، بس قولي هو مين القائد دا!! ها!؟ مين القائد!؟"
أخرج منتصـر هاتفـه يتجـاهلهـا يتصـل بعيسـى ليُخبـره بأنه وجد أخته المفقـودة.
"أيوا يا قائـد.. أنا رايح البيت التاني."
انتفض عيسـى من مكـانه فتلك إشـاره بأنه وجد الفتـاة فسألـه عيسـى بهدوء مزيف: "أنت كويس؟!"
نـظر منتصـر بطرف عينه تجـاه الفتاة ليصطدم بوجـهها يتطـلع له بأعين واسعه ليقـول بتأفف: "كويس يا قـائد متقلقش."
"خـلاص خليك هناك.. قضي اسبـوعين تلاته خفف عن نفسك."
"لا هو يـوم هبص علي البيت واتطمن وارجع يا قائد."
"منتصـر نفذ الله بقولهولك."
أجابه بتعـب: "أوامرك يا قائـد."
أنهـي عيسـى المكـالمه فعـاودت هي الحديث من جـديد.
"القائد دا حد بيكراش عليا صح!! أكيد مهو محدش هيسأل فيا غير حنـة و دي خايبـة زمانها لايصه من غيـري ومقضياها عياط مش عارفه أنا مين الصغير أنا ولا هي، بس هي يا حبيبتي قاست في حياتها وتعبت، منه لله بـقي جوز أمها اللي هو أبويا، إلهي ربنا يخده مطـرح مهو قاعد ولا يلاقيكش تربه يترمي فيـها... ولا يكونش اللي خطفني دا كان طمـعان في الكافية فاكره بتاعي ميعرفش إنه بتاعك أنت!! وعشان كدا أنت اللي أنقذتني، أكيد حسيـت بالذنب والمسؤ....."
"بس... بس اكتمـي بوقك دا، إي!! مبتفصليش؟! صدعتيـني.. بت انتي أنا مش عاوز اسمع صوتك لحـد ما نوصل."
قالت بضيق: "طيب هات تليفونك أكلم حنة."
"أولا.. حنة مش في البيت، ثانيـا إحنا مش رايحيـن بيتك إحنا رايحيـن مكـان أبعد شـويـة."
سألته بتعـجب: "فين!! ويعني اي حنة مش في البيت؟!"
"رايحيـن بور سعيد، أنا هجيبلك تليفـون تكلمي أختك بس مش عـاوزك تكلمي مخلوق غيرهـا و تنبهي عليها هي كمـان متقولش مكانك لأي حد."
"وهي فين!! اختي فين!!"
"حنـة في الأقصر."
"طيب وديني عنـدها.. وديني ليها دلوقتي عاوزة أتطمن عليها."
"للأسف اختك اتعـرف انها في الأقصر علشان كدا لا هي هتخرج من البيت اللي إحنا سايبنها فيـه و لا أنتـي هينفع تروحي هناك."
"هو خطفنا دا ليـه علاقـة ب عيسـى!! طيب أنت بتساعدنا ليه؟! ومين القائد دا؟!"
"معنـديش معلومات أكتر من اللي قولتلهـالك، ودلوقتي حطي راسك علي جمب كدا ونامي عشان الطريق طويـل."
***
قال عمـار بغيظ: "مشيتهـا ليـه يا عيسـى!!! كان ممكن نخطفهـا ونساوم بيها اللي خطف فردوس!!"
أجابه عيسـى بسخريـة: "طالما رمـاها علي اخوات عيسـى القائد يبقي متهموش في حـاجه.. اقعدوا واهدوا فردوس في أمان، أنا مشيتها علشان متأكد انهـا هتجـري علي اللي مشغلها.. عامة أنتم تقـدروا ترجـعوا لبيتكم، أنا جيبتكم بس علشان أجاريهم من البداية."
اقترب عمر يجـلس أمام عيسـى يتحدث بجدية: "احنا عاوزين نشوف اختنا يا عيسـى و عـاوزين نعرف مين الناس اللي خطفوها دول و ليـه أصلا؟!"
"أولا.. أنا معرفش لحد دلوقتي مين اللي خطف فـردوس وليـه جاب البنت دي مكانهـا وليه عمل عليا الفيـلم دا كلـه.. فردوس متعرفش عني غير اني أخوها، عمرها ما قابلتني ولا شافتني في الحقيقـة، شافتني بس في الصور علي الانترنت، علي عكسي أنا كانت عيني عليهـا هي وحنـة من زمـان، من حتي لما كنت يدوب 17 سنه ممكـن و بدأت أكون واعي اكتر انها أختي و ان اللي محسوب علينا أب دا عمره ما هيحميهـا، أنا عارف كويس ان اختي مكـانش عليها اي ديون و لا كانت محتاجه لفـلوس أساسا لأني اشتـريت كافيـه قريب من هنا و خليت منتصـر يشغلها فيه و بعد فتـرة خليته يشغلها مديـرة للكـافيه دا و كان معاها فلوس تكفيهـا هي وأختهـا... لمـا البنت دي وقفت قدام القصر ومثلت انهـا فردوس عملت اني مصدقهـا طبعا بإعتبار ان اي عدو ليا هيكون في دماغه اني معرفش شكلها و كذلك فهمت ماما، و كمـان ليلة ما عمر وعمار كانوا بايتين في القصر فهمتهـم كل حاجه و قولتلهم هسيبكم تـروحوا تقعدوا معاها يمكـن نعرف اترمت علينا من أنهي مصيبـة بس طبعا الدكـتور وأخوه كانوا أفشـل من بعض، البنت كانت مهدده حنـة طبـعا و علشان أنا حسيت انها مصدر تهديد كان لازم اخرجها من هنـا، وقبـل ما تسافـر قـالتلي اللي حصـل و ان فردوس كانت مخطـوفة من قبل ما البنت تجيلي بيوم واحد بس."
سألته زمرد بحيـرة: "طيب لقيت فردوس إزاي؟!"
"مش أنا اللي لاقيتهـا، منتصـر هو اللي لقـاها و هيخرجـها برا القاهره خـالص، بس.. كلنا بخير هنتصـرف علي أساس ان فردوس لسه مخطـوفة."
"ليـه ما احنا لقيناها وخلاص؟!" تعجب عمر.
قـال عيسـى بغضب: "لا ما خلصناش.. دي أخت عيسـى القائد، مالك ياض أنت وهو خـرع كدا ليـه!!! دمكم مش حامي ليه جاتكم نيـلة شكلكم شبهه."
قال عمار بحده: "عيسـى!! بلاش تقـول كلام من دا.. متنسـاش إن احنا اتكوينا بنفس النار دي."
أجابه عيسـى بضحك: "نـار اه... أومال لو مكانتش أمك اتجوزته عرفي بمزاجـها؟!"
صـرخ عمـار به واقتـرب يمسكه من ياقتـه: "عيسى إحترم نفسك!"
لكمـه عيسـى ليسقط عمـار أرضـا يمسك بوجهه يتنفس بعنف وينظر له بغضـب فطـالعه عيسـى بضيق ثم سحب يد زمـرد يقول بأمر: "خد أخوك يا عمر و ارجعوا طنـطا، ولما فردوس تبقي ترجع أنتوا عرفتوا مكـان شقتهـا."
تحـرك عيسـى يأخذها خلفـه بينمـا هي نظرت تجـاههم بحـزن في النهايـة هم اخوتهـا تربت مع في بيت واحـد.
جلست في السـيـارة بضيق وغضب منـه، هي وعدته بأن لا تُحدثه بالأمر ولكنها لن تستطيـع الصمت فقالت بصوت حـاد: "علفكـرا الست اللي أنت كنت بتهينهـا دي هي اللي ربتنـي."
"يعني أعملها اي!! أو أعملك اي يا زمـرد؟!"
"يعني تحتـرمها يا عيسـى!!"
قالتها بصوت مرتفـع فنظر لها بأعين محذره عقبها بقـوله: "أوعي تفكـري تعلي صوتك دا عليا أنتي فاااهمه؟!"
قالت بصوت خافت حاد: "زي ما أنت ملكش ذنب إن نتيجـة جر'يمة بشعه زي اللي حصلت لوالدتك، عمار وعمر ملهومش ذنب اذا كانت اتجـوزت عرفي ولا لا.. دول اخواتك اللي أنت بتخسرهم دول."
"وهما مش في صفي اصلا عشان أخسرهم و أقفلي بقي السيـرة دي ومتفتحيهاش تـاني..مش هعيد كـلامي تـاني يا زمرد."
تأففت بضيق و صمتت فلا فـائدة من الحديث معـه وظل تتابع الطـريق بعيناها حتي سألته بملل وهي تشيح بنظرها عنه: "دا مش طريق القصر، إحنا رايحين فين؟!"
أجابها بهدوء مزيف: "أنا قفـلت القصـر.. حاجتنا اتنقـلت وماما مستنيـانا في بيتنا الجـديد."
ألتفتت تتابـع حديثـه بتعجب فهو لم يخبرها بتفكيره بالأمر حتي، متي اتخذ القرار!!! ولما لم يُشاركهـا به حتي، يا لحماقتهـا وهي من ظنته يُعطيها أهمية بحيـاته!! بالنهاية هي كسـائر ممتلكـاته، غرض من أغراضه التي سيـأخذها معه من قصـره لبيتـه الجديد.
وبالطـابق الثاني من إحدي العمارات السكنيـه الفارهه والفخمـة دلفـت زمرد وهي تنـظر حـولها لتلك الشقـة الواسعه، وقعت عيناها علي التي آتت من الداخل تقول بإبتسامة واسعه: "الشقـة حلوة أوي يا عيسـى و واسعه أوي ومريحـة، بجد أنا قلبي مرتاح هنا أوي عن القصـر.. بس ليه مقولتليش؟!" ابتسم عيسـى يقـول بهدوء: "كنت عاوز أعملهالكم مفاجأة يا ماما اي رأيك؟!"
نظـرت تجـاهه بتعجب، ظلمته بتفكيـرها فحتي والدته لم يُخبرها، هل أرادها مفاجأة حقـا!!..
تجـولت في الشقـة رفقـة والدته وهـو خلفهـم، عبـارة عن صـالتيـن واسعتيـن و غرفـة كبيـرة كصالون لإستقبال الضيـوف، و غـرفـة رئيسـية مُلحق بهـا حمامها و غرفـة للثياب، غرفتيـن أخرتين للنوم، مطبخ واسع وحمـامين آخرين...
قـالت زمرد بهـدوء: "مبـروك عليك يا عيسـى."
تحـركـت تجـاه الغرفـة وهو تتبعهـا بعيـنه لتسأله والدته بتعجب: "في اي مالها زمرد شكلها زعلان، أنت مزعلها ولا اي را عيسـى؟!"
أومأ برأسه يتأفف وهو يعـود بظهـره للخلف لتنهـره والدته: "حرام عليك دي لسه عـروسة، يا ابني أبوها كـان قاسي عليها خليك أنت الحنين.. قـوم صالحهـا يـلا أنا طلبت أكلـة سمك إنما اي هتاكـلوا صوابعكم وراهـا."
ضحك عيسـي بسخريـة وهو يتحـرك للداخـل خلفهـا، بحث عنهـا بالغرفـة لم يجـدها فشعـر بحركـتها في غرفـة الثيـاب، كانت تقف بجـوار حقيبتها تُفـرغهـا فأقترب عيسـى تجـاهها.
"زمردة أوعي تحتـلي الأوضة كلها."
نظرت له بضيق: "اي زمـردة دي! مبحبش الدلع دا."
قال بتفكيـر: "طب اي رأيـك لو أقولك يا زوزو؟!"
سألته بتأفف: "وأنت عـاوز تدلعـني ليه بقـي؟!"
ضحك عيسـى بسخريـة وهو يقتـرب يسحب خصـرهها تجـاهه لتصطدم بـه يقـول بخبث: "لما أقولك زمردة يبقي دلـع!! أومال لو قولتلك إنك زي القـمر!!"
اضـطربت تحـاول الإبتعـاد عنه ليتمسك بها بقـوة يقول بتحذير بصوت هادئ خدر كل انش بهـا: "متبعـديش."
"عايـز اي؟!"
"عاوزك متزعليش، مش عاوز البوز دا.. عاوزك متربطيش علاقتنا بأي حاجه تانيـه."
"بس إحنا مش عايشين لوحدنا."
"عارف علشان كدا بقولك تفصـلي علاقتنـا عن أي حاجة وأي حـد.. سيبي الشنط و تعـالي نتعشـى."
تحـرك عيسـى يسحبها خلفـه تزامنا مع مـوعد وصول الطـعام فأخذه عيسـى وجـلس الجميـع علي الطـاولة عل ذلك الجو الأسـري الهادئ يمنح قلبهـم القليل من السـلام.
***
"كـل الحكـايـة ان بقي في تـار بين العيلتيـن، والأكيد ان اللي قت.ل واحد من عيلتـنا وطبعا أغلب الشـك إنه خالد أخويا أو أبويا...سمعتهـم وسمعة ابنهم اللي مات كانت فارق كبير طبعا بالنسبالهم انها تنتشر في كل البلد وتفضل لسنين فيعمـلوا اي بقي!!! ينتقموا في واحده ست، ياخدها مراته و يذلها ويذل أهلها بيهـا و علشان كدا المفروض كنت أتجوز اخو المجـر'م دا.. بس أخويا مقبلش و هو اللي هربني... يا دكتور سليم أنا مش عاوزة مساعدة أنا بس عاوزة أمشي من هنا علشان مبقاش ينفع أفضـل أكتر من كدا."
"خلاص نـكلم أخوكي يجيب أهلك ويجوا هنا يتطمنوا عليكي يا بنت الناس."
"مش عاوزة، أنا همشي وخلاص."
أقترب منها سليم يسألها بحده: "يا بنتي ما تقـولي مخبية اي أنا عاوز أساعـدك."
"لا شكـرا أنا مش محـتاجة مساعـدة خـلاص."
"مش هتمشي."
"يعني اي يعني هي بالعافيـة!!"
"اه بالعافيـة وهوصل لأهلك بأي طريقه."
"وهي تفرق معاك في اي أنا مش فاهمه!!!"
"تفرق معايا إني حبيتك يا متخلفه."
"اي!!"
رواية عيسى القائد الفصل التاسع 9 - بقلم اية محمد
"تفرق معايا إني حبيتك يا متخلفه."
"إيه؟ لا.. لا أنت متعرفنيش أصلاً، أنت متعرفش عني أي حاجة، أنت قولت متعرفش عني حاجة إزاي هتحبني؟!"
"في الأول سبتك هنا علشان أفهم بس ليه بنت ممكن تعمل كدا، وكنت شاكك إن وجودك هنا ليه علاقة بشغلي مثلاً، بس لقيتك بعيدة عن كل البُعد عن شغلي، ومراقبتي ليكي اتحولت لاهتمام. أنا عيني مغفلتش عنك لحظة من وقت ما جيتي هنا، سواء وأنا هنا أو وأنا في شغلي."
"إزاي؟ إزاي يعني وأنت في شغلك؟!"
"كاميرات المراقبة."
"اللي أنت بتقوله دا جنان، أنا ماشية."
وقف سليم وقال بحده: "مفيش خروج من هنا، ودا آخر كلام عندي."
تحرك سليم تجاه باب شقته وأغلقها، ثم أخذ المفتاح وعاد تجاه غرفته، وهي تنظر في أثره بصدمة.
"دا مجنون دا ولا إيه! إيه العبط دا!؟ أنا مش فاهمة حاجة! هو عاوز إيه بالظبط؟!"
عاد لغرفتها وأغلقته من الداخل، تسير تجاه فراشها ببطء وهي تفكر في تصرفه، وعقلها مُنشغل بالكثير من الأمور الأخرى. أين ستذهب وماذا ستفعل للعيش؟ هل حقاً ستقضي بقية حياتها بعيداً عن أهلها؟ هل ستقضيها في خدمة البيوت بعدما كانت أميرة متوجة في منزل أبيها!!!
بينما في الجهة الأخرى من المنزل كان يتحدث لِعمه مكالمة فيديو.
"سليم أنت أخدت بالك من اسم البنت؟"
"مهو دا اللي مخليني عاوز أساعدها يا عمي، بس مش عارف إزاي. أنا مسبتهاش تمشي، هتفضل هنا حتى لو بالإجبار لحد ما أعرف أتواصل مع أخوها."
"التحقيق الرسمي لجريمة الق.تل لسه شغال، بس مفيش أي دليل ضدها. أنا هشغل رجالتى ليل ونهار يعرفوا أي جديد، ولو فعلاً في دليل هيوصلوا ليه قبل البوليس ويخلصوا منه. وبالنسبة للي اسمه ضاحي دا اللي عاوزين يجوزهولها، أنا ممكن أمحيه من على وش الأرض."
"لا يا عمي مش عاوز يبقى في قضية جديدة. هو مش هيأذيها طالما مرجعتش، وزين مستحيل ترجع تاني، حتى لو اضطريت أحبسها هنا عمرها كله."
"لا مش هتضطر لحاجة، هنوصل لأهلها والموضوع هيتحل، والبنت وأهلها هيتجمعوا من جديد."
"بإذن الله."
أنهى سليم المكالمة واتجه لِفراشه يُلقي جسده عليه، لعله يستطيع التفكير والوصول لقرار صحيح. هو حاول منعها بأكثر من طريقة، ربما فرضه عليها بالبقاء هو أمراً خاطئ، ولكنه لن يتركها تذهب لمصير تجهله أبداً.
"أنا جعانة."
"حاضر هنزل أجيب حاجة تطبخيها."
"أنا أطبخ! يا على الثقة يا جدع! صدقني والله أنا يا دوب بعرف أسلق بيض، وغالباً بسيبه لحد ما يفرقع في الحلة."
أجابها بعصبية: "يووه أعملك إيه أنا يعني؟!"
"في اختراع اسمه أكل جاهز على فكرة. يا أخي راعي إني كنت مخطوفة وسايبني على لحم بطني، ولا حتى عزمت عليا بساندوتش شاورما!! روح يا شيخ ربنا ينتقم منك. آه يا ربي ذنبي إيه إن أبويا يطلع جاحد وأخويا يسيبني وميسألش فيا؟ أعمل إيه بس نصيبي كدا. أنا هقوم يا ابن الحلال أشوف رغيف حاف أكله، ولو ملقتش هربط بطني بإشرب وعوضي على الله."
تنهد منتصر بضيق وهو يتحرك تجاهها، ينظر لها بتقزز: "أولاً أنا مبحبش الرغي، ثانياً جو الاستعطاف والشحاتة دا تبطليه. ثالثاً أنا وأنتي مش جايين هنا نتساهر ولا نتفسح. أنتِ وأختك في ناس وراكوا، وإحنا لسه لحد دلوقتي مش عارفين هما مين ولازم نحميكم."
سألته بإنتباه: "إنتوا مين؟"
"ركزي في اللي يهمك، أنا نازل وهبعتلك أكل."
"وهترجع إمتى؟"
"وإنتي مالك؟ أرجع وقت ما أنا عاوز، أنتي هتشاركيني؟!"
"يا أخي عنك ما رجعت، جتك نصيبة. أنت بتزعقلي ليه يا جدع أنت!! أنت فاكر نفسك اشتريتني بفلوسك ولا إيه، جتك الهم."
تحركت غاضبة لداخل الغرفة وأغلقت الباب بقوة خلفها، وكذلك غادر منتصر الشقة، ليسير في الطرقات هائماً لا جهة له.
"يعني في اتنين سليم مغاوري. العم اللي بيتاجر في المخدرات وأعماله كلها غير قانونية، وابن أخوه الدكتور."
"أيوا يا قائد بالظبط كدا."
أومأ له عيسى، فتحرك الحارس للخارج وهو يفكر في تلك المتاهة، وقبل أن تأخذه أفكاره وجد حرسه يدلف من جديد: "مؤمن اتقبض عليه يا قائد وهو بيصرف البضاعة."
اعتدل عيسى، يرسم ابتسامة خافتة على شفتيه، وتحرك للخارج ليجد رجاله حيث يقف هو في مقر عمله. فوقف الجميع فور رؤيته، ينتظرون أوامره: "كل رجالة مؤمن اللي متقبضش عليهم يبقوا قدامي هنا في ظرف 24 ساعة."
"أوامرك يا قائد."
تحرك عيسى للخارج تجاه سيارته، ثم جلس يُخرج هاتفه ليتحدث بأريحية: "قاسم باشا.. بكرة في نفس المعاد هتلاقي رجالة مؤمن عندك، ومبروك عليك الترقيّة يا حضرة الظابط."
تعالت ضحكات قاسم وهو يقف متحركاً تجاه النافذة الخاصة بمكتبه: "جمايلك كترت يا قائد، بس المفروض إن البضاعة اللي أنت سلمتها لمؤمن كانت مضروبة، بس المعمل الجنائي أثبت إنها مخدرات!!"
"آه مهو اللي المعمل فحصها دي عينة حطيتهاله هدية، أخدتها من خزنة مؤمن نفسه."
"يخربيتك! أنت وصلت لخزنته إزاي!! وصلت أساساً إزاي لبيته أو عرفته إزاي!؟"
"إجابة مختصرة.. عيسى القائد."
ضحك قاسم يقول بخبث: "بس اللي أعرفه إن القائد اليومين دول عريس جديد وكمان دراعه اليمين مش موجود جنبه."
ضحك عيسى على حديث قاسم ليجيبه بجدية: "يمكن علشان زي ما منتصر مخلص للقائد في غيره كتير. أنا مش نايم يا قاسم ورجالتي حوالين الكل، وقريب أوي هوصل لسليم مغاوري واللعب هيكون على المكشوف وهيتسلم زي زي قبله كتير."
"بنتعلم منك يا قائد."
ضحك عيسى وهو ينهي المكالمة، ثم تحرك تجاه شركته لينتهي من أمر ذلك المجنون بدون حتى أن يعرف بقية قصته. ألا يكفيه أنه نظر لزوجته بل وأخت طفلها وأثار الخوف والذعر في قلبها!!
وبعد نصف ساعة كان يقف أمامه وهو مقيد، ملقي على الأرض في أحد المخازن القديمة. جلس عيسى أمامه يقول باستفزاز: "أنا جوزها."
تابعه الشاب بعينين دامعتين غاضبتين، لا تدري هل ذلك جنون الحب أم هوس أم لعنة حب أصابت ذلك الشاب، فبرغم غضبه وعروقه المنتفضة كانت آثار جنونه واضحة ليراها عيسى ليدرك مدى هوس ذلك الرجل بزوجته. وعند تلك النقطة اقترب عيسى يتابعه عن قرب بغضب حقيقي: "أنت عارف اللي أنت عملته دا عقابه إيه عندي؟! أنت فاهم اللي بيبص لحاجة ملكي بيجرى فيه إيه؟! فما بالك بقى لو مراتي!!! لا وبتجري وراها وبتخوفها في نص شركتي وقدامي؟! دا أنت بجح بقى؟!"
"أنا الأحق بيها مش أنت، أنا اللي بقالي سنين بحبها مش أنت، أنا عملت عشانها حاجات كتير غلط، وعشان تكون ليا هعمل مليون حاجة غلط ولو كانت إني أقف في وشك أنت."
"كويس إنك عارف إن وقوفك في وشي غلط، بس اسمحلي أقولك إنه أكبر غلط والنهائية بالنسبالك وهتعرف لما أسيبك مع رجالتى يومين."
"يومين أو عشرة، لما هخرج من هنا، زمرد مش هتكون لغيري، أنا بحبها، بحبها بشكل لو فضلت عمرك كله عمرك ما هتقدر تحبها زيي."
"لما تبقي تخرج بقى يا حيلتها."
لكمه عيسى بقوة ليسقط الشاب أرضاً فاقداً للوعي، لينظر عيسى له بسخرية: "دا أنت مفكش نفس يا جدع!!"
نظر لأحد الحراس الذي تركه مع الشاب يأمره: "الواد دا يتروق فاهم!! لحد ما أشوف أخرتها معاه."
أومأ له الحارس، فتحرك عيسى للخارج متعباً، لا يدري لما أيامه طويلة وثقيلة بهذه الفترة. ربما شيئاً واحداً يجعله يشعر بالراحة، يأتي بالسكينة لقلبه والهدوء لروحه، وكأنه يبتعد بها عن ضوضاء العالم، برغم أنه تمر سوى بضعة أيام، لكن ذلك الشعور يأسرُه من اللحظات الأولى معه.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يقود سيارته عائداً لها.
كانت الشقة هادئة، فعلم أنها بالغرفة، وكذلك والدته، فتحرك بهدوء تجاه غرفته، يدلف ليجدها بغرفة الثياب من جديد منشغلة بترتيب ثيابهما.
"مساء الخير."
انتفضت زمرد فهي لم تشعر به عندما دلف للغرفة.
"بسم الله الرحمن الرحيم، أنت رجعت إمتى؟!"
قال بتعجب: "لسه راجع، مالك اتخضيتي كدا؟!"
"مش واخدة على المكان وأنت دخلت فجأة. شوف أنا ظبطتلك كل هدومك أهي وفاضل بس حاجات بسيطة في هدومي هخلصهن. عاوزة مصروف للبيت علشان أنزل أشتري بقى شوية حاجات لأن المطبخ فاضي، وكمان أنا دورت ملقيتش أي أدوات للتنضيف هنا فمحتاجة بردو أشتري و..."
صمتت عندمـا تفاجأت بضمـة عيسـى لها وصوت تنهيدته وهو يبتعد يطبع قبلة رقيقة على وجنتها، ثم أخذ ثيابه المنزلية وتحرك تجاه المرحاض.
حـاولت تدارك صدمتها و رفعت يدها تُعيد خصلاتها خلف أذنها لتظهر وجنتها التي احمرت خجلًا من فعلته تلك.
بعدمـا بدل ثيابه تحرك للفراش يُلقي بجسده المتعب فـوقه ليُحـاول النوم، يواجه صعوبته به كعادته. خرجت زمرد تتفادي النظر له، ثم جلست بجواره تتصفح هاتفها، فنظر لها عيسى يسألها: "هو أنا المفروض بقى أجيبلك الخضار وأنا جاي كل يوم والحاجات دي؟!"
نظرت له بتعجب ليُكمل حديثه: "أصلي بصراحة أخدت شوية وقت على ما استوعبت إني اتجوزت، أنا مكنتش ناوي خالص."
سألته بتعجب: "ليه؟"
"علشان أنا مبحبش المسؤوليات الكتير، والجواز مسئولية وعلاقة ليها احترامها ولازم لما أتزوج أكون شخص قادر على كل مسؤولياتي ناحية الست اللي معايا ومقصرش. بس أنا أوقات كتير أوي بنسى نفسي في الشغل. أنا لازم أحافظ على اللي وصلتله يا زمرد لأن تعبت أوي فيه. أنا بدأتها من صبي على القهوة وكنت أقعد أذاكر في ركن كدا على جنب لحد ما أخدت شهادة، كان عندي دكتور في الجامعة بيحبني جداً ومعجب بتفكيري وخدني اشتغلت عنده في شركته الخاصة من قبل ما أتخرج. وبعد ما اتخرجت على طول خلاني مدير. ومع الوقت بنيت شركتي بنفسي، كانت مكتب صغير وفي ظرف خمس سنين بقت الكيان اللي أنتي شوفتيه دا ولسه.. لسه عاوزه يكبر أكتر ويكون ليها أكتر من فرع ويكون ليا أكتر من مصنع وخط إنتاج، ليا فرع واحد بس بره مصر عاوز أكبره. وكل دا بيكون على حساب وقتي.. علشان كدا مكنتش عاوز أتزوج. مش عارف إيه اللي حصل في اللحظة اللي شوفتك بتعيطي فيها قبل كتب الكتاب."
سألته بصدمة: "قبل كتب الكتاب!؟ إمتى؟!"
"لما كنتي مقضياها عياط في أوضتك، أنا كنت شايفك ولما عرفت اللي أبوكي ناوي يعمله معاكي اتصرفت. مكنتش حابب إنه يظلمك، زعلك مهانش عليا معرفش ليه. في حاجة شدتني ليكي من أول مرة شوفتك فيها."
طالعته زمرد بتعجب ثم تنهدت تقول بحيرة: "مش عارفة لو كانت الجوازة دي كملت هيجرالي إيه!! كان زماني دلوقتي في بلد غريبة مع واحد تاني متزوج غيري اتنين وعنده عيال كمان.. برغم إن بابا معاه فلوس وربنا موسعها عليه في رزقه بس مش عارفة ليه يعمل فيا كدا عشان الفلوس. لما قالولي إن العريس مش جاي وإن ابن عمك اللي أنت عمرك ما شوفتيه هو اللي هيتجوزك مكانش فارق معايا، زي اللي خرج من حفرة ووقع في واحدة تانية زيها بالظبط وكنت فاكرة إنك.. هتكون زيه.. زي والدك، عمرك ما هتحترم الجواز ولا هتحترمني وكلها كام شهر وتسيبني بعيل على دراعي ومش هشوفك غير بعد كام سنة ترجع تقنعني إنك ندمان وبردو ترجع تسيبني تاني."
"لا، متشبهنيش بيه تاني... عمري ما هكون زيه."
"ودا اللي أنا اكتشفته في الكام يوم اللي فاتوا يا عيسى، أنت حد محترم رغم كل حاجة."
غمزها عيسى بمشاكسة: "مش محترم أوي يعني."
وضع عيسى رأسه على قدمها وأمسك بيدها يضعها فوق رأسه: "أنا من زمان عندي صعوبة في النوم."
مررت أصابعها بين خصلات شعره وسألته باهتمام: "بتشوف كوابيس؟"
ابتسم يتذكر أحلامه، فهز رأسه نفيًا يقول ببساطة: "عيني مبتروحش في النوم بسهولة، بس بعد كدا بنام كويس."
أغمض عينيه وصمت، وكذلك صمتت هي الأخرى تتابعه بهدوء، لا تشعر سوى بالسكينة لجواره وقربهما. وذلك الشعور الذي بدأ يسري بداخل كلا منهما لا تفسير له سوى اسم واحد وهو الحب.
في الصباح التالي.
خرجت فردوس من غرفتها تتأفف بضيق من ثيابها التي ترتديها منذ أيام.
"لا حس ولا خبر من امبارح، يكونش طلعوا خلصوا عليه!! طب يجيبلي التليفون ويجيبلي لبس الأول، دا إيه دا مفيش ذوق خالص!!"
دلف منتصر بعد مرور ساعة كاملة وهو يحمل بعض الأغراض، وكانت تنتظره هي على أحر من الجمر، وها هي فرصتها لتفجر غضبها وغيظها به: "أنت يا بني آدم أنت معندكش دم!!! إزاي تسيبني كدا ومتسألش فيا ولا كأنك رامي كلبة هنا!!!؟ لا خليتني أكلم أختي ولا سبتلي تليفون ولا أعرفلك طريق ولا أعرف حد هنا، أنت اللي ساعدتني أنا مشحتش منك المساعدة على فكرة!!"
ألقى منتصر الأغراض واتجه يجلس على الأريكة يتجاهلها، يشعر بألم لا يضاهيه عظامه، فقد قضى ليلته أمام البحر وتسربت البرودة لعظامه ولا طاقة له بالمجادلة الآن. يتمنى فقط أن ينتهي كل ذلك، فأخرج هاتفه يُرسل لعيسى رسالة: "يا قائد أنا عاوز أرجع القاهرة، متقلقش أنا هعين كذا حارس ثقة يحرسوها وهتأكد إن كل حاجة متوفرة ليها، بس أنا عاوز أرجع شقتي."
لم تصل الرسالة لعيسى، فتيقن منتصر بأنه لا يزال نائماً ربما. أغمض عينيه يريح رأسه على الأريكة قبل أن ينتفض على صراخها: "أنت يا بني آدم!!!"
صرخ بقي غاضباً: "ما تخرصي بقى يا بت أنتي!!! اتنيلي خدي الشنط فيها لبس وأكل، تاكلي وتسكتي خالص مسمعلكيش نفس."
ربما إن كانت فتاة أخرى لكانت بكت من إهانته ونبرة صوته المخيفة والقاسية، ولكنها ببساطة "فردوس" التي قالت بصوت كاد يصمها: "لا بقولك إيه أنت تقف عوج وتتكلم عدل، ولو أنت مش عارف مين هي فيفي يبقى هعرفك! أنا محدش يعلي صوتى عليا وإلا لسانه دا هلعب بيه نط الحبل."
تنهد منتصر بضيق يتحرك تجاهها، لتقف أمامه بالمرصاد. مئة وخمسون سنتيمتر في مواجهة شاب ضخم الجسد بطول يكاد يبلغ المائة وتسعين سنتيمتر، يتقدم تجاهها وهي لا ترمش حتى ولا تخافه مقدار شعرة. ربما نبرته المخيفة أربكتها قليلاً ولكنها أخفت ذلك الارتباك خلف ملامح صلبة.
"اسمعي علشان أنا معرفش هنفضل في وش بعض كدا قد إيه، أنا مبحبش الدوشة ولا أحب البنت اللي لابسة توب الرجالة وصوتها عالي.. هتتعاملي باحترام وزي باقي خلق الله هعاملك عدل، غير كدا هاخدي على دماغك، أنا مش جايبك هنا أربيكي فخلي المدة دي تعدي على خير."
"علشان أحترمك يبقى لازم أنت الأول تتعامل معايا باحترام لأني مش تحت أمرك يا منتصر بيه."
"أنا بدأتها معاكي باحترام بس أنت اللي لسانك طويل وغاوية تثبتي إنك بنت مجدي ال.... ولا بلاش."
"صح، معاك حق والدم بيحن كمان، وأنا بقى مستغنية عن خدماتك وصدقني بنت مجدي قدرت تحمي نفسها سنين وهي لوحدها هي وأمها وأختها اللي نسمة الهوا كانت بتأثر عليهم، إنما أنا كنت بنت مجدي بحق وخليني أشوف بقى مين عاوز يأذيني أنا وأختي."
تحركت فردوس تجاه الباب ليخرج منتصر خلفها يسحبها للداخل، فيندفع جسدها أثر دفعه لها، ثم أغلق الباب ونظر تجاهها بحدة: "لما تتحركي من هنا هتؤذي إخواتك كلهم."
"إخواتي؟!"
"آه إخواتك كلهم.. حنة وعيسى وعمر وعمار. مجدي عنده تلات ولاد غيرك، وحنة أختك من الأم، يعني حركة واحدة وتواصل واحد غلط مع أختك هيضيع كل حاجة عملناها."
"عيسى صح!! أنت تبع عيسى."
"آه.. أنا مدير أعماله، وعلى فكرة عيسى هو صاحب الكافيه وهو اللي خلاني أشغلك مديرة فيه عشان متحتاجيش فلوس وتعيشي حياة كريمة. أخوكي عينه كانت حواليكي دايماً مش زي ما انتي فاكرة، وعلى فكرة هو اللي بيحمي حنة بردو برغم إنها مش أخته بس عشانك أنتي."
تراجعت فردوس تتحرك لداخل الغرفة تختفي من أمامه قبل أن تخونها دموعها أمامه فهي تكره الضعف والبكاء أمام أحد.
كتمت شهقاتها وهي تستند بظهرها على باب الغرفة من الداخل وهي تهمس لنفسها بتأنيب: "يا غبية بتعيطي على إيه!! طلعلك ضهر وسند في الدنيا، أخوكي هو اللي بيحميكي، أخوكي خايف عليكي، هو اللي خلاني ممدش إيدي للناس، بس.. بس ليه كان بعيد!! ليه اختار نبعد كدا عن بعض!! ليه؟"
"حلو يا حبيبتي البيض بالسمنة؟! بتحبي حاجة تانية أعملهالك!؟ لو مش عاجبك الفطار قوليلى."
"لا يا خالة تسلم إيدك والله أكلك جميل."
ابتسم خالد وهو يتابع أعين والدته التي فاضت بالدموع، يرى شوقها لبناتها، خاصة "نور" التي ذهبت غدرًا. فتلك الفتاة أمامه تشبهها لحد كبير، كأنها عطوفة وهادئة مثلها، وجوارها شعور بالدفء يغمر الجميع.
دلف والده سريعاً يقول بقلق: "كل عيلة "الشيخ" جايين وشكلهم مش ناوي على خير أبداً."
انتفضت والدة خالد واتجهت تقف جوار ابنها بفزع: "لو كانوا اتفقوا خلاص على أخد تارهم من ابننا، والله مش هو اللي قتل الزفت عمران."
قال خالد بضيق وهو يربت على يدها: "هو أصلاً كان يستاهل القتل، بس الحقيقة إنه مات بجرعة مخدرات زيادة، لكن مفيش حد من أهله مصدق الحكاية دي وكلهم فاكرين إن ابنهم انقتل."
كانت حنة تنظر لهم بصدمة وبعض الشفقة أيضاً، برغم أنها لا تعرف القصة، ولولا توضيحه الأخير ما كانت لتمتلك شفقة تجاههم ولأصابهم الخوف والذعر.
سألت والدته بخوف: "وهنعمل إيه دلوقتي؟!"
اقترب عبد الشافي يقول بجدية: "لازم تمشي من هنا يا خالد، لازم تسيب الأقصر، هتخرج دلوقتي تروح شقة خالك تبيت فيها على ما أجهزلك تذاكر الطيارة وتطلع على..."
قاطعه خالد بضيق: "هطلع على بورسعيد يا بابا، حنة لازم توصل لأختها."
تهللت أسارير حنة ولمعت عيناها، هل ذكر أختها الآن!! هل وجدها عيسى حقاً؟! هل ستراها وأخيراً!!
"أختك موجودة في بور سعيد يا حنة، بابا اسمعني مش لازم أي حد يعرف إني رايح هناك أبداً."
"هشيع راجل ولا اتنين يقولوا إنهم شافوك راكب القطر اللي رايح لأسوان، هنضللهم شوية لحد ما توصل الأمانة لأخوها من تاني وبعدين هدبر لينا مكان نعيش فيه بعيد عن الأقصر خالص، مبقاش لينا عيشة هنا خلاص والعالم دي مفيش معاها تفاهم، نتفاهم على إيه أصلاً دا ابنهم قاتل بنتي بالحيا والتانية هربت مني بسببهم، هما اللي حطوا سكينتهم التلمة على رقبتنا وعاوزين ياخدوا تارهم كمان!!"
جلست والدته وهي تنظر لوالدها، الوحيد المتبقي معها بخوف وحسرة. هل سيفارقها هو الآخر!! لم يبق لها سواه فهو أصبح وحيدها الآن.
ربت خالد على كتفها يتفهم ما تمر به والدته فقال بحنان: "كل حاجة هتكون كويسة يا ماما، زين وهيرجع وهنخلص من الهم دا.. حق نور ربنا رده لينا وخلاص مش عاوزين نزعل نفسنا، حتى لو هنسيب البيت اللي جمعتنا فيه أحلى السنين."
"مش مهم البيت يا ابني، كدا كدا الذكريات هتفضل معانا، وبوجودك يا حبيبي ولما أختك ترجع بالسلامة هترجع الفرحة لقلبنا من تاني، في أي مكان المهم نتجمع من تاني."
أفزعهم صوت طرقات عالية على الباب، فتح خالد الشاشة التابعة لكاميرات المراقبة ليظهر العديد من الأشخاص أمام الباب.
اقتربت حنة تتمعن النظر لتتفاجأ بشخص ربما تعرفه جيداً!!!
"كـارم!!"
سألها خالد: "مين؟!"
"كـارم... ابن جوزي."
جلست بتعب على كرسي بداخل مطبخه بعدما وضعت أمامه طعام الإفطار كالعادة، لكن المختلف هذه المرة أنها لا تضع ذلك الذقن الصناعي بل ترتدي جلباب واسع وحجاب.
"إنتي ليه رافضة إني أجيبلك أهلك لحد هنا، إنتي خايفة ترجعي وفهمت ليه، ليه خايفة هما يجوا هنا؟!"
"عشان هياخدوني ويرجعوا، أكيد مش هيسبوني معاك هنا، وبعدين أنا معرفش هما هيسامحوني عشان هربت ولا لا، متنساش هما فاكرني هربت عشان الجواز مش بسبب الجريمة."
"خلاص هجيبلك أخوكي، هو مثقف ومحترم باين عليه من كلامك، أكيد هيتفاهم اللي حصل."
"لا مش هيتفاهم، حياتي مع أهلي خلاص انتهت يا دكتور سليم وأنا لازم أشُق طريقي، فأرجوك سيبني بقى أمشي."
"والتحقيق اللي لسه مستمر في القضية."
"هما ملاقوش أي دليل أصلاً."
"ما أنا بقولك التحقيق لسه شغال، يعني يمكن في أي لحظة يلاقوا دليل، ويمكن كمان بعد ما القضية تتقفل حد يلاقي الدليل وترجع تتفتح من تاني."
"إنت بتخوفني ليه؟!"
"عشان أنتي لازم تحلي مشكلتك مش تهربي منها."
"بس دي فيها إعدام يا دكتور، يعني ملهاش حل، ملهاش غير هروب وبس."
"وأنا شايف إنك بنت مليكيش إلا أهلك، لو انتي مش هينفع ترجعي يبقى هما يجولك هنا."
"لا.. مش عاوزة."
فاض به الكيل فصرخ بها: "يا بنتي افهمي بقى، أنت بتدمري نفسك بنفسك!!"
انتفضت زين وتحركت للخارج تقف أمامه تحاول أن تواجه موجة الغضب تلك: "مش هينفع، أنت اللي مش عاوز تفهم!!.. أنا.. حامل."
"إيه؟!"
رواية عيسى القائد الفصل العاشر 10 - بقلم اية محمد
صمتت، لا تعرف متى أخذها البكاء في وصلة جديدة من القهر والحزن لأجل حالها.
اقترب سليم يضع أمامها كوبًا من الماء يسألها:
"متقولش إنه كان اعتداء زي ما حصل لأختك؟!"
نظر له وقالت بحسرة:
"ومن نفس الشخص."
احتلت الصدمة ملامحه. يجلس الاثنان أمام بعضهما البعض في صالة منزله، وأخذ الصمت محله، وتوقف الزمن لثوانٍ بالنسبة لها، وعاد هو لماضيه المؤلم.
***
**عودة للماضي**
"شوفتوا الفضيحة يا أهل البلد!! بيقولوا الراجل خلص على مراته وبعدين انتحر!! بيقولوا كان معاها واحد."
"تستاهل.. تستاهل بس هو كان خلص عليها وخلاص يعني مكنش لازم يموت نفسه، ساب عياله لمين بقى!!"
"بيقولوا أخوه هييجي ياخدهم بس بدرية صاحبة البيت طردتهم ومحدش من أهل البلد راضي ياخدهم عنده."
كان يجلس بها، فتى في الثانية عشر من عمره، وعلى قدمه تجلس أخته الصغيرة صاحبة الخمسة أعوام. ارتفعت حرارتها حتى كادت تبلغ الأربعين، وهو أيضًا يرتجف من برودة الطقس، وعيناه مغمضتان وجسده يئن ألمًا.
"بابا!!! مين دول؟!"
"لا حول ولا قوة إلا بالله، معرفش يا خالد تعالى يا ابني نشوف."
اقترب عبد الشافي تجاه الطفلين، وبجواره خالد صاحب الخمسة عشر عامًا. فتح سليم عينيه ببطء ينظر لهم بذعر يقول ببكاء:
"والله ما عملنا حاجة، مخدتش حاجة من الأرض والله ما خدت حاجة."
"اهدي يا حبيبي مفيش حاجة، انت ابن مين ومين دي وبتعمل إيه هنا دلوقتي دا الفجر لسه مأذن؟!"
قال سليم ببكاء:
"أنا ابن صادق مغاوري."
"لا حول ولا قوة إلا بالله، هي مش الست بدرية قالت إنك هتفضل عندها لحد ما يعرفوا أهلك فين يا ابني!! إيه بس اللي حصل؟!"
أجابه سليم ببكاء:
"أنا أهلي مش من هنا! أنا معرفش حد والعمة بدرية خرجتني أنا وأختي، سلمى سخنة مولعة مكالتش بقالها يومين غير خيار من الغيط اللي هناك ده."
"يادي المصيبة دا الخيار لسه مرشوش، قوم نروح بيها الوحدة."
"يلاهوي دا أنت كمان قايد نار!! تعالى شيل يا خالد البت عنه."
أخذ خالد الصغيرة يحملها، بينما حمل عبد الشافي سليم وذهب به لأقرب مشفى لمداواته، ثم عاد بهما لمنزله بعدما تأكد أنهم بخير.
"أنا هروح لصاحبة البيت يمكن تعرف توصلني لأي حد من أهلك ولو متعرفش هروح المركز أشوف كدا هيقولولي إيه، ولحد ما الكلام ده يخلص هتفضل هنا أنت وأختك."
أومأ له سليم وهو يغلق عينيه بإرهاق شديد، متسطحًا على فراش في إحدى الغرف بمنزل عبد الشافي، وبجواره أخته تتدثر به متعبة هي الأخرى.
"حضري لهم أكل يا هناء على ما يصحوا."
قالت بشفقة:
"حاضر.. ربنا يتولاهم يا رب، الناس مبقاش في قلوبهم رحمة خالص!! محدش من جيرانهم يسأل عليهم!! يا ترى مالهمش أهل يا عبد الشافي؟!"
أجابها زوجها بحيرة:
"والله مش عارف، كل اللي أعرفه إن أبوه أصله مش من البلد خالص وجه من كام سنة خد الشقة إيجار عند الست نادية هو ومراته وكان معاه الولد ومراته حامل في البنت لسه.. كل جيرانه ميعرفوش ليه قريب ولا صاحب ومحدش سأل فيهم، الولد خد أخته وجري بيها على الأرض الزراعية وقاعد فيها بقاله كام يوم خايف من المنظر اللي شافه لما أبوه خلص على أمه وبعدين موت نفسه، ربنا يتولاهم صحيح يا هناء، إحنا هنعمل اللي علينا ونخلص ضميرنا قدام ربنا، وإن حكمت نربيهم وسط العيال وأهو نكسب فيهم ثواب."
"وإحنا هنقدر يا عبد الشافي!! دي من ساعة ما زين اتولدت من أربع سنين وإحنا بنوفر مصاريفنا بالعافية."
"مهما ليهم رزقهم في الدنيا برضه يا ست الكل وربك هيدبرها، خلي بالك منهم بس وأديهم العلاج في وقته."
"في عيني متقلقش عليهم، قوم أنت لشغلك بقى يلا."
أومأ لها عبد الشافي وتحرك لشغله، وظلت هناء في المنزل في حيرة وتغبط بين خدمة أطفالها الثلاث وهذين الطفلين المريضين، ولكن بالنهاية هي أتمت دورها على أكمل وجه لمدة يومين حتى استعاد الطفلين عافيتهما.
قالت هناء بضيق:
"يا زين اهمدي، سلمى جسمها ضعيف مش مستحملة اللعب والجري ده كله."
وقفت زين تقول بتذمر:
"اسمي زينة مش زين."
قالت هناء بضيق:
"لا يا حبيبتي اسمك زين مش زينة، وع فكرة اسم زين ينفع بنت وولد، زي اسم ليل كده."
"خلاص سموني ليل أحلى."
اقترب سليم يقول بمشاغبة:
"أنا هقولك يا ليل.."
ابتسمت زين بسعادة وركضت وهي تكرر الاسم، فقالت هناء بضيق:
"لا يا حبيبي متلخبطهاش، أنا عاوزاها تحفظ اسمها عشان لو لاقدر الله تاهت مننا تبقى عارفة إنها زين عبد الشافي الشافعي، مش ليل أو زينة."
"حاضر يا خالتو أنا آسف."
"طب روح نادي لخالد قوله يسيب الكتاب شوية ويجي يساعدني."
ضحك سليم يقول بسخرية:
"خالد عاوز يبقى دكتور، عشان كده بيذاكر كتير، أنا مبحبش المذاكرة."
"لا لازم تذاكر كويس عشان تحقق أحلامك لما تكبر، بس إحنا دلوقتي في الإجازة يعني مفيش مذاكرة فروح قوله لو مجاليش دلوقتي هخلي الشبشب يسلم على وشه."
ضحك سليم وهو يركض يبحث عن خالد ليخبره بالذهاب لوالدته قبل أن تتم معاقبته بطريقة يعلمها الجميع جيدًا.
***
**عودة للحاضر**
تنهدت سليم بتعب يسألها بمزيج من مشاعر الحزن والألم والشفقة:
"حصل إزاي.. احكيلي إيه اللي حصل بالضبط."
***
كانت تحاول تحرير نفسها من بين يديه القوية المحيطة بها ولكنهـا فشلـت. يتشبث بها وكأنه سيفقدها بعد دقائق أو هناك عدو يقف أمام الباب يريد أخذها من بين يديه. ولكنهـا لم تعلم بأنهـا كانت زائرة لطيفة له الليلة بداخل أحلامه.
فتح عينيه وأخيراً بعد نوم مريح ليجدها أمامه أول ما وقع نظره عليه ليبتسم بإستمتاع وهو يرى نظراتها المنزعجة:
"وعلى إيه بقى جايب كل السرير ده مش فاهمة لما أنت مش هتديني مكان أتنفس حتى!"
ضحك عيسى يقول ببراءة مزيفة:
"هو الإنسان بيحس بنفسه وهو نايم يعني! أعمل إيه طيب؟"
"بعد كده تنام في الناحية بتاعتك وأنا هنام في الناحية دي، من غير استعباط يا عيسى."
"مهو أنا وأنا بقلب بلاقيني فجأة جنبك أعمل إيه يعني! إنتي إيه اللي مضايقك طيب؟!"
"مش مرتاحة."
"تمام.. اللي يريحك."
تصنع عيسى الحزن وابتعد يتجه للمرحاض وتركها لتأنيب الضمير، فبالنهاية هو زوجها وتتعامل معه أبعد ما يكون عن زوجة له.
أخذت هي ثياباً لها ثم اتجهت للمرحاض الآخر بخارج الغرفة، وبدلت ثيابها بعد حمام دافئ، ثم اتجهت للمطبخ ولكنهـا وجدتـه خالياً إلا من بعض الأطعمة المجمدة والتي لن تصلح للإفطار.
فعادت لغرفتها وأخذت إسدال الصلاة تضعه.
خرج عيسى يسألها بتعجب:
"هتصلي إيه دلوقتي مش صليتي الفجر؟!"
"لا أنا هنزل أشتري فطار."
"طب والنقاب؟!"
"ما أنا هربطه فوق طرحة الإسدال."
نظر لها عيسى باشمئزاز وتراجع للخلف بعيداً، ثم تحرك تجاه غرفة الثياب يقول بصوت حاد:
"لا طبعاً مش هتنزلـي كده، عامة متقلقيش أنا هروح الشركة وهبقى أعدي على السوبر ماركت يبعتلكم شوية حاجات للبيت."
"طب وانت مش هتفطر!؟"
"هفطر في الشركة."
"طب وليه السكرتيرة تجيبلك فطار وأنا مجيبش يعني!!."
كتم ضحكته وهو يسألها بخبث:
"إيه المشكلة!؟"
"أنا مراتك يعني أنا اللي أفطرك، معروفة يعني."
اتجه عيسى يسحبها بين يديه يضمها، يقف الاثنان أمام المرآة هو خلفها يحتضنها بيديه، فنظرت هي أرضاً بخجل، وهو يتابعها في المرآة يسألها بهدوء:
"وهو ينفع مراتي تبقى دايماً عاوزاني بعيد!."
"أنا آسفة بس أنا لسه مش متعودة، معرفش ليه بحسك كأنك تعرفني من زمان على عكسي أنا."
أدارها ينظر لعينيها مباشرة يسألها بجدية:
"عايزة تعرفي إيه تاني عني؟!"
"خد إجازة وقعدنا سوا شوية، نخرج أو حتى لو هنقعد في البيت ونتكلم ونعرف بعض، إحنا كل ما بنقعد سوا شوية بتحصل حاجة."
"الفترة دي الشغل تقيل فوق دماغي، وكمان حصلت مشكلة مع خالد وكلمني من شوية وقالي إنه هيروح بورسعيد مع حنة، ولقيت منتصر باعتلي رسالة إنه عاوز يرجع ومرديتش عليه، فأنا هخلص شغل وهسافر عشان أجيب اخواتي، في النهاية سواء منتصر أو خالد دول رجاله طول بعرض مينفعش أسيبهم معاهم أكتر من كده، حتى لو هما أكتر ناس بثق فيهم."
"حنة أختك!؟"
"زي أختي بالظبط، لو تعرفي هي اتظلمت إزاي من أخو أبوكي هتفهمي أنا ليه بهتم بيها."
"خلاص خدني معاك بورسعيد."
"تصدقي فكرة ونقضي شهر العسل هناك."
"لا ركز أنا هاجي معاك عشان يبقى في فرصة نتعرف على بعض، بص اعتبرنا هنبدأ في مرحلة الخطوبة، يلا نقرا الفاتحة."
نظر لها عيسى بضيق وقال بغضب:
"الفاتحة دي هقرأها على روحك لو ممشيتيش من قدامي دلوقتي."
تحركت من أمامه للخارج ولكنها عادت بعد قليل تقول بابتسامة:
"ممكن تبقى تجيب دقيق وبيض عشان عاوزة أعمل كيكة، وأهو نبقى نتسلى في الطريق."
"اكتبي الحاجات اللي محتاجاها على ما أخلص لبس."
"ما قولتلك أجي معاك ولا هي ناقصة فرهدة."
تحرك عيسى يبحث عن شيء ليلقيه بوجهها فلم يجد أمامه سوى زجاجة العطر الخاصة بها فصرخت به:
"لا يا عيسى دي بـ 300 جنيه.."
عض على شفته السفلية بضيق وهو يضعها مكانها، ثم تحرك لداخل غرفة الثياب وركضت هي للخارج من جديد.
خرج على صوت رنات هاتفه فرفعه ليأتيه صوت المتحدث وقد كان أحد حراسه المخلصين له:
"لقينا زين الشافعي يا قائد."
اتسعت ابتسامة عيسى، وأخيراً! بعد ثلاثة أشهر.
"هي فين؟!"
"في بيت الدكتور سليم مغاوري، بقالها شهرين عايشة معاه.. لوحدهم."
"أهلاً!! لا خير إن شاء الله مهي مش معقول المصايب كلها ترن فوق دماغي مرة واحدة، بص المراقبة من بعيد مش هتفع، حاول تعرفلي وضعهم إيه يعني عايشة معاه بأي صفة.. فاهمني طبعاً."
"متقلقش يا قائد أنا عرفت إن شقته فيها كاميرات مراقبة بمجرد ما نعمل هاك هنعرف كل حاجة."
"24 ساعة.. أكتر من كده هتزعل مني."
"متقلقش يا قائد."
ألقى عيسى هاتفه يكاد رأسه ينفجر، وقبل أن يعبر عن غضبه آتاه اتصال من منتصر فأجابه بضيق:
"أيوا.. خير."
"أنا عاوز أرجع."
"ولو أختي جرالها حاجة!!"
"قوللتلك هتصرف في الموضوع ده."
"لا يا منتصر، أنا مش بثق غير فيك.. اصبر أنا بليل هكون عندك وخالد هيجيب حنة برضه."
"النهاردة إزاي!! إنت مش عارف إن سليم مغاوري عنده بكرة عملية كبيرة!! وهو دلوقتي أكيد خايف بعد ما مؤمن اتقبض عليه ورجالته اختفت، أكيد خوفه ده هيخليه يغلط في حاجة."
"سليم مغاوري قديم في الشغلانة، مش واقعة زي دي اللي تخوفه، وبعدين الاتنين كانوا أعداء يبقى إيه اللي يخوف سليم يعني!! بالعكس ده الجو فضي له أكتر من الأول... برغم إني وقعت مؤمن وسليم في نفس المشكلة إلا إن سليم متهزش لأن ليه اسم كبير في السوق وطبيعي لما يكون فيه بضاعة عنده وعند مؤمن في نفس الوقت يبقى مؤمن هو اللي يخاف ويقع، وده اللي حصل."
"طب وبعدين يعني مش هنقدر عليه خالص!!"
"لا إزاي بقى!! هيقع بس لما اللي سانده هو اللي يقع."
"وأنت عارف مين اللي سانده!!"
"آه عارف.. بس مش وقته دلوقتي أنا هسيبهم براحتهم الفترة دي لغاية ما أعرف مين اللي كان خاطف فيفي."
"الواد اللي أنا ضربته ده بعد ما خرج رجالتنا فضلت وراه، فكرته هيجري على اللي مشغله بس لقيته رجع على بيته ومبيخرجش منه."
"كنت متوقع منه ميروحش للي مشغله، طلع ذكي بس اللي كنت حاسس إنها هتوصلنا هي البنت اللي كانت عاملة نفسها فردوس، بس المفاجأة إنها مجرد بنت شغالة في شقة مفروشة."
"خلاص يبقى نخطفها ونقررها."
"لا ما أنا دورت وراها تخيل كدا مين اللي مشغلها!!!"
سأله منتصر:
"هيكون مين يعني!!!"
قال عيسى بسخرية:
"اللي اسمه بعد اسمي في البطاقة."
سأله منتصر بصدمة:
"إيييه!! أبوك؟! وكان عاوز أختك ليه هيشغلها معاه ولا إيه!!!"
"تفتكر!!"
"من غير زعل! يعملها عادي."
"عامة دي مجرد افتراضات، رجـالتي وراه يفهمولي هو شغال في الحكاية دي بس ولا شم نفسه كدا إزاي بعد ما كان مش لاقي ياكل!!"
"أبوك شكله مبقاش سهل يا عيسى ووراه حد تقيل، والموضوع كبير.. واختك دي لازم تفهم عشان كل شوية تقف قدام باب الشقة تقولي هسيبلك البيت وأمشي!!! عيسى أنا مليش خلق بجد ليها!"
"معلشي استحمل شوية."
"حاضر.. سلام."
أنهى عيسى المكالمة وهو يقول بسخرية:
"أومال لما تعرف إني ناوي أجوزهالك هتعمل فيا إيه!!"
***
"يعني جوز أمك هو اللي أجبرك!!! تتجوزي راجل أكبر منه هو أصلاً!! فين أمك وفين أهل أبوكي!! مليكيش عم ولا خال!!!"
"كلهم قطعوا أمي لما قبلت تتجوز الراجل ده."
"يقطعوا أمك، إنما إنتي بنتهم!!"
"لما جوزي مات مكنش ليا ورث لأن الجواز كان عرفي مش متوثق.. ورقة ملهاش لازمة اتقطعت قدامي، يعني قانونياً أنا عزباء.. مش أرملة."
"فهمت، إنتي في نظر الناس الآنسة حنة، وبسبب الحيوان ده وبسبب اللي حصل صعب تفهمي ناس في مجتمعنا ده إنك مدام حنة."
"بالظبط.. أنا بصراحة معرفش كارم كان بيعمل هنا إيه هو وإخواته، ولا فاهمة هو كان جاي ليه لحد بيتك، مش عارفة حاجة ومش فاهمة."
"بكل بساطة، كارم ده يبقى ابن خالة الشخص اللي اعتدى على أختي... آه إنتي كنتي متجوزة جوز خالة الكلب ده.. وهو فعلاً وولاده مش من هنا وكانوا بييجوا بس زيارات مش أكتر، فإنتي ضرة بنت العيلة دي أو بمعنى أصح زي ما قالوا من سنين إنك اللي جيتي خطفتيه من عياله ومراته عشان الفلوس وكنتي السبب في موته كمان."
"أنا كنت مجبورة.. وأولاده عارفين إني كنت مجبورة، كنت بستنجد…"
"خلاص، خلاص مش عاوزة أفهم حاجة، رجعني بس لبيتي.. أو خليني أكلم فيفي أو أكلم عيسى."
"حاضر."
***
"وقت ما شوفته قدامي حسيت رجلي مش شايلاني، كنت خايفة بس في نفس الوقت كان جوايا كمية غضب ومحتاجة أخلي الغضب ده يخرج في مكانه الصح، محسيتش بنفسي غير وأنا ماسكة قوالب الطوب الأحمر وبرميها عليه لحد ما اتصاب بواحدة. اللي متعرفوش إن عمران ده كان مدمن أساساً واللي عرفته إنه وقت ما اعتدى على أختي ضاع منه كيس من المخدرات كان نازل في الوقت ده عشان يلاقيـه وكان واخد منه ساعتها…."
"اتجنن وسحبني لجوا بيت قديم وكان مصيري زي أختي في النهاية، برغم إني قاومت وعيطت وصرخت بس في النهاية معرفتش أحمي نفسي معرفتش… مكنتش زي نور، متقهرتش قد ما جوايا كنت عاوزة حاجة واحدة بس، هي حقي وبس.. حقي هاخده بنفسي وبإيدي، قدرت أسـرق منه باقي كيس المخدرات، ورجعت البيت ومحدش حس بيا غير على عصر اليوم ده كانوا فاكرين إني نايمة وسابوني أرتاح.. بس أنا فضلت أيام مبيغمضليش عين.. كنت عارفة إنه هيرجع يدور على الكيس من تاني، سيبته لحد ما يتجنن عليه أكتر، كنت بشوفه من سطح بيتنا وهو رايح جاي على نفس البيت القديم يدور على الكيس.. وفي أقصى مراحل الجنان ده روحت وراه من تاني."
"إنتي مجنونة صح!!! تصرفاتك كلها غلط، إنتي اللي حطيتي نفسك في الموقف ده بجنانك ودلوقتي بترجعي تاني لنفس الموقف!!"
"حقي وحق أختي كان لازم يرجع، وكانت قدامي فرصة مش هينفع أخسرها أبداً… أنا أول ما رميت الكيس قدامه جري عليه زي المجنون وفعلاً أخد كمية كبيرة، بس أنا فضلت وراه وخلّيته ياخد باقي الكيس كله.. شوفته قدامي وهو بينازع، كان بيستنجد بيا وهو بيموت، هو اللي حط رجله على أول طريق الموت وأنا زقيته عشان أسرع خطاه."
"ليه مقولتيش لأهلك!!"
"وأقهرهم أكتر؟! أكسرهم من تاني!!"
"طب ما أنتي هربتي وسيبتي البيت!!"
"بس هما عارفين إني هربت مغلوبة على أمري، أنا عارفة إن بابا عنده إني أهرب أهون من إني أتجوز أخو الكلب ده صدقني يا دكتور سليم أنا هروبي مش هيدبح أهلي زي إنهم يعرفوا حاجة زي دي."
"وأهلك مصيرهم يلاقوكي يا زين، ولازم تعملي حساب اليوم ده كويس، لازم تعملي حساب إنهم يمكن يجوا بعد كام شهر يلاقوا بطنك قدامك أو بعد كام سنة وفي إيدك العيل ده.. ساعتها هتقولي كل حاجة."
"مش هيلاقوني."
"واللي في بطنك!! هتعملي فيه إيه!! هيكون مين أبوه؟! هتربيه لوحدك إزاي!!"
"لو ربنا مقدرنيش هسيبه في دار أيتام."
تنهد سليم بتعب وهو يحاول بكل الطرق إيجاد الحل لتلك الكارثة، وبرغم ثقل الكلمات إلا أنه قالها بكل هدوء:
"إحنا هنتجوز، وهتقولي لأهلك إن الحمل ده في شهرين مش تلاتة وأنا هدبر الموضوع مع المأذون متقلقيش بحيث نكتب جوازنا بتاريخ قديم."
"لا طبعاً."
وقف سليم يصـرخ بـحدة:
"أنا بعرضش ومبطلبش منك أنا بقولك اللي هيحصل يا ليل، وأي كلمة زيادة هاخدك من إيدك على بيت أبوكي واللي يحصل يحصل، والزفت اللي اسمه ضاحي ده اللي واضح أوي إنه بيستغل موت أخوه عشان يوصلك لو فكر بس يهوب ناحيتك أنا اللي هقفله هو وعيلته وساعتها بقى أقلبها دم على دماغهم كلهم."
"مش فاهمة!! ليه تعمل كدا عشان واحدة متعرفهاش."
"مين قال إني مش عارفاك!! أنا عارفاك كويس أوي يا غبية بس إنتي اللي مش فكراني!!! أنا سليم! أخو سلمى صاحبتك وإنتي صغيرة! سليم اللي عاش في بيتكم سنتين اتنين، مش فكراني عشان أنا سبتك وإنتي ست سنين بس أنا منسيتش حد منكم، لا إنتي ولا نور ولا خالد ولا نسيت بابا عبد الشافي ولا ماما ولا هقدر أنساكم أبداً!! أنا عشت في بيتكم كأني ابنهم بالظبط، عشت كأني أخوكي وأخو نور، أنا اللي وصلتك أول يوم حضانة وأنا اللي كنت منقيلك شنطة المدرسة، طب فين صورنا سوا كانت مع ماما!! طيب أنا الوحيد اللي كنت بناديلك ليل وماما كانت بتفضل تزعقلي.. مش فاكرة حاجة خالص!!"
قالت بصوت مرتجف:
"الصور!! أيوا ماما حكتلي عنكم بس أنا مش فاكرة حاجة."
"أنا مش عاوزهم يتكسروا وخلاص مش هنقولهم، هنتجوز ده الحل اللي عندي وده الحل اللي هيتنفذ والنهاردة، موافقة؟!"
"هتتجوزني رد جميل لأبويا؟!"
"جهزي نفسك، هجيب المأذون وأنا راجع من الشغل."
"مينفعش تتجوزني وأنا حامل، لازم أولد الأول، ربنا سبحانه وتعالي قال «وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»."
"يبقى هنضطر قدامهم نزيف قسيمة جواز وأول ما تولدي هكتب عليكي طول من غير ما حد يحس بحاجة."
"بس…"
انتهى النقاش.
***
كاد يتحرك لخارج شقته ولكنه توقف على صوت رنين هاتفه ليجده خالد.
"استر يا رب… أيوا يا خالد."
"ع.. عيسى دي أنا، حنة."
"إنتي كويسة؟! مال صوتك!"
انتبهت زمرد له واتجهت تقف بجواره تحاول سماع الحديث لا تدري بأنها تلتصق به، فحاوطها بذراعه بضيق يحتجزها بين صدره ويده حتى كادت تختنق وهي تحاول الإفلات.
"متخافيش يا حنة، أنا كنت باعـت وراكي حد من رجـالتي لحمايتك وهو اللي أخد باله إن فيه ناس وراكي، عشان كده كلمت خالد يجيلك المحطة وعيني كانت عليكي طول الوقت."
"طيب ومين اللي بيراقبني مش فاهمة!!"
"لسه مش متأكد، بس متقلقيش إن شاء الله لما هتوصلي بورسعيد هكون في انتظارك هنا."
"فيفي كويسة؟! عاوزة أكلمها."
"حاضر هخلي منتصر يكلم خالد ويخليكي تكلميها."
"شكرا يا عيسى، بجد مش عارفة من غيرك إيه اللي كان ممكن يحصل."
"لا متشكرنيش، إنتي وفيفي عندي واحد.. سلام."
أنهى عيسى المكالمة ثم سحب تلك المشاغبة يوقفها أمامه يحاصرها عند الباب يسألها بضيق:
"بنغير بقى من حنة صح؟!"
"مبغيرش، بس دي مش أختك بلاش الحنية الزيادة دي، مشوفناش يعني الحنية دي."
"وهو إنتي مديني فرصة؟!"
"يا سلام وهو دا معناه تقعد ترفع في صوتك كده مع أي واحدة!!"
"أنا رفعت في صوتي!! هنتبلي على بعض؟!"
"عيسى متستعبطش أنت مبتشوفش نفسك بتكلم الناس إزاي ولا كأنهم شغالين عندك، حتى منتصر في عز أزمته هريته أوامر، نفذ يا منتصر من غير كلام، إشمعنى دي بتكلمها كده يعني!!"
"بصراحة.. كنت ناوي اتجوزها."
"إيه؟!"