تحميل رواية عيسى القائد بقلم اية محمد pdf
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بالله عليك ما تلمسني اعتبرني زي أختك! ابتعد عنها يقول بضيق: _ أول مره؟ أومأت برأسها تقول ببكاء: _ آه والله، أبويا اللي أجبرني، بالله عليك اعتقني لوجه الله. _ جوز أمك؟ قالت بقهر: _ لا أبويا. أبويا اللي أنا من دمه. صاح عيسى بغضب: "منتصر!!! أنت يا زفت" دلف منتصر ينظر بقلق تجاه زعيمه يسأله: "خير يا قائد!" "كررت نفس الغلطة تاني، أنا مبحبش الغباء." "الغلط يتصلح يا قائد في لمح البصر، اخرجي يا بت أنتي برا." قال عيسى بضيق: "لحظة. أنتي ليكي إخوات؟" هزت رأسها نفياً فسألها من جديد: "عايزة ترجعي لأبوكي؟" "أح...
رواية عيسى القائد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اية محمد
عيسى_القائد 11
" بصراحه.. كنت ناوي اتجـوزها "..
" اي؟! "..
" كنت.. كنت في الماضي زمان، دلـوقتي لا، أنا لو كنت أتجوزتها كنت هظلمها وأظلم نفسي لأني مبحبهاش "..
" يعني اي! ما أنت أتجـوزتني وأنت مبتحبنيش!! "..
ابتسم عيسـى و اقترب يطبع قبلـه رقيـقه علي وجنتها يقول بهدوء:
" أنتي حاجه تانيـه، يـلا سلام "..
تحـرك عيسـى للخارج وتركهـا تنظر في أثـره بإرتبـاك، أغلقت البـاب وعادت للداخل تجـلس تُفكـر في أمره، ومن لها سواه!!!
فحتي أبيـها يهاتفهـا فقط ولم يُفكـر في زيارتها برغم أنها بالنهايـة عروس!!!
..........................................................
وأخيـرا تركت غرفتهـا بعدما قضت بهـا عدة ساعـات معظمهـا في البكـاء و لم تتحرك من مكانها سوي لشعورها بالجـوع...
تحركت فردوس للخـارج لتجـد منتصـر ممتد بجسده علي الأريكـة يبدو نائمـا، يضم ذراعيه لصدره و استطـاعت تبين رجفتـه بوضـوح و تعرقـه الزائد، أقتربت فردوس بقـلق تجاهه و برغم ترددها إلا أنها وضعت يدها علي جبهته تتحسس حرارته لتجدها بالفعـل مرتفعـه...
تحـركت سريعـا للداخـل تبحث عن منشفـه نظيفه و ماء بـارد ثم أخذتهم لتضع المنشفه المبلله علي جبهته..
" أنت يا جدع أوعي تموت هنا!! "..
اتجـهت لغرفتهـا تُحضر الأغطيه الثقيـله لتساعده علي الدفء ثم جـلست بجـواره تنظر له بمـلل، تذكرت جوعها فأتجهت للحقائب التي أحضـرها وأخذتها تتحرك للمطبخ ثم عادت بعـد قليل بالعديد من الشطـائر بيدهـا وجلست تتناولهم بإستمتـاع...
وغفت علي الأريكـة قبل أن يقتلهـا الملل جوار ذلك المريض الذي جاء لحمايتهـا، انتفضت عندما تحـرك، برغم كل المسافة بين الأريكتيـن وأعتدلت وهي تتابعه وهو يرفع عنه الأغطيه والمنشفـه....
" أنا سخنت!؟ "..
" كنت فوق الأربعين تقريبـا.. أنت المفروض تاخد علاج بس أنا معرفش اذا كان في صيدليات قريبه ولا لا فمرديتش أخاطر و أنزل "..
صمت منتصـر وهو ينـظر لها أو ينظر خلفها حيث الباب الرئيسى للشقـة يري ظلا خلفـه و حركـة خفيفه ولكنه بحكم خبرته استشعـرها فتحـرك يبحث عن جاكيته و رفعـه يأخذ سلاحه من داخـله فشهقت هي بصدمـه ولكنه أشار لها بحـده أن تصمت...
أقتـرب منهـا يسحبهـا من يدها خلفـه واشار لها يقول بهمس:
" ورا الكنبـه دي ومتطلعيش.. ".
تحركـت فردوس بـقلق حيث أمرها بينمـا هو استـدار علي صوت دفـع الشخص للبـاب فرمي بجسده خلف الأريكـة الأخري يتفادي سيـل الطلقات النارية التي انطلقت تجـاهه وصوت الشخص يقول بتحذير:
" سيب البت أحسنلك بدل ما أخلص عليك!! "
تحرك الشاب لجهـة اليمين فتحرك منتصر للجهـة الأخـري مختبئا خلف جسد الأريكـة وفجأه انقض علي الفتي من خلفـه يُمسك بذراعه وفي ثواني صر'خ الشاب متأ'لما مع صوت تكسيـر عظامه...
لينطلق صفيـرا عاليـه وتصفيقا من فردوس التي وقفت تُحيي منتصـر بتشجيـع بينمـا هو نظر لها بضيق يسألها بسخريـة:
" تحبي تتعلمي السواقـه يا فردوس!! "..
................................................
كان قد مر عدة ساعـات علي جـلوسهم بشقـة قريبه ذلك، وعليهم قضاء ساعات أخري أو ربما يومـا كاملا أخر معه بمفـردهم حتي يجـد لهم والده طريـقة للسفـر بدون أن يعرف أحد بمكـانهم...
" تسلم إيديكي علي الأكل "..
" يسلمك من كل سوء "..
ابتسم خـالد وهو يحمـل الأطباق يتحرك بهـا للداخل فتحركت خلفه تسأله بتوتر:
" هو إحنا مينفعش نسافر بالقطر أحسن بدل ما نستني؟! "..
" لا أنا ولا أنتي ينفع يتعـرف مكاننا يا حنة، أنا عارف إنك مش مرتاحه بس دا وضع مؤقت "..
" مش مرتاحـه خالص، لأن لا دا وضع يصـح ولا ينفع، بحـاول أفهم بس ليـه بيحصـل كدا معايا.. أنا بدفع ثمن غلطـة ماما هي اللي عملتها، دا حتي هي ماتت وسابتني لسه بدفع في تمنها دا "..
قالتهـا بيأس فسـألها هو بحيره:
" تفتكـري مقولـه ان الشخص حياته بتتغير كل 15 سنه دي حقيقه!! "..
" يعني اي!! "..
" يعني مثلا أنا قضيت أول 15 سنه من حياتي كويسين الحمد لله، و بصراحه ال15 اللي بعدهم كمان، سبحان الله أكتر من تلاتين سنه عايش مبسوط و مرتاح و حققت كل اللي كان نفسي فيـه، هاجي دلـوقتي و انقم كل النعم دي علشان كام شهر تعبت فيهم "..
" مش بجحـد النعمة والعياذ بالله، أنا بس.. تعبت والله و الإنسان طـاقة، وأنا كل اللي كنت عـاوزاه أعيش في هدوء ، بدعي ربنـا ينعم عليا براحه البـال "..
ابتسم خـالد يقول بهدوء:
" ربنا يرزقك براحـة البـال "...
ابتسمـت هي الأخري و تحركـت تجـلس بالخارج وتابعهـا هو من مكـانه حيث استطـاع رؤيتها من داخل المطبخ المفتـوح، كم تلك الفتاة بسيطـة و رائعـة و قـوية!!
ليست هشه كما تبدو ولكنها تحملت المزيد، طاقتهـا قد استنزفـت ولم تُمهلها الحياة وقتا لإعادة ملئ هذه الطـاقـة...
جميـلة، رقيقـة، بريئـة المشاعر، لا يدري ما مرت بـه فكلماتها كانت متقطـعه وكأنها تقص له كابوسا ما، كابوسا لا يتلائم مـع فتاة في نعـومتها أبدا...
اعتدل خالد وهو يفرك رأسه بتعجـب، هل كان شاردا بها للتو يُحصي صفات تلك الحسـناء داخل رأسه؟! حمحم بحرج من نفسـه حتي وتحرك للخـارج يجـلس علي بعد منهـا....
بعـد دقائق انتفض كـلا منهما علي صوت صـرخـات عاليـة فتحرك خـالد للخـارج وهي خلفه حيث الطـابق الأعلي ليجـدا شخصـا يقف علي الباب يتحدث في هاتفه بغضب....
" الإسعاف لسـه موصلتش، هات العربيـة تحت البيت و أنا هنزل بإيمان يا عبد الله "..
آتاه صوت الأخر علي الهاتف:
" الإسعاف قدامها دقيقتين يا يوسف استهدي بالله وأدخل هدي مراتك، لو روحنا بالعربية هتولد مننا في الطريق بسبب الحادثـه الطريق كله واقف "..
صعـدت حنـة للأعلي تقـول للرجل بإهتمام:
" أنا ممرضة ممكن أدخلها!! إحنا جيرانكم تحت "..
" ادخلي بالله عليكي لو تعرفي تساعديها بأي حاجه "..
تحركـت للداخـل لتجـد السيده علي فراشهـا تصـرخ بألم فأقتـربت منهـا حنة تفحصهـا ثم قـالت بتوتر:
" أنتي بتولدي! مش هنلحق حتي الإسعـاف! "..
ركضـت حنة للخارج لتجـد خالد يقف مع زوج الفتاة فقالت بجـدية:
" دي بتولد، مش هتلحق.. دكتور خالد يولدها وبعدين تبقي تروح المستشفي "..
قال خالد بصدمه:
" مين! أنا مش بتاع نسـا أنا!!! "..
قالت بغضب:
" وهو دا وقتـه يا خالد أنت أكتر واحد هتعرف تتصرف ولازم تتصـرف "..
سحبـته حنه للداخـل فتحرك خلفهـا يقول بصدمه:
" أنا مولدتش حد قبل كدا!! مولدتش "..
" بس علي الأقل دارس.. يـلا اتصرف الست هتروح مننا "..
تحـرك خالد يقول بتـوتر:
" مساء الخير، أنا دكـتور خـالد، لو معندكيش اعتراض أكشف عليكي يعني "..
صرخـت إيمـان به بغضـب:
" مين العبيط دا!!! يا يوسـف وربي لما أخلص من اللي أنا فيـه لأوريك النجـوم في عز الضهـر "...
قالت حنة بضيق:
" اخلص يا دكـتور خالد "..
أقترب خـالد بالفعـل منها وقد أدرك الوضـع وبدأ في مساعـدة السيـدة و حنة بجـواره تساعـده و اقتـرب يوسف يُمسك بيد زوجـته التي تمسكت به بخوف و ألم حـاد بكـل جسدها حتي كادت تفقد وعيها لعدم قدرتها علي التحمـل و لكنهـا عادت لرشدها عندما استمعت لصـرخات الصغيـر حيث وضعه خـالد بين يديهـا بعدما تأكد أنه بخيـر ثم أكمـل ما استطـاع فعله....
" الإسعاف وصلت!!؟ "..
هز يوسف رأسه:
" ايوا ايوا، طالعين علي السلم، هي كويسه صح!! "..
" تروح المستشفي ودكـتور النسائيـة يفحصهـا وهو هيطمنك عليهـا، لكن هي والبيبي بخيـر بشكل عام "..
قالت إيمـان بتعب:
" ربنـا يرزقكم ويراضيكم بالذرية الصالحـة "...
نـظرت لهـا حنـة بإرتبـاك ثم ابتسمت لها لتطمئنهـا عندما أقترب رجـال الإسعاف و وضعوها علي الحـامل وهي تحتضـن رضيعهـا بتعـب...
تحـرك خـالد و خلفـه حنة للأسفل واتجـه هو ليُبـدل ثيابه وأنزوت هي في زاوية علي الأريكـة تعـود للماضي...
" شكـلك حامل يا حنة "..
" ازاي أنا باخد الحبوب اللي أنتي قولتـيلي عليها، أنتي متأكده يا فيفي!! "..
" لا.. بس نتأكـد، أنا هروح أجيبلك اختبار من الصيدلية "..
" اقعدي هنا تروحي فين، أنا اللي هنزل أجيبـه.. أنتي لسه صغيـرة مينفعش تروحي تشتري حاجه زي دي "..
قالت فردوس بضحـك:
" حبيبتي أنا عديت ال 15 سنـة يعنـي كبيـرة مش صغيـرة، وبعدين الصغيرة دي أنتي واقفه تاخدي نصيحتها وهي اللي قايلالك تاخدي الحبوب أصلا "..
" أنا مش عارفة أنتي بقيتي عامله زي اللي عندها أربعين سنـة كدا ليه؟!.. أنتي بتجيبـي المعلومـات دي منين يا بت ها!! "..
" الحق عليـا إني ساعدتك "..
" ساعدتيني في اي!! ما أنا متنيـلة علي عيني أهوه شكلي حامل فعلا!! أنا لو حملت هتضيع عليا الثانويـة، دي الإمتحانات باقي عليها أربع شهور! أعمل اي؟ "..
" ثانوية اي يا منيـله أنتي كمـان!!! أنتي يا بت هيوثقوا ام الجـوازة دي امتي؟! بدل الورقة العرفي اللي ملهاش اي تلاتين لازمة دي!! "..
" لسه باقي علي عيـد ميلادي شهـر ونص وهتم ال18 "..
" طب ما سهلـة مفرقتش خـلاص يكتب رسمي من دلوقتي عادي أي مأذون هيمشيها مجتش علي الشهر ونص دول "..
" طيب خلينـا دلوقتي في موضوع الحمـل دا، أنا هنزل أجيب الإختبـار وآجي علطـول، خليكي هنا استنيني "..
تحـركت حنـة في خطي سـريعـة تجاه الصيدليـة لتُحضـر ما تـريد و هي تتمني مع كل خطـوة بأن يكون ذلك الإختبـار سلبي...
مرت دقائق قبل أن تخـرج من المرحـاض تُمسك به بأصابعها المرتجـفة فأخذته فردوس من بين يديهـا تنظـر لـه ثم قالت بحزن:
" شرطتين.. أنتي حامـل يا حنة "..
" طب.. طب وبعدين هعمـل اي!! "..
" العمل عمـل ربنا، نصيبك كدا مهي ملهاش حل يا حنـة غير ان الجوازة الشؤم دي تبقي رسمي بقي!! "..
" أنتي مصدقه نفسك يا فردوس!!! أنا وأنتي عارفين ان الجوازة دي مش هتبقي رسمي أبدا وكون اني قاصر دي حجه بس عملها أبوكي قدام أمي عشان تخضع ليـه، في الأخر حمدي هيرميني رامية الكلاب و هيرجع لبيته ومراته وعيـاله.. وأنا اللي هشيل العيل دا لوحدي!! مش هيكون ليه أب يا فيفي!! أنا مش هعرف أربي لوحدي! مش هعرف اشيل مسئوليته.. أنا حيـاتي انتهت كدا خلاص و اتدمرت و مستحيل هعرف اكمل الثانوية و لا هدخل جامعه "..
" إهدي.. تعـالي اقعدي، تعـالي يا حبيبتي استهدي بالله وخدي نفسك "..
هزت رأسها رفضا ببكـاء و سحبت حقيبتهـا:
" أنا هرجـع البيت لو اتأخرت هيعرف ويزعقلي "..
" متمشيش وأنتي في الحالة دي! طيب أنا هاجي معاكي أوصلك وأرجع.. يلا عشان أبقي مطمنـه عليكي "..
لم تمنعهـا حنة فهي علي وشك الإنهيـار إن لم تكن قد فقدت كل حصـون قوتهـا في هذه اللحظـات، مسئوليـة كبيرة تقـع علي عاتقهـا تفقـد معهـا كل أحلامهـا، هي تري أمامها شاشة سوداء كُتب عليها بخط عريض" حياتك "..، في النهاية هي مجرد مراهقة لم تبلغ الثامنة عشر بعـد و تلك التي تُساندهـا مراهقة أصغر منهـا في الخامسة عشر من عمرها...
فقـد تُوفي والدها قبل ولادتهـا و بعد ذلك بعـام تزوجـت والدتها من" مجـدي " وأنجبت منـه فردوس.. كان يُعطيـهم القليل من الأموال، بالكاد تكفيهـم حتي ملّ منهم حسب قولـه ثم هجـرها ليعـود بعـد سنـوات وتقبلته علي مضض لأجل كلمات المجتمع الفاقد لكل الحواس "ظل رجـل ولا ظل حائط!!" و هو في نيتـه ينوي الإستفادة من صبيـة في بدايـة شبابهـا بأحقر الطرق...
عودة للحـاضر، كانت تتصبب عرقا برغم ان الطقس لم يكن حـارا، بل بدأت برودة الشتاء وأخيرا التسلل بين نسمات الصيف الحـارة وإنعاش قلوبنا وأجسادنا... تحركت تأخذ كوبا من المـاء تحـاول الهروب من ذكرياتها و لكن ذكري أخري تسللت لعقلهـا من جديد..
" أبويا مات يا خرابة البيـوت، مـات من بوزك يا فقـر أنتي وأهلك الطماعين "..
قالت ببكاء:
" أنا والله ما كنت عاوزة اتجـوزه حتي، انا مليش ذنب، مليش ذنب "...
قال كـارم بضيق:
" غـوري من هنـا، مش عاوز امي لما ترجع من الأقصر تشوف خلقتك، لو شافتك هتخلص عليكي، مش عاوز اشوف خلقتك تاني خالص"..
قالت ببكـاء:
" أنا عاوزة ورقة الجـواز، بالله عليك عاوزاها اثبت اني كنت متجـوزة "..
" هو دا اللي فارق معاكي طبعا، عاوزة تثبتي انك مراته عشان تورثيه، يا شيخه عيب عليكي دا لسه متدفنش، هعايب علي عيـلة!! "..
" لا والله مش عاوزة حاجة.. بس، أنا حامـل "...
" شايفاني بقي قدامك بريـل علشان اصدق الفيلم الحمضان دا، غـوري من هنا بدل ما أقسم بالله أخلص عليكي وأدفنك قبل منه! "...
تحـركت حنـة للخـارج وظل تسيـر في طريق بلا نهايـة حتي اصبحت في شارع حـي ليصطدم بها المـاره وهي لا حـول لها، شـاردة وأمامها غمامـه تمنع عنها الرؤيـة و سائل دافئ يسيـل علي قدمها و تذكرت صوت ارتطامها بالأرض و تجمع المارة حـولها وصرخة سيدة لا تعرفها...
" يلهوي دي بتسقط!! "..
تألمت حنـة فعادت للواقع لتجـد نفسها قد جُر'حت بسك.ين تمسكـه بين يديهـا، نظر خالد لها بتعجب ثم رأي الجـر'ح..
" اي دا اي اللي حصل، ارفعي ايديكي لفـوق علي ما أجيب حاجه نربطها "...
رفعت يدهـا حتي عاد لهـا يربط لها جرحهـا ويضغطه حتي يتوقف نزيفـه ليسألها بتعجب:
" معقـوله سرحانة لدرجـة تعوري نفسك!! "..
" أنا أصلا مخدتش بالك اني ماسكـة السك.ينـة، مش فاهمه اي اللي حصل "...
" حصل خير، ابقي خدي بالك "..
................................................................
" يـلا، دوسي بنزين زي ما علمتك بالظبط "..
قالت بحماس:
" متقلقش هشرفك "..
ضحك منتصـر بسخـرية وهو يقف خـارج السيـارة يُملي عليها تعليماته و منذ دقـائق كان قد قيـد ذلك الشاب الملقي أرضا خلف السيارة من يده بحبـل طويل أحكم ربطه علي حقيبة السيـارة الخلفيـة، وبمجرد أن تتحرك فردوس ستسحـبه خلفهـا، أو ربما تُخطئ وتعـود للخلف!!
وكانت هي اكثـر من متحمـسة للفكـره..
فتح منتصـر السيـارة يجـلس جوارها يُملي عليها تعليمـاته فتحركت ببطئ للأمام يحتك جسد الشاب بالأرض و مع زيادة سرعتها صـرخ بهم الشاب بالتوقف...
" هقول كل حاجه يا باشا بس كفاية بالله عليك كفاية "..
ابتسم منتصـر بخبث ثم تحـرك لخارج السيـارة و هي خلفـه تنظر للشاب بإنتصـار و كأنها أحبت ما فعلت وزاد حماسها أكثـر عندما رأت خضوعه بعد تعذيبها له..
جلس منتصر أمامه يسأله بجدية:
" مين اللي باعتك!! "..
" م.. مجدي باشا هو اللي باعتني "..
سألت فردوس بتعجب:
" مجـدي مين؟! أنا معرفش غير مجـدي واحد، ان شاء الله ميكونش هو!! "..
قال الشاب بخوف:
" هو، أبـوكي.. هو اللي كان مخلينا نخطفك أساسا وهو اللي بعت البنت اللي شبهـك علشان يقلب عيسـى باشا في فلوس و كمـان كان عاوز البت التانيه عشان تشتغل معاه "..
" حنة!؟ تشتغل معاه اي!! "..
قال منتصر بسخريـة:
" في شقـة مفروشـه "..
فتحت فرودس عيناها بصدمه تنقل نظرها بين الشاب ومنتصـر و هي تحـاول استيـعاب مدي حقـارة من تخمل اسمـه، أخفت تأثرها وحزنها رغم ذلك وقالت بسخرية:
" وهو فاكر انه هيقدر يقف قدام عيسى و رجـالته "..
اقتـربت تُربت بقـوة في حركة لا إرادية علي كتف منتصر تقول بحده:
" روح قـوله إن أنا وحنـة بقينا في حماية راجـل و هو عيسـى، اللي وراه رجـاله زي ما أنت شايف يودوه ورا الشمس "..
بادلها منتصـر نظرات الثقـة وقال بإحترام لأخت رئيس عمله رغم كل شئ:
" نفذ كـلام الهانم يا روح أمك.. سكتك خضـرا "..
فك منتصـر وثـاقه فركض الشاب بعيدا عنهم قدر المستطـاع حتي أصبح علي الطريق العام، فتلك العمارة السكنية تبتعد قليلا عن المدينة والإزدحـام و تبتعد بمسافـة ما عن البحـر...
تعجب منتصر يسأل بضيق:
" إحنـا مكاننا اتكشف ازاي بالسهولـة دي؟! "..
قـال فيفي بجـهل وهي تأثـرت بالجو الإجر'امي:
" أكيد في بينا خاين يا باشا! "..
نظـر لها منتصـر ولأول مره لا يغضب بل ضحك بسخـرية علي حديثها و تحرك أمامها يقـول بجدية:
" إحنا لازم نغيـر مكاننا، تعـالي ورايا "..
" أنا محتاجه موبايل أسجـل المغامرة دي عشان أنزلها علي صفحتـي علي التيكتوك "...
" عندك صفحـه علي التيكتوك، شغـاله بقي!! "..
" لا طبـعا عاملاه برايفت، احنا من عيلـة محافظة حـتي أبويا زي ما أنت شايف كدا حاجة تشرف "..
ضحك منتصـر ولكنه استطـاع بسهـولة سماع حسرتهـا و شعر بألمهـا الذي أخفته خلف ستار الضحك والسخـرية، فأبتسم يقول بهدوء:
" اخت عيسـى القائد مينفعش تكون غير بنت محترمه و متربيه، بس لو اللسان يتقص شويـة!! "..
" يتقص!! ليه شايفني لسـاني طـويل ولا اي!! اما أنك أعمي البصر صحيح "..
" مش معقوله بجد! "..
تركهـا وتحـرك تجـاه المبني و ظلت هي مكانها تنظـر تجاهه بغيـظ:
" بـارد... بس كاريزما "..
..............................................
في المسـاء عـاد عيسـى لمنزله أخيـرا ليجـد زوجتـه تجـلس في الداخل بجـوار والدته يتحدثان فأتجـه لغرفتـه بهـدوء يفتح اللابتوب الخاص بـه ممسكـا بهاتفـه فقد أتته مكالمه ينتظرها من بداية اليوم...
" مفيش حاجه اتبعـتت.. "
" في خلال ثواني يا قـائد "..
انتـظر عيسـى دقيقـة أخري ثم اقتـرب يُشاهد تسجيـلات الكاميـرا الخاصه بمنزل سليـم... تمعن بنظره وهو يـري سليـم يقتـرب منها حين نزع عنها تلك الذقن الإصطناعيـة، ظل يُشـاهد التسجيـلات الأقدم حتي أدرك بأنها كانت تخدعه بأنها رجل ربمـا ولكنهـا منذ يوم تقـريبا وهي تخلت عن تلك الثياب الرجالية بعد مناقشة حادة دارت بينهـم، ربما عندما اكتشف الطبيب حقيقتها..
" ايوا سايبها في بيته ليه مش فاهم!! "..
تحـرك عيسـى ذهابا وإيابا بالغرفـة وهو يُفكر بالطريقة التي سُيخبر بهـا خالد عن أمرها ولكنه في النهاية أخرج هاتفه ليتصل بـه...
" إزيك يا خـالد، و حنة أخبارها اي؟! "..
" كويسين الحمد لله، متقلقش بكرا الصبـح هنتحـرك، بس مش بالطيارة هنتيجي بالعربيـة "..
" لا.. تعالوا بالقطر، العربية سهل تتبعهـا "..
" تمام زي ما تشوف "..
" تعـال علي القـاهرة، هبعتلك عنـواني، خلي بالك كويس من حنـة، وراها ناس يا خالد يمكن لو وصلولها معرفش أجيبها تـاني "...
" ناس ميـن!؟! "..
" لما توصل هفهـمك كل حاجه، متقلقش رجـالتي حواليكم لو حصل اي حاجه هتلاقيهـم... ولما تيجي ليك أمانه عندي "..
سألها خالد بلهفه:
" زين!!! لقيتها؟! "..
" وصلت لمكانها، هي هنا في القاهرة بس لسه هروح أجيبها، بكرا هتشوفهـا "..
تهللت أساريـر خالد وعاد قلبه للحياة من جـديد..
" الحمد لله.. الحمد لله، هي كويسه صح؟! جرالها حاجه، كويسه يا عيسـى؟! "..
" قولتلك أنا يدوب وصلتلها يا خـالد بس هي كويسه متقلقش عليهـا، هي دلوقتي في حمايتي لحد ما أنت توصل، خلاص هانت يا صاحبي "..
" أنا مش عارف أشكرك إزاي يا عيسـى، بحمد ربنا علي الصدفه اللي خلتنا أصحاب.. مش هتأخر عليك هتحرك أول ما النهار يطلع، مش هتأخر "..
" ماشي خلي بالك.. سلام "..
أنهي عيسـى المكـالمة وتحرك للخـارج فأصطدم جسده بزمرد التي تراجعـت بصدمه وهي تصرخ:
" حـرامي... حرامي، إلحقـونا "..
" حرامي اي يخربيتك هتلمي علينا النـاس!! إهدي دا أنا!! "...
" بسم الله الرحمن الرحيم، أنت رجعت امتي يا عيسى!!
"لسه واصل، وخـارج عندي مشوار مهم"..
" رايح فيـن!!، جيت في اي وهتمشي في اي دلوقتي مش فاهمه!! "..
" ما قولت عندي مشوار "..
سألته بتعجب:
" في اي يا عيسـى مـالك؟! "..
" مفيش حاجه يا زمـرد قولت مره، عندي شغل مش فايق بس "..
تحـرك للخـارج ونـظرت هي في أثـره بحزن فهو لم يعاملها بتلك الطريقه من قبـل، كان حنونـا متفهمـا لعلاقتهم برغم كل شيئ، أكثـر منها حتـي برغم انه هو من أنقذهـا و لم يكـن مضطـرا أو مجبرا علي ذلك..
هل ملّ الأمر،أو شعـر بالإستياء منهـا لأجل تقبلها البطئ لعلاقتهم!
...........................
"كـانت صامته، علي عكس عادتهـا، ربما حزينـة من أفعـال والدها، أخرج هاتفـه يبحث عن رقم خالد وقد أرسله له عيسـى ثم هاتفـه ليأتيه الرد بعد دقائق..
" ازيك يا خالد، أنا منتصـر "..
" ايوا مهو عيسى بعتلي رقمك و مسجـله عنـدي، اي الأخبار"..
" والله الدنيا مش تمام في واحد هجم الصبح علي الشقـة وكان معاه سلا'ح، بس اتصرفت معاه و غيـرت المكـان اللي احنا فيه.. "..
" دا كدا المفروض تسيبوا بور سعيد خالص "..
" اه، غالبا هنرجع القاهرة أو اي حته تانيـه، المشكلة اننا متراقبين وعيسى بس كان عاوز يبعدهم لغاية ما يعرف مين وراهم و بما إنه عـرف خلاص فأظن هنرجـع، وجـودهم مع عيسـى هيخلي اي حد يفكر مليون مره قبل ما يقربلهم "..
" هو عيسى عرف مين!!! دا منبهني أخد بالي كويس من حنة بالذات! بس أنا مش فاهم اي اللي بيحصل بالظبط "..
" عيسى هيبقي يفهمك علشان أنا مليش أقولك، المهم دلوقتي حنة صاحية؟! عاوزها تكلم اختها "..
" حاضر هشوفهـا "..
تحـرك منتصـر تجـاه غرفـة فردوس يدق بابها وكذلك فعـل خـالد لتخـرج له حنـة تنظر له بتساؤل فقال بهدوء:
" دي أختك.. "..
ابتسمت حنـة بسعـادة واشتيـاق وأخذت الهاتف تضعه علي أذنهـا:
" فيفي!! حبيبتي أنتي كويسـه!! "..
علي الطرف الأخر نظرت فردوس بتعجـب عندما وجدته أمامها يمد يده لها بهاتفـه ولكن صوت حنة الصادر من الهاتف لم يعطيها مجال للأئلة لتصرخ بسعادة:
" حنـة!! "..
" أنتي كويسه؟! جرالك حاجه؟ "..
" أنا كويسه زي الفل، طمنيني أنتي عليكي، اي اللي حصل معاكي انتي بخير "..
" أنا الحمد لله، وحشتيني أوي يا فيفي وحشتيني، كنت مرعوبة عليكي، كنت حاسة اني بموت، لولا مساعدة عيسى الله أعلم كان اي اللي هيحصل من تاني "..
أجابتها فردوس بإمتنان:
" أنا مكنتش متوقعه إنه واخد باله مننا كدا بجد، أنتي عارفة ان هو اللي حط قدامي شغل الكافيه اصلا؟! كنت بقولك معجزة، و كمـان طلع عندي اخين غيره!! "
" ايوا ما أنا عارفه وشوفتهم كمـان "
"اي دا طيب احكيلي كل حاجه بسرعه"..
" لما نتقابـل نتكلم براحتنا "..
" لا ما إحنا براحتنا اهو ورانا اي يعني، احكيلي "..
نظـر لها منتصـر بضيق فها هي قد استولت علي هاتفه، ان اعطتهـا اختها الفرصـة للحديث فلن تتوقف قبل الصبـاح، ارتمي بجسده علي الأريكـة بمـلل و تركها للثرثرة كما تشاء..
وعلي جانب أخر نظرت حنة بحرج لخالد الذي ابتسم لها يقول بهدوء:
" خدي راحتك، أنا هدخل أنام و اعملي حسابك هنتحرك بعد الفجر علطول "..
تـركهـا خـالد لتبدأ حنة في إخبـارها بكـل ما حـدث و تقاطعهـا فردوس بمزاحها المعتـاد لتعـود الضحكات وأخير لوجـه حنـة ولكن لم تدم تلك السعادة عندما أخبرتها فردوس بأمر والدها و ما ينوي علي فعله بهـا وعن رغبته في أخذها لذلك العمل واستغلالها بهذه الطريقة البشعـة...
لم تُجيبهـا حتي و أنهت المكـالمه و خرجـت لتضع لتُعطـي خالد الهاتف ولكنها لم تجـده فوضعته علي الطـاولة ثم عادت تجاه غرفتها...
انتفضـت بسبب انقطـاع الكهرباء بشكل مفاجئ ليسـود الظلام بالمكـان حولهـا و تسمرت قدماها بالمكـان تنـادي بصوت خافت:
" خـالد!! دكـتور خالد أنت نايم ولا صاحي!! "..
حاولت التحرك ولكنها تخـاف الظلام بشكـل مبالغ بـه فجـلست مكـانها ترتجف وبدأت في البكـاء، حلها الوحيد للتعامل مع جميـع مشاكلها....
بعد دقائق خـرج خالد لتصـرخ هي بخـوف عندما شعرت بالحركه حولها وقد ظنته نائما..
سألها بفزع:
" حنة!! أنت فيـن! أنتي كويسه؟! "..
قالت بخوف:
" أنا قـاعدة في الأرض مش عارفه اتحرك خالص، أنا بخاف أوي من الضلمة "..
" وفين تليفوني؟! "..
" علي الترابيزة "..
" طيب متخافيش هشغل ال.......
لم يُكمـل حديثـه اذ تعثـر بهـا و سقط فـوقهـا لتصـرخ حنة بصدمه وألم أيضا فأبتعـد عنهـا خالد بحرج:
"أنا اسف والله مش شايف حاجه، هروح أجيب التليفـون"..
كاد يتحـرك ولكن التفت الإثنان فجـاءة علي ضوء شديد يأتي من الخـارج فأرتعبـت حنة وأمسكت بذراع خالد تسأله برعب:
" اي دا!! "..
" دا أكيد نور الإيمان، او نور العلم.. او حرامي جاي يسرقنا "..
" طب روح اضربه او خلص عليه "..
" أنا دكتور مش شغال مع سلاحف النينجا "..
صوت طرقـات خافته جعلهـم يلتفتون للباب من جـديد..
" دكـتور خالد! أنتم كويسيـن؟! "...
سألته بريب:
" الحرامي عارفك!! "..
أجابها بضيق:
" حرامي اي دا صوت يوسف جارنا اللي فوق، هروح أشوفه عاوز اي "...
تحـرك خالد يفتح لـه البـاب فسأله يوسف بإهتمام:
" حضراتكم كويسين!! أنا سمعت صـوت حد بيصـرخ هنا "..
" اه دا بس النور قطـع و.... و المدام بتخاف "..
" طيب الحمد لله انكم بخيـر، اتفضل الكشاف دا خليه لو معندكوش واحد لأن النور لسه قدامه ساعتين، أنا كدا كدا كنت جاي أخد هدوم لإيمان وللبيبي "..
" هما أخبارهم اي، كل حاجه تمام!! "..
" ايوا الحمد لله، الفضل لحضرتك بعد ربنا، هو بس الدكـتور قالها تبات النهاردة و هنرجع بكرا الصبح "...
" الحمد لله ربنا يقومهالك بالسلامة "..
شـكره يوسف و تحرك للأسفل واخذ منه خالد مصباح الضوء الكبيـر وأعطـاه ل حنة:
" خديه بقي خليه في أوضتك و أنا هـاخد الموبايل "..
" شكـرا يا خالد "..
ابتسم خالد وهو يتابعها تعـود للغـرفـة و تحرك هو ايضا يعبث بشعـره يقـول بتعجب:
" هو أنا مبسوط كدا ليه!! "...
...................................................
" دي قسيمة جـواز بإسمي وإسمك، بس مزيفة طبعا، ماقلقيش محدش هيقدر يعرف انها مش حقيقيـة، يعني من النهاردة قدام كل الناس أنتي مراتي، و دا هيبقي حقيقة بمجرد ما تولـدي،و كمان حاجه الجـواز دا مش هيكون مشروط،يعني هيكـون جواز كامل..اعتبري الست شهور اللي جايين هما فترة تعـارف أو خطوبة بيني وبينك "
اومأت برأسها و هي تطوي الورقـه ثم قالت بهدوء مزيف:
" أنا حضرت الأكل، غير هدومك علي ما أسخنه "..
برغم ثقـل الأمر علي قلبهـا و فكرة أنها ستكـذب لأشهر طويلـة أو ربما لبقية حيـاتها، وأيضا تفكـر في طفلها الذي سيأخذ اسما غير اسمه، كيف ستخبره يومـا ما بالحقيقـة، قالت لنفسها:
" خليكي في الحاضر يا زين.. خليكي في الحاضر دلوقتي، الحاضر هو سليـم "..
ابتسمت بحزن وإمتنـان وهي تضع أمامه الطـعام و قبل أن يبدأ في طعامه سمع طرقات علي الباب فقال بهدوء:
" استني أنا هفتح "..
تحرك سليـم يفتح الباب لتفاجأ أو ربما تملكته الصدمه لرؤيـة عيسى، رجل الأعمال المعروف مؤخرا يقف أمامه:
" عيسـى باشا!؟ خير!! "..
" عاوزك في موضوع مهم "..
" طيب اتفضـل.. اهلا وسهلا "...
جـلس عيسـى بهدوء وبدأ بحديثه بدون اي مراوغه:
" زين الشافـعي... تخصني "..
شعر سليم كيف علم بأمرها وبرغم ذلك هو بكـل براعه لم يُظهر صدمته تلك و قال بصوت حاد:
" مش فاهم حضرتك.. مراتي تخصك ازاي!! "..
وقف سليـم فتفاجأ عيسى و وقف أمامه هو الأخر يسأله بصدمه:
" مراتك!!! "..
رواية عيسى القائد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اية محمد
"مش فاهم حضرتك.. مراتي تخصك إزاي؟"
وقف سليم فتفاجأ عيسى ووقف أمامه هو الآخر يسأله بصدمة:
"مراتك؟!"
"آه مراتي! ممكن أفهم حضرتك تعرفها منين؟ زين أصلاً مش من هنا."
"أنا صاحب أخوها."
تحركت زين للخارج بعدما استمعت لحديثهم تنظر لعيسى بحرج وتحدثت بخفوت:
"عيسى! هو.. هو خالد عرف مكاني؟"
أجابها عيسى بحدة:
"آه عرف، أخوكي بكرة هيكون قدامك هنا هو اللي يتصرف معاكي."
قال سليم بحدة:
"يتصرف معاها يعني إيه؟ اتكلم كويس!"
اقترب عيسى يقول بحدة:
"آه يتصرف.. يتصرف مع اللي بيقول على أخته إنها مراته وهو من يومين بس كان فاكرها راجل وبيشتغل عنده!"
نظر الاثنان لبعضهما بصدمة ليضحك عيسى بسخرية وهو يجلس من جديد ثم سألهم بضيق:
"ودلوقتي هتفهموني كل حاجة ولا أعرف بطريقتي؟"
سأله سليم بصدمة:
"إنت عرفت إزاي؟"
"بطريقتي.. قدامكم اختيارين يا تفهموني كل حاجة، يا هاخدها من هنا حتى لو بالعافية."
"بالعافية! ليه حضرتك فاكر نفسك مين؟ أولاً اللي واقفة دي مراتي على سنة الله ورسوله، متجوزين من تلات شهور وكنا قاعدين في شرم الشيخ حوالي تلات أسابيع وبعدين حصلت بينا مشكلة واختفت معرفتش أوصلها فرجعت القاهرة، وبعد ما رجعت بأسبوع لقيتها عاملة في نفسها كدا عشان هي ملقتش مكان تروح فيه وعرفت من البواب إني محتاج راجل بيعرف في شغل البيت يساعدني فيه.. بس أنا كنت عارف إنها وسايبها براحتها لحد ما المشكلة تتحل."
"ما شاء الله، بعد ما أختها ماتت بأسبوع هربت وقمت أنت واخدها بصدر رحب كدا واتجوزتها وقولتلها يلا يا حياتي نروح شهر العسل!"
"أومال أسيبها في الشارع!"
"لا حنين بصحيح! أي واحدة ماشية في الشارع مش لاقية مكان تروح تتجوزها! عبيط أنا بقي على كدا!؟"
اقتربت زين تقول بهدوء مزيف:
"بس أنا كنت عارفة سليم يا عيسى."
وقف سليم يقول بجدية:
"وأنا كمان أعرف زين كويس أوي، جوازنا كان ليه أسباب وأنا متأكد لما خالد يقف قدامي بكرة هعرف أشرحله أسبابي كويس أوي يا أستاذ عيسى."
وقف عيسى من جديد وتجاهل سليم واتجه يقف أمام زين يقول بجدية:
"أتأكدي إني عشان خاطر أخوكي مستعد أحميكي من أي حاجة وأي حد مهما كلف الأمر."
ثم تحرك للخارج تحت نظرات سليم الغاضبة تجاهه ولكن عيسى لا يهمه أمر سليم أو نظراته الغاضبة، كل ما يشغل عقله هو كيف سيُخبر خالد بأمر زواج أخته، لا يعرف حتى إن كان سيُخبره أم سيتركه يكتشف الأمر بنفسه.
عاد عيسى أخيراً لمنزله بعد يوم مرهق، وجد والدته تجلس بالخارج بإنتظاره أمام أحد البرامج التليفزيونية المفضلة لديها فرحبت به بحب:
"الحمد لله على السلامة يا حبيبي، اتأخرت كدا ليه يا عيسى؟"
"الله يسلمك يا ماما.. كان عندي مشوار مهم وزي ما أنتي عارفة الشغل فوق دماغي كله بسبب غياب منتصر."
"ربنا يعينك يا ابني، هقوم أسخنلك الأكل."
سألها بتعجب:
"زمرد فين؟"
"قالتلي هتنزل تتمشى شوية، زمانها راجعة."
"الساعة 11! وبعدين إزاي تنزل من غير ما تقولي!"
"أنا حسيتها مخنوقة، عايزة تشم شوية هوا فسيبتها بس مش عارفة اتأخرت ليه.. زمانها راجعة مش هتتأخر عن كدا متقلقش."
تأفف عيسى بضيق وهو يخلع عنه سترته ثم رماها أرضاً بغضب وتحرك للخارج من جديد، ألن ينتهي هذا اليوم!
فضل البحث عنها سيراً بدلاً من السيارة، فهي لم تبتعد بالتأكيد إن كانت خرجت للتمشية، ظل يهاتفها ولكنها لم تجب اتصالاته.
وقف بمنتصف الطريق يفكر جدياً في العودة لسيارته فقد اقتربت الساعة من الثانية عشر وهي لم تظهر أو تجب اتصالاته!
ولكن قبل أن يعيد أدراجه لمحها تقف بعيداً بجوارها رجل عجوز يمتلك عربة صغيرة لبيع الطعام السريع على جانب الطريق.
اقترب منها ينظر لما تفعله بصدمة فقد كانت تساعد ذلك الرجل في عمله وكأنها تعمل معه منذ سنوات وتقدم الطعام للزبائن بكل ود.
اقترب عيسى منها يسحبها من يدها بغضب:
"هو إيه دا؟!"
نظرت له زمرد بضيق وهي تسحب يديها:
"متشدنيش كدا إحنا في الشارع."
"والله! لا كويس إنك عارفة إننا في الشارع وإن الساعة دلوقتي 12 وحضرتك برا البيت ومن غير إذني، لا وبرن عليكي مبترديش وكمان مش عاجبك رد فعلي! المفروض أعمل إيه؟ أقف أسقفلك!"
"أولاً الموبايل في الشنطة فمسمعتوش ومخدتش بالي من الوقت، ثانياً أنا كنت نازلة أتمشى شوية وراجعة مكنتش ناوية على التأخير."
أوقف عيسى سيارة الأجرة قبل أن ينفعل أكثر وأمرها بحدة:
"ادخلي."
أجابته برفض:
"عيسى أنا مش هروح معاك طول ما أنت بتزعق كدا!"
قال بسخرية:
"حضرتك مراتي مش صاحبتي ولا حتى خطيبتي عشان تقوليلي الكلمتين دول، فحالا قبل ما أفقد أعصابي اقعدي في التاكسي يا زمرد."
جلست أمام نظراته الغاضبة ولهجته الحادة برغم سخريته وكل تفكيرها معه ومع غلظته تلك، ربما هو محقاً ولكنها لم تتعمد فعل شيء لا يرضيه.
كانت تعلم بداخلها أن تلك الليلة لن تمر مرور الكرام عليهم فهو حاد الطباع وحاول بكل طاقته أن يكون معها حنوناً متفهماً ولكنه هي من أخرجت تلك الحدة في تصرفاته معها.
ربما تلك النزاعات بينهم ستقرب المسافات إن استطاعا التعامل معها، أو إنهاء أمر زواجهم ويكتشف كلاهما بأنهم غير ملائمين لبعضهم بأي شكل.
وربما عليهم إيجاد حل الآن.
بمجرد غلق الباب اتجهت زمرد تجلس بجوار زينات والتي لفت ذراعها حول زمرد عندما وجدت عيسى يأتي خلفها بأعين غاضبة وكانت هي من بدأ بالحديث:
"إهدي يا عيسى متكبرش الموضوع يا ابني."
"لا يا ماما هو كبير، الهانم فاكرة نفسها في طنطا! فاكرة ملهاش راجل تستأذنه! نقاب إيه بقي اللي لابساه وأنتي مش عارفة إن الست لازم تستأذن جوزها قبل ما تخرج؟ وحتى لو خرجتي يبقى بالعقل يا دكتورة مش لحد الساعة 12!"
"أنا مش محبوسة هنا يا عيسى!"
صرخ بها بغضب:
"متحوريش الكلام عشان تقلبي الترابيزة، أنا لسه لحد دلوقتي هادي ومفقدتش أعصابي."
"كذا وهادي! أومال أما تتعصب بقى هتمد إيدك عليا يعني ولا إيه!"
صرخ عيسى بصوت حاد غاضب:
"ما تتعدلي يا زمرد مالك إيه اللي حصل، ما كنتي كويسة!"
أجابته بضيق:
"أنت النهاردة اتصرفت معايا بطريقة مش كويسة، أنا كنت بسألك رايح فين وأنت اتضايقت، تخيل أنا زوجتك يعني عادي أسألك السؤال دا، بس لا إزاي عاوزة تسألي القائد بجلالته هو رايح فين ويجاوب! تخيلي يا ماما زينات إنه زعق لي عشان بس سألته كدا وسابني ومشي!"
قالت زينات بلوم:
"لا يا عيسى ملكش حق، الكلام أخد وعطا مش كدا."
جلس عيسى ينظر تجاههم بضيق وقد أخفت زمرد وجهها في زينات التي ضمته بحب حتى استمعت لكلمات عيسى الهادئة:
"صح.. صح يا ماما عندك حق... أنا داخل أنام تصبحي على خير، يلا يا زمرد."
نظرت زمرد تجاهه بخوف وقلق فأقترب عيسى يسحب يديها بنفس وتيرته من الهدوء والعقلانية المزيفة فتحركت خلفه باضطراب وهي تكرر الشهادة.
بمجرد إغلاقه للباب تحركت زمرد بعيداً عنه تجلس على الأريكة بزاوية الغرفة وتحمل مصحفها بين يديها فأقترب منها وأخذه من بين يديها ووضعه بهدوء على الطاولة بجوارها.
"اعتذري الأول وبعدين أعملي اللي أنتي عايزاه، إنما متفكريش إنك هتتهربي مني بالطريقة دي يا زمرد."
"أعتذر عن إيه يا عيسى!؟ أني نزلت أشم شوية هوا!"
"آه إنك نزلتي من غير إذن وإنك اتأخرتي."
"تمام أسفة."
"وأنا قابل اعتذارك بس لازم تسمعيني كويس... أنا مش حابسك هنا يا زمرد وطبعاً ليكي الحق تخرجي سواء معايا أو لوحدك وأكون عارف مكانك وأكون قادر أطمن عليكي، مخوفتيش على نفسك؟ يعني أنا مهرب أختي والتانية وديتها الصعيد عشان خاطر أحميهم عشان في الآخر أنتي تعملي التصرف دا!"
"أنا مفكرتش في كل دا، أنا كنت حابة أخرج أتمشي شوية و بعدين ساعدت عمو دا عشان كان تعبان وفضلت واقفة معاه والوقت أخدني وركنت التليفون في الشنطة، وأنت مش فاضي ليا يا عيسى!"
"أنا مش فاضي يبقى تتصلي بيا وهبعتلك سواق بحراس بالعربية أو هفضي نفسي وأجيلك أو هقولك استني لما أكون فاضي."
"حاضر بعد كدا هبقى أكلمك."
اقترب عيسى جوارها يقول بجدية:
"أنا كنت خايف عليكي وأنا متعودتش أخاف يا زمرد، أنا دلوقتي بعترف إني جوازي منك في التوقيت دا كان مخاطرة، مكانش لازم أتعلق بحد جديد."
قالت بحزن:
"أنا آسفة لو زودت مسؤولياتك."
هز رأسه نفياً وأمسك بيدها يضعها على صدره:
"مكانش ينفع أخاف ولا أنشغل وبرغم الخوف اللي ماليه إلا إن القلب دا لأول مرة يكون فرحان ومرتاح كدا، كل المشاعر دي جوا قلبي اللي مبقاش عارف يتعامل خلاص... أنا عارف إني مشيت أميال في علاقتنا وأنتي يا دوب كام خطوة."
"مهو أنا مش فاهمة، مش فاهمة إزاي قدرت تاخد الأميال دي، عيسى أنا حمدت ربنا إنك أنقذتني من جوازتي دي، وحمدته مليون مرة إن كان نصيبي أنت وشوفت فيك راجل محترم برغم كل حاجة قدرني واحترمني وحفظ لي كرامتي وعزة نفسي، وكنت فاهمة إن هناخد وقتنا ونعرف بعض ونحب بعض كمان، والمشاعر اللي أنت بتتكلم عنها دي أنا مش قادرة أشوفها غير إنك بتدور على حقوقك الشرعية وأنا..."
قاطعها عيسى بعدما ابتعد عنها بل وقف على مسافة منها يسألها باستنكار:
"إيه؟!"
"فاطمة قالتلي إن..."
"فاطمة مين؟"
"واحدة صاحبتي."
"وصاحبتك تعرف اللي بيني وبينك ليه! إذا كان أنا يوم ما دخلتك بيتي قولتلك أمي متعرفش عننا حاجة! أمي اللي هي هتعيش معانا في نفس البيت؟ تروحي تقولي لصاحبتك! هي تعرفني منين! تعرف أنا حاسس ناحيتك بإيه مني! هي متعرفنيش عشان تحكم عليا إني بضحك عليكي بكلمتين عشان خاطر رغباتي، مش دا اللي هي فهمتهولك يا زمرد!"
قالت بحزن:
"أنا آسفة."
"وآسفك مش مقبول المرة دي."
تحرك عيسى لينهي الجدال واتجه لغرفة الثياب يأخذ منها ثياب مريحة ثم تحرك للخارج من الغرفة بأكملها وقد قرر ترك الغرفة لها فبقيت زمرد وحيرتها بمفردهما.
في اليوم التالي...
"فاضل كتير!"
"نص ساعة ونكون في محطة مصر."
أومأت برأسها بملل شديد فقد انتصف النهار ولا يزال الاثنان بالقطار فقد تحركوا بعد صلاة الفجر مباشرة وها هي خطبة يوم الجمعة تتمكن من سماعها من مذياع يدوي صغير يحمله أحد المسافرين.
"عسلية يا أستاذ، خد عسلية للمدام..."
"شكراً مش عايزين."
نظرت له حنة بعبوس ثم استندت بذقنها على يدها وعادت تنظر للخارج من جديد بعدما كانت اعتدلت وهي تنظر لما يحمله ذلك البائع بحماس قتلته خالد الآن ولكن عاد البائع يقول من جديد:
"شكلك زعلت المدام."
نظر خالد تجاه حنة يسألها بارتباك:
"عايزة؟"
أجابته بحرج:
"لا شكراً."
استطاع خالد تمييز حرجها فأخذ من البائع اثنين ثم أعطاهما لها يقول بهدوء:
"جربيها كدا أهو نتسلى في الطريق."
أخذتها حنة بابتسامة واسعة وهي تنظر له بامتنان، لا تدري متى طالت نظراتها له وشعور بارتباك سرى بداخلها، وحزن رحيله أخفته بداخلها.
وأخيراً توقف القطار بالمحطة فأخرج هاتفه يطلب سيارة من أحد تطبيقات التوصيل فأتته بعد دقائق.
"الزمالك يا اسطى."
على الجهة الأخرى كانت تفتح عينيها بصعوبة كبيرة، حاولت تحريك جسدها ومنعتها آلامها حتى وجدت يد تساعدها ترفعها من خصرها لتستند بجسدها على ظهر الفراش فنظرت لها فردوس بارتباك ثم انتفضت تبحث عنه:
"إنتي مين؟ فين منتصر!"
اقتربت زمرد تحاول مساعدتها ولكن دفعتها فردوس بكل ما تبقى لها من قوة:
"ابعدي عني، فين منتصر! عملتوا فيه إيه!"
أجابتها زمرد بشفقة:
"أنا مرات عيسى أخوكي."
"كذابة، عيسى مش متجوز أصلاً.. وسعي ابعدي عني، أنا فين! عملتوا فيا إيه؟ منتصر فين خليني أشوفه."
"يا حبيبتي اهدى محصلش حاجة أنتي كويسة ومنتصر برا."
"أوعي أنتي بتكدبي، وسعي بعيد عني."
تحركت فردوس بألم للخارج وهي تدفع زمرد التي وضعت نقابها على وجهها ثم تحركت خلفها، دفعت فردوس الباب لترى منتصر أمامها يجلس على الأريكة وبجواره عيسى بالفعل فأقتربت منه بأعين دامعة وضُعفت قواها أكثر حتى كادت تسقط فأسندها عيسى ثم حملها عن الأرض وتحرك بها يضعها على الأريكة وبدلاً من الابتعاد عنه ظلت فردوس متمسكة به فضمه عيسى بقوة يربت على رأسها بحنان وهي تشبثت به وبدأت في البكاء تخفي وجهها بصدره.
"أنا مكنتش عاوزة فلوس أنا كنت عايزك أنت، كان نفسي يكون ليا سند وضهر، يكون ليا حضن أترمي فيه يا عيسى، كان نفسي لما أتعب مفكرش كتير وأقع وأنا عارفة إني هلاقي اللي يقومني من تاني ويسندني، أنت ليه سبتني وأنا مليش غيرك، أنا مكنش ليا ذنب في أي حاجة."
سألها بحزن:
"كنت آخدك من أبوكي؟"
"هو مكنش أب، مكنش أب أبداً يا عيسى، كان محتال سابنا محتاجين ومش معانا أي حاجة نسند بيها نفسنا ولما رجع كان عشان يستغل حنة ويأذيها ولما الموضوع انتهى سابنا من تاني وماما ماتت من القهر والزعل على بنتها ومستقبلها اللي ضاع، هما وقعوا وكان لازم أنا أفضل واقفة على رجلي، بس أنا مش قادرة على دا ومش عارفة، ولولا الكافيه كان زماني بمد إيدي لكل الناس."
"لا مكنتش هسمح بكدا أبداً، ومن النهاردة أنتي مش هيكون عليكي أي مسؤوليات وهتعيشي أميرة في بيت أخوكي وهعوضك عن كل الوحش، وصدقيني هيندم على كل اللي هو عمله دا."
تركته فردوس وابتعدت تنظر له وقد امتلأت عيناها وكل وجهها بالدموع:
"أنت مش فاهم وجودك جنبي هيفرق إزاي في حياتي، بس.. أنا مقدرش أسيب حنة."
"لا طبعاً مش هتسيبيه وهتفضلوا معايا، الشقة اللي فوقنا هي نص مساحة الشقة دي أنا كتبتها باسمك وهتقعدي فيها أنتي وأختك، والله وأنا بنقل هنا وأنا عامل حسابي إني هاخدكم بس أبوكي كان ليه خطط تانية."
"هو كان ممكن يخليهم يأذوني كدا يا عيسى؟"
نظر لها عيسى بحيرة ثم نظر تجاه منتصر فأنتبهت له فردوس فقد كان مضمد الرأس واليد وهناك علامات جروح متفرقة على وجهه.
فلاش باك...
"يلا يا فردوس هنتأخر."
"مش هتحرك غير لما تقولي هنروح فين؟ مهو أنا هفضل زي الجاموسة اللي ساحبها وراك طول اليوم؟"
"محتاجين نتحرك قبل ما الفجر يطلع، هنرجع القاهرة خلاص، وجودنا هنا كان لحد ما عيسى يعرف مين اللي ورا كل القصة دي وخلاص مفيش داعي نفضل هنا."
"يعني إيه! أنا لسه متفسحتش! هو أنا كل يوم باجي بور سعيد!"
"إيه التلوث السمعي دا!؟ حضرتك كنتي مخطوفة ودلوقتي هربانة وأنا متكدر معاكي و تقوليلي فسحة!! ليه واخد بنت أختي حديقة الأسماك!!"
"والله إنك بومة.. خلاص نصلي الفجر ونتحرك فاضل عشر دقايق."
"تمام روحي اعملي لك شوية سندوتشات عشان تتلهي فيهم في الطريق ومتقرفنيش."
"أوفر صراحة يا جدع مش كدا، عنيف في الرأ........."
صرخت فردوس مع كلمتها الأخيرة أثر دفعة قوية على باب شقتهما جعلت بابها يكاد يسقط فوق رؤوسهم لولا أن سحبها منتصر خلفه ويسحب سلاحه بنفس الوقت ولكن جحظت عيناه بصدمة عند رؤيته للعدد المقتحم للمكان.
"ارمِ السلاح يا حلو، خلاص دي القاضية وناخد البت يعني هناخدها."
قال منتصر بغضب:
"على جثتي."
اقترب الرجل وقد بدا لعوباً.. خبيثاً.. قال بنظرات ماكرة:
"ما هي على جثتك فعلاً، بس لأجل التعب واللف وراك أنت والسنورة يبقى نتسلى شوية، يلا نزل السلاح في الأرض."
"فكر مليون مرة قبل ما تلعب معايا واعرف أنا ورايا مين الأول، لا أنت ولا رجالتك اللي أنت بتستخبي وراهم دول هتخوفوني."
أشار الرجل بعينه لرجاله فأقتربوا يأخذوا فردوس يسحبوها بالقوة يقيدون حركتهـا وحاولت هي الإفلات منهم بكل طاقتها ولكن أين هي وجسدها الضئيل أمام أجسادهم الضئيلة.
وكل ما يفكر به منتصر بأن والدها لن يترك رجاله لأذية ابنته بالتأكيد.
"طبعاً أنت فاهم إننا مش هنتمادى، بس مفيش داعي ندلع الرجالة شوية، قدام كل ضربة هتصرخ فيها أو يطلع لك صوت هناخد من لبسها الجميل دا حاجة.. بس كدا هنلعب شوية لحد ما النهار يطلع.. يلا يا رجالة."
انهالوا عليه بالضربات القوية والقاسية وهو يحاول كتم تأوهاته رغم الألم ولكن رغماً عنه صرخ متألماً عند ضربة قاسية بصدره فصاح الشاب باستمتاع:
"عاش... يلا نبدأ بالطرحة."
نازعت فردوس الباكية وهي تحاول الفرار من بين أيديهم وهي تنظر لمنتصر وقد غطت الدماء كل وجهه بالكامل وبالكاد يلتقط أنفاسه ورغم ذلك قال بضعف:
"لا... متقربش منها."
ابتسم الرجل بخبث وهو يشير لرجاله بالتوقف:
"استنوا، الحكاية شكلها هتحلو أكتر، إيه يا منتصر نكمل ضرب ولا تريح نفسك، كدا كدا مش هنعملها حاجة هنتفرج بس."
"أنا قدامك.. محدش يقربلها."
باك...
قالت فردوس ببكاء:
"ولولا إن في ناس جهم لحقونا كان ممكن يروح فيها، هو قالي إنهم تبعك بس مش عارفة إيه اللي حصل بعد كدا."
أجابها منتصر هذه المرة:
"واحد منهم أدالك حقنة مخدر عشان لما ياخدوكي متعمليش أي شوشرة، هي اللي تعبتك كدا."
قالت فردوس بامتنان:
"أنا مش عارفة من غيرك كان هيحصل إيه!"
"كان زماني نايم في بيتي سليم مش متدشول كدا."
قالهـا منتصر بمزاح فأبتسمت على حديثه وتابعته وهو يقف متحركاً تجاه الباب ثم التفت لعيسى يقول بهدوء:
"بكرة هكون في الشركة."
ابتسم له عيسى وأومأ بهدوء، بمجرد فتحه للباب انتبهوا جميعهم على صوت حنة التي خرجت للتو من المصعد.
"فردوس!"
حاولت فردوس الوقوف ولكنها لم تقو على الحركة، فركضت حنة للداخل لا ترى أمامها سوى أختهـا واقتربت منها تأخذها بين يديها باشتياق.
"وحشتيني أوي يا حنة، وحشتيني أوي."
"إنتي كويسة؟ مالك ليه جسمك بيرتعش كدا."
"أنا كويسة الحمد لله، خلاص كل حاجة بقت كويسة وهنعيش في الشقة اللي فوق شقة عيسى وهنبقى كلنا عيلة، محدش هيقدر يأذيني طول ما أخويا معايا."
قال عيسى بهدوء:
"محدش هيقدر يأذيكم طول ما أخوكم معاكم."
قالت حنة بامتنان:
"مش عارفة من غيرك كان اللي ممكن يحصلنا، ربنا بعتك لينا منقذ حقيقي هفضل شايلة جميلك دا طول العمر يا عيسى."
"لسه بقول عليها أختي ودي تقولي جميل! قومي، قومي خدي فردوس الأوضة هي تعبانة شوية خليكي معاها هتفضلوا فيها لحد ما الشقة تتنضف."
تحركت فردوس مع أختها واتجهت زمرد تساعدها فقالت فردوس بمزاح:
"تعالي يا مرات أخويا ساعدي عمتك تعالي."
قالت زمرد بضحك:
"ع فكرة إحنا ولاد عم."
سألتها فردوس بصدمة:
"بجد! لا طب يبقى تعالي احكي لي بقى."
تحركوا ثلاثتهم للداخل، بينما في الخارج اتجه عيسى لخالد الذي وقف بمكانه لم يخطو لداخل المنزل احتراماً لأهله، ضمه عيسى باشتياق:
"وحشتني يا دكتور، إيه الغيبة الطويلة دي! تعال ادخل."
رحب به منتصر أيضاً ولكنه استأذن بالرحيل وتحرك بالفعل مغادراً المنزل.
"تعال اقعد."
"لا مش هقعد، خدني على أختي على طول، عايز أشوفها، أنا كلمت أبويا وأمي، هما خلاص على وصول، أنا هجيبها على ما هما يوصلوا."
سأله عيسى بهدوء:
"أنت تعرف دكتور شغال في الطب الشرعي اسمه سليم صادق مغاوري."
"أيوا.. أعرفه كويس، بس بقالنا فترة متواصلناش، يمكن أكتر من سنة."
قال عيسى بحيرة:
"مش عارف بس أعتقد إن زين كانت على تواصل معاه، عشان هي لما هربت راحت له و... وهو اتجوزها."
"اتزوجها! يعني إيه! طب لما هو لقاها أو هي راحتله ليه مكلمنيش!؟"
"جايز خافت يا خالد إنكم تخلـوه يرجعها وتضطر تتجوز الشخص دا و... في كمان حاجة عايز أقولهالك."
"إيه تاني؟!"
"أنا يعتبر لقيت زين بالصدفة، هي مكالمة متشفّرة معظم الكلام اللي فيها كان مش واضح.. دكتور سليم دا ليه عم اسمه سليم مغاوري تعرفه!"
"أيوا، زمان سليم قعد عندنا سنتين لحد ما عمه دا جه من برا وأخده، كان اسمه سليم مغاوري."
"دكتور سليم كان بيطلب منه يدور على أدلة في قضية قتل عمران، قاله إنه مش عايز أي دليل ضد اللي قتل له، لأن زين هي اللي قتلته."
"إيييه؟! إزاي يعني!"
"معرفش يا خالد، المكالمة مكانتش مفهومة، كانت متشفرة ودا أقصى حاجة قدرت أوصلها، أنا أساساً كنت براقب الدكتور عشان أوصل لعمه، لأن عمه دا تاجر مخدرات كبير."
"إيه المصيبة دي يا عيسى! أعمل إيه! وديني عندها خليني أفهم منها ومنه."
أومأ له عيسى وبالفعل تحرك معه، وكأن المشاكل لا نهاية لها وحياة عيسى ومن معه مليئة بالمتاعب، الطريق طويل والصحبة قليلة فأصبحت الرحلة شاقة متعبة.
بعد عدة طرقات على الباب فتح سليم الباب وهو يعلم جيداً من الطارق، نظر له خالد بلوم وكانت نظراته أكثر من كافية لتمنع سليم عن الحديث واكتفى فقط بدعوتهم للدخول:
"اتفضلوا."
"أختي فين يا سليم!"
أتت زين من الداخل تنظر تجاه أخيها بأعين دامعة، لم تستطع إطالة النظر له فخفضت عينيها أرضاً ووقفت تنتظر عقابه على فعلتها.
اقترب خالد يقف أمامها ينظر لها بتأنيب وصدق صوت صفعة قاسية وقعت على وجنتها ثم سحبها لصدره يضمها باشتياق وحزن وآسى لأجل حالهم.
"والله ما كنت هخلي الجوازة تكمل، مكنتش هسمح لهم، أنتي موثقتيش فيا يا زين."
كانت تأخذ أنفاسها بصعوبة بين يديه فأبتعدت تنظر له بأعين زائغة، حاولت التماسك وتشبتت بثياب خالد فأقترب سليم يأخذ بيدها يقول بارتباك:
"متقلقش... هي بس... دا بسبب الحمل."
نظر خالد تجاهه بصدمة، هو لم يتخطى صدمة زواجها حتى الآن لتأتيه صدمة حملها، ماذا سيخبر أبيه!
قال سليم بهدوء مزيف:
"زين لما كلمتني قالتلي إنها مش هترجع تاني الأقصر و...."
قاطعته زين تكمل كذبته:
"سليم حاول كتير يقنعني إنه يكلمكم يا خالد بس أنا منعته وكان أسلم حل طبعاً عشان نفضل سوا هو الجواز، هو فكر كويس قبل ما يعرض عليا وأنا وافقت وبقالنا شهرين ونص."
"وجوزتي نفسك وكأنك ملكيش أب، كأنك يتيمة وهو بيعطف عليكي، وال بيه كان بيرد الجميل صح!! اتجوزك شفقة."
قالت بتعب:
"حتى لو سليم اتجوزني شفقة، لكنه في النهاية بيحترمني وبيقدرني، وجوازنا بالنسبة لي ناجح مش فاشل، أنا عارفة إني غلطت لما هربت بس أنا مكنش ينفع أتجوز ضاحي دا، إزاي النار دي هتطفي بين العائلتين بجوازة! ما أكيد مصيري معاهم كان هيبقى سواد، أنا مش أنانية إني اخترت أعيش يا خالد."
"إخترتي تعيشي بعد ما وسختي إيدك بيه!!! أنتي اللي قتلتي عمران يا زين؟!!!!"
"كان يستاهل."
"كان يستاهل بس مش بإيدك أنتي!!! إزاي قدرتي أصلاً تعملي كدا! وبعدين دا ميت بجرعة مخدرات!! جبتيها منين!!"
كانت الكذبات كثيرة ومتتالية ولم تكن تعلم بأنها ستكون بتلك الصعوبة، مع كل كلمة تنطق بها تشعر بثقلها على لسانها، يغزو الألم قلبها، تشعر بالذنب وحياتها الهادئة أصبحت مليئة بالذنوب فلم تجد أمامها سوى أن تبكي لتفرغ كل ما بداخلها.
تابعهـا سليـم بشفقـة فأقتـرب يقف أمامهم يقول بجـدية:
"خالد سيبني أنا أفهمك كل حاجة لأن زين نفسيتهـا تعبانـة و وضعهـا ميستحملش."
بدأ سليم في الحديث يراقبه كلاهما خالد وعيسى، شعر عيسى بكذباته ولكنه في النهاية لا يملك دليل قوي ضده وتأييد زين له جعله يتغاضى عن الحقيقة الكاملة ليترك الأمر لخالد يتعامل معه بطريقته.
وفي النهاية تمكن سليم بإقناع خالد بأمر زواجه من أخته وأن قتلها لذلك الشاب كان دفاعاً عن ذاتها وليس انتقاماً، وهروبها خوفاً من العادات وخوفاً من انتقام عائلة الشاب منها وليس لعدم ثقتها به.
"أنا مش هقول إن تصرفات زين كانت صح، بالعكس يمكن معظم قراراتها كانت غلط بس هي صغيرة، وكانت خايفة، وكانت قراراتها كلها في قلب الموقف مكنش عندها رفاهية التفكير، أنا كل اللي عايزة إننا ننسى اللي فات وأنا أوعدك إن أختك معايا في أمان واللي أنت شايفه اعمل يا خالد."
"هنسى إزاي! وال قضية؟!"
"متقلقش، محدش هيوصل لحاجة، أولاً مفيش أي أدلة ضدها، ثانياً لو فيه اعتبره اتبخر."
وقف خالد يبتعد عنهم قليلاً ليفكر بالأمر، ربما كل ما يحدث خطأ لكن زواجهم قد حدث بالفعل والجريمة قد انتهت ولا فرار الآن من العواقب.
اقترب عيسى يقف جواره يقول بهدوء:
"خليك مع أختك هي محتجالك، اتحطت في مواقف أكبر منها بكتير يا خالد وال عتاب دلوقتي ملوش داعي."
أومأ برأسه ثم التفت لسليم يسأله بضيق:
"ولا وجودي هيضايقك يا دكتور سليم!؟"
قال سليم بهدوء:
"البيت بيتك طبعاً تشرفني."
تحرك عيسى للخارج بعدما ودع صديقه وبقي الثلاثة بمفردهم فقالت زين بهدوء:
"هروح أجيب لك لبس تقعد بيه."
تحركت زين لغرفة سليم الذي لحق بها بعد دقائق ليجدها جالسة تأخذ أنفاسها بصعوبة فسألها باهتمام:
"مالك!!"
"مفيش حسيت بدوخة مرة واحدة، خد لو سمحت لبس لخالد.. كويس إننا نقلنا حاجتي كلها هنا بس أنا هفضل بالإسدال إزاي!؟"
"مش هينفع تفضلي بيه طبعاً."
"ومش هينفع أفضل من غيره، أنا ممكن ألبس تيشرتات وبناطيل من اللي كنت بلبسهم دول."
"أحسن حل إنك تلبسي من عندي، هتلاقي عندي تيشرتات بكم واسعة وهنقول إنك مستولية على دولابي وهزار وكدا."
"ماشي."
"إنتي مالك شكلك تعبان قوي لي كدا!! عرقانة ليه كدا!!"
قالت بدموع:
"أنا بطني بتتقطع.. وحاسة.. حاسة إني.."
صرخ بصدمة:
"إنتي بتنزفي!!!"
ويتبع...
آية محمد.
رواية عيسى القائد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية محمد
"أنا بطني بتتقطع.. وحاسة.. حاسة إني..."
صرخ بصدمة: "أنتي بتنزفي!!!"
لم ينتظر سليم وحملها يخرج بها سريعاً من الغرفة. نظر تجاهه خالد بتعجب تحول لصدمة عندما أدرك الأمر، فركض خلفه.
"في مستشفى قريب من هنا؟"
"أيوا.. خمس دقايق بالعربية."
نظر خالد لأخته بحزن، فأخذها بين يديه في الكرسي الخلفي للسيارة، بينما انطلق سليم بكل سرعته ليختصر الدقائق الخمس في دقيقتين أو ثلاث. ثم توقف أمام المستشفى.
ركض بها الاثنان للداخل، يضعاها على الفراش. لتسألهم الممرضة:
"حامل في الشهر الكام؟"
قال خالد بجدية: "إديها... واستعجلي دكتور النسا بسرعة."
"إزاي يعني مينفعش أديلها حاجة؟!"
اقترب الطبيب الخاص بالمستشفى يقول بجدية: "إديها الحقنة اللي قالك عنها. حضرتك تخصص نسا؟"
هز خالد رأسه نفياً وانسحب للخارج، يتركها مع الطبيب. وكذلك فعل سليم، الذي جلس بلا وعي وبعقل شارد، يخشى حدوث شيء يكشف الحقيقة.
***
عاد عيسى للمنزل وأخيراً يشعر ببعض الراحة. جلس بالخارج ليشعر بيد تمتد إلى رأسه، فانتفض مبتعداً ينظر خلفه ليجده زمرد. فقال بحدة:
"اتجنبيني أحسن."
تحرك تجاه غرفته، فتحركت خلفه تقول بحزن:
"عيسى أنا بجد آسفة والله مكانش قصدي أضايقك."
"اخرجي برا يا زمرد."
نظرت زمرد تجاهه بحزن، ثم تحركت للخارج لتجد هنة تساعد فردوس على الخروج من الغرفة. فاتجهت تساعدهم، ثم جلست جوارهم بآسي. خرجت زينات أيضاً تنظر لهن بغضب:
"إيه يا بت أنتي وهي البؤس دا!! مالك منك ليها؟!"
قالت فردوس بضيق: "مبدئياً كدا أنا عايزة تليفوني وعايزة هدوم عشان أنا هدومي دودت عليا خلاص."
أومأت هنة تؤيدها: "وأنا كمان، بفكر أقوم أروح شقتنا أجيب لبسها نلبس منه وكمان أنا محتاجة أشحن موبايلي و.. بصراحة أنا جعانة أوي."
قالت زمرد بابتسامة: "طيب أي رأيكم تدخلوا تاخدوا لبس من عندي وتاخدوا شاور كدا أكون عملتلكم شوية سندوتشات تتسلوا فيها على ما أحضر الغداء. ومتقلقوش هتلاقوا فيه لبس بالتيكت لسه جديد."
قالت فردوس بضحك: "قد إيه أنتي مرات أخ عظيمة!"
ضحك عيسى من خلف باب غرفته وهو يستمع لحديث أخته ومزاحها، فأنضم لهم يقول بهدوء:
"خدي الفيزا وانزلي هاتي اللبس اللي أنتي عايزاه أنتي وحنة. والموبايل هجيبهولك أنا."
أخذت الفيزا منه تقول بهدوء: "مش عايزة الفلوس قد ما عايزة أخوك ييجي معايا."
قال عيسى بفزع: "مستحيل... أنا أروح مع بنت وهي بتشتري لبس!! ليه اتجننت؟! مستغني عن عمري؟! طب دا أنا بروح مع ماما اللي هي أصلاً بتخلص مشوارها في محلين تلاتة وببقى بموت."
نظرت له فردوس بغضب وضمت يديها لصدرها تقول بعناد: "لا هتيجي معانا ولما نخلص هتعزمنا على العشاء كمان."
قالت زينات بابتسامة: "خلاص يا عيسى، هما يعملوا بردو زي ما زمرد قالتلهم وبعدين يتغدوا ويرتاحوا شوية. وبعد المغرب خدهم وانزل هاتلهم اللي هما عايزينه."
أومأ برأسه يقول بتعب: "حاضر، خلاص أنا هصلي الضهر وأدخل أنام. هحاول أنام."
تحرك عيسى للغرفة، فنظرت زينات تجاه زمرد تقول بـلوم:
"إزاي تسيبيه ينام برا أوضته؟! المفروض كنتي صالحيه في وقتها، يا بنتي متباتيش وجوزك متخانق معاكي، وطالما أنتي اللي غلطانة يبقى تصالحيه."
اقتربت فردوس تسألهم بفضول: "عملتي إيه يا خايبة تزعلي الواد الحليوة العسل ده منك؟!"
قالت زمرد بتعب: "متشغلوش بالكم يا جماعة أكيد هنتصالح. المهم تعالوا يلا أجيب لكم اللبس."
***
وكأن أنفاسها لا تزال بالمكان، توقف منتصر أمام خزانتها يأخذ ثيابها يضمها لصدره باشتياق. نظر حوله وكأنه يستمع لصدي ضحكاتها بالمنزل، كأنه بجواره.
ارتمى منتصر على فراشه بتعب وإرهاق، فهو لم يغفو تقريباً منذ يومين. ممتن بكل جوارحه لإرهاقه الذي دفعه للنوم بدلاً من التفكير والغوص بين ذكرياته. وقبل ذلك، أتته على هاتفه رسالة بصوت إشعار يعلمه جيداً، فصاح بغيظ:
"حسبي الله، يارب يا تريحني وتاخدني، يا تريحني وتاخده. استغفر الله العظيم."
فتح هاتفه ليقرأ الرسالة:
"العشاء عندي النهاردة. خدلك كام ساعة نوم وأصحي فوق وكلمني."
قرأها بعينين ناعستين، فترك الهاتف بلا إجابة وذهب في نوم عميق، لعله يريح جسده قليلاً.
في جهة أخرى، انتهت فردوس من ارتداء ثياب زمرد وهي تقول بضيق:
"أنتي رفيعة يا زمرد وأنا جسمي مليان، وأساساً لبسك مخنّع وأنا بحب الستر، مينفعنيش أنا هروح ألبس حاجة من عند خالتي زينات."
قالت هنة بآسي: "وأنا شوفولي إسدال، مينفعش ألبس كدا وعيسى موجود."
"ماشي يا هنة أنتي عندك حق، بس أنتي يا فيفي مالك البيجاما حلوة عليكي أهي!! وبعدين ما تحبي الستر دي حاجة جميلة بس أنتي في بيتك يعني."
أجابتها فردوس بابتسامة: "ماشي بس أنا لسه مش متعودة وكمان بقولك أنا تخينة عنك وأنا بحب اللبس أوفر سايز..."
"طيب بصي عندي كذا فستان بيت، نقي اللي يعجبك."
"أحرجتيني بكرمك والله."
ضحكت هنة على أختها حتى دمعت عيناها، واتجهت لها تضمها دون مقدمات. فربتت فردوس على رأسها بابتسامة تقول بمرح:
"قد إيه أنا أخت حنونة، للدرجادي متقدريش تعيشي من غيري، يا ترى مين كان بيحميكي في غيابي."
"الدكتور خالد، بجد هو أكتر شاب محترم قابلته، مهذب بجد."
سألتها فردوس بخبث: "مهذب.. امممم، ومال عينك بتطلع قلوب كدا؟!"
قالت هنة بصدمة: "قلوب إيه أنتي عبيطة!! لا طبعاً يا فيفي بطلي جنان."
نظرت لها فردوس بشك، وزمرد بجهل، بينما صاحت هنة بغضب:
"والله ما فيه حاجة، هو أنا لحقت أعرفه أساساً!!! هما كلهم على بعض كام يوم، ما أنا ممكن أقول عنك نفس الكلام."
تعالت ضحكات فردوس تنظر لأختها بسخرية وأجابتها بحنق:
"منتصر ده لو يطول يخنقني كان خنقني من زمان، وبعدين أنا حكيتلك إنه شوية وهيولع فيا. أنتي يا حبيبتي اللي كنتي بتتعاملي ولا كأنه خايف عليكي بجد، وأنتي بتتكلمي عنه بـؤبؤ عينيكي يبقى قد كدا. أما منتصر ده اللهم احفظنا، هو لولا بس حركة الجدعنة اللي عملها معايا لكنت زماني اتبليت عليه وقلت لعيسى إنه اتحرش بيا."
اقتربت زمرد تقول بشفقة: "عيسى مكنش هيصدقك أساساً لأن منتصر ده كان بيعشق مراته وهي لسه متوفية أول الأسبوع."
نظرت فردوس تجاهها بصدمة تقول بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني هو في عز حزنه وتعبُه كان بيحميني؟ يا ربي قد إيه كنت بايخة معاه!!"
ربتت هنة على ذراعها تقول بهدوء: "يا حبيبتي هو أنتي يعني كنتي تعرفي، ربنا يصبّره ويرزقه باللي تعوضه."
نظرت لها فردوس لدقيقة قبل أن تجيبها بهدوء: "ربنا يصبّره، أنا هاخد الهدوم وأروح آخد الشاور."
تحركت فردوس للخارج، بينما استأذنت هنة لاستخدام الحمام الخاص بغرفة زمرد.
وقفت زمرد تضع الثياب بمكانها وشردت بعيسى لتتنهد بحزن وهي تفكر ما يجب عليها فعله ليُسامحها. تحركت بيأس تجاه غرفته وفتحت الباب لتجده على فراشه يحاول النوم. فدَلَفَت ثم جلست بجواره. فأعتدل ينظر لها بملامح جامدة.
"أنا آسفة يا عيسى، اعتبريني عيلة... أو اعتبريني بنتك وغلطت وأنت فهمتها الصح."
نجحت في استمالة قلبه هذه المرة، فلم يغضب بل قال بهدوء:
"أنا محبش أبداً حد يعرف اللي بيني وبينك يا زمرد. بصي أنتي مراتي وأنا معجب بيكي. آه أكيد معجب بأدبك وأخلاقك وإنك قريبة من ربنا وإنك محترمة، ومعجب بيكي كـست زي القمر... الحقوق بقى والواجبات وكل الكلام ده أنا حاطه في مكان بعيد، بعد فترة. إحنا منفهمش أي حاجة عن بعض أصلاً، والإنجذاب اللي بينا ممكن يروح في أي لحظة. طيب ليه أنا أخدت أميال وأنتي خطوات لإنك ببساطة بشكل حرفي فتاة أحلامي. آه والله مش بهزر، أنا عارفك وعارف شكلك من قبل ما أقابلك، شايف الخصلة البيضا اللي في شعرك وحاببها من قبل ما المسها في الحقيقة. أنا حلمت بيكي كتير وصدقيني أنا مش فاهم تفسير ده إيه. أنا شفت شعرك قبل كتب الكتاب لكن وشك كان بعده، فأنا كنت مصدوم برغم كل شيء. عشان كده أنا مش حاسس إنك غريبة، مش حاسس إنك أول مرة تكوني جنبي. هو ده السبب... مش عشان براوغ ولا حاجة ولا الكلام اللي صاحبتك بتقوله. أنتي جيتي كملتيلي حياتي بوجودك، وزي ما قولتلك كمان قبل كده أنا مكنتش ضد الجواز عشان متعقد، أنا بس عشان الجواز مسؤولية حابب أكون قدها. ولما جيتي بيتي أنا حسيت إني مستعد للمسؤولية دي."
"هو أنا المفروض أقولك إيه بجد بعد كلامك ده!!؟ بجد أنا عمري في حياتي ما قابلت حد زيك، يتمشالك مليون خطوة يا عيسى."
"ياااه، كدا الواحد ينام وهو مرتاح البال."
"بس بردو على فكرة ده مش معناه إني مش زعلانة إن في أول جوازنا بيحصل كل ده ومش عارفين نخرج سوا. أنا بحب الخروج والله واتحرمت منه كتير بسبب الزفت اللي اسمه كريم المجنون ده."
"أهو مرمي في المخزن بتاع الشركة لحد النهاردة."
"ابعتوه مصحة ده مجنون بجد مش طبيعي، أنا ملحقتش أكملك أصلاً عمايله بسبب كل اللي حصل معاك."
وبرغم أنه تقريباً أخذ تقريراً مفصلاً عن حياة ذلك الشاب، إلا أنه أراد سماعها، فقال باهتمام:
"يلا احكيلي."
"آخر حاجة قولتها لما معرفتش أهرب منه ورجع تاني ربطني في الأوضة. ومكانتش المشكلة في كدا، أنا فضلت مربوطة طول الليل لحد ما سمعت صوت تنهيدات قوية، حد بيعيط وأنا طبعاً واثقة إني مفيش غيري في المكان. خوفت أوي ساعتها وأنا مش فاهمة وحاسة بالخطر حواليا والمشكلة إني مربوطة مش هعرف أساعد نفسي لا منه ولا من أي خطر تاني. هو كان خرج وقفل عليا. الأوضة كان فيها كرتونة كبيرة وفجأة لقيتها بتتحرك، الموضوع اتحول من فيلم أكشن لفيلم رعب. يمكن عشان أنا بحكيلك كدا باستهزاء شوية بس أقسم لك إني كنت بتشاهد وخلاص يا حاجة هتهجم عليا وأموت يا هموت من الخوف."
"مش ندمان إني خليت رجـالتي يروقـوه.. كملي."
"الكرتونة اتقلبت وخرجت منها بنت في نفس سني تقريباً، فقولت هو مهوس بيها وبيّا في نفس الوقت ولا هو بياخد كل واحدة يتهوس بيها شوية ولا إيه؟!!!"
"فلاش باك.."
"أنتي مين؟!"
"أنتي اللي مين؟!"
"أنا مخطوفة، المجنون ده خطفني، هو اللي عمل فيكي كدا؟! أنتي كمان مخطوفة؟!"
"أنا أخته."
"هو اللي عمل فيكي كدا!!!!"
"كريم عقله مش متزن، أنا حاولت أمنعه قبل ما يخطفك فعمل فيا كدا، بس هو والله مش واعي، صدقيني هو عقلياً مريض."
"أنتي كدا بتطمنيني يعني!! هتعرفي تخرجيني من هنا ولا لأ؟!"
"كريم بيبقى واخد حذره كويس أوي، بس لازم تحاولي تهربي."
"يعني إيه بيبقى واخد حذره!! ليه هو عمل كدا قبل كدا؟!"
"آه.. أنتي رابع بنت."
"أنا اللي هربتهم.. هو مش هيأذيكي بس مش هتعرفي تخرجي بسهولة من هنا."
"الأول كنت بخرجهم من غير ما يعرف بس لما كشفني عمل فيا كدا أنا كمان... هو بيخرج الساعة أربعـة بعد العصر دايماً في نفس المعاد وده الوقت الوحيد اللي هنعرف نمشي فيه من هنا."
"يعني هبات هنا؟!"
"للأسف أيوا، ويمكن تفضلي كام يوم على ما نعرف نخرج."
"مفيش أي تليفون؟!"
"لا."
"باك.."
سألها عيسى باهتمام: "وفضلتِ بايتة هناك؟!"
"آه.. مكنش فيه حل تاني."
"طب وبعدين؟!"
كادت تتحدث ولكن قاطعها دقات عالية على باب الغرفة، فخرجت لتجدها والدة عيسى تقول بهدوء:
"يلا أنا عملت الرز واستوى، جهزي السفرة بقي أنتي والبنات."
"ماشي يا ماما تسلم إيديكي."
اقترب منها زينات تسألها بفضول: "اتصالحـتوا؟!"
أومأت لها زمرد بابتسامة واسعة، فضحكت زينات بخفة تقول بسخرية:
"حماس الشباب، يلا ربنا يهدي سركم يا حبيبتي."
تحرك عيسى للخارج يتجاوزهم ينظر لوالدته التي قالت بضحك:
"شوف الواد بيبصلي إزاي مش عاوزني أعرف عنكم حاجة!!"
ضحك عيسى بسخرية والتفت لها: "لا وأنتي يا ماما بيستخبي عنك أي معلومة، ده أنتي زينات بردو."
"آه يا حبيبي زينات مش عاجباك ولا إيه."
"لا لا مقدرش أقول كدا طبعاً، يلا أنا هروح أنام."
قاطعته زمرد: "لا أنا هحط الأكل متنامش، عشان هننزل نشتري الحاجات بردو."
تابعها عيسى باقتضاب، فهو حقاً يكره مرافقة أي امرأة عند التسوق، يرى أن أمورهم دائماً تحتاج لتفكير شاق ومجهد. بالنسبة له فهو يختار ثيابه ويبتاعها في دقائق معدودة، قد تبدو متشابهة في أغلب الأوقات ولكنها تعبر عنه، عن ذاته وشخصيته.
بعد الانتهاء من تناول الطعام، بدل الجميع ثيابهم. وبالطبع انتظرهم عيسى في السيارة لأكثر من خمسة عشر دقيقة، ويعتبر ذلك في عداده الزمني وقتاً طويلاً للغاية يجعله يغضب عليهم. ولكنه عندما رأى حماس أخته ابتسم بهدوء وتحرك بالسيارة وسألهم:
"ها حابين مكان معين؟!"
أجابته فردوس بحماس: "أي مكان مش فارقة المهم يكون حاجة عليها القيمة كدا، إحنا دلوقتي بقينا عايشين في الزمالك يعني.. وكمان عايزة موبايل ده لو مش هخليك تعلن إفلاسك النهاردة يعني."
ضحك عيسى بخفة يقول بابتسامة: "فلوسي كلها تحت أمرك يا آنسة فردوس."
أجابته بابتسامة واسعة: "المقربين مني بيقولولي يا فيفي."
"وأنا من المقربين؟!"
"طبعاً ده أنت الشق.. الروح بالروح يعني."
سألها عيسى بصدمة: "شق؟!!"
***
ربما تظنها النهاية سيدي، ولكنها الحياة، تتأرجح ما بين سعادة وشقاء، أخذ وعطاء.
اقترب خالد يجلس بجوار أخته المتمددة على فراشها بملامح باهتة إثر ما مرت به. ثلاثة أشهر من الحزن، الهروب، العمل الشاق. بداخلها جنين من مجرم قتلته هي بنفسها. لا سلام أو أمان بداخلها. حتى عادت لها الحياة لتفتح أبوابها من جديد.
عاد أخوها وسيعود والديها وأصبح لها زوجاً أمامهم جميعاً، وبعد أشهر قليلة سيصبح زوجها بشكل رسمي كما وعدها.
"ربنا يعوض عليكم."
سألته زين بتعب: "بابا هيجي إمتى؟!! أنت قلتله يا خالد؟"
هز خالد رأسه بنفي ووضع يده خلف ظهرها يساعدها على الجلوس: "لا مقولتلش، وبصراحة قلقان من رد فعله يا زين. أنا بصعوبة قدرت أتفهّم اللي حصل، مش عارف بقى هو هيقدر ولا لا. بس أنا معاكي وهنعدي الفترة دي سوا."
"حياتنا ممكن ترجع زي الأول؟"
"قادر ربك يخرجنا من المحنة دي، خلاص كل حاجة خلصت يا زين والقصة انتهت وهنبدأ حياتنا كلها هنا من أول وجديد وهنسيبهم بقى هناك يضربوا دماغهم في الحيط عشان العادات الغلط دي هي اللي فرقتنا طول الوقت ده. أنا كل اللي عاوزه منك إنك تهتمي بصحتك وبحياتك الجديدة مع سليم وتنسي يا زين."
أومأت برأسها وهي تبكي، فضمها خالد بآسي بين يديه يخبـرها بصوت أقرب للهمس:
"أول ما تستقر أموري هنا هنروح لدكتور نفسي، موافقة؟!"
هزت رأسها من جديد تخبره بموافقتها، فربت على رأسها بحنان. بنفس اللحظة دلف سليم وهو يحمل بعض الأوراق بيده ليرى حدة الموقف، فقال بصدمة:
"خيانة!!"
نظر له خالد بضيق، بينما ابتعدت زين تمسح دموعها واقترب سليم يجلس على الجهة المقابلة لخالد، يشعر بأنه مفترض بأن يلقي بعض الكلمات الآن.
"متزعليش نفسك.. بكرة ربنا يكرمنا و.. و بعدين إحنا كنا عارفين إن الحمل ضعيف لسه وقدر الله وما شاء فعل. إحنا هنرجع البيت وهترتاحي وهتبقي كويسة."
برغم أن حديثه كان جيداً، ولكن لم يشعر خالد بالراحة تجاهه. ربما بسبب طريقة زواجهم، لا يحمل الاثنين حباً حقيقياً تجاه الآخر. ربما مجرد امتنان ورد دين.
"بقولك إيه ما تسيب زين معايا الفترة دي وبردو عشان ماما تاخد بالها منها. أسبوعين كدا ولا حاجة."
أجابه سليم بحيادية: "اللي زين حباه.. بس هو أصلاً أنتم هتقعدوا عندي في الشقة."
"لا.. أنا مأجر شقة أصلاً في نفس العمارة بتاعة عيسى واتفقت معاه من شوية."
"يعني إيه يعني أنا هتكلم مع أبويا عبد الشافي."
"والله لتقعد ساكت عشان أبوك عبد الشافي أساساً مش هيبقى طايق يبص في وشك. اصبر خلينا نعدي الموقف ده على خير بقى."
"على رأيك.. ربنا يستر."
قالت زين بهدوء: "أنا هروح مع خالد."
قال سليم بسخرية: "شوف باعتني في أول لحظة إزاي! خلاص يا ستي روحي معاه بس هما أسبوعين بس. هجيلك كل يوم بعد الشغل أطمن عليكي وأروح."
ربما كلاهما يحتاج لفترة الأسبوعين تلك لإعادة ترتيب أولوياتهما. في النهاية لا يعرف الاثنان بعضهما، ولم تره زين من سنوات طويلة ويكفيها ما مرت به ليأتيها الآن زواج وزوج لا تقبلهما. عليها الاستعداد للأمر نفسياً وتهيئة ذاتها.
***
"الله حلوة أوي البيجاما دي يا فيفي هاتيها."
"لا أنا بحب الحاجات الأوفر سايز، الحاجات الملزقة دي متعجبنيش."
"دي كيوت أوي والله هتبقى حلوة عليكي."
تسألت هنة بهدوء: "حاسة المكان هنا أسعاره غالية أوي، أنا بقول كفاية كدا."
أجابتها فردوس بضحك: "رخيص ولا غالي، أنتي أصلاً هما بيجامتين اللي أخدتيهم."
هي بالفعل تشعر بالحرج، برغم أنها تملك ما يكفي من المال لشراء ما تحتاج الآن، ولكن كان رفض عيسى واضحاً من البداية.
اقترب عيسى يقف بجوار زمرد يرى ما تحمله، ليهمس لها: "حلوة البيجاما هاتيها."
نظرت له ثم رفعت الملابس تجيبه بتفكير: "حلوة بس أنا عندي الاستايل ده."
"يا سلام؟! اومال فين بقى مشوفناش حاجة ليه؟!"
أجابته بحرج: "مهو أنا بتكسف، أصلاً طول عمري بلبس حاجات زي دي في البيت بس دلوقتي بتـحرج."
سألها بدهشة: "طول عمرك فين؟! في بيت أبوكي مع أخواتي؟!"
أجابته بتوتر: "لحد بداية الجامعة كدا بقيت ألبس واسع."
نظر تجاهها بضيق وغضب، حاول التحكم به أمام نظراتها الخائفة، تبتسم له بخفوت لتزيل التشاحن بينهما تقول ببراءة:
"لو عايزني آخدها هاخدها."
قال بضيق: "وعلى إيه سبتيها مع أخواتها.. أنا هروح أتجوز عليكي أحسن."
ضحك بسخرية وهو يتحرك مبتعداً للخارج من جديد. فظلت مكانها تنظر للفتيات بآسي حتى انتهوا من الشراء، ثم أخيراً انتهوا من التسوق، فقال عيسى بتعب:
"يدوب بقى، هنشتري التليفون لفيفي ونشتري أكل ونروح عشان منتصر هيتعشى معانا النهاردة."
تحرك عيسى وخلفه فردوس تبتسم وهي تحمل الحقائب، وخلفهم هنة وزمرد، الذي تابعت بقية اليوم بصمت وهي تفكر بأمر ما أثار الذعر بداخلها.
وأخيراً عادوا للمنزل بعد ساعات من التسوق. التقى عيسى بخالد أمام الباب الخارجي للمبنى السكني الخاص به. وداخل السيارة كانت تجلس زين بالخلف وسليم الذي فتح الباب ثم اتجه يلقي التحية.
"عايز المفتاح يا عيسى بعد إذنك."
أخذه عيسى وتوقف به بعيداً عنهم يسأله بتعجب: "مش قلت هتقعد عند سليم لحد ما حد يجي ينضف الشقة؟!"
أجابه خالد بتعب: "أهلي خلاص على وصول وكمان زين خسرت الجنين بسبب الضغط النفسي اللي حصل، فأنا هخليها معانا هي. لما هتكون في وسطنا هتكون أحسن. مش مشكلة أنا بكرة الصبح هشوف حد ينضفها."
"لا خلاص متشغلش بالك، أنا كدا كدا كنت هشوف حد للشقة اللي قصادك هتقعد فيها حنة وفي في، فهخليهم يبعتوا كذا حد. اطلع وأنا هحصلك بالمفتاح."
"شكراً يا عيسى على وقفتك جنبي."
"لا على الشكر، فأنا كدا هشكرك على حاجات كتير يا صاحبي بس أنا بقول مفيش بينا الكلام ده. اطلع يلا وخلي بالك من اختك."
"تسلم يا صاحبي."
تحرك خالد للداخل يساعد زين على الصعود، وبالخلف تحرك سليم يحمل أغراضها.
تابعته هنة باضطراب وضيق، فهو لم يلقي عليها التحية حتى!! لم تعلم بأنه سيسكن معها بنفس المبنى، فلم يخبر عيسى أحد بالأمر. تفاجأت قليلاً ولكن بداخلها جزء يشعر بالراحة وربما السعادة الخفية أيضاً.
بعد دقائق من وضع الطعام على السفرة، وأخيراً رن جرس الباب معلناً عن وصول منتصر، فاستقبله عيسى الذي يعلم بأنه ربما لم يتناول الطعام من ساعات ولن يتركه هو لوحدته والجلوس للبـكاء. ربما يرى البعض أن أسلوب عيسى خاطئ، ولكنه خير من يعلم صديقه.
بالطبع كانت والدة عيسى في قمة سعادتها لرؤيتها لابنها الذي لم تلده يجلس جوارها على طاولة الطعام، فوضعت أمامه ما يكفي لأيام. ربما تتابعه أعين كالصقر تتربص لكل حركاته. للمرة الأولى ترى ذلك الحزن التي غفلت عنه من البداية. ربما أحب زوجته كثيراً. كم كانت محظوظة تلك الزوجة!! كثيراً ربما.
ضربتها زمرد بخفة في قدمها لتبعد عينيها عن منتصر، وعيسى يتابع ما يحدث بهدوء شديد. هو بداخله يتمنى أن يتزوج منتصر بأخته، فهو لن يأمن لها مع أحد مثله، ولكنه مؤمن بالنصيب. النصيب نفسه الذي جعل زمرد زوجة له.
"متغيبش عني يا منتصر ابقى تعالي واسأل عليا."
"حاضر يا خالتي.. يلا سلام."
وها هو يعود لمنزله. جلس عيسى بجوار والدته وأخته الشاردة، وقد تركتهم كلاً من هنة وزمرد منذ قليل.
رن هاتفه، فنظر ليجدها زمرد، فتعجب لذلك ثم تحرك لداخل غرفته ليجدها تقف بإنتظاره، فسألها بدهشة: "في إيه؟!"
"شايف الصورة دي؟!"
"دي جثة مين دي؟!"
"دي جثة واحد اتجوز على مراته."
فتح عينيه بصدمة ثم تعالت ضحكاته وهو يقترب منها يسألها بخبث: "طب وإيه علاقتنا بيه؟!"
"أصل صورتك هتنزل جنب صورته قريب لو كررت اللي أنت قلته ده."
ضحك عيسى من جديد وهو يسحبها تجاهه يسألها ببراءة مصطنعة: "وهو أنا قولت كدا ليه؟ عشان عرفت إن ولاد عمك اللي هما أخواتي عارفين شكلك وحافظينه كمان."
"أنا قولتلك أنا مش منتقبة من كتير، وبعدين دول زي إخواتي مينفعش تغير عليا منهم."
"طب ما هنة زي أختي."
"آه هنة اللي أنت كنت ناوي تتجوزها."
"كانت لظروف معينة، قوليلي بقى كنتِ بتتصلي بيا عشان كدا بس؟!"
"لا عشان فيه حاجة عايزة أقولهالك، بصراحة كدا.. فيه شاب.... يعني.. هو.."
سألها بحدة: "شاب مين؟!!!!!"
"فيه شاب اسمه عيسى وأنا بصراحة كدا معجبة بيه، هتساعدني أقوله؟!"
ابتسم بخبث يجاريها في الحديث يقول بتفكير: "امم... رأيي خليكي دايركت وقوليلهاله في وشه على طول، وهو مستحيل يرفض بنت زي القمر زيك كدا."
ابتسمت زمرد بخجل، فأقترب عيسى منها، ولكن قبل أن يتمادى في الأمر انتفض على صوت طرقات عالية على باب منزله، فخرج سريعاً ليجده منتصر قد عاد من جديد:
"في مصيبة يا عيسى..."
رواية عيسى القائد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اية محمد
"في مصيبة يا عيسى.. أبوك مش ناوي يتهد!! بكرة عاوز يهرب مجموعة من البنات برا مصر و... لازم نتحرك دلوقتي عشان في حاجة كمان."
اشتـدت عروقـه و تغيـرت ملامح وجهه الهادئـة لتُصبـح أكثـر جـديـة. تحـرك للداخـل ليُبـدل ثيـابـه، ثم خـرج سريعـا يقـول بنبرة أمر: "فيفي.. محدش يخطـي برا باب البيت."
أومـأت فـردوس التي وقفت في الزاويـة تستمتـع لما يحـدث، ثم إنتفضـت علي صوت إغـلاق عيسـى للبـاب. أصبحت الأجواء مضطربة ومتشاحـنة، فأرتصت الثلاث فتيـات بجـوار بعضهـن البعض وأمامهـن زينـات التي قالت بتعب: "حسابه مع ربنا هيكون عسير، قومـوا يا بنات ناموا بلاش شد الأعصاب ده."
انتهـى اليوم المُرهق وأخيـرا. ربما بتلك الفترة أصبحت أيامهم جميعهـا مُرهقة، ولكنها بالنهاية أيام و تمـر.
كان الليـل طويـلا بـعدما انتظـره الجميـع لينعمـوا ببعض الراحة والسلام، وجدوه كغيـره، لم تغـفو أعينهم حتي.
خالد، زين، عيسى، زمرد، منتصر، فردوس، وحتـى حنة. كان النائم الوحيد بتلك الليلة هو سليـم. فبرغم كـل شئ سيئ حـدث، فإجهاض زين أزال الكثير من العقبـات أمامهـم.
هو بالفعـل يُحبهـا.. زين. ولكنه عندما أخبرها بذلك، كان استمتاعه منه لإقناعهـا بالمثول لرأيه. فهو يرغب حقـا في مساعدتها. يكفيـه ما رآه والده "عبد الشافي" من الأسى مع ابنته الأكبر، ذلك الحادث الأليم ووفاتها بعد ذلك. يكفيـه ذلك الرجل من الألم، لن يدعه يتألم من جـديد. في النهاية، زين ليست فتاة سيئة، بل هي أكثر من رائعة، فقط ما تمر به هو السئ. يحبهـا، ولكن لأجل ما فعله والدها معه، حب إنسـاني.
في الصبـاح البـاكر.
كـان كـلا من عيسـى ومنتصـر الشارد بجـواره، على مقـربة من منطقـة حصـار الفتيـات المفترض خروجهن بعد نصف ساعة. خلفهم عدد كبيـر من الحراس، ثم انضم بعدهـا قـاسم وعدد من رجال الشرطة.
ثم وأخيراً ظهر المُخبر الخاص بهـم، وقد وضعه عيسى بين رجال والده ليمدهم بالمعلومات المطلوبة.
فاق منتصـر من شروده يسأل عيسى بملامح جامدة: "هتحبس أبوك!"
قال عيسـى بسخريه: "أنا معرفش يعني إيه أب."
أقتـرب قاسم من عيسـى يقول بجديه: "سيبلي الأمور من هنا يا عيسى."
سأله عيسى بتجاهل: "قدرت توصل مين اللي وراه!"
أجابـه قاسم بتعب: "من إمبارح وأنا بحاول. كل اللي وصلتله إنه راجل خليجي تقيل، ملهوش أي سجلات تبع الداخلية. بيجي مصر كل فترة تحت مسمى السياحة."
"وإزاي بيقدر يخرج البنات!؟"
"يا عيسى هو شغال على الخفيف، بياخد بالخمس أو ست بنات بس بجوازات سفر مضروبة. بس على الهادي كدا عشان محدش يكشفه."
"مهو ستة الشهر ده وستة كمان شهرين، يعني دي مهزلة بتحصل وللأسف أنتم نايمين على دماغكم يا حضرة الظابط. أنت بتعمل إيه!! أنا اللي بوصل لكل حاجة وأنت مكانك قاعد!!"
"يعني إيه قاعد مكاني!! الجريمة مبتنتهيش يا عيسى ومبتخلصش. في اليوم اللي بتخلص فيه من كيان بيظهرلك كيان غيره. الضلمة في البلد أكتر من النور يا عيسى بيه. وبعدين أنا لسه ماسك القضية من يومين بس واللي أنت عملته هو جزء من مهمتك مع الشرطة اللي أنت بنفسك اخترتها من سنين."
تقدم منتصـر يقف بينهـم يقـول بحده: "مش وقته الكلام ده.. خلونا نركز على اللي إحنا جايين علشانه."
تـوقفـوا عن التشاحن وانتظـروا لدقائق حتى استطـاعوا رؤية أحد الأفراد من على مسافة بعيدة يتحرك لخارج ذلك المبنى الذي وضعت به الفتيات.
تحـرك عيسـى ومنتصـر برجالهـم، وبقي قـاسم ينتظـر اللحظة المناسبة لـهجمـه الأخيـر.
كم كانت تلك اللحظة قاسيـة على عيسى، ولكنه لم يستطع سوى الشعور بالغضب والكـره الذي كتمه بنجاح في داخله وأظهر البرود التـام وهو يقف أمام والده يقول بسخرية: "مجدي!! مالك كدا متلهوج لتكون بتعمل مصيبة؟!"
نظر مجـدي تجاه عيسى بصدمة، فتلك هي المرة الأولى التي يلتقي بها بعيسى منذ سنوات طويلة. اللقاء المنتظر بين الابن وأبيه قد آتى وآخيراً.
"عيسى!! أنت إيه اللي جابك هنا! مش عملت اللي أنت عاوزه وخدت أختك!"
"فضلت عمري كله بتجنبك عشان لحظة ما هشوفك مش هعرف أرجع عن قراري إني أربيك. خلي الكل يشهد بقى عن ابن هو اللي هيعاقب أبوه عن كل عمايله السودة سواء فيه، أو في اخواته التلاتة أو في كل ست اتجوزها ورمـاها أو في اللي عملته في حنة واللي أنت عاوز تعمله وتكرره تاني مع كل بنت من دول!!"
ضحـك مجـدي يقـول بسخرية: "أو في اللي هعمله في فردوس!! مش تبارك لأختك يا عيسي، لسه مكتوب كتابها من نص ساعة."
أجابه عيسى بسخرية: "ودي تفوتني برضو يا مجدي!!! ما أنا عارف يا جدع و عارف كمان إن رجالتك دلوقتي وصلوا شقتي، متخافش في هناك اللي هيقوم معاهم بالواجب ويسقيهم شربات كمان."
برغم غضب مجـدي إلا أنه أجاب بثقة: "والله هتخبيها مش أنا اللي هجيبها يا حبيبي، جوزها اللي هيجيبها بالقانون، عادي أنا أبوها ويحقلي أجوزها."
"ابقى اقرا في القانون الأول يا مجدي وبعدين ابقى تعال كلمني."
ظل مجـدي يُراوغه حتى يستطيع حرّاسه تهريب الفتيات من باب خلفي، ولكن كان قاسم في استقبالهم. وتعالى صوت تبادل النيـران، وعلى أثره رفع مجدي سلاحه بوجه عيسى.
"صدقني أنا ورايا ناس تقيلة أوي!"
"وراك مين! الشيخ صبيح اللي جوزت بنتك لإبنه، متقلقش هما الاتنين دلوقتي مقبوض عليهم وقريب هتشرف معاهم في أبو زعبل. يلا بقى نزل السلاح ده بدل ما تلبس قضية قتل لابنك الغير شرعي وتبقى فضحتك بجلاجل على كل لسان، مش مقامك يا جدع تموت مشنوق بعد كل ده."
صاح مجـدي بحنق: "مش هسيبك يا عيسى، والشيخ صبيح مش هيسيبك وأوعى تفكر إن قضية تافهة زي دي اللي هتقعدني في السجن، بكرة أطلع وكله هيجي على أختك في الآخر."
ابتسـم عيسى يقول ببرود: "هنشوف يا مجدي، صدقني فردوس أنا خبيتها ورا سور كبير أوي، لو راجل وريني هتوصلها إزاي."
تحـرك عيسـى وأخيراً من أمامه، بينما أقتربت رجال الشرطة وقيـدوا مجـدي ومن معه لينتهي أمره بالذهاب للسجن.
قال عيسى بتعب: "عندنا اجتماع في الشركة كمان ساعة.. متتأخرش ثانية واحدة."
أومأ منتصر بهدوء: "أوامرك يا قائد."
"الباشا بعتني أرجعكم الشقة، بس هو قالي لو حابين تفضلوا في القصر براحتكم."
أقتربت زمرد تسأله بخوف: "هو عيسى كويس؟"
قال الحارس باحترام: "أيوه يا هانم متقلقيش، العصابة اتقبض عليها والباشا اتحرك على الشركة، وقالي أبلغكم بالرسالة دي."
قالت زينـات بهدوء: "إحنا هنرجع الشقة يا ابني."
"أوامرك يا ست هانم.. هستناكم."
تحـرك الحـارس للخارج، فعادوا للجـلوس من جـديد كما فعلوا طوال الليل بجوار بعضهم البعض تواسي كلا منها الأخرى.
أقتربت زمـرد من فردوس تُمسك بيدها: "لعله خير يا فردوس، المهم إنك بخير يا حبيبتي ولحقنا الموضوع، متتعبيش نفسك وسيبي أمورك لله."
كانت فردوس شاردة، فرفعت عينيها بتعب ترى الجميع يواسيها. هي التي اعتادت على رسمة البسمة على وجوه من حولها. تجولت بعينيها في صالة القصر الواسعة تقول بحنق: "يعني عيسى عنده القصر ده كله ومقعدنا في الشقة دي!"
ضحكت زمرد ثم أجابتها بحنان: "المكان ما يهمش في حاجة، المهم إننا مع بعض يا فيفي، وصدقيني الشقة مريحة أكتر من القصر بكتير. يلا قومي نروح ننام كلنا تعبانين."
"بقولك إيه يا زمرد بما إنك تعرفي إخواتي التانيين ممكن تكلميهم عاوزة أشوفهم."
"حاضر عيوني ليكي، يلا قومي."
ثلاثة من السيارات المليئة بالحراس المدربين على أعلى مستوى، أمامهم سيارة وخلفهم سيارتين. كل ذلك لأجل حمايتهم.
شعور رائع هو، العودة للمنزل.
خطـت فردوس للداخل وألقت جسدها المُرهق على الأريكة تتخذهـا فراشاً للنوم. فأغلقت زينات الأضواء وتركتهـا لترتاح، بينما ذهبوا بقيتهم لغرفهم.
في الطابق العلوي كانت عاملات النظافة تعمل بكل جهد لتنظيف الشقتين. كانت بدايتهم في شقة فردوس وحنة كما طلب منهم خالد، فهو الآن في وضع لا يُحسد عليه.
"بابا ارجوك أنت مقولتش أي حاجة من ساعة ما وصلت، قولي بتفكر في إيه!"
قال عبد الشافي بتعب: "الناس هتقول أختك هربت مع واحد يا ابني."
"ناس مين يا بابا!! خلاص إحنا مش هنرجع تاني الأقصر ولا بلدنا، وحياتنا هتبدأ من هنا، من المكان ده. أنا كلها أسبوع وهمضي عقد إيجار الشقة مع عيسى، وزين هترجع لبيت جوزها وحياتها بس بعد كام يوم لحد ما نفسيتها تتحسن من اللي حصل. سليم قالي إنه هيحاول ياخد أجازة أول ما ترجعله البيت. صدقني كل حاجة هتكون كويسة."
قال عبد الشافي بحيرة: "أنا كنت شايل مبلغ لجوازة إخواتك البنات يا خالد، خد نصه حطه باسم زين في البنك والنص التاني هفتح بيه مكتبه عشان أساعدك في المصاريف."
"فكرة حلوة أوي يا بابا، أنا هاخد خطوة في الموضوع ده ولو عليا متقلقش إن شاء الله هشتغل برضو قريب في مستشفى كويسة. بس دلوقتي زين محتاجـاك أوي يا بابا، ادخلها طبطب عليها وقولها كلمتين."
أومـأ عبد الشافي برأسه وتحرك للداخل وخالد خلفه. بالطبع لم يخبره بأمر القتل وإلا لفقد والده أعصابه بالكامل. اكتفى بالتفاصيل القليلة فقط.
كانت على الفراش، في أحضان والدتها التي تشبثت بها، فهي استعادت جوهرتها الضائعة. تحرك عبد الشافي تجاه الجهة الأخرى من الفراش يجلس بجوارها في صمت. فنظرت له زين بأعين دامعة، فأخذها عبد الشافي بين أحضانه لتنفجر بالبكاء تفرغ كل ما بجعبتها، كل الأسى والمصاعب التي واجهتها، كل الألم بدأ في التبخر. لم تكن فقط عائلتها التي عادت لها، بل الحياة. تتمنى لو تخبرهم بالحقيقة، ولكن بعض الأمور من الأفضل أن تندثر تحت التراب.
"ربنا هيبعتلك تاني يا حبيبتي عيال يملوا عليكي الدنيا. والواد سليم ده حسابه معايا عسير، إزاي يهـاودك في الجنان ده!! وهو أنتي فكراني هسلمك ليهم ولا إيه! أنا يا بنتي عمري ما كنت هقدر أعمل كدا، أنام إزاي وأنا مش متطمن عليكي، أنا يا بنتي دُقت في غيابك ده وجع أكتر من اللي دُقته في موت أختك، على الأقل أنا عارف إن أختك راحت للي خلقها، قلبي حاسس إنها في نعيم الجنة. إنما أنتي كنت خايف عليكي من الدنيا أوي."
"وأنا كنت مرعوبة وأنا لوحدي، مكنتش عارفة أصلا إزاي هكمل حياتي من غيركم يا بابا."
"الحمد لله إن ربنا بعتلك سليم. اللي عملته زمان جنيته دلوقتي، بس كان أولى يكلمني يا بنتي."
ارتبكت فقالت بكذب وهي تشعر بالحزن لفعلها ذلك: "أنا اللي أصرت، سليم مكانش عنده حل غير إني أفضل معاه عشان يكون متطمن عليا. هو كان خايف عليا من كل حاجة ومن كلام الناس اللي حوالينا برضو، فـقالي نتجوز وأفضل معاه وأنا وافقت بعد ما عرفت إن ده أحسن حل."
"حقك عليا أنا يا بنتي، أنا ضغط أهل البلد عليا عشان أوافق على الجوازة وخوفي على أخوكي منهم. مع إن إحنا أصحاب الحق وإحنا اللي من حقنا نخوفهم وندوس علينا، أنا سكت عشان ربنا رد حق أختك والظالم مات واتحرق قلب أهله عليه."
"خلاص يا بابا متجيبش سيرتهم، خلاص كل حاجة خلصت، خليني في حضنك بس نفسي أغمض عيني وأنام مرتاحة."
ضمها والدها يغمض عينيه هو الآخر بسلام. فقالت والدتها بهدوء: "ربنا يرجع الراحة لقلوبنا كلنا تاني. أنا هنزل أنا وخالد نشتري خضار وتخزين وهجيبلك فرخة بلدي تقوي قلبك كدا. يلا يا خالد."
قال خالد بابتسامة هادئة: "ماشي وهجيبلهـا مانجا نعملهـا عصير هي بتحبهـا."
"هنجيبـلها كل حاجة يا حبيبي."
قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
زواج، اتفاق، انجذاب، صداقة، حب.
علاقات متعددة والمسميات أكثر والوقت هو المتحكم في تطورها. وربما بعد مرور أسبوعين قد تتغير كل الأقدار. ربما بدايات جديدة أو نهايات أخرى!
كانت تسند بظهرها على قدمه بينما يجلس هو خلفها يحيطها بيديه. فقط يطالعها وهي تقرأ في كتابها الجديد الذي ابتاعه لها، يشاركها بالقراءة تارة و يعبث بخصلاتها السوداء تارة أخرى.
صرخت زمرد بحماس: "طلع صاحب البطل هو اللي معاه دليل البراءة، كان مخبيها عشان يعرضه في اللحظة الأخيرة. شوف خبيث إزاي مخلاش أي حد يعرف إنه معاه معلومة عشان ينقذ نفسه هو وصاحبه. هي بجد الصداقة كدا يا عيسى!"
"آه طبعاً.. كدا وأكتر كمان، يعني بالنسبالي خالد ومنتصر ممكن أفديهم بحياتي."
"طيب منتصر أنت اتعرفت عليه بأي شكل مش مهم، دلوقتي خالد اللي من الأقصر ده تعرفه منين!؟"
أجابها عيسى بإبتسامة: "في الفترة اللي خالد كان بيدرس فيها هنا أنا كنت بشتغل في كافتيريا الجامعة برضو جنب دراستي، هو أكبر مني فكنت بسمع دايماً نصايحه وبقينا أكتر من صحاب. بعد فترة واحد من دكاترة الجامعة شغلني في بيزنس خاص بيه وفي فترة قليلة كان بيعتمد عليا في كل حاجة تقريباً، بس أنا من جوايا مكنتش حابب اشتغل عند حد، كنت اكتفيت من خدمة الناس وعايز يكون ليا شغلي. ولما بدأت أموري كانت متيسرة، آه تعبت بس لولا كرم ربنا مكنتش عملت حاجة يا زمرد، أنا اتعوضت عن كل تعب السنين في الشغل ده والشركة اللي بنيتها بنفسي دي، عشان كدا بخاف أي حاجة تحصل تبوظه، وعايز ولادي من بعدي يكبروها أكتر وأكتر، عشان كدا شركتي اسمها آل عيسى."
قال بإبتسامة هادئة: "قولتلي قبل كده، يوم ما جيتلك الشركة فاكر!"
"لا مش عايز أفتكر اليوم ده، لما قابلنا الزفت ده اللي اسمه كريم."
فتحت عينيها بصدمة وسألته: "صحيح يا عيسى!! أنت عملت معاه إيه!"
"سلمته للبوليس هما بقى يقولوا مجنون ولا لا."
"أنا نسيته خالص بجد!! أنا كنت وعدت أخته إني مش هسجنه."
"بعد ما كان عاوز يموتك!!! كان عاوز يحرقك يا زمرد."
فلاش باك...
"لازم نتحرك دلوقتي حالا، هو قدامه نص ساعة ويرجع."
"بس الباب مقفول من برة!!!"
"في باب خلفي، بس أنا مش معايا المفتاح، هنحاول نكسر القفل ونخرج منه."
بالفعل تحركت الاثنتين تجاه ذلك الباب وتوقفن لثواني يبحثن عن أداة لكسر قفل الباب. من سوء حظهم فقد عاد كريم مبكراً هذه المرة وتفاجئ بهم يحاولون الهرب فصرخ بجنون: "زمرد!!!"
اقترب يمسك بيدها فصرخت بألم أثر قبضته القوية. تركها لتسقط على الأرض واتجه يأخذ أخته للخارج غاضباً. فسحبت يدها بضيق وهي تصرخ به: "كفاية بقى يا أخي!! كفاية جنان؟ آه أنت مجنون يا كريم، من ساعة ما مراتك طفشت بابنك وأنت عندك عقدة!! أنت بتعذب الكل وأنت فاكر إنك مش بتأذيهم وبتحبهم؟!!! كل واحدة منهم بتشوف فيها حاجة شبه مراتك تقوم تخطفها وأنا عشان أحميك زي الهبلة أهربهم بشرط محدش يشتكيك للبوليس، بس طفح الكيل خلاص!!! والجنان ده لازم ينتهي."
كانت تحاول إفاقته ذهنه الغائب ولكنها لم تعلم بأنها استحضرت أكثر لحظاته قسوة، ليشتعل الغضب وتثير الجنون أكثر ليقول بصوت هامس: "صح، الجنان لازم يخلص."
تحرك للخارج لدقائق، فنظرت الاثنتين لبعضهما البعض بقلق وخوف. خوف زاد واشتد عندما عاد مجدداً وهو يحمل إناء به سائل علمت من رائحته أنها مادة قابلة للاشتعال. أفرغه منه على ثلاثتهن، وزمرد فقط تنظر له بصدمة وقد بدأت صفحات السيناريو الأسوأ من تلك الدراما.
وبإشعاله للنيران وجدوا العديد من الأشخاص يقتحمون المكان. كانت النيران قد نالت من بعض ثياب زمرد وأصابت كتفها الأيمن. فـحملها أحد أفراد الشرطة للخارج لتجد والديها وعمار وعمر الذي اقترب يخلع جاكيته ويضعه عليها.
الشيء الوحيد الذي تذكرته قبل الإغماء هو نظراتها لذلك الحرق الذي أصاب جسدها الناعم.
باك...
"وبعد كده هرب.. وشوفته بقى في الشركة عندك."
سألها باهتمام: "طب والحرق ده كبير؟"
سألته بحزن: "يفرق معاك الموضوع ده أوي؟!"
سألها مجدداً بهدوء: "ممكن أشوفه؟"
بيدي مرتجفة رفعت يدها تكشف جزء من كتفها ليظهر أثر ذلك الحرق واضحاً. كانت تحاول وضع يدها لتخبئته ولكنه أمسك بيدها يقول بابتسامة هادئة: "لو كنت عارف إنك اتصابتي كان زماني مولع فيه مش اتصرفت بشكل قانوني."
طبع قبلة هادئة على تلك الندبة ثم ابتعد يتحرك للخارج يقول بهدوء: "هروح أتكلم شوية مع فيفي قبل ما نروح القسم."
أومأت بهدوء وخجل ثم تحركت هي الأخرى للخارج خلفه لتنشغل بأعمال المنزل وعقلها وربما قلبها أيضاً ينشغل به فقط وبالتفكير به.
بالأعلى التقى عيسى بسليم، والذي بات يتردد كثيراً على منزل خالد حيث أقامت زين طيلة الأسبوعين الماضيين. صافحه عيسى بهدوء ثم التفت يدق باب الشقة المقابلة، فخرجت له فردوس بعد قليل وكانت قد ارتدت ثيابها استعداداً للذهاب لقسم الشرطة. فسألها عيسى بهدوء: "جاهزة، عارفة هتقولي إيه كويس؟"
أومأت برأسها. وقبل أن يتحدث عيسى قالت بهدوء: "متقلقش يا عيسى، أنا معنديش ذرة مشاعر ناحية الراجل ده، أنا يمكن بكرهه أكتر منك بكتير. أنا اللي عشت معاه فيكم وأنا اللي عانيت أكتر واحدة، فـكرهي ليه أضعاف."
أخذ عيسى بيدها ثم تحرك للأسفل فلا داعي للحديث الآن. أخذها لمركز الشرطة وبعد دقائق كانت تجلس وأمامها والدها تنظر له بكره وأمامهم الضابط.
"أستاذة فردوس، الأستاذ مجدي بيقول إنه ملهوش علاقة بقضية البنات، وإن في الوقت ده كان بيتم عقد جوازك على خيري صبيح باريش... ده صحيح؟"
قبل أن تتحدث قال مجدي بتسرع: "أنا محتاج أقعد مع بنتي لوحدنا يا حضرة الظابط."
قبل أن يجيب قاسم قاطعته فردوس تقول بثقة: "مفيش داعي يا حضرة الظابط لأن الراجل ده كذاب. مهو يا فندم مش معقول الكلام ده وأنا ست متجوزة."
صاح مجدي بصدمة: "إيه؟!"
قالت فردوس بثقة: "دي حقيقة يا فندم، وزوجي برا معايا... الأستاذ منتصر علي إدريس."
ويتبع...
رواية عيسى القائد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اية محمد
"دي حقيقة يا فندم، وزوجي برا معايا، الأستاذ منتصر علي إدريس."
صرخ مجدي، يحتد ويعترض غاضباً:
"يعني إيه؟! وامتى؟! وإزاي من غير موافقتي، يا باشا، مينفعش البنت البِكر تجوّز نفسها من غير ولي، مينفعش من غير موافقتي."
أجابه قاسم بغضب:
"وكذلك، أنت مالكش الحق إنك تجوّزها من غير موافقتها يا مجدي."
قالت فردوس بهدوء وثبات:
"يا قاسم باشا، حضرتك الراجل ده بقالي كتير أوي معرفش عنه أي حاجة، وكمان أنا أخويا الكبير هو اللي جوّزني بصفتُه المسؤول عني طبعاً بعد ما أبويا اتخلى عني. فياريت القانون يقول رأيه في حاجة زي دي، البنت اللي أبوها سابها وجالها اللي يطلبها في الحلال تعمل إيه؟"
التفت قاسم تجاه مجدي يقول بحدة:
"أعتقد إني كدا عملت اللي أنت كنت عاوزه، برغم إنك اتخدت تلبس في القضية. صدقني يا مجدي، لبسك يعني لبسك. وبالمناسبة، أنا الشاهد الأول على عقد جواز المدام فردوس والأستاذ منتصر."
ابتسم قاسم بانتصار وهو يرى نظرات مجدي الغاضبة، فها هي الثغرة الوحيدة التي ظنها قد تُنجيه عرضته لخطر أكبر. لم يظن أنه سيتمكن من إقناع فردوس بالشهادة لأجله، فبرغم كل شيء هي الوحيدة التي عاشت معه. لم يعرف أن ذلك السبب كان أقوى دافع لها للشهادة ضده.
تحركت فردوس للخارج لتجد عيسى ومنتصر بانتظارها. نظرة سريعة مرتبكة تجاه منتصر، ثم وجهت عينيها لعيسى تقول بهدوء:
"الظابط عاوزك جوه يا عيسى."
أومأ عيسى برأسه وتحرك للداخل، بينما هي اقتربت تجلس مكانه وبجوارها يقف منتصر يستند بظهره على الحائط. كل منهما قد عاد لذلك اليوم من أسبوعين.
"ناوي يجوزها بكرة، وهو يقدر يعمل كدا يا عيسى، بس متقلقش، أنا كلمت قاسم وهنتصرف في الموضوع."
"وإن معرفناش؟! وإن عمل كدا؟! ساعتها فردوس هتعاني بنفس اللي حنة عانت منه!! اللي أنا لحد النهاردة مش عارف أثبت إنها كانت متجوزة!! وساعتها لا هبقى عرفت أحمي دي ولا دي."
"طيب اهدى، متفكرش بسلبية كدا وخليك عملي. أنا عارف إنك خايف عليها بس أنت عيسى القائد، والمرّة دي أنت موجود، متقارنهاش بحنة لأنك ساعتها مكنتش معاها."
"جواز فردوس هو الحل الوحيد. لازم تحط احتمالات كتيرة يا منتصر. ما ممكن يهربوا بكرة؟! يمكن يعرفوا إننا وصلنا للي هيعملوه فيغيروا المكان!! ساعتها..."
قاطعه منتصر بتعجب:
"أول مرة أشوفك خايف كدا يا عيسى!!! مالك؟ ده إحنا عدينا بأكتر من كدا بكتير."
أجابه عيسى بأسى:
"خايف عليها. أنا لا خايف من مجدي ولا من عمله، بس خايف تحصل حاجة أكبر مننا. متنساش إننا لسه مش عارفين مين اللي معاه المرة دي، ما يمكن حد أكبر من ما متخيلين، وساعتها تضيع بقي بعد كدا ده. الحل إني أجوزها فعلاً.. والنهاردة."
اقترب منتصر يجلس بجواره يسأله بتعجب:
"طب أنت عندك خطة في دماغك؟! يعني إزاي هتجوزها النهاردة؟! مين طيب؟!"
نظر له عيسى ثم صمت لدقائق، حتى استوعب منتصر، فصاح بحدة:
"أنا!!! بس أنا مش عاوز أتجوز.. أنا بحب نسرين ومش هينفع يكون في حياتي واحدة غيرها. لو اتجوزت أختك هظلمها يا عيسى."
"وأنا مطلبتش منك تتجوزها يا منتصر.. وممكن خلال الكام ساعة الجايين نكتشف إن مفيش حل تاني، وبردو مش هطلب منك."
تحرك عيسى بعيداً عنه، وظل منتصر مكانه حائراً، أي ساعات قادمة؟! فها هي تقترب من الثانية عشر. أعطاه عيسى كامل الحرية، ولكنه يشعر بنفسه مقيد. هو لن يتركها لهم في النهاية، ولكن! الزواج منها؟!!
كان عيسى يعاني من كثرة التفكير في تلك اللحظة، يخشى الإخفاق هذه المرة، فبرغم مروره بمواقف أكثر خطورة وقضايا أكثر تعقيداً، لكن عندما تعلق الأمر بعائلته بات أكثر صعوبة. يخشى مجهولاً لا يعرفه، فماذا لو كان ذلك الرجل الذي يعمل مجدي لصالحه أكثر خطورة مما يتوقع؟! ماذا لو تمكن حقاً من أخذ فردوس!!!
اقترب منتصر مجدداً، فهو لازال يريد المساعدة، ولكن ليس بهذه الطريقة. قال عيسى بهدوء:
"سليم مغاوري، واحد من أكبر تجار المخدرات في البلد. عارف ليه لحد دلوقتي محدش عارف يعمله حاجة؟! بعد ما قدرت أوصله وأعرف مكانه وكنا خلاص هنتحرك لحد ما عرفنا إن بيسنده حد تقيل أوي في الداخلية. قاسم قالي الناس دي فوق القانون وسحب نفسه من القضية."
"سحب نفسه من القضية ويعني إيه فوق القانون؟!"
"خلينا واقعيين يا منتصر، في حاجات كتير أكبر مننا."
"وأنت خايف من بكرة عشان كدا؟! عشان الموضوع يخص أختك."
أومأ عيسى برأسه بتعب، ثم وضع وجهه بين كفيه. نظر منتصر له باضطراب، ثم قال بشرود:
"قوم هات مأذون وأقنع أختك وتعالى."
رفع عيسى رأسه ينظر له بدهشة، ثم عبس وجهه يقول بضيق:
"لا.. اطلب إيدها بأدب."
تشنجت ملامح منتصر، ولكنه وقف يقول بحدة:
"بعد إذنك يا قائد بطلب منك إيد الآنسة فردوس، ربة الصون والعفاف."
سأله عيسى بحيرة:
"هنلاقي مأذون فين دلوقتي!!!!"
عودة للحاضر......
وقفت فردوس عندما رأت أباها مجدداً. يأخذه العسكري لداخل السجن من جديد. مر أمامها ينظر لها ولمنتصر بضيق، ثم ابتعد عنهما. وتخلصوا أخيراً منه ومن أفعاله التي كادت تحيل حياتهم لجحيم.
قال عيسى بهدوء:
"كدا خلاص.. يلا بينا يا منتصر، أنت هتتغدى عندنا النهاردة."
"يا ريت عشان بطني نشفت من أكل الشارع."
ابتسم عيسى وتحرك تاركاً الاثنين خلفه، فأشار لها منتصر بصمت أن تتحرك أمامه، فتحركت بالفعل وهي تشعر بالملل من ذلك الصامت، الممل، المقيت.
وكأنه تزوج من أنثى الغوريلا الغليظة، فبات يلعن حظه!!
أعطاه الرب فتاة أيقونة في الجمال مثلها هي، ألا يقيم الليل ليحمد ربه على مثل هذه النعمة؟! يا له من أحمق.
هكذا كانت تفكر فردوس، ولكنها قالت ببلاهة:
"عاوزة مفتاح شقتك."
سألها منتصر بتعجب:
"ليه؟!"
"كدا هبقى آجي أي وقت فاضية فيه أعملك أكل وأسيبهولك في التلاجة."
"لا شكراً، متعبيش نفسك."
"ولما أموت منك بسبب قلة الأكل أبقى اترملت في أول عمري!!"
أجابها بسخرية:
"أنا باكل، أفكرا، عادي، بس باكل من برا."
"وتتخن بقى؟! والعضلات دي تروح والهيبة تروح؟! يعني إيه أنا مينفعش جوزي ميبقاش رياضي ومهتم بنفسه، أنا موافقتش عليك من فراغ."
"آه يعني أنتي واخده شكلي وجسمي، دا إيه الاستغلال دا؟!"
قالت ببراءة:
"لا والله، عيسى قالي إنك طيب وغلبان، فقولت أكسب فيك ثواب."
ضحك منتصر واتجه يفتح لها الباب الخلفي للسيارة، فغمزته قائلة بضحك:
"لا وجنتل مان كمان."
جلست بالداخل، فالتفت لها عيسى يقول بحنق:
"يا بت بطلي تدلقي عليه، خليكي تقيلة."
"جوزي يا عيسى، هو حد غريب، بقوله أروح أعمله كام أكل مش راضي."
"تروحي فين يا بت!! مكنش كتب كتاب يعني، لسه يا أختي فرحكم بعد سنة ونص، يعني متخطييش باب بيته غير وقتها وبس."
"هروح لما يكون في الشركة."
"وأنا يعني مش واثق فيه!! أنا أقسم بالله ما واثق فيكي أنتي، اتهدي واتلمي يا فيفي، ماشي!!" قالها بحدة، ففضلت الصمت والتفتت تبحث عن منتصر الذي بقي بالخارج يفحص إطارات السيارة، ثم دلف وأخيراً يقول بهدوء:
"الفردة اللي الناحية دي مهوية شوية، فنبقى نعملها في الطريق."
أومأ عيسى برأسه وتحرك بالسيارة ليعود بها لمنزله، وأخيراً بعد انتهاء كل تلك الأحداث القاسية...
"مالك؟!"
سألها وهو يضع حقيبتها بالداخل، فأجابته:
"مش حاسة إن ينفع. أنا عارفة إني فضلت في البيت دا كتير، بس ساعتها كان الوضع مختلف بالنسبالي."
"زين.. وأخيراً بعد شهور أهلك بدأ يبان عليهم الراحة وحياتهم بدأت تستقر. بلاش نعمل أي تصرف يطلع منا يخليهم يشكوا فينا. عامة أنا وأنتي مش هنفضل لوحدنا... تعالي أدخلي بس، في حد عاوز أعرفك عليه."
تحرك سليم للداخل يبحث عنه، أخته الوحيدة وأقرب الأشخاص له، فهي صديقته ومؤنسه الوحيدة لسنوات طفولتهما وصباهما.
خرجت سلمى وهي تحمل بيدها معلقة الطعام الكبيرة، فتركتها على الطاولة واقتربت ترحب بـ زين:
"يا أهلاً وسهلاً، نورتي بيتك. إيه القمر دي يا سليم، وقعت واقف."
قال سليم بهدوء:
"دي سلمى أختي، جوزها مسافر شهر، هتفضل فيه هنا معانا. بصوا بقى أنتم الاتنين هتقعدوا في الأوضة الكبيرة بتاعتي وأنا هنام في الأوضة الصغيرة."
احتجت سلمى تقول بمزاح:
"إيه دا، هو أنا جيت أفرق الأحباب ولا إيه؟!"
قال سليم بابتسامة:
"لا طبعاً محدش يقدر، بس عشان أنا حاببكم تتعرفوا على بعض. بلا بقى استعجلي الغداء بالله جعان أوي ولسه هرجع المستشفى."
"يا حبيبي الأكل جاهز. ادخلي يا زين غيري هدومك، هكون حطيته على السفرة. وأنت خليك بقى بلبسك طالما نازل تاني."
أومأ برأسه، ثم ارتمى بجسده على الأريكة، وتحركت زين للداخل. جلست على الفراش بعدما أغلقت الباب خلفها، وبدأت في البكاء، تحاول كتم صوتها لئلا يسمعه أي منهما.
هي لا تريد هذه الزيجة أبداً. يبدو الأمر مريباً بالنسبة لها أن تتضطر للبقاء مع شخص لا يحبها أو تحبه، شخص تزوجها شفقة، تزوجها رداً للمعروف الذي قدمه والدها له ولأخته.
أين فارس أحلامها الذي ستحيا معه أجمل قصة من قصص العشق ويأتي ليأخذها من أبيها، بفستان أبيض فخم وزفاف كبير يجتمع به كل أحبتها. أين أحلامها، أين ذهبت وتبخرت!! ولأجل ماذا!! لأجل ذنب لم تقترفه هي!!!
"عيسى عازم النهاردة عريس أخته، صحيح والله موضوع جوازهم دا يخلي الواحد يستعد لأي حاجة ممكن تحصل. ربنا يوضع في قلب كل واحد فيهم الحب للتاني. هو أبوها هيتحكم عليها إمتى يا خالد؟!"
"مش عارف لسه معاد القضية يا ماما، بس يارب ياخد حكم كبير. الراجل ده شيطان."
"وأي شيطان، مش كفاية اللي عمله في أخته، لا كمان عاوز يكسب من ورا التانية هي كمان."
قالت والدته بأسى:
"والله ما حد صعبان عليا في كل الحكاية دي زيه، يا حبة قلبي. البت لسه صغيرة على اللي هي فيه ده. اتظلمت معاه وهي ملهاش ذنب. عارف البت حنة دي بتفكرني بمين؟!"
أجابها بهدوء:
"بـ نور الله، رحمها.. نفس هدوئها."
"عشان كدا بحب أقعد معاها. طول ما أنت في الشغل وأبوك مع العمال في المكتبة، بخليها تطلع تقعد معايا، بتساعدني في عمايل الأكل."
"طيب كويس، أهو لقيتي حد يسليكي. أنا أصلاً هيبقى عندي زحمة شوية في الشغل الفترة الجاية واحتمال أطبق يومين وتلاتة في المستشفى."
"ربنا يقويك يا حبيبي يا رب. متقلقش، أنا بقعد مع الست زينات شوية ومع البنات شوية، وحنة بتطلع تقعد معايا. هي لسه مرجعتش الشغل، عيسى قالها ترتاح شوية وهو هيشغلها طول."
"أحسن، خليها ترتاح. عملالنا غداء إيه صحيح! هروح أنادي بابا من المكتبة ونتغدى عشان أرجع المستشفى."
بالأسفل، دلف عيسى وخلفه منتصر وفردوس، والتفوا جميعهم بعد دقائق على طاولة الطعام، وبدأت زينات كالعادة تضع الطعام بكثرة أمام منتصر:
"أنت وشك خاسس كدا ليه؟!"
"فين الخسسان ده يا طنط، ما أنا زي الفل أهو؟!"
"وشك ممصوص، لا أنت مش عاجبني."
تنهد منتصر بتعب، ربما بامتنان أيضاً لاهتمام الجميع به خلال الفترة الماضية. وضعت أمامه فردوس بعض الطعام تقول بضيق:
"عشان تسمع كلامي."
ابتسم لها منتصر يقول بسخرية:
"والله أشك إنك أنتي اللي حطيتي الفكرة دي في دماغها. أنا مش خاسس، أنا باكل أصلاً أكل مليان سعرات، مش عشان قاعد لوحدي أبقى مبأكلش. أساساً أنا باكل مع عيسى في الشركة، اشمعنى هو مبتقولوش ليه كدا، أنتي اللي مسخناهم عليا."
كانت تجلس بجواره، فأقتربت تهمس له:
"هتجيب المفتاح ولا أسرقه؟"
أجابها بهمس:
"أقسم بالله أنا لولا عارف إن دماغك لاسعة كنت شكيت فيكي دلوقتي. أنا أخاف على نفسي منك."
قالت بهدوء كأنها تطمئنه:
"لا متقلقش، خلي عندك ثقة فيا. أوعى تخاف على نفسك وأنت معايا."
ضحك منتصر بسخرية، ثم أكمل طعامه تحت نظرات عيسى الغاضبة وابتسامة فردوس. شردت به وهي تتذكر تلك الليلة بكل تفصيلة بها.
"والله أبوك ده أعر حاجة حصلت في حياتنا، عاوز يبيعني!! طب والله لأبيعه اللي قدامه واللي وراه."
"اسكتي، ركزي في اللي بقوله... أنا دلوقتي شايف إنك لو اتجوزتي هو مش هيقدر ينفذ اللي في دماغك."
"وماله يا أخويا، بس هلاقيه منين عريس الساعة اتنين بليل!! أنت فاكرني جورجينا."
"مهو.. إيه رأيك في منتصر."
ضحكت تقول بسخرية:
"وماله، حلو والله، بس مش هيبلعني ده لو عشت معاه في بيت واحد."
"لا متقلقيش، هو لو خدتيه عليكي مش هيعملك حاجة."
أجابته بشرود:
"طب والله حلو، مش وحش. طول بعرض بعضلات، ومعاه مسدس، هبقى آخده أتصور بيه. خلصانة يا أخويا، أنا موافقة."
نظر لها عيسى بأسى، ثم تحرك سريعاً ليعود للجميع.
بعد جلسة لطيفة عائلية، تحرك منتصر أخيراً للخارج، فتحركت هي لتودعه. فالتفت يقول بهدوء:
"شكراً على الأكل يا فردوس، تسلم إيدك."
ابتسمت له أيضاً، وقبل أن تتحدث، أمسك بيدها ثم ترك لها نسخة من مفتاح شقته يقول بهدوء:
"أنا بكون في الشغل من الساعة 9 لحد الساعة 4. مش عاوز نكون هناك في نفس الوقت، مش عشان حاجة، أنا ميهمنيش كلام حد، أنتي مراتي، بس عشان عيسى ميتضايقش."
أومأت له برأسها بهدوء هذه المرة، ثم انتظرت ذهابه وعادت للداخل.
لم تنتظر كثيراً وتحركت في اليوم التالي تجاه منزل منتصر في تمام الساعة الثانية عشر. وقفت بغرفته تبحث عن الشيء الوحيد الذي أتت لأجله، صورة لزوجته العزيزة. ظلت تبحث بكل الغرفة ولم تجد شيئاً، حتى انتفضت على صوته يأتي من الخلف:
"بتدوري على إيه؟!"
"أنت إيه اللي جابك دلوقتي؟!"
"جاي أعرف السبب الأساسي لإصرارك على إنك تيجي هنا. هي ماتت يا فردوس، عاوزة إيه أنتي؟!"
قالت بهدوء وهي تتحرك تجاهه:
"عاوزة أعرف هي أحلى مني ولا لأ.. عاوزة أعرف أنت حبيتها ليه عشان أعرف أخليك تحبني."
"أنا لو كنت شايف إن الجواز بيقوم على الحب بس مكنتش عمري وافقت على جوازنا."
"ليه؟! عشان مش هتحب واحدة غيرها صح؟!"
قال منتصر بتعب:
"نسرين ميتة من تلات أسابيع. لو لقيتيني قدرت أنسى البنت اللي حبيتها لسنين واتجوزتها وعيشت معاها في البيت ده بالسهولة دي، يبقى اتوقعي مني أنساكي إنتي في غمضة عين. هي عارفة عني اللي أنتي مش عارفاه. هي اتقبلت فيا اللي أنتي عمرك ما هتتقبليه."
"خيرني، قولي وأنا هتقبل زيها وزيادة، عشان هي حست معاك بالحب وأنا حسيت اللي أكتر من كدا، بالثقة والأمان اللي عمري ما حسيته من قبل ما أقابلك أنت وعيسى."
قال بسخرية:
"هتتقبلي فيا إيه؟! إني كنت مدمن؟! ولا إني أمي رقاصة.. ولا إني مش عارف مين أبويا لحد النهاردة؟!
ويتبع...
آية محمد...
رواية عيسى القائد الفصل السادس عشر 16 - بقلم اية محمد
"هتتقبلي فيا إيه؟ إني كنت مدمن؟ ولا إني أمي رقاصة؟ ولا إني مش عارف مين أبويا لحد النهاردة؟!"
"عيسى قالي وأنا مفكرتش ثانية واحدة غير في موضوع الإدمان، لكن هو طمنّي وقالي إنه واثق فيكِ، وأنا كمان واثقة فيكِ."
ابتعدت فردوس وجلست تتنهد بتعب، ثم لثوانٍ استوعبت حال الغرفة فصرخت بتقزز:
"إيه دا؟ إيه المنظر دا؟ اتفضل امشِ يا منتصر عشان أنا ورايا هم ما يتلم هنا."
وبرغم تعمدها لتغيير مجرى حديثهم، إلا أنه اقترب يسحبها له، يقول بحدة:
"أنا ممكن أضعف وأرجع في أي لحظة، أنا نفسي مش ضامن وممكن أذيكي، ممكن مقدرش أحبك العمر كله. أنا مقدرتش أحمي نسرين ومش هقدر أحميكي."
أبعدت يده تقول بهدوء:
"أنا مش هخليك تضعف وهعرف أخليك تحبني، ونسرين ماتت عشان دا عمرها مش عشان أنت قصرت معاها. أنت حمايتي يا منتصر. أنا كمان على فكرة مريت بحاجات كتير، حاجات تخليني أخرج من الكتب الوردية اللي مليانة شموع باللون الوردي وأعيش في الواقع. أنا الواقع بتاعي مخليني مش شايفة غيرك أقدر أحس معاه بالأمان. دا مش حب لأني بقيت أشوف الحب ضعيف قصاد مشاعري ناحيتك."
ابتعد يسألها باستنكار:
"فين العقل دا من فردوس المجنونة؟"
"عمري ما كنت مجنونة، أنا شيلت أمي وأختي وأنا صغيرة يا منتصر، المسؤولية خلتني عاقلة وأقوى من الظروف اللي اتحطيت فيها. بس في النهاية أنا عايزة السند والضهر اللي أتحامى فيه."
عاد ليقترب منها مرة أخرى، ثم ضم وجهها بكفيه واقترب يطبع قبلة رقيقة هادئة وصادقة على جبهتها:
"أنتِ هتكوني زوجة هايلة."
وضعت يدها على جبهته تقول بضيق:
"وأنت جوز نص كم."
ضحك منتصر بشدة يدفعها بخفة:
"يا بنت الناس اتلمي شوية عيب بقى، دي قبلة بريئة لبنوتة هنعتبرها بريئة. المهم موضوع شغل البيت اللي أنتِ عايزة تعمليه دا مش عاجبني. أنا كدا كدا هشوف حد ينضف، هسمحلك بس بالأكل عشان طبيخك حلو."
"يا جدع والله ما في ست هتدخل هنا غيري، يلا روح شوف شغلك، عاوزاك تبقى ملياردير لو رصيدك في البنك قل هخلعك."
"مادية حقيرة صحيح."
"امشِ يا جدع بقى خليني أخلص، عيسى هيخلص عليا لو اتأخرت. يلا امشِ."
"حاضر. سلام."
تحرك منتصر للخارج وبقيت هي تساعده في الحصول على حياة أكثر راحة. هي ترى الأمر بعقل أكثر نضجاً وتفهماً، حتى هي اختارت خدمته بنفس راضية. كل شيء بداخلها يقودها تجاهه. منذ عُقد بينهما ذلك العقد المقدس، وهي تفكر في كل الطرق لاستمالته، حتى إن كانت ستجاهده لأجل حياة سعيدة جواره.
الأيام لا تتوقف والحياة تمضي. عيسى وزوجته زمرد، تلك الفتاة التي ظلت تأتيه بأحلامه لسنوات لتأخذ مكانتها بقلبه من قبل حتى أن يلتقي بها. وبعد أن وجدها وأخيراً جعلها زوجته وأخذها لبيته ليتقرب منها فتبتعد، حتى رأت بنفسها أن لا سلام سوى بجواره.
لم تكن ترغب به وهو أيضاً. لا يوجد حتى تجاذب بينهما. تشعر بقلة الحيلة والحزن، حتى باتت باهتة وضعيفة. أما عنه، فقد أنهك نفسه بعمله حتى تقل فترة جلوسه بالمنزل. يتركها مع أخته الوحيدة ويبقى في مشفاه بجوار الجثث يحدثها، لعل أحدهم تستفيق وتجيب تساؤله.
بعد مرور شهر كامل استقرت حياتهم من جديد. ابنتهـا وها هي تعيش باستقرار مع زوجها، وخالد يعمل في مستشفى خاصة براتب مُرضي. أما زوجها فأخيراً افتتح مكتبته الراقية، وتردد الزوار عليها ليأخذوا منها الكتب وغيرها من المستلزمات ليستريح فؤاد زوجها وقد وجد أخيراً مصدراً جديداً من المال، كافياً بالنسبة له ولزوجته. كل تفكيرها الآن هي تزويج ابنها الوحيد الذي أصبح عمره 35 وثلاثون عاماً ولم يعرف امرأة يوماً.
عاد منتصر لمنزله ليجده كالعادة نظيفاً ورائحته منعشة، بينما طاولته مليئة بطعام يكفيه وبالطبع رسائل فردوس التي باتت أكثر شاعرية هذه الأيام. هو لن يظلمها يوماً، ولكن في النهاية قلبه ليس ملكاً له، لا يزال يتذكر زوجته ويحبها. كثيراً.
"عيسى أنت نايم؟!"
أجابها بصوت ناعس:
"لا، بس هنام."
"أنا كنت عايزة أقولك حاجة."
"سامعك."
"مامتك كانت بتقولي إنها عايزة تشوف أحفادها."
"معلش ابقي قولي لها إن شاء الله وخلاص."
"لا مهو أنا كمان عايزة أشوف أحفادها."
التفت عيسى ينظر لها باستنكار وتعجب وسألها بحيرة:
"يعني إيه؟"
"عايزة أقول لعيالي إني بحب أبوهم."
ضحك عيسى يسألها بصدمة:
"إيه؟ دا أغرب اعتراف شفته في حياتي!"
ابتسمت تقول بهدوء وصدق:
"أنت أحسن حاجة حصلت في حياتي يا عيسى. أنا عارفة إني أخدت وقت طويل عشان أقول كدا بس أنا بجد بحبك."
تحرك عيسى بحماس كبير يقول بجدية:
"قومي غيري هدومك هننزل دلوقتي هوريكي حاجة في الشارع اللي ورانا."
سألته بتعجب:
"حاجة إيه؟!"
"قومي بس يلا أنا هروح أجيب العربية وهستناكي تحت."
تحرك عيسى للخارج بحماس وسعادة، وهي أيضاً تحركت سريعاً ترتدي ثيابها، ثم اتجهت للسيارة ليتحرك بها عيسى لدقائق قليلة، ثم توقف بها أمام أحد المحلات المغلقة. فسألته بتعجب:
"إيه دا يا عيسى؟!"
أردف بحماس:
"تعالي."
فتح عيسى الأبواب وتحرك للداخل وهي خلفه، لتتضح لها الرؤية بالكامل عندما أضاء لها عيسى المكان، يقول بابتسامة:
"صيدلية الدكتورة زمرد. إيه رأيك؟!"
التفتت زمرد تنظر له بصدمة واتسعت ابتسامتها تضحك بدون تصديق:
"دا! دا بجد؟ صيدلية بتاعتي أنا؟!"
قال عيسى بابتسامة:
"هي لسة مخلصتش، أنا كنت بجهز كل حاجة عشان أعرف أقولك كلمة بحبك كدا تكون محترمة. بس أقسم بالله ولا تيجي حاجة جنب الكلام اللي أنتِ قولتيه. والله وأنا كمان نفسي أشوف عيالي بقى."
ضحكت زمرد بخجل، فأقترب عيسى يضمها برفق يهمس بهدوء:
"أنا بحبك يا زمرد."
ها هي بداية في صفحات جديدة من كتاب الحياة الخاص بهم. بداية حياة جديدة، توبة جديدة. أقسم عيسى بداخله أن لا يعود لذنوبه السابقة، فبعدما أعطاه الله كل تلك السعادة لن يغضبه هو عمداً. بل تقرب أكثر طالباً المغفرة، والتفت لزوجته ووالدته وإخوته يهتم بجميع من حوله ويهتم الجميع به.
بعد مرور ستة أشهر.
في شركة آل عيسى.
"حنة جايلها عريس."
رفع منتصر رأسه لعيسى يسأله باهتمام:
"عارف موضوعها؟!"
هز رأسه نفيًا وأردف بحيرة:
"بفكر أكلمه كدا أقابله برا في كافيه ولا حاجة وأفهمه، وهو بقى حر."
تنهد منتصر يقول بضيق:
"عيسى إنت لازم تشوف حل جذري للموضوع دا. أكيد اللي اسمه كارم دا محتفظ بكل الأوراق بتاعة أبوه، بما فيهم ورقة الجواز دي."
"أنا قلبت الدنيا على الورقة. في واحدة من الخدامين اللي في بيتهم قالت لي إن كارم ولّع في ورقة الجواز دي عشان خاطر ما يكونش لحنة أي نصيب في الورث وكمان عشان يريحوا قلب أمهم."
"تفتكر مجدي كان معاه نسخة من الورقة؟ مهو مجدي مش غبي بردو وطبيعي يكون معاه نسخة عشان يضمن حقه."
"لا مجدي مش معاه حاجة. لو معاه كان هيساومنا عليها من زمان."
"الموضوع دا صعب أوي بجد ومتقفل من كل الاتجاهات للأسف."
"أصلاً حنة قايلاها صريحة إنها مش عايزة لا تقابل عرسان ولا عايزة تتجوز خالص، بس أنا تحت تهديد فيفي إني مسمعش كلامها."
ضحك منتصر بيأس على تصرفات زوجته المندفعة، فهي تفعل ما تريد دائماً، بطريقتها، بدون أي مقدمات، بدون تفكير بالعواقب.
سأله عيسى بسخرية:
"إيه اللي يضحك دلوقتي؟!"
"لا بضحك على فردوس بس. أنا فاضلي في الحياة شوية طاقة بيخلصوا عليها."
"بمناسبة فردوس بقى، إيه موضوع المصروف اللي أنت بتديها له دا؟ أنت تديها فلوس بتاع إيه أنت؟!"
"مش مصروف ولا حاجة، هي كانت داخلة جمعية وبعدين دلوقتي عشان مبقاش في شغل فهي قالت لي إنها عايزة تسد الفلوس بتاعتها. فأنا بقيت أديها كل عشر أيام تقريباً تدفعها وبزود لها شوية لو نفسها في حاجة. مش بصرف عليها يعني. وبعدين يعني إيه بتاع إيه أنت دي؟ دي مراتي!"
"دي مراتك بس مش في بيتك. الأولى كانت تطلب مني أنا."
"معلش تلاقيها اتكسفت."
"أولاً دي فردوس يعني مبتتكسفش. ثانياً هتتكسف مني أنا وأنت لا ليه إن شاء الله؟ أنا أخوها وأنت يدوب واحد كاتب كتاب يعني."
"آه والله أنا يدوب جوزها فعلاً. عيسى أنت عايز إيه دلوقتي؟!"
"متصرفش عليها يا حبيبي غير لما تبقى في بيتك. لسه قدامك سنة على ما تبقى تصرف براحتك."
قال منتصر بتردد:
"آه هو موضوع السنة دا مينفعش يبقى ست شهور؟!"
نظر له عيسى بتعجب تحول بخبث وهو يسأله:
"البت فيفي وقعتك ولا إيه؟!"
أجابه منتصر بضحك:
"لا مش كدا. هي بس قالت لي أتكلم معاك وأقولك نخليها ست شهور كمان بدل سنة. هي متعرفش إني أنا اللي حطيت المدة دي ومش عايز أقولها عشان متفهمش إني كان عندي مشكلة في الموضوع كله أصلاً."
"قولها إني رفضت."
"ليه؟!"
"أنت جاهز لحياة جديدة وجواز ومسؤولية وبيت؟ أنا عن نفسي لسه شايفاك بتحارب في اللي فات. أنا عارف إنك بتحترم فردوس وبتعزها وإنها بقى ليها مكانة غالية في قلبك، بس لما هي تسألك عن مشاعرك ناحيتها وتقول لها كدا هي مش هتكون مبسوطة. فيفي بتفكر في إنها لما تكون معاك هيكون ليها مساحة أكبر إنها تقدر تخليك تحبها زي ما هي باين عليها أوي إنها بقت تحبك لدرجة كبيرة. يمكن أنت أصلاً جيت تقولي كدا عشان متجرحش حبها دا. وأنا مش عايزك تعمل حاجة أنت مش مقتنع بيها مية في المية، خصوصاً لو هيبقى فيه ضرر على أختي."
"هي بتعمل كل حاجة عشان تخليني مرتاح، مش عايزاني أحس إني اتجبرت على الجوازة وأنا للحق بكون مرتاح معاها. فردوس شخص سلس مش معقدة بالنسبالي وبحس إنها دايماً فهمني. دمها خفيف وبتضحك طول الوقت بس بردو مش تافهة. فاهمني؟!"
أومأ عيسى بابتسامة هادئة ثم أردف بتعقل:
"ولكن بردو مردتش عليا. هل أنت اتخطبت ولا لا؟ وأنا طبعاً مش بطلب منك تنسي نسرين. أنا عايزك بس تصدق إنك ممكن تحب تاني عادي. وعامة أنا شايف إنك بتاخد خطوة بس متوافقش فيفي في النقطة دي بالذات. أنتم لسه محتاجين وقت."
تمكن عيسى من إقناع منتصر وبالفعل أخبر فردوس بذلك بعد أن عاد من عمله في مكالمة هاتفية انتهت بمشاجرة بينهما أدت لمخاسر كبيرة.
"والله خسارة فيك صينية المكرونة البشاميل اللي أنا كنت ناوية أعملها لك بكرة. عندك المكرونة ابقى قرقشها بقى. ولعلمك مفيش جواز بعد سنة، بعد خمس سنين ابقى كلمني ويا عالم هرد عليك ولا لا."
حاول كتم صوت ضحكاته وهو يسألها باستنكار:
"وإشمعنى خمس سنين يعني؟!"
"عشان يا بيه أنا قررت إني أشتغل وأحقق ذاتي وكاريري."
"كاريرك؟ دا هزار الكلام دا صح؟"
"لا مبهزرش، أنا قررت إني أرجع تاني أفتح الكافيه. أصلاً عيسى كتبه باسمي وأنا لازم أدير أموالي بنفسي."
"ما شاء الله بقيتي تقرري من دماغك ولا كأن ليكي راجل تسأليه؟!"
"لما أبقى في بيتك بقى ابقى أسألك."
أردف منتصر بحدة:
"لا مهو أنا مش خطيبك عشان تسمعيني الكلمتين دول، أنا جوزك ولازم لما تفكري في حاجة زي دي تيجي تتكلمي معايا، مش تيجي تقولي لي أنا قررت وأنت بقى رأيك في الزبالة ميهمنيش."
"بس أنا مقولتش كدا. طبعاً رأيك يهمني بس أنا مفكرتش إنك هتعترض وبالشكل دا. مش فاهمة يعني لو اتكلمت بهدوء هيحصل إيه؟"
"اقفلي يا فردوس وموضوع الشغل دا تنسيه."
أنهى المكالمة بضيق وهي كذلك. نظرت للهاتف بغضب وقبل أن تنفجر من غضبهـا، ثم تحركت لخارج المنزل حيث كانت بمفردها.
كان قرارها هو التجول قليلاً حول المنزل لتفريغ غضبها منه، وبدون أن تنتبه كانت تقطع الطريق لتصطدمها أحد السيارات.
سقطت أرضاً متألمة لا تشعر بمن حولها، ثم استسلمت للظلام الذي داهمها وأخفى عنها النور.
"إيه دي؟"
"ورقة طلاق. طلاقنا."
"لا ما أنا بعرف أقرأ يا زين؟ بس مش فاهم يعني إيه عايزة تطلقي؟!"
قالت بارتباك وهي تحاول تفادي النظر لعينيه مباشرة:
"أولاً يا سليم أنا ممتنة فعلاً للي أنت عملته معايا، أنت أنقذتني. مهما عملت عمري ما هقدر أوفيلك حقك. لكن أنا بقيت شايفة إن جوازنا دا خلاص ملوش داعي. أنا من الأول مش حاسة بأي مشاعر ناحيتك وكذلك مش حاسة منك بأي حاجة. يمكن لو أنا للحظة حسيت إنك انجذبت ليا أو في حتى مجرد إعجاب بيا كنت هتغاضى النظر عن مشاعري ومكنتش هقول الكلام دا. بس أنا بقيت حاسة إني بحرمك من إنك يكون ليك حياتك العاطفية أو الزوجية المستقلة. وعشان كدا أنا أخدت القرار دا ومستنية أسمع رأيك وهحترم قرارك."
"هتسمعي رأيي بعد ما كلمتي محامي أو مأذون وعملتي ورقة الطلاق ومضيتي عليها كمان؟ أنا كل ما بحاول آخد خطوة معاكي أنتي اللي بترفضي. قولتلك تعالي نسافر سوا. زين أنتِ حتى مبتقعديش معايا على سفرة الأكل! تجاذب إيه اللي هيحصل وأنا تقريباً بشوفك مرة في اليوم ساعة العشاء وبعدها تدخلي أوضتك وتقفلي على نفسك الباب! مع إني يوم ما قولتلك نتجوز قولتلك هيكون جواز طبيعي من غير أي شروط عشان صحة العقد. ست شهور يا زين ولحد النهاردة كل ما بفكر أجيب لك حاجة بقف محتار مش عارف أصلاً أنتي بتحبي إيه من كتر تجنبك ليا. رفضت الأكل كذا مرة وقولت لك طالما هتقعدي معايا يبقى مش هاكل وكنت بتدخلي وتسيبيني أضرب دماغي في الحيط. حتى يوم ما باخد إجازة بتقعدي ساكتة ومبتتكلميش. أنتي حتى وقت الأزمة نفسها مكونتيش كدا. بعد ما كل حاجة اتحلت وخلاص أهلك بقوا حواليكي وأخوكي بقيتي كدا."
كانت عيناه ممتلئة بالدموع وهي تستمع لحديثه، كانت قاسية بالنسبة لها. الأيام والشهور وكلماته، وبرغم ذلك لم تتغير ملامح وجهها كثيراً، باهتة فقدت حيويتها. أردفت بهدوء:
"وعشان كدا أنا شايفة إني أعفيك من كل دا أحسن وننفصل بهدوء."
"واللي أنا شايفه مناسب إنك محتاجة دكتورة نفسية، زي ما أخوكي قال لك قبل كدا."
"وأنا مش هقدر أحكي لحد وأفتكر كل دا. فخلاص أنت مينفعش تعيش مع واحدة من غير روح. أنا حاولت يا سليم والله حاولت بس مش قادرة. لا قادرة أخرج من اللي أنا فيه ولا قادرة أكمل معاك حياة طبيعية."
"يا زين أنا عايزك تبقي كويسة، وأنا مش عايز حاجة منك يا ستي خلينا صحاب، بس كلميني وعرفيني عنك وعن حياتك واعرفي عني حاجة غير أي الأكل اللي أنا بحبه وخلاص. أنا مش هضغط عليكي وعد مني بس حاولي واسمعي كلامي وسبيني أحجز لك عند دكتورة كويسة."
"طيب تعالي معايا."
"مين قال لك إني هسيبك أصلاً؟ هكون معاكي في كل سيشن هتروحيها بس توعديني متقوليش الكلام دا تاني. أصل عيب يبقى قدامي بنت زي القمر كدا ومعجبش بيها دا أنا أبقى عبيط بقى."
ابتسمت له بهدوء لمجاملته، ثم اقتربت تأخذ الورقة وقامت بتمزيقها تهمس بهدوء:
"أنا آسفة."
اقترب سليم يجلس جوارها وسألها بهدوء:
"إيه رأيك تقومي تغيري هدومك ننزل نتعشى برا."
أومأت برأسها وأردفت بابتسامة خافتة:
"وعايزة آيس كريم."
"عنيا. يا سلام إحنا عندنا كام زين يعني! يلا قومي جهزي بسرعة عشان ميت من الجوع."
"حاضر مش هتأخر عليك."
"فردوس مجدي. كلموني من تليفونها هي فين؟!"
سأل منتصر بقلق وهو بالكاد يلتقط أنفاسه. أخبرته موظفة الاستقبال، فركض يبحث عنها وبداخله العديد من التساؤلات. توقف على رنين هاتفه فأخرجه يجيب بتعب:
"آه يا عيسى أنا وصلت بس لسه معرفش هي فين ولا عارف حصل لها إيه. بدور عليها أهو."
كان الأخير يقود سيارته بسرعة جنونية كادت تودي بحياته، لكنه لا يهتم الآن سوى بأخته. سوى بتلك الفتاة التي أطغت بمزاحها على كل الأسى الذي مروا به. بقلب مضطرب وعقل يمر بأسوأ التخيلات في تلك اللحظة. بالنهاية ما مر به ما زوجته الأولى لم يكن أمراً هيناً أبداً. لا يتخيل حتى أن يفقدها، وإن كان لم يصل بمشاعره معها لنصف ما احتفظ به بقلبه لزوجته الراحلة، ولكنه لا يستطيع إنكار ما يحمله بداخله من اهتمام تجاه تلك الفتاة.
حرك منتصر مقبض الغرفة المغلقة ودلف للداخل يبحث عنها باضطراب:
"فردوس!"
رفعت فردوس عينيها لتجده أمامها فنادته بخوف:
"منتصر. هو أنا هموت؟"
اقترب يجلس بجوارها يردف بقلق:
"إيه اللي حصل؟ أنتي كويسة؟ فين الدكاترة اللي هنا؟!"
"مش عارفة. أنا عملت أشعة من شوية وسابوني ومشوا، ورجلي بتوجعني أوي مش قادرة أقف عليها."
وقف منتصر يقول بانفعال:
"يعني إيه مشيوا وسابوكي؟!"
"لا اقعد متسبنيش وتمشي. خليك معايا. أنا كنت خايفة أوي، كنت حاسة إني هموت خلاص والناس اتجمعت حوالي وجابوني هنا."
جلس منتصر بجوارها يضمها، فالمرة الأولى قالت بتعب:
"أوعى حضن مرة واحدة. أنا كدا اتأكدت إني بودع خلاص. واجهني بالحقيقة قالوا لك إيه برا؟"
ضحك منتصر وابتعد ينظر لها بيأس، فتمسكت هي به لتضع رأسها على كتفه تسأله بتعب:
"كنت خايف عليا؟"
أجابها بهدوء:
"كنت مرعوب يا فردوس. الحمد لله إنك كويسة. هتطمن عليكي بس وبعدين هعلمك الأدب عشان تبقي تخرجي من غير ما تعرفيني تاني."
"أنت هتشلني يا جدع أنت! أنت مش كنت متخانق معايا وقافل السكة في وشي هكلمك استأذنك كمان؟ دي مصيبة إيه دي؟!"
"بس اكتمي خالص مش عايز أسمع صوتك. خليني أكلم أخوكي أطمنه عليكي قبل ما يعمل حادثة هو كمان."
وقبل أن يكمل حديثه اندفع عيسى لداخل الغرفة وخلفه خالد، حنة، والدته وزمرد. جلس عيسى بجوار فردوس يضمها بقلق ينظر لها بتفحص:
"حصلك حاجة؟!! أنتي كويسة؟!"
أومأت له فردوس بابتسامة، فأقتربت حنة تضمها وهي بالكاد تلتقط أنفاسها من كثرة البكاء:
"إزاي تخرجي ومتقوليش لحد. كنا هنتجنن عليكي."
تأوهت فردوس تقول بخبث:
"الدكتور قالي الزعل وحش أوي أوي عليا. أنا بقول وافقي على العريس وتفرحي قلب أختك العيانة."
دفعتها حنة بخفة في كتفها وابتعدت عنها تنظر لها بضيق تقول بتحذير:
"دي أخر مرة تخرجي من غير ما تكوني قايلة لحد فينا على مكانك. فاهمة ولا لأ؟!"
"بقولكم إيه ما تحطوا لي جهاز تتبع أحسن؟!"
دلف الطبيب وقد كان منقذاً لها من تأنيب الجميع لها. سأل بتعجب:
"إيه يا جماعة العدد دا كله؟ الموضوع مش مستاهل يعني. في شرخ بسيط في رجليها هنعمل جبيرة متدوسش عليها لمدة أسبوعين وخلاص الموضوع بسيط إن شاء الله."
بعدما انتهى الطبيب من عمله أخذهـا عيسى بين يديه يحملها للخارج، ثم تحركت السيارات تجاه منزل عيسى من جديد.
تحرك عيسى ليحملها من جديد، ولكنه وجد منتصر بالفعل اقترب ليساعدها. فأقتربت زمرد من زوجها تقول بهدوء:
"سيبه هو يساعدها."
تنهد عيسى بضيق:
"طيب هركن أنا العربية. اطلعي أنتي وراهم."
تحرك كلا في اتجاهه، وبقيت حنة تنظر في أثرهم بتعب وحزن وحيرة. ماذا لو فقدت أختها أيضاً اليوم؟ كان اختباراً قاسياً بالنسبة لها.
"متقلقيش. هي كويسة."
يكفيها ما مرت به. لن تتحمل أن تقف الآن وتستمع لمواساته وتنظر له، فهي كل ما تريده هو أن تنسى ملامحه، أن لا تجمعها صدفة به. فهي تجاهد قلبها اللعين منذ ستة أشهر لنسيانه.
"إن شاء الله. معلش بقى يا دكتور تعبناك معانا."
"أنا معملتش حاجة. ألف سلامة عليها. ومبروك."
سألته بتعجب:
"مبروك على إيه؟!"
"هتتخطبي قريب؟!"
"لا. دا كان حد متقدم وأنا رفضت بس عيسى وفردوس مصممين إني أقابله. بس أنا عند قراري."
"هو العريس اللي مرفوض ولا المبدأ؟!"
"المبدأ."
أومأ لها بدون أن يضيف حرفاً آخر وتحرك للداخل، فتحركت خلفه وهي تحاول منع نفسها من البكاء من جديد، فهي حنة هي حنة تواجه كل مشاكلها بالبكاء. لكن الحب من طرف واحد يستحق البكاء.
في الأعلى كانت تحيط رقبته بيديها لتتشبث به وتنظر له بابتسامة تتأمل ملامحه عن قرب. فأقترب يهمس لها:
"أنا عارف إني حلو بس مش كدا. الناس تقول إيه؟!"
"أنت قمر. ويقولوا اللي يقولوه محدش ليه عندي حاجة."
ضحك منتصر، ثم وضعها على فراشها، ثم أخذ وسادة يضعها خلف ظهرها وأخرى تحت قدمها المصابة، يقول بهدوء:
"نامي كويس. بكرة هجيب لك فطار وأجي أفطر معاكي. أجيب لك إيه؟!"
"طعمية وفول وبطاطس ومسقعة وبابا غنوج. وماية سلطة عشان بحبها."
"عشان تفتح نفسك أصلها مسدودة."
"آه فعلاً عندك حق. أهو خليني أخس شوية."
أقترب يمازحها:
"لا متفقناش على كدا. أنا عايزك كدا زي ما أنتِ."
"قصدك إني زي القمر صح؟ قول قول متتكسفش محدش معانا."
"طبعاً وأنا أقدر أقو....."
"احم احم... خلصتوا فيلم عشق مليء بالدسم دا؟!"
ابتعد منتصر وتحرك قليلاً للخارج باتجاه باب الغرفة:
"آه أنا خلاص اتطمنت عليها."
تحرك منتصر بحرج مغادراً لمنزله، وتابع عيسى فردوس بحدة، فنظرت له بتعجب ترفع كتفيها في براءة مزيفة.
"نامي وارتاحي. كلامنا الصبح."
في الصباح التالي.
تفاجأ منتصر بأن الجميع اجتمع بشقة فردوس وحنة لتناول طعام الإفطار سوياً. لم يهتم وتحرك يبحث عنها ليجدها تجلس على الأريكة بجوار والدة خالد. فألقى التحية والتفت يسألها باهتمام:
"عاملة إيه النهاردة؟"
"الحمد لله، أحسن. حاسة إن كل الناس مهتمة بيا. أنا بقيت محور الكون بجد."
ضحك منتصر ثم أعطاها حقيبة مليئة بالأطعمة السريعة المختلفة والمسليات.
"جايب لك كل حاجة تقريباً. اتسلي بقى ومش عايز رجلك تلمس الأرض. فاهمة ولا لأ؟!"
"حاضر. أنا أساساً مش قادرة أتحرك."
في الداخل وقف عيسى جوار زوجته المنهمكة في تحضير الطعام يسألها بحيرة:
"يعني بعد ما ظبط كل حاجة هلغي؟!"
"يا عيسى حنة بتشتغل وفردوس لازم حد معاها ومامتك متقدرش تلاحق على شغل الشقتين ومين هيهتم بفردوس؟ معلش هنبقى نسافر في وقت تاني. أنا أساساً كنت تعبانة مش قادرة."
"مالك؟"
"معرفش بس هروح أعمل تحليل أنيميا كدا."
سألها بابتسامة:
"مش يمكن تكوني حامل؟"
امتلأت عيناها بالدموع والتفتت تقول بحزن:
"لا مش حامل. يا ريت بس مفيش حمل ولا حاجة."
تحرك عيسى ليقف أمامها يسألها بهدوء:
"أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ بقالنا قد إيه متجوزين إحنا عشان تعيطي على الموضوع دا؟ أنتي المفروض دكتورة وعارفة إن الخمس شهور دول ميُعتبروش تأخير أصلاً."
"أنا عارفة ومش زعلانة ولا حاجة. أنا بس حاسة إني بفكر في مليون حاجة. الموضوع دا وبابا اللي بقاله شهرين مكلمنيش خالص!! وأخر مرة رحنا طنطا قالي ابقي أكلمه قبل ما نروح. طيب هو مبيردش عليا أروحله إزاي؟ هو ما صدق خلص مني يعني! ليه هو أنا كنت بعمله إيه؟!"
"طيب مكلمتيش عمار ليه تسأليه؟"
"سألته قالي إن عادي الوضع في البيت طبيعي. يعني بابا بيتجاهلني، مش عايز يعرف عني حاجة ولا يشوفني تاني!!"
اقترب عيسى يضمها برفق، فهو حقاً لا يملك من الكلمات ما يواسيها به، فهو لا يعرف حتى ما معنى كلمة أب.
بعدما هدأت قليلاً تركته لتكمل ما تفعله، فأبتعد عيسى يفكر في فعل شيء لإسعادها، وقف جوار النافذة منشغلاً بالأمر حتى قطع خالد تفكيره:
"عيسى... أنا كنت عايز أتقدم لحنة."
ويتبع.
رواية عيسى القائد الفصل السابع عشر 17 - بقلم اية محمد
"عيسى... أنا كنت عاوز أتقدم لحنة."
التفت عيسى ينظر له بهدوء ينتظره ليكمل حديثه، فأكمل خالد يقول بحيرة: "مش عارف أصلًا هي هتوافق ولا لأ، أنا من فترة بفكر وحاسس إني اتشدّيت ليها من ساعة ما شفتها، بس اللي كان بيخليني أتردد إنها رافضة فكرة الجواز تاني نهائي."
"تاني!"
"أنا عارف كل حاجة، حنة كانت ضحية اللي حصل ده يا عيسى، إذا كان مجدي كان عاوز يعمل كده في بنته اللي من دمه. بس أنا لا عاوز أفتكر ولا عاوزها تفتكر كل ده، فانت اتكلم معاها ورد عليا."
"أهلك عارفين ولا لأ يا خالد؟"
"لأ مش عارفين غير إنها كانت متجوزة ومش عارفين إني هتقدم ليها."
"خد موافقتهم الأول وبعدين هتكلم مع حنة، واللي فيه الخير يقدمه ربنا... يلا تعالَ خلينا نفطر."
تجمع كل أفراد العائلة والأصدقاء أمام الطعام الذي أعدته كلٌّ من فردوس وحنة باقتراح عيسى. لا يدري كيف تطورت غيرته تجاه فردوس في تلك الفترة الزمنية القصيرة. من داخله تمنى زواج منتصر بها، ولكنه الآن بات يكره تلك الزيجة وبات يكره منتصر بحد ذاته.
اتجه عيسى يجلس بجوار فردوس يسألها باهتمام: "أحسن دلوقتي؟ ناقصك حاجة أجيبهالك؟"
"لأ أنا زي الفل والله، أختك أجمد من الحديد متقلقش."
ابتسم لها ثم بدأ في وضع الطعام أمامها، تاركًا منتصر في المقابل يجلس بجوار خالد وينظر له ساخرًا. يفسد عليه مخططاته، لنرى لأي مدى سيتمكن في التدخل بينه وبين زوجته.
تأففت حنة وهي تتابع هاتفها، ثم نظرت لأختها تقول بأسف: "أنا معرفتش آخد إجازة يا فيفي، مش عارفة أعمل إيه. قولت لهم إني عندي ظرف وقالوا مفيش بديل ليا."
أجابتها فردوس بهدوء: "روحي شغلك يا بت، أنا كويسة والله، وبعدين زمرد وطنط زينات معايا، متشيليش همي يا حنون."
ابتسمت لها حنة، ولكنها لم تشعر بالراحة. فهي برغم كونها تكبرها سنًا إلا أنها تشعر دائمًا بالنقيض. فردوس هي الداعم الأكبر لها، تهتم لأمرها رغم كل شيء، وبرغم ذلك لا تستطيع هي حتى مساعدتها مع إصابتها تلك.
من داخل تلك الأفكار اقتحم هو عقلها. ألا يكفيه السيطرة على قلبها المسكين، والآن باتت تفكر به. كم كانت حمقاء لم تتحكم بمشاعرها، هي فقط ضعيفة، هشة، ولا تفعل شيئًا سوى البكاء.
"بعد إذنكم، هغيّر هدومي وأروح الشغل."
في البداية حنة، ومن بعدها تحرك الجميع أيضًا لأعمالهم، وتبقت زمرد وزينات ووالدة خالد بجوار فردوس ليهتموا جميعهم بها.
بنهاية اليوم عاد منتصر لمنزله. للمرة الأولى من شهور يعود ليجد منزله كما تركه. للمرة الأولى لا يتعثر برسالة منها تتركها له، ربما تغازله أو تعاتبه أو حتى تمزح بها بكلمات مشاغبة. برغم كل مشاعره تجاهها، إلا أنه لازال يحمل بداخله حبًا كبيرًا تجاه زوجته. ربما لن يتجاوز، ربما تلك المدة لم تكن كافية.
أخرج هاتفه بعدما ارتمى بجسده على الأريكة ليتصل بها، ليأتيه الرد بعد لحظات: "جوزي اللي وحشته موت صح؟"
"طبعًا، طمنيني عليكي، في وجع في رجلك ولا حاجة؟ لو تعبانة نروح للدكتور تاني؟ أوعي تدوسي عليها."
"لأ أنا كويسة الحمد لله، الوجع خفيف والدكتور خالد بص عليها وقال لي دا طبيعي."
"الدكتور خالد عمل إيه؟"
"هو... جه من شوية كده عشان ينادي لوالدته، فهو دخل وسألني عاملة إيه، فقلت له على الوجع يعني، فمسك رجلي من الجبيرة والله وحركها كده وقال لي لأ الوجع الخفيف ده طبيعي... ده دكتور يا منتصر."
"والله أنا مش عارف هلاقيها من أخوكي ولا من تصرفاتك، ودلوقتي بقي دكتور خالد. مهو دكتور بقي يبقى يدخل ويخرج على كيفه."
ضحكت تسأله بدهشة: "إيه ده يا منتصر أنت غيران. يا روحي قد إيه كيوت والله."
"كيوت آه، ده أنا هطلع روحك بس لما أشوفك. يا أنا يا أنتي، يتقفل علينا باب واحد بس وربي لأطلع عليكي القديم والجديد."
"إيه يا عم الشرير مالك، إيه هو أنا يعني بتعامل مع خالد ده خالص، هو بس عشان تعبانة وهو دكتور في الشقة اللي قصادنا أهو يبقى أحسن ما أروح أدفع كشف بقد كده، ده ببلاش من غير مصاريف الشحن حتى."
"بعيدًا عن العتة اللي أنتي قولتيها، دلوقتي أنتي مش شايفة إن أخوكي بقي واقف لينا زي اللقمة في الزور؟ أخوكي بيغير عليكي مني، فكرا."
"عشان هو بيحبني أوي."
"يا سلام وأنا إيه؟"
سألته بهدوء بصوت أقرب لهمس: "وأنت إيه؟ إيه يا منتصر؟"
صرخ عيسى بصدمة: "زمرد!!!!"
انتفضت تلتفت له تسأله بهلع: "في إيه يا عيسى مالك؟!"
"أنتي إيه اللي عملاه في شعرك ده؟ اااي ده!!"
"ماله... صبغته النهارده وإحنا قاعدين مع فردوس، مش حلو ولا إيه؟"
"لأ مش حلو، شيليه بس بسرعة، ادخلي اغسلي شعرك دلوقتي."
"أشيله إيه دي قدامها أقل حاجة تلات شهور، وحشة أوي بجد؟!"
تأفف وهو يقترب تجاهها ينظر لها، لملامحها المستاءة وعينيها المليئة بالحيرة، فقال ببعض الهدوء: "حلو بيكي، أي حاجة هتكون حلوة عليكي يا زمرد، لكن أنا بعشق كل حاجة فيكي زي ما أنتي."
ابتسمت تقترب منه: "عادي قولت تغيير برضه عشان بقيت حاسة إن حياتنا بقت روتين أوي، كل الأيام شبه بعض ودائمًا حاسة إن في حاجة ناقصة في حياتنا."
تابعه باهتمام يحاول فهم ما تمر به، واقترب يأخذ يدها ثم أشار لها لتجلس وجلس بجوارها يتنهد يحاول تنظيم كلماته: "أنا مش مستعجل على موضوع الأطفال ده يا زمرد، حتى لو مش مكتوب لنا خلاص مش عاوز."
بكت تقول بحزن: "أنت مسمي شركتك 'آل عيسى'، أنت عاوز يا عيسى متحاولش تراضيني بكلام من ورا قلبك، أنا مش نكدية على فكرة بس أنا خايفة، لما بقولك غير كده بكون بكذب عليك. حتى مامتك مبقتش نفسها في حاجة قد إن يكون عندك طفل، خلينا نروح دكتور نطمن."
"برغم إني مش موافق على الفكرة دي وقولتلك ده قبل كده بس حاضر يا زمرد هعملك اللي أنتي عاوزاه."
رفع يده يمسح دموعها ثم تحرك للخارج، فأوقفته تسأله بتعجب: "رايح فين؟"
"هخرج أتمشى شوية مع نفسي."
"طيب ممكن تاخدني شوية مع نفسك؟"
ابتسم عيسى وأومأ لها بهدوء: "هستناكي في العربية."
تحرك عيسى لتلحق به زمرد بعد دقائق قليلة، تجلس بجواره بهدوء فسألها باهتمام: "تحبي نروح فين؟"
"بصراحة أنا نفسي أوي آكل حواوشي."
"اديني في الرومانسية."
ضحك عيسى بينما يتحرك بالسيارة يتابع الطريق بتركيز، بينما هي تستند برأسها على كتفه. ضيق عيسى عينه وهو يتابع المرآة أمامه، وصرخت زمرد عندما وجدته انحرف بسرعة كبيرة عن الطريق فسألته بصدمة: "في إيه يا عيسى؟!"
"في ناس ورانا مسلحين... انزلي تحت ومتطلعيش خالص يا زمرد فاهمة!"
أومأت برأسها في خوف وبدأت في الدعاء بصوت خافت متلعثم، بينما أخرج عيسى هاتفه يتصل بخالد: "حالا تاخد فردوس وحنة وأمي وتنزل، هتلاقي حراسي مستنينك تحت، هكلمهم دلوقتي هياخدوهم القصر هناك أمان، خليك معاهم يا خالد أوعي تسيبهم."
سأله خالد وهو يركض للخارج: "أنت فين يا عيسى؟"
"أنا برا مع زمرد وفيه ناس ورانا، مش معايا سلاح بحاول أتوهم بالعربية، سيبك مني منتصر هيتصرف، خليك بس معاهم زي ما بقولك."
أنهى عيسى المكالمة واتجه خالد بالفعل يدق الباب المقابل لشقتة لتخرج حنة وهي تضع حجابها بعشوائية وقد شعرت بالفزع بالفعل، واكتمل بحديث خالد: "لازم نمشي من هنا دلوقتي... أنتي وفردوس بسرعة تكونوا تحت."
"إيه اللي حصل؟!"
"مفيش وقت أفسرلك دلوقتي، يلا يا حنة بسرعة."
أومأت له سريعًا ثم تحركت للداخل لتجد فردوس بالفعل قد استيقظت تسألها بقلق: "في إيه؟ حد حصله حاجة؟ عيسى كويس؟"
"معرفش، خالد بيقول لازم نمشي من هنا، فين الإسدال بتاعك؟"
"متعلق ورا الباب... أنا هكلم منتصر."
أخذت هاتفها تتصل به، ولكنها تذكرت مكالمتهم الأخيرة عندما لم يعطيها جوابه، لتدرك بأنها لم تنجح في مساعدته في تخطي زوجته وتقبلها هي كزوجة له. لم تنجح في استمالة قلبه وعاطفته، ووضعت الهاتف جانبًا بحزن، ثم أخذت إسدالها ترتديه وكذلك فعلت حنة، وعادت لتأخذها تحاول مساعدتها على السير.
في الأسفل انتظرهم خالد وبجواره زينات تضع يدها على قلبها الذي يكاد يتوقف خوفًا على ولده، تتمتم: "ربنا يستر عليك يا عيسى أنت ومراتك."
سألتها فردوس بقلق: "هو إيه اللي بيحصل؟ عيسى وزمرد فين؟"
"معرفش يا بنتي، مش فاهمة حاجة، خالد بيقول فيه مسلحين وراهم بالعربية."
دلف أحد الحراس المخلصين لعيسى يقول بجدية: "لازم نتحرك حالا، متقلقوش مفيش خطر عليكم بس لازم ناخد احتياطنا، هنتحرك لمكان أمان لحد ما القائد يجيلنا. اتفضلوا."
تحركت فردوس بقلب مضطرب وهي تستند على أختها تكاد تموت خوفًا، وبمجرد أن جلست بالسيارة أخرجت هاتفها لتتصل بزوجها لتجد خط الاتصال الخاص به مشغولًا.
"أكيد عرف اللي بيحصل... ربنا يستر، يارب استر يا رب ورجعلي أخويا ومراته بخير واحمي منتصر يا رب."
على الجهة الأخرى، كان عيسى قد ابتعد كثيرًا بسيارته، وبرغم ذلك لم يبطئ من سرعته. اعتدلت زمرد لترفع جسدها، ولكنه صرخ بها: "مكانك... إحنا مراقبين، هيظهروا في أي وقت دلوقتي."
"وهنعمل إيه يا عيسى؟ مين دول أساسًا؟"
"مش عارف، أنا بقالي فترة بعيد عن كل ده مركز في شغلي وبس، مش عارف مين، مجاليش أي معلومة عن حد."
"ربنا يستر."
"متخافيش، كنا هناكل حواوشي أهو دلوقتي هيتعمل مننا حواوشي."
"ولا لازمتها إيه متخافيش بقى يا قائد."
ضحك عيسى بسخرية وهو ينظر لها، ثم التفت ينظر للطريق أمامه وقد امتلأ بالسيارات التي تحولت حوله تحيط بسيارته، فابتلعت زمرد غصتها تقول بخوف: "هنـموت خلاص!!"
ابتسم عيسى يقول بثقة: "دول رجـالتي... خلاص اطلعي."
رفعت زمرد جسدها تنظر حولها بصدمة، كأنه أسطول من السيارات وعشرات الحراس حولهم. خرجت من السيارة كما فعل عيسى وتحركت تقف بجواره. من إحدى السيارات خرج منها منتصر وتحرك بهدوء تجاه عيسى يقول بجدية: "نبيل الصيرفي... هرب قبل تنفيذ حكم الإعدام."
قال عيسى بغضب: "يبقى هو اللي حابب إن نهايته تكون على إيدي أنا."
أوقفه منتصر يقول بغضب كالجحيم: "محدش هينفذ الإعدام في اللي قتل مراتي غيري يا عيسى، أنا اللي هنفذ... ولحدي."
تحرك منتصر عائدًا لسيارته ثم انطلق بها بعيدًا عنهم، فأشار عيسى لحراس، لتتحرك ثلاث سيارات مليئة بالحراس خلف منتصر، وتبقت سيارة أخيرة تحركت خلف سيارة عيسى، الذي انطلق هو الآخر بسيارته يتنهد بتعب لعودة المصاعب من جديد.
"مساء الخير، بعتذر لو جيتلكم في وقت متأخر بس عملت صينية الكيكة دي فقولت أجيب لكم ومنه نتعرف."
اقتربت زين من خلف سليم الذي وقف أمام الباب، ومن الخارج ترى تلك السيدة غريبة المظهر. بثياب برغم أنها واسعة إلا أنها كانت بالخفة التي أبرزت جسدها، وبوجهها وضعت مساحيق التجميل بشكل احترافي. تقدمت زين تقف بالأمام وسألتها بهدوء: "هو مين حضرتك؟"
"أنا جميلة جارتكم الجديدة."
"أهلًا بيكي نورتي، أنا زين وده الدكتور سليم جوزي."
"وحضرتك دكتور إيه بقى، أصل أنا بقالي يومين دايخة خالص وعملت تحليل قالولي مفيش، أبقى أجي ليك تكشف عليا."
نظرت لها زين بضيق لطريقة حديثها وقالت بهدوء: "دكتور شرعي."
"يوه يا ساتر... لأ إن شاء الله متكشفش عليا أبدًا. اتفضلوا الكيكة بالهنا والشفاء."
أخذتها منها زين مع ابتسامة بسيطة ثم أغلقت الباب. تحركت جميلة تجاه المصعد وهي تبتسم بخبث: "دكتور شرعي... حلو ده ينفعنا في شغلنا، بس خليني أتسلى الأول شوية وهو زي القمر كده."
بالداخل تساءلت زين بتعجب: "إيه الولية المخلعة دي."
"ولية مخلعة؟"
"أيوا شكلها مريب كده مش مريحة، أعمل إيه بقى المفروض مرجعش الطبق ده فاضي. أحطلها فيه إيه بقى؟"
تحاول بدء محادثة معه بدلًا من تجنبه طيلة الوقت. بالنهاية كان محقًا بكل حديثه، وبرغم ذلك اقترب هو منها يقول بتفكير: "اعملي برضه حاجة حلوة وابعتيلها منها... مثلًا باستافلور بتعرفي تعمليها."
"أيوا بس مفيش مربى وكمان هحتاج شوية حاجات. بكرة الصبح هطلبهمل من البواب."
"وتطلبيها ليه، ادخلي غيري هدومك ننزل نجيبهم ونسهر نعملها سوا... يلا من غير تفكير."
دفعها من كتفيها يجعلها تسير أمامه تجاه غرفتها وقال بجدية: "يلا غيري هدومك بسرعة."
بدلت ثيابها سريعًا فلم تهتم ماذا ترتدي، لم تعد تهتم حتى بمظهرها ولم تبتاع ثياب جديدة من فترة. لا تستخدم مستحضرات العناية بالوجه. لم تعد تهتم بكل شيء. لا شيء يجعلها سعيدة.
وبرغم ذلك ابتسمت بهدوء وهي تجلس بجواره في السيارة. أمام محاولاته من أجل تلك العلاقة لم تستطع إكمال انهيارها وعليها دفع نفسها للمحاولة أيضًا.
"تيجي نعمل حاجة مجنونة؟"
"زي إيه؟"
"يعني... هقف بالعربية هنا ومثلًا شايفه مجموعة البنات اللي قاعدين هناك دول، هتروحي تقولي لهم حاجة تخليهم يخافوا، عاوز أشوف رد فعلهم وأنا هنا."
"إيه ده لأ طبعًا هو أنا أعرفهم، وبعدين هقولهم إيه أصلًا؟ لأ لأ خلينا نجيب الحاجة ونروح."
"إيه ده مين اللي بيستسلم؟ زين؟ لأ مش معقول مش مصدق."
نظرت له بضيق ثم نظرت مجددًا للفتيات، وبغضب تحركت لخارج السيارة وتابعه هو بحماس.
وقفت زين أمامهن وتحدثت ببعض الكلمات جعلت الفتيات يقفن جميعًا وعلى وجههم ملامح الذعر، ثم تحركن بعيدًا عن المكان بأكمله. عادت زين بكل ثقة وجلست بالسيارة من جديد بهدوء، فسألها سليم بصدمة: "إيه ده يا فنانة! عملتي إيه بالظبط؟"
نظرت له تقول بتحدي: "أعتقد دلوقتي جه دوري يا دكتور سليم... تمام حضرتك هتقف في نص الطريق وهترقص رقصة البطريق."
صاح سليم بصدمة: "ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا
رواية عيسى القائد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اية محمد
"طلقني يا منتصر.."
"بس أنا اخترتك انتي يا فردوس.. أنا مقتلتوش، هو اللي حاول يخلص عليا والله حتى شوفي.."
مد ذراعه لها، فأنتبهت له. وضعت يدها برفق على ذراعه، وقد استعادت هدوءها بعد كلماته الأولى، وسألته باهتمام:
"إيه اللي حصل؟"
***
"طب اللي يهرب يلم نفسه لحد ما الدنيا تهدى حواليـه. مش أول ما تهرب تسن سنانك علينا من تاني، إيه يا نبيل نسيت تايجر ولا إيه؟!"
التفت نبيل بصدمة عندما وجد منتصر خلفه. ولكنه لم يسأله كيف وصل لمكانه، عندما رأى حراسه مقيدون بواسطة حراس آخرين يعرفهم جيدًا، حراس القائد.
"خوفت صح؟ كنت اتعدمت أهون على الأقل كنت رحمت نفسك مني، ولا أنت مبتحرمش؟!"
اقترب منتصر، تاركًا المقدمات والحديث الذي لا داعي له، وأخذ يكيل له الضربات المؤلمة الواحدة تلو الأخرى دون أي فواصل. لا يرى أمامه سوى صورة زوجته التي قُتلت غدرًا.
لم يبتعد إلا عندما رأى عيسى وخلفه قاسم وقوات الشرطة. فابتعد نبيل، يأخذ سلاح منتصر من بين ثيابه، صارخًا بجنون:
"محدش يقرب مني وإلا هخلص عليكم.. محدش يقرب مني.."
نظر له منتصر بسخرية، ومد يده لأحد الحراس فأعطاه سلاحه ليصوبه منتصر تجاه نبيل:
"محدش هيقرب غيري، أنا كفاية عليك."
صاح قاسم بتحذير:
"لا يا منتصر.. سيبه، أنا هتصرف معاه."
"أسيبه عشان يهرب تاني يا حضرة الظابط؟ هو مش ليه حكم إعدام.. خلاص أنا هنفذ."
"هتتعرض للمسائلة القانونية يا منتصر.. وأنت يا نبيل ارمي السلاح مش هتستفيد حاجة باللي بتعمله ده."
أجابه نبيل بغضب:
"ما أنا كدا كدا ميت، يبقى مش هموت لوحدي بقى."
يده الممسكة بالسلاح تجاهد لإطلاق الرصاص، وعقله كأنه توقف عن التفكير. ولثانيـة واحدة استمع لصوتها وكأنها تتحدث من داخله أو تقف بجواره، لا فاصل بينهما، تهمس باسمه فقط. لم تكن نسرين هذه المرة، بل كانت تلك الصغيرة التي أيقظت بداخله مشاعر لم يختبرها حتى في زواجه الأول. كأنه يراها ويرى نفسه من خلف القضبان وهي تكرر عليه نفس سؤالها الأخير له، تسأله إن كان لها ولو مكانًا صغيرًا بقلبه.
أخفض منتصر سلاحه وتراجع خطوة للخلف، ولكن هاجمه نبيل بطلقة نارية بالكاد أصابت ذراعه. فأمسك منتصر ذراعه بألم، وقبل أن يتخذ أحد ردة فعل، كانت رصاصة قاسم تستقر بصدر نبيل. يقول بضيق:
"طلبها ونالها."
نظر له عيسى بضيق واقترب يفحص ذراع منتصر، يقول بهدوء:
"هنربطها بس دي شظية، مفيهاش حاجة."
أومأ له منتصر بتعب. وقبل أن يتحرك، سأله عيسى:
"سبته ليه؟"
"عشان عندي اللي أخاف أتحبس وأسيبها. مش عايز حبها ليا يبقى سبب تعبها، حب فردوس ليا هو أحلى حاجة حصلت معايا، أنا اللي محتاجها مش هي."
ابتسم عيسى بهدوء، ثم تحرك للخارج رفقة منتصر وعاد به للقصر.
***
"أنت حلو أوي يا منتصر."
ضحك منتصر واتسعت ابتسامته. ينظر لعينها التي لمعت بحبها له. اقترب منها يطبع قبلة رقيقة على جبهتها. فنظرت له بضيق:
"مش هتتغير أبدا."
تعالت ضحكاته واعتدل، يمسك ذراعه بألم، يقول بحسرة:
"أنا عاوز دكتور يشوفلي دراعي ده بجد."
"دكتور خالد هنا، خليه ينضفلك الجرح قبل ما يلتهب."
سكن جسد منتصر ونظر أمامه لدقيقة، ثم وجه عينيه لها يسألها باستنكار:
"دكتور مين اللي هنا يا قلبي؟"
ابتلعت ريقها تقول بتوتر:
"دكتور خالد.. هو اللي جابنا هنا وأنا والله ما قولتلـوش، عيسى اللي قاله. وبعدين كان واقف هنا، مشوفتوش."
أجابها بضيق:
"مكنتش شايف غيرك."
"والله أنا ما عارفة أفرح ولا أزعل من الجملة. قوم يا منتصر ناديلهم، والله ما عارفة عيسى مفضيلنا الجو على إيه!"
"تعرفي إن أهم مميزات البنت إنها تكون تقيلة."
"إحلف والله، أنا خمسة وسبعين كيلو كدا تقيلة صح!"
نظر لها منتصر بتقزز، ثم تحرك بعيدًا عنها، يقول بيأس:
"مفيش فايدة.. فين دكتور خالد دا ييجي يعملي إيدي، خلوني أروح أنام."
أخرج منتصر هاتفه ليتصل بعيسى، فآتى بعد قليل وخلفه خالد. وبعد دقائق كان الجميع بالأسفل، وخالد يجلس جوار منتصر ينظف له جرح ذراعه. وفردوس تنظر له بآسى:
"محتاجين مستشفى نتحط فيها إحنا الاتنين."
أجابتها زينات بضحك:
"على رأيك يا بنتي والله، بس يالا الحمد لله إنكم بخير."
قال عيسى بهدوء:
"الساعة بقت سبعة، خلونا نرجع البيت. أنا تعبت، عاوز أنام شوية، وأعتقد كلنا تعبانين يا عيلة مفيهـاش غير مصايب وبس. أنا نفسي ناخد نفسنا يومين بس حتى."
ضحك خالد واقترب يسير جواره للخارج، وبالخلف منتصر يساعد فردوس على السير، والبقية خلفهم. عائلة جذابة للمصائب حولها، لا يمر يوم دون قصة جديدة بينهم وبين الحياة الطبيعية سدًا يمنعهم من السلام والراحة.
***
"يعني إيه يعني الكيلو بـ 40 جنيه؟ ليه هي الطماطم فاكرة نفسها مانجا ولا إيه! أما أنتوا شوية حرامية بصحيح!"
اقترب البائع منها، يصيح بغضب:
"بقولك يا ست يا تشتري بالسعر اللي أنا حاطه يا تتكلي على الله، مش ناقصة مناهدة على الصبح."
"لا هشتري و 25 عشرين، يا هفرّج عليك الخلق كلهم وأقولهم إنك بتزور في الميزان يا حرامي."
نظر البائع حوله بغضب خوفًا من أن يخسر زبائنه. اقترب سليم يقف جوارها بعد أن حصل على المشتريات التي أخبرته بإحضارها. فنظرت بداخل الحقيبة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، فسألها بتعجب:
"إنتي كنتي بتجري ولا إيه؟"
لم تجبه، بل التفتت للبائع تنظر للميزان بتركيز. ثم أخذت منه الخضار وأعطته المال وهي تحدجه بنظرات غاضبة. حتى سليم جوارها كان يتابعها بتعجب.
"بقالك يومين بايت في المستشفى ليه؟"
"شغل مهم والله، مش قولتلك اقعدي اليومين دول عند أهلك بدل ما تفضلي لوحدك؟"
"لا كنت مشغولة في تنضيف الشقة. أول امبارح روحت في ميعادي عند الدكتورة وطولت شوية، وبعدين رجعت، مخرجتش غير لما أنت كلمتني إنك جاي. قولت بقى أقابلك تيجي معايا أجيب الخضار قبل ما تطلع."
"طب قوليلى عاملة أكل إيه النهاردة؟"
"لسه معملتش، هعملك مكرونة بالبشاميل."
"الله أنا بحبها أوي."
"ما أنا عارفة عشان كدا قولت هعملها لما ترجع."
غمزها سليم يسألها بمشاكسة:
"ده حب دا ولا إيه؟"
"تؤ، اهتمام."
ابتسم يقول بهدوء:
"وإيه يعني وهو الاهتمام إيه غير وسيلة للتعبير عن الحب.. ما علينا من المسميات يا زينة."
"إيه حكاية زينة دي! اسمي زين وبس."
"عاجبني زينة أكتر و عارف إنه بيوترك وأنا بحب أشوفك متوترة."
دلفت لجواره بالمصعد ونظرت له بتوتر بالفعل، تدافع عن نفسها:
"عالفكرة مبوتـرش ولا حاجة، بس مش فاهمة ليه ممكن تكون بتحب توتـرني! غلاسة وخلاص!؟"
التفت يخطو تجاهها يقول بثبات:
"عشان ده معناه إن ليا تأثير عليكي، وأي راجل هيحب كدا. بحب أشوف في عينيكي إن قربي منك بيلخبطك.. إحساس حلو صدقيني."
"كلام كتب وفلسفة فارغة والله."
قالتها وهي تتجاهله، تخطو لخارج المصعد. ثم أخرجت مفتاح الشقة وتحركت للداخل تجاه المطبخ، وهو خلفها. فألتفتت تأخذ منه الأغراض وقالت بهدوء:
"ادخل غير هدومك ونام شوية على ما أحضرلك الغداء. و آه، عالفكرة ماما بكرة عازمانا على الغداء، متقوليش عندي شغل. هي عاوزاك تقعد مع خالد تقنعه يشيل موضوع حنة ده من دماغه."
"أنا مش عارف ماما رافضة ليه بجد!"
"عشان هي في مقام أخت عيسى. وهي برغم كل اللي عيسى عمله خايفة. هي شايفة إن كل اللي حواليه بيتأذوا بسببه، حتى مرات منتصر صاحبه ماتت بسببه."
"آه مرات منتصر دي كانت عندي في المشرحة، أنا اللي مطلع التقرير بتاعها. كانت جريمة بشعة."
"ربنا يرحمها ويغفر لها. بس أنا عاوزاك يا سليم تقعد مع ماما هي وتقنعها توافق. البنت كويسة ومحترمة ومتعلمة كويس ومثقفة وأنا بجد شايفاها مناسبة لخالد، ده طبعًا غير إني شايفة حب خالد ليها وزعلانة على زعله. حاول تقنع ماما يا سليم بالله عليك.. يعني في الأول والآخر.. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا."
يبدو أن شمس الحياة بدأت في الإشراق من جديد بالنسبة لزين، فأصبحت أكثر اهتمامًا بذاتها ومن حولها، أكثر حيوية ونشاطًا. وهذا يعجبه، بل يجذبه تجاهها. اهتمامه بها أصبح رغبته الداخلية وليس مجرد واجبه كال وقت السابق. يحرص فقط على تأديته.
"إن شاء الله الموضوع هيتم، هحاول أقنعها بكرة وخير بقي. يلا أنا هدخل دلوقتي أنام شوية."
ابتسمت وانشغلت بما حولها، تبدأ في تجهيز الطعام. حتى انتبهت على صوته يناديها، فتحركت للداخل لترى ما يريد.
"نعم؟"
"إنتي نقلتي حاجتك هنا؟"
"آه، هو.. دي نصيحة الدكتورة، هتضايق؟"
التفت ينظر لها بتعجب وأجابها سريعا:
"لا طبعًا."
ابتسمت بتوتر، وكادت ترحل، ولكنها توقفت على سؤاله المتعجب:
"إنتي اشتريتي هدوم جديدة؟"
"أيوا.. لبس بيت وكام طقم خروج."
"جبتي فلوس منين؟"
"أخدت من بابا."
عبسـت ملامحه وسألها بحده:
"يعني إيه أخدتي من بابا! ليه مش قادر أصرف عليكي ولا عارف أجيبلك هدوم؟! ليه مطلبتيش مني؟ عمري ما كنت هرفض!"
"أنا.. بصراحة اتحرجت، أنا بأخد منك مصروف البيت ومتعودتش أنا اللي أطلب."
تنهد سليم ينظر لها بانزعاج وأردف بحزم:
"أنا محدش يصرف على بيتي ولا على مراتي يا زين حتى لو بابا.. حقك عليا أجيبلك كل اللي انتي عاوزاه ومفيش حاجة اسمها اتحرجت."
"معاك حق، أنا آسفة."
تنفـس ليعود لهدوئه، ثم اقترب يقف أمامها وأمسك بيدهـا، يقول بهدوء:
"لما تحتاجي أي حاجة تقوليلي وأنا هسيبلك زيادة على مصروف البيت بعد كدا."
رفعت عينيها له. كيف يمكن له التصرف معها بكل هذا الود، وكأنه لم يجبر على الزواج منها. بحثت بعينيه عن الندم على قراره فلم تجده. رأي ندم ذلك وهو يفعل كل ما بإستطاعته لمساعدتها على التخلص من ذلك الاكتئاب الذي شخصتها به الطبيبة. في البداية تركها لراحتها، تركها لعزلتها وصمتها الدائم وبكائها المستمر. بمجرد أن خطت هي خطوة واحدة لمحاولة إنقاذ زواجهم، كان هو بالمقابل يفعل أضعاف ما تفعله، وكأنها لم تنفر منه يومًا، لم تتجاهله بالأيام والليالي! لم تسرق منه الحق بالزواج من فتاة يحبها.
سحبت يدها وابتسمت بخفوت، تتحرك للخارج، تتركه ينظر في أثرها كالمعتاد.
***
"روح اقعد جنب إخواتك يا عيسى وسيبني أشوف اللي ورايا."
"يعني موحشتكيش؟ ولا كأني بقالي أسبوع مسافر."
التفتت تنظر له بحب. لم تشتاقه!! بل فعلت حتى كادت تجن لغيابه. كانت تلك المرة الأولى التي يذهب بها عيسى في سفر طويل لأجل عمله وبقيت هي بدونه تنتظره بكل لحظة. غمزها عيسى يقول بخبث:
"خلاص عينيكي قالت كل حاجة."
ابتسمت وعادت لتدفعه للخارج:
"يلا روح اقعد مع إخواتك، بقالك كتير مشوفتهمش."
تراجع بظهره، وبصعوبة تمكن من رفع عينيه عنهـا، فهو اشتاق لها حقًا. تحرك للخارج ليجلس مع إخوته الذين قرروا فجأة زيارته وزيارة أخته وابنة عمهم.
بالخارج كان منتصر يجلس على الأريكة يأكل أظافره، يحاول السيطرة على غيرته. فهم بالنهاية إخوتهـا، ربما لأنه نادرًا ما يراها معهم. لم يعتد رؤيتها جوارهم، لم يعتد فقط.
نظر له عيسى بخبث واتجه يجلس جوار عمار، حيث جلست فردوس بين التوأمين. وبذلك ضمت الأريكة أربعتهـم، وأمامهم منتصر يرسم ابتسامة على وجهه. فقط ضحكاتها وسعادتها جوارهم هي ما منعته عن أخذها من بينهم.
"أخبار الجيش إيه يا دفعة؟"
أجابه عمر بضيق:
"ادعيلي أخلص بقى على خير."
"ربنا معاك، بتبقى فترة صعبة أنا عارف بس هانت خلاص."
سألته فردوس بتعجب:
"إيه ده أنت دخلت الجيش يا عيسى؟ إزاي وأنت مكنتش تعرف إن عندك إخوات؟"
ضحك عيسى وأجابها بسخرية:
"ما الحكومة عارفة، هيفيد معرفتي أنا في إيه بقى؟"
ضحكت فردوس ونظرت لعمـار تقول بشفقة:
"كلها سنة وشوية وعمار هو كمان يدخل الجيش."
ابتسم عمار بهدوء، ثم التفت يهمس لعيسى:
"عاوز أتكلم معاك شوية."
أومأ له عيسى وتحرك وخلفه عمار تجاه التراث. وقف الاثنان لدقيقة ينظران للطريق بالأسفل. تنهد عمار وأردف:
"أنا عندي فشل كلوي.."
التفت عيسى ينظر له بصدمة. فأكمل عمار محافظًا على نفس وتيرته من الهدوء:
"الدكتور اقترح أغسل مرة وبعد كدا أكمل على أدوية، بس بعد كدا قالي لأ لازم أغسل مرتين في الأسبوع، لحد ما ألاقي متبرع لأن حتى الغسيل مش هيكمل معايا كتير."
لم يستطع عيسى التفكير كثيرًا، فقد أصابه الحزن لأجل أخيه الذي بالكاد يبلغ ثلاثة وعشرين عامًا.
"مش الإنسان ممكن يعيش بكـلية واحدة أصلًا؟!"
أجابه عمار بآسى وهو يحاول إخفاء دموعه:
"أنا أصلا عايش بكـلية واحدة يا عيسى.."
"يعني إيه؟! إنت مولود بكـلية واحدة ولا أنت كنت تعبان بردو قبل كدا؟"
"أنا اتولدت بكـلية واحدة كانت تعبانة بس كنت باخد علاج وكانت أموري تمام.. لحد من خمس سنين مبقاش في حل غير إن حد يتبرعلي.. وساعتها عمر اتبرعلي وكنت قولت خلاص الكابوس انتهى، مكنتش متوقع إن ده هيحصل تاني."
صمت عيسى لثواني ثم أردف بحزم:
"خلاص أنا هتبرعلك.. إنت تفضل هنا وتأجل الكلية السنة دي، هنروح أحسن مستشفى متقلقش وهنحل الموضوع."
"وبعدين يا عيسى.. هيـرجع يحصل فشل تاني وأدور على متبرع تالت؟ خلاص هو ده نصيبي وأنا راضي بيه. أنا مش بقولك عشان كده، أنا بس كنت عاوز أوصيك على عمر. عمر ذكي ومجتهد بس طايش مش واخد الحياة جد. أنا عاوزاه يبص لمصلحته ومحدش هيهتم إنه يكون أحسن غيرك."
"اللي أنت بتفكر فيه ده على جثتي، مش هقف أتفرج عليك. بقولك إيه إنت معاك جواز سفر؟ هنسافر برا مصر في أقرب وقت.. جهز نفسك."
"أنا خايف.. أنا مقولتش لحد غيرك عشان مش عاوز أسمع مواساة من حد."
اقترب عيسى منه يضمه بقوة للمرة الأولى وربت على ظهره يقول بحزم:
"وأنا مش هواسي عشان إنت هتبقى كويس. أخوك موجود وهيتصرف متخافش، إن شاء الله هتبقى كويس وهتكمل الكلية وهتتخرج وهفتحلك عيادة محدش يحلم بيها. سيبك من عمر ده صايع أنا عارف مش محتاج توصية ده محتاج يتربي أصلا. أنت فاكرني مش عارف إنه طايش وبتاع بنات، لأ أنا عارف بس مستني يخلص الجيش و هاخده الشركة أسحله في الشغل. متقلقش عليه."
تحرك الاثنان بعد دقائق للداخل، وعيسى بداخله يخشى فقدان أخيه. أخرج هاتفه يرسل لخالد رسالة:
"لما تخلص شغل عدّي عليا، عاوزك ضروري."
خرجت زمرد تقول بابتسامة:
"يلا يا جماعة العشاء جاهز، فردوس تعالي ساعديني أقوم."
"حاضر يا زوزو…"
ساعدتها فردوس وجلسوا جميعًا حول طاولة الطعام ليجدوا أصناف الطعام المختلفة لتناسب جميع الأذواق. جلست فردوس تضع الطعام لمنتصر بحب، فاقترب يهمس لها:
"حطيلى حاجة إنتي اللي طبخاها عشان وحشني أكلك."
ابتسمت له بحنان، فهي منذ إصابتها لم تذهب لمنزله ولم تعد له الطعام كما اعتادت. فبدأت تضع له مما حضّرت هي بنفسها ليتناوله بإستمتاع.
***
"يا سليم افهمني، والله أنا مش وحشة والله حنة دي بنت زي الفل، بس ليه ابني ما ياخدش واحدة مسبقلهاش جواز؟! لأ، وحتى جواز عرفي مش متوثق."
فاض الكيل. قضى سليم أكثر من ساعة جوارها يحاول إقناعها. نظرت زين لوالدتها بغضب وصرخت بضيق:
"ما تفكري في بنتك اللي هربت وكانت هتترمي في الشارع وربنا رزقها براجل واتجوزها وبيعاملها أحسن معاملة!! ماما لو كانت نور عايشة كان زمانها هي اللي محطوطة في موقف حنة ده."
أردف سليم بحدة:
"زين اهدى الكلام ميكونش كدا… بصي يا ماما خالد بيحبها، بلاش تكسري بخاطره، وافقي على الأقل عشان خاطر سعادته هو."
تنهدت والدة خالد بتعب وحيرة، ثم أردفت وأخيرًا:
"خلاص، على خيره الله ربنا يوفقه ويسعده. أنا مش عاوزة حاجة أكتر من راحته.. خلاص يا سليم قوله إني موافقة."
في تلك اللحظة، دلف خالد ليجد الجميع في صالة المنزل. فاتجه ليصافح سليم، ثم ضم أخته بحب يسألها بابتسامة هادئة:
"عاملة إيه؟"
"الحمد لله يا حبيبي."
ذهب خالد بنظره تجاه والدته ينظر لها بعتاب، ورغم ذلك ابتسم بحزن وجلس صامتًا. اقترب سليم من زين يهمس لها:
"عاملة إيه؟"
نظرت له تقول بتعجب:
"الحمد لله."
طالعها بضيق، ثم التفت يبتسم لخالد يغمزه يقول بمشاكسة:
"أخبارك إيه يا عريس؟"
"عريس إيه بقى ما خلاص."
تنهدت والدته ثم أردفت بهدوء:
"خلاص يا خالد، أنا موافقة على حنة. هي بردو بنت مؤدبة وهادية وتناسبك."
اتسعت عيناه، طالعها بصدمة، ثم اتسعت ابتسامته وعلى صوت ضحكاته فرحًا يسألها بعدم تصديق:
"بجد!! بجد موافقة أكلم عيسى تاني؟"
دمعت عيناها لسعادته، واقتربت تضم وجهه بيديها:
"ألف مبروك يا حبيبي."
ضمهـا خالد بحب وهو يشكرها بامتنان، وتعالت دقات قلبه. أخيرًا سيحصل عليها ويتقدم لخطبتها!
غمزه سليم:
"أنا اللي أقنعتهـا."
"تسلم يا سليم، ربنا يسعدك في حياتك إنت وزين يا رب ويرزقكم بالذرية الصالحة."
ابتسم سليم لسعادته تلك، ثم التفت لزين يغمزها بمشاكسة، فتحركت بتوتر تجاه الداخل، تردف بتذكر:
"يلا… يلا عشان نتغدى."
***
في المساء، عاد عيسى لمنزله ممسكًا بيد زوجته بعد أن قضى بقية يومه معها. بعد أن بدل ثيابه، تحرك للخارج على صوت طرقات على باب شقته ليجده خالد.
"إزيك يا خالد، اتفضل."
"أنا.. عاوز معاد أجيب أهلي وأجي أتقدم لحنة."
ابتسم عيسى بهدوء، برغم سعادته بذلك الأمر، وأردف:
"هفـاتح حنة في الموضوع وأرد عليك… قولي بس التحاليل أخبارها إيه؟"
"لحظة هتصل بالمعمل."
"طيب تعال ادخل نقف في البلكونة، أنا لسه مقلتش لحد."
دلف الاثنان، وأخرج خالد هاتفه ليتصل بالمعمل، فآتاه الرد بعد قليل، ليرسل له المعمل النتائج على أحد وسائل التواصل. فأمسك خالد النتائج يقرأها ليردف بأسف:
"لأ يا عيسى، إنت مش هينفع تتبرع."
أخفض عيسى رأسه يقول بحزن:
"أخويا بيموت يا خالد صح؟ عمار مش هيعيش فعلاً!"
التفت الاثنان على صرخة فردوس التي سألتهم بصدمة:
"هو مين دا اللي بيموت!!"
تحرك عيسى تجاهها يأخذ بيدها، وهي تطالعه بنفس صدمتها تلك. خرجت كل من زينات وزمرد، التي تفاجأت بوجود خالد، فعادت لترتدي حجابها ونقابها سريعًا.
"إهدي يا فيفي، خدي نفسك بالراحة إهدي."
ولكنها لم تفعل سوى البكاء بصوت مرتفع وبحسرة وحزن، حتى كاد قلبها يتمزق:
"عمار مش هيعيش ليه؟ ماله عنده إيه؟ عالجه يا عيسى بالله عليك حتى لو هنسفره برا."
"مش هسيبه والله."
سألت زمرد وهي تبكي أيضًا:
"هو ماله يا عيسى أنا مش فاهمة حاجة."
قال عيسى بآسى:
"عمار كان عايش بكـلية واحدة.. وللأسف هو دلوقتي عنده فشل كلوي وبيغسل مرتين كل أسبوع، بس لازم حد يتبرعلـه."
مسحت فردوس دموعها تقول بثبات:
"أنا هتبرعله.. يلا نروح المستشفى دلوقتي وأنا هتبرعله."
"لو متطابقة ومعاكي لو مفيش خطر عليكي وجوزك موافق هنضطر إنك تتبرعي له انتي لأن أنا عملت التحاليل ومنفعتش."
"طيب يلا نعمل التحاليل، إن شاء الله مفيش خطر ولا حاجة. أصلا عادي إن الإنسان يعيش بـكلية واحدة وأنا معنديش أي أمراض.. هينفع يا عيسى أنا معنديش مشكلة."
"ومنـتصـر لازم تقـوليله!"
صرخت فردوس بغضب:
"لو مش موافق يبقى يطلقني هو حر."
كانت تكتم بكاءها بين يديها وهي تتذكر معاناة عمار المرة السابقة. مسحت دموعها وقالت بصوت مختنق:
"أنا مش مطابقة.. ودلوقتي عيسى كمان مش مطابق وبابا وعمي عمرهم كبير، بس لو اضطرينا يبقي…."
قاطعها عيسى يقول بغضب:
"أنا روحت لمجدي.. عاوز يخرج من السجن مقابل إنه مجرد يعمل التحاليل."
همست زينات بحقد:
"حقير."
نظرت فردوس لخالد وتحدثت متجاهلة حديثهم:
"فصيلة دمي A موجب، دكتور خالد نقدر نعمل التحاليل إمتي؟"
"كويس نفس الفصيلة وباقي التحاليل دلوقتي لو عاوزين!!"
أردف عيسى بحزم:
"جوزك يوافق الأول."
نظرت له فردوس وأجابته بحدة:
"تمام اتصل بيه دلوقتي."
تنهد عيسى بتعب وأخرج هاتفه ثم تحرك للتراث. أجابه منتصر بعد دقيقة:
"إيه يا عيسى؟"
"تعالالي البيت، أنا وفردوس عاوزينك في موضوع."
"هي كويسة؟"
"أيوا تعال بس ومتتأخرش."
بعد أقل من نصف الساعة، دلف منتصر ينظر بحيرة لتجمعهم في ذلك الوقت، حتى وقعت عينيه على فردوس وعينيها التي انتفخت من كثرة البكاء، فتحرك تجاهها بريبة جالسًا جوارها:
"في إيه؟! إيه اللي حصل يا فردوس؟! مالك؟"
ازداد بكاؤها وهي تستند برأسها على صدره، فضمه يربت عليها ونظر لعيسى بحيرة يسأله بقلق:
"في إيه يا عيسى؟!"
أخبره عيسى بكل القصة وعن رغبة فردوس في التبرع لأخيهـا، وبانتهاء حديثه حل الصمت على الجميع وتوجهت أعينهم لمنتصر. تنفس بعمق وأخرجها من بين يديه ينظر لها يهمس لها:
"أنا معاكي في اللي إنتي عاوزاه.. بس أوعديني مبقاش وحيد تاني."
لا تستطيع قطع وعدًا له، برغم أنها تعلم أن نسبة نجاح عمليات كتلك ناجحة، لا خطر عليها، ولكنها لن تستطيع قطع ذلك الوعد. توسلته بعينيهـا، وقد استطاع قراءتهم ببساطة. فسقطت دموعه يضمها مرة أخرى لدقيقة، ثم التفت لخالد:
"اعمل اللازم يا خالد."
أردف خالد بهدوء:
"متقلقوش يا جماعة مفيش أي قلق على فردوس، خوفكم ده مفيش ليه داعي."
خلال يومين، وبعد الانتهاء من كل الفحوصات اللازمة وتطابقت فردوس بالفعل مع عمار بنسبة كبيرة، جلس عيسى على الأريكة أمام فراش فردوس الذي جلست عليه قبل العملية بدقائق، تقول بملل:
"هو فين منتصر؟! اتأخر كل ده ليه؟"
"راح يخلص شوية ورق تبعك، اقعدي هروح أشوفه."
تحرك عيسى للخارج ليجد عمار في وجهه، فسأله عيسى بتعجب:
"إنت مش في أوضتك ليه؟ بتعمل إيه هنا المفروض ترتاح."
ابتلع عمار لعابه يسأل عيسى بتردد:
"أنا مش أناني يا عيسى صح!! إني وافقت على إن فردوس تتبرعلي؟"
"لأ طبعًا، فين الأنانية في إنك تختار تعيش!! إنت وأختك هتبقوا كويسين. الإخوات يا عمار بيضحوا بروحهم عشان بعض مش بس بجزء من جسمهم. أنا عارف إن مفيش حد كان معانا يفهمنا بس الحياة قدرت تعلمنا كويس كل دا. مأخدناش من قسوة وجحود مجدي وعرفنا نحب بعض."
"وأنا فعلاً بحبك أوي يا عيسى.. عاوز أدخل لفردوس شوية قبل العملية."
ابتسم له عيسى يجيب بهدوء:
"ماشي وأنا هروح أشوف منتصر فين."
تحرك عمار لداخل الغرفة ليجدها تجلس على طرف الفراش تنظر حولها بملل، فأتجه يقف أمامها مبتسمًا، لتردف هي بحماس:
"عالفكرة أنا قولت لطنط زينـات تعملنا كل واحد فرخة لوحده ومحدش منهم هياكل معانا، خلينا نشوفلنا يومين دلع بقى، ومامتك كانت زعلانة إن عيسى منعهم يجوا معانا بس أنا قولتلها الأحسن إنها تعملك الأكل اللي إنت بتحبه."
ضحك عمار واقترب يمسك بيدها، ثم وضع قبلة رقيقة على جبهتها، يردف بابتسامة:
"شكرًا يا فيفي."
ابتسمت له بحنان ورفعت يديها تضم وجهه تقول بحب:
"أفديك بعمري والله، إنت مش عارف إنتوا بالنسبالي إيه يا عمار، ربنا يقومك بالسلامة وجسمك يتقبل الكلية وتعيش شبابك يا حبيبي.. إن شاء الله هنبقى زي الفل يلا بقى متخليناش نقلبها دراما وروح أوضتك عشان لو في علاج هتاخده قبل العملية تاخده.. يلا متسيبش سريرك."
أومأ لها برأسه، ثم تحرك للخارج ليأتي منتصر بعد دقائق يحمل أدوية من المفترض أن تأخذها بعد الجراحة. تحرك يضعها في أماكنها بالترتيب بحرص شديد، وهي تتابعه بتعجب:
"إنت اشتغلت مع التمريض هنا ولا إيه!!"
"ششش.. خليني أركز."
"تركز إيه يا منتصر سيبك من الحاجات دي وتعالى أما أحضنك قبل ما أدخل العملية."
التفت ينظر لها يقول بضيق:
"اتلمي إنتي داخلة أوضة العمليات."
"إنت يا ابني حد مديلك على دماغك ولا مكنتش حاضر وإحنا بنكتب الكتاب ولا إيه!! أنا مراتك على فكرة!"
"ششش اسكتي وتعالي اقعدي."
نظرت له بضيق، ثم جلست وجلس هو بجوارها ممسكًا بيدها، ثم بدأ يتلو بعض الآيات القرآنية. لتطالعه هي بابتسامة واسعة تهمس بحب:
"أنا بحبك يا منتصر."
دلفـت حنة في تلك اللحظة وهي تدفع عامود معلق به أحد المحاليل الطبية، ثم اتجهت تأخذ بيد أختها بصمت، فهي الوحيدة التي عارضتها ولا تزال ترفض الأمر. وضعت بها "الكالونا" الطبية وقامت بضبط سرعته، وأردفت بصوت مختنق:
"يلا.. الدكتور مستنيكي."
تحركت فردوس خلفها، ثم التفتت تبتسم لمنتصر، الذي بادلها بابتسامة ليطمئنها. ثم جلس بمفرده بداخل الغرفة. لا يعرف إن كان عيسى بتزويجه له قد أنقذه من العودة لذلك الظلام، وقد كان ضائعًا به لأعوام من قبل، أم أن فردوس نفسها فتاة فريدة من نوعها استطاعت هي ضمه لجوارها ولعالمها ليصبح شغوفًا بها لذلك الحد.
***
بعد عدة ساعات، خرجت فردوس وأخيرًا، يدفع الممرضون سريرها المتنقل تجاه الغرفة من جديد. اتجه منتصر وحنة لها، يتحركان معها. كانت فاقدة تمامًا لوعيها.
"هتفوق خلال ساعة، مفيش قلق عليها."
ذهب الجميع من حولها، وتبقّى الاثنان ينظران لها. كان من المفترض أن تبقى حنة جوارها، ويعود منتصر لجوار عيسى ليكن بجواره تحسبًا لأي أمر طارئ، ولكن نظرات منتصر لفردوس جعلت حنة تتحرك باستسلام عائدة لعيسى.
اقترب منتصر من فردوس يمرر يده على وجهها، ودقات قلبه المتسارعة تضرب صدره بقوة، يهمس لها:
"أأقول أحبك يا قمري! آه لو كان بإمكاني.. فأنا لا أملك في الدنيا إلا عينيكِ وأحزاني."
***
"عمار هيطلع عناية لحد ما وضعه يستقر ونشوف رد فعل جسمه، بس خير إن شاء الله يا عيسى متقلقش."
"عاوز أشوفه يا خالد."
"صعب دلوقتي يا عيسى، اصبر ساعتين تلاته هخليك تشوفه."
تحرك خالد للأعلى حيث غرف العناية. وبقيت حنة تقف على مسافة من عيسى، فأردفت بهدوء:
"خير إن شاء الله."
تنهد عيسى بتعب وتحرك وهي بجواره تجاه غرفة فردوس، فأوقفـته حنة تردف بخفوت:
"فيفي طلبت مني أنفذ لها حاجة أول ما تصحى… لو تفتكر الشاب اللي كان متقدملي من شهر هو كلمني تاني، فأنا قررت أعرفـه ظروفي وهو معندوش مانع وأنا قولتلـه إني موافقة.. فيفي شالت همي كتير أوي برغم إن المفروض العكس. لأن أنا الكبيرة وهي حياتها دلوقتي بقت مستقرة مش عاوزة أكون سبب تاني لزعلها. وهو ده كان طلبها إني أوافق. بس محبتش أبلغها بموافقتي دي قبل ما أقولك."
أردف عيسى بتردد:
"بس… بس خالد طالب إيديكي مني، خالد بيحبك."
توسعت عيناهـا تسأله بصدمة:
"إيه!!!"
رواية عيسى القائد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية محمد
أردف عيسى بتردد:
" بس… بس خالد طالب إيديكي مني، خالد بيحبك."
توسعت عيناها تسأله بصدمة:
" أي!!!"
صمت عيسى لدقائق يتابع ملامحها المصدومة، ثم أردف بهدوء:
" لكن في النهاية اللي أنتي عاوزاه أنا هعمله."
تحرك عيسى للداخل وهي خلفه، تجلي في زاوية الغرفة شاردة في أمرها. بينما جلس عيسى ومنتصر على الأريكة القريبة للفراش يتابعن فردوس بملل. حتى بدأت في الحركة، فتحركوا ليقفوا جوارها.
لتتمتم بضيق:
" اتلم يا منتصر."
نظر عيسى لها بتعجب واقترب منها. بينما فتح منتصر عينيه بصدمة وهو يضع يديه على وجهه.
" بطـل قلة الأدب."
التفت عيسى ينظر لمنتصر بضيق، بينما صاح الآخر يدافع عن نفسه:
" ورب الكعبة أنا معملتش حاجة."
تحرك بحرج يحاول إفاقتها، فهو يعلم زوجته، ليست خجولة بأي شكل، والآن مع التخدير يمكنها التمادي لأقصى درجة. وضعت حنة يدها على وجهها تكتم ضحكاتها وقد احمر وجهها خجلاً. اتجه عيسى يجلس جوارها، فأستفزته ضحكاتها المكتومة ليصيح بضيق:
" اسكتي أنتي كمان بدل ما أولع فيها دلوقتي."
دلف خالد للغرفة وتعجب لرؤيته لضحكات حنة، ولكنه ابتسم وشرد بها لثوانٍ. ليتجه عيسى يقف أمامها يردف بنبرة جافة:
" ما هي ناقصاك أنت كمان."
تعجب خالد يسأله بتيه:
" أنا عملت إيه! أنا جاي أشوف الحالة."
" طيب ركز مع الحالة يا دكتور، مع الحالة يا حبيبي، المشرحة مش ناقصة قتلة."
تحرك خالد متعجباً تجاه فردوس، بينما تابعته حنة بابتسامة هادئة وحيرة تملكتهـا وحزن بدأ يسري بداخلها عندما تذكرت أمر ذلك الشاب الذي تقدم لخطبتها أكثر من مرة، حتى وافقت بالنهاية رغمـا عن قلبها. ولكنها كانت تخشى الوحدة، فأختها ستتزوج بعـد بضعة أشهر وستبقى بمفردها لا صاحب لها. وهو أخبرها بأنه يصدق قصتها ولا مانع له وبدا لها مهذباً وأخلاقه عالية، فوافقت عليها تبدأ حياة جديدة وتنسى أمر خالد. ولكنها ببساطة بعد ما أخبرها به عيسى لن تستطيع فعل ذلك الآن.
وأخيراً عادت فردوس لوعيها، برغم أنها بدأت تهذي ببعض الكلمات، ولكن وضعها كان سيئاً عندما بدأت في التقيؤ. فأقتربت لها حنة لتهتم بها، ولكن الأمر لم يتوقف حتى بعد ثلاث ساعات.
" هو اللي بيحصل دا طبيعي يعني؟!"
سألها منتصر، فأومأت حنة برأسها:
" هتبقي كويسة دلوقتي."
تحرك عيسى للخارج بقلق، فلم تأتيه أي معلومة عن وضع أخيه حتى الآن، واختفى خالد منذ ما يقارب الساعتين. التفت على صوت إغلاق الباب ليجدها حنة تردف بقلق:
" لو في مشكلة مع عمار أكيد دكتور خالد هيقولنا. متقلقش يا عيسى إن شاء الله خير."
" أنا هروح أشوفه مش هستنى الاحتمالات، أنا غلطت لما مسافرناش برا."
" طيب خلينا نروح نتطمن عليه أحسن."
تحرك كلاهما لغرفة العناية ليجدا خالد بالداخل، فالتفت لهما. تنهد بتعب ثم ابتعد يترك مكانه لعيسى:
" أهو يا دكتور عمار، عيسى هيطمنك بنفسه على فردوس."
نظر عمار بتعب لعيسى، فأبتسم عيسى يردف بهدوء:
" متقلقش هي كويسة وفـاقت وقاعدين معاها على ما أنت تخرج من هنا، أنا جاي بس أتطمن عليك."
ابتسم خالد يومئ له:
" ومتقلقش عليه، عمار زي الفل وهيخرج خلاص من العناية كمان عشر دقايق، مفيش أي داعي للقلق."
آتى الليل بعد يوم مرهق. استعادت فردوس وعيها بالكامل وجلس منتصر أمامها يطعمها. وتكورت حنة بجسدها على الأريكة تقرأ وردها من القرآن الكريم. وبالغرفة المجاورة جلس عيسى بجوار عمار يعطيه الهاتف ليحادث والدته.
***
وقفت جميلة أمام الباب تهندم ثيابها وخصالات شعرها، ثم قامت تطرق الباب بخفة. أتى سليم بعد دقيقة واحدة وعلى عينيه أثر النوم.
" يقطعني يا دكتور مكنتش أعرف إنك نايم، بس لسه بدري يعني."
" خير يا ست جميلة، محتاجة حاجة؟!"
" مفيش أصل كنت قاعدة لوحدي مش لاقية حاجة أعملها وقولت آجي أقعد معاكم شوية."
" معلش والله بس المدام مش موجودة."
طالعته بخبث وأردفت بأريحية:
" وأي يعني هقعد مع حضرتك شوية، أنا أصلي برتاح في الكلام معاك أكتر من المدام، متزعلشي يعني هي قفيلة شوية."
تسمر سليم مكانه عندما تحركت للداخل وجلست على الأريكة ونظرت له بابتسامة وهي تداعب خصلات شعرهـا. تحرك تجاهها يجلس على مسافة منها يسألها بضيق:
" ما تجيبي من الآخر كدا يا ست جميلة، أنتي عاوزة إيه؟!"
ضحكت بخفة ثم أردفت:
" أنت شايف إيه؟!"
ضحك سليم بسخرية وأجابها بحدة:
" بصي أنا راجل محترم وبيحترم الست اللي معاه، بقولك قومي اتكلي على الله وملكيش دعوة بيا."
أقتربت منه تحدثه بنبرة لعوبة:
" وهي يعني البومة اللي أنت متجوزها دي تستاهل تعمل كدا عشانها."
ابتعد يدفعها بعيداً عنه يكمل بنفس حدته:
" أولاً مراتي مش بومة، وآه هي تستاهل، فأتفضلي برا."
وبرغم ذلك عادت لتقتـرب منه من جديد، ليتفاجأ الاثنان بـ زين التي دلفت للتو ونظرت لهما بصدمة. ازدرد لعابه ينظر تجاهها بتوتر، بينما جميلة أردفت بتلعثم:
" طيب أنا هروح أجيب العلاج اللي أنت قلت عليه يا دكتور، مع السلامة."
تحركت جميلة للخارج، فـ تابعتها زين بأعين حادة أثارت الرعب بداخل الأخرى. بينما وقف سليم يتابع رد فعلها وموقفها مما حدث بأعين متعجبة. تحركت تجـاه الغرفة، فتحرك خلفها وقد فقد عقله الآن من برودها، ولم يعد يتحمله.
أمسك بذراعها يسحبها لتلتفت له فصرخ بها:
" أنتي مفيش دم خالص!!! إيه مش شايفة اللي حصل؟! مش حاسة بأي حاجة! أنتي حجر!!"
" المفروض أحس بإيه؟!"
" تحسي بإيه؟؟؟ ليه هو أنا مش جوزك! مش أنتي مراتي والمفروض لما تشوفي موقف زي دا يبقى فيه أي رد فعل!!!"
" أنا واثقة فيك أصلاً وعارفة إنها ست مش كويسة."
" والمفروض أنا أتبسط بقى؟!"
" عاوزني أعمل إيه يا زين أروح أجيبها من شعرها يعني؟!"
" ومتجيبيهـاش ليه!!!"
صرخ بها غاضباً، فـ صرخت به هي الأخرى بقلة حيلة:
" عشان دي قد الجاموسة وأنا ماليش نفس أضربها، ولو كنت دخلت معاها في خناقة كانت هتبهدلني. هو آه أنا آه مش طايقاها ولا طايقة أي واحدة تقرب منك وتقريباً كدا بحبك، بس دا مش معناه أضحي بحياتي عشانك يعني!!!"
" وأنا كمان بحبك، وغوري بقى من وشي."
جلس كلاهما على طرف الفراش يعطي ظهره للآخر يتنفس بغضب. حتى أدرك الاثنان ما تفوهـا به، فـ التفتا بنفس الوقت:
" أنت قلت إيه؟!"
" أنتي قولتي إيه؟!"
اتسعت ابتسامة سليم يتحرك تجاهها، ولكنها طالعته بغضب وتحركت لخارج الغرفة، فتحرك خلفها يمسك بيدها، فـ التفتت له تنظر أرضاً.
" بصيلي."
رفع عينيه ليجدها مليئة بالدموع، فسألها بتعجب:
" بتعيطي ليه؟!"
" أنت ليه تحب واحدة بومة زي ما هي قالت!! أنا عملت إيه يخليك ترفضها أنا حتى كل الوقت بعيدة عنك."
" زين أنا حتى لو مكنتش متجوزك فأنا مقبلش إني أعمل كدا أصلاً! أنا عارف ربنا يا زين حتى لو أنا بغلط بس في حدود. وبعدين أنتي مش بومة يا حبيبتي، أنتي بتمرى بمشكلة وأنا معاكي لحد ما تبقي كويسة."
مسحت عينيها وأنفهـا بأكمام ثوبهـا وسألته بصوت خافت:
" أنت قلت حبيبتي صح؟!"
تابعهـا بتقزز ثم اتجه يأخذ منديلاً وأعطاه لها وأردف بضيق:
" وشكلي هرجع في كلامي."
ضحكت بين دموعها وجلست تقول بجدية:
" أنا عاوزة أكمل معاك يا سليم، بص أنا مش عاوزة نقعد في الشقة دي، عاوزة نبدأ من الأول تاني في شقة تانية، عاوزة أعمل أظبط كل حاجة فيها بطريقتي وأحس نفسي فيها."
" بس دا هياخد وقت، لكن هعملك اللي أنتي عاوزاه. إيه رأيك نعمل فرح؟!"
" وعاوزة دبلة ومحبس."
" دا أكيد."
ابتسمت له وهي بداخلها قد استعادت ولو بعض السكون لحياتها المليئة بالضجيج، وإن كانت تلك الحياة روتينية مملة تجلس بغرفتها لساعات طويلة ليأتي هو في نهاية اليوم يضفي عليها من طاقته وحيويته لتبتسم من جديد. كل ما تتمناه هي ألا تكون مصدراً لاستنزاف طاقته تلك وأن تتمكن من التعبير بصدق عن مشاعرها التي تحملها بداخلها تجاهه، والتي تعرفت عليها في الآونة الأخيرة، لتدرك بأنها طوال كل تلك الأشهر كانت تقع به تدريجياً ولكنها لم تشعر بحماسة الحب الأول ولوعته بسبب ما مرت به. لو التقت به في وقت آخر لكانت هامّت به عشقاً، ممتنة بداخلها إنها ومن أعماق قلبها استطاعت استكشاف ذلك الحب وقد حان وقته.
" طيب أنا بردو بقول نعمل فترة خطوبة كدا نتعرف على بعض."
" نـ إيه!!! إحنا عايشين مع بعض بقالنا عشر شهور يا زين!!! استهدي بالله بلاش الأفكار الشيطانية دي بس."
" إيه يا سليم، أنا محتاجة آخد التجربة من أولها، لأن دا هيفرق في نفسيتي. يعني مثلا تستأذن بابا عشان نخرج و تجيبلي ورد، أنت مثلا عمرك ما جبتلي ورد."
" وموقفي إيه من أبوكي وأنا رايح أستأذن منه؟! معلشي يا بابا أنا بستأذنك بس آخد مراتي ونخرج شوية مع بعض!"
" عادي يعني إيه المشكلة مش هبقى في بيته؟!"
" إنسي.. اللي في دماغك دا مش هيحصل والله، أنا مش هعرف أصلاً، أنا اتعودت أرجع ألاقيكي هنا، صوتك في البيت حواليا.. كل دا والله مقدرش أستغنى عنه، حتى لما أنتي قولتيلي نغير الشقة مش فارق بردو معايا المكان بس طالما أنتي معايا مفكرتش كتير، فمتجيش دلوقتي تقوليلي همشي!!"
" عارف أنا اتأخرت ليه عند ماما؟"
" ليه؟!"
" خالد هيبات في المستشفى وقالتلي أبات معاها، قالتلي أقعد لحد وقت متأخر وبعدين أكلمك أقولك إني هبات، وفعلاً كنت هعمل كدا بس مكنتش مرتاحة، كنت عاوزة أرجع وأشوفك.. أنا خايفة أوي يكون اللي بيحصل بينا دا مجرد تعود!"
" معتقدش، بس عارفة الحب أصلاً أنواع، حتى لو دا حب تعود وعشرة فهو مش أقل مثلاً من الحب اللي من أول نظرة.. زين أنا لما قولتلك بحبك من كام شهر عشان خاطر أقنعك تفضلي هنا أنا فعلاً كنت حاسس بمشاعر ناحيتك، إيه اللي كان مخليني مستنيكي كل دا أصلاً؟ بس مكنتش عاوز أبينلك مشاعري دي عشان مشتتكيش أو ألغبطك."
" على فكرة يا سليم أنت شبه أبطال الروايات أوي، أوقات بحس إننا مش حقيقيين، وإننا جزء من رواية أصلاً."
" ويمكن حد دلوقتي بيقرأ قصتنا ومستني النهاية. هي بالنسبالهم النهاية السعيدة بس بالنسبالي دي البداية يا زينة.. كلمة بحبك مش نهاية لا.. دي بدايتنا مع بعض."
***
في الصباح التالي…
أردفت فردوس بتعب:
" بس أنا كنت عاوزة أشوف عمار قبل ما أخرج!! هو كويس صح؟!"
أومأ عيسى برأسه:
" أيوا كويس والله والعملية كانت ناجحة ومامته وعمك معاه أصلاً من بدري، منتصر راح يخرج العربية هو اللي هيوصلك، أنا وحنة هنفضل هنا وزمرد مستنياكي في البيت هي وماما."
" ياه عمك الغلس دا شبه مجدي بجد، فيهم كرش من بعض بجد بكرههم، طب والله تلاقيه مدفعش ولا جنية في فلوس العملية."
" كتر خيره إنه رباهم وكبرهم وعلمهم كويس، أبوكي معرفش يعمل كدا معايا أنا وأنتي، إحنا اللي اتحرمنا من الأب في حياتنا."
ضمته فردوس تقول بابتسامة وشعور تام بالأمان:
" بس أنا دلوقتي مش حاسة إني اتحرمت من الأب، أنا بحس إني بنتك يا عيسى وأنت أبويا."
قبل رأسها يردف بحنان:
" صح أنتي بنتي.. ومظنش هحب ولادي أكتر منك."
" ربنا يرزقك يا رب يا عيسى."
ابتسم عيسى لها ثم ساعدها للجلوس على الكرسي المتحرك وتحرك بها للخارج حيث ينتظرهم منتصر، والذي اتجه يحملها ثم وضعها بسيارته بهدوء، ودع عيسى ثم انطلق بالسيارة.
عاد عيسى بنظره للمشفى بضيق، فهو يكره عمه ولا يريد البقاء معه، فقرر البقاء بمقهى قريب لبعض الوقت.
جلس متعباً على إحدى الطاولات بالزاوية بعيداً عن الضوضاء، حتى آتاه صوت فتاة تستأذنه للجلوس:
" أستاذ عيسى.. ممكن أقعـد؟!"
رفع عيسى رأسه ليجدها نفس الفتاة التي التقى بها قبل أيام في المطعم. أشار لها عيسى بالجلوس فأردفت بهدوء:
" أنا شفت حضرتك في المستشفى، يعني مش براقب حضرتك ولا حاجة."
" بتعملي إيه في المستشفى؟!"
" بتابع الحمل، مهو المطعم اللي حضرتك خليتني أشتغل فيه بيديني تخفيض تبع المستشفى.. أنا اتجوزت من تلات شهور أنا ومحمود، هو بيشتغل في محل قدام المطعم، اتعرفت عليه لما اشتغلت."
" مرجعتيش لأبوكي؟!"
" لا.."
" أحسن ومتـرجعيش، ركزي في حياتك دلوقتي مع جوزك، ربنا يوفقكم و.. شكراً عشان مقولتيش حاجة قدام زمرد.. هي مراتي."
" هقول إيه، حضرتك أصلاً مأذيتنيش في حاجة بالعكس أنت ربنا بعتك ليا وحياتي بقت أحسن من بعد ما اشتغلت في مطعمك وقابلت محمود، وبرغم الظروف اتجوزنا وربنا هيكرمنا قريب، مكنتش متخيلة إن هخلص من عمايل أبويا، الحمد لله."
" لا.. أنا أذيتك، حتى لو يومها محصلش حاجة بس أنا.. أذنبت أكتر من مرة بنفس الطريقة ودلوقتي بتعاقب، بس صعبان عليا إن زمرد بتتعذب معايا. أنا والله ندمت واستغفرت وتبت.. بحب مراتي ومش شايف غيرها.. هي زي ما أنتي شفتي كدا منتقبة ومتدينة، هادية وبتنصح اللي حواليها بهدوء. الأول كنت بتضايق من نور الأوضة كل يوم ساعة الفجر وهي قايمة تتوضى وتصلي، بس دلوقتي بقي دا المنبه بتاعي.. أقوم وأتوضى وأنزل أصلي في المسجد ولما أرجع ألاقيها قاعدة بتقرأ في المصحف، فأروح أقعد معاها ونفضل نتكلم لحد معاد الشغل. دايماً هي اللي بتديني كل حاجة حلوة، وكل اللي بتتمنـاه هو إنها تكون أم… عندي إحساس قوي إن ذنوبي دي هيكـون عقابي فيهـا بالشكـل دا وكل الزعل اللي هي بتمر بـه دا بسببي أنا."
" كل اللي هقوله إن النبي ﷺ قال: التوبة تجب ما قبلها، وقال عليه الصلاة والسلام: التائب من الذنب كمن لا ذنب له… فأنت تبت وعزمت على إنك مترجعش تاني للذنب وربنا غفور رحيم.. حتى لو هو ذنب كبير، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، فخذ بالأسباب وتابعوا مع دكتور وربنا هيكرمكم ويجعلكم خلف صالح إن شاء الله."
رفع عينيه للأعلى يرجو المغفرة، ثم تنهد بتعب وابتسم لها بخفوت:
" شكراً يا… هو أنتي اسمك إيه صحيح؟!"
" مروة، والعفو يا أستاذ عيسى أنا معملتش حاجة، ربنا يريح بالك، مبسوطة إنك اتغيرت للأحسن، أنا لازم أمشي دلوقتي وإن شاء الله يعني لو لينا لقاء تاني أتمنى تكون وقتها حققت اللي بتتمنـاه."
تحركت سريعاً فهي بالفعل تأخرت، تاركة خلفها عيسى الذي ظل ساكناً لدقيقة ثم ابتسم براحة. احتسى ما تبقى من قهوته ورحل هو الآخر عائداً للمشفى. لسوء حظه التقى بعمه على باب المشفى، فصافحه وتناولوا أطراف الحديث على عجل، وبالكاد هرب منه عيسى عائداً للأعلى.
***
" تمام هنعيد التحليل دا تاني بعد أربعة وعشرين ساعة، وبقية التحاليل ضيفوها للملف كدا تمام خلاص."
التفت خالد لعمار يسأله بجدية:
" هو عيسى راح فين؟!"
" مش عارف."
دلف عيسى للغرفة بتلك اللحظة، فـ التفت له الاثنان، فأبتسم عيسى واقترب يجلس على الكرسي جوار عمار يربت على كتفه برفق:
" إيه لسه حاسس بوجع؟!"
" لا دلوقتي كويس، حاسس إني عاوز أنام."
أردف خالد بهدوء:
" مهي المسكنات هي اللي هتخليك عاوز تنام، غمض عينيك وارتاح. أنا كدا كدا هاخد عيسى وهبعتلك الآنسة حنة تتابعك."
أشار خالد لعيسى ليتحرك معه للخارج. وبينما الاثنان يتحركان ببطء تجاه غرفة المكتب الخاصة بخالد، أردف بجدية:
" ممكن عمار يحصله فشل تاني."
التفت عيسى له ينظر له بصدمة مختلطة بالحزن لأجل أخيه يتساءل بيأس:
" طيب مفيش حاجة نقدر نعملها؟!"
" فيه بس التكلفة عالية وكمان العلاج دا مش متوفر في مصر، لو كدا هنجيبه من بره."
" تمام مفيش مشكلة.. قولي كدا متقوليش هيحصل فشل تاني يا ساتر عليك!"
" أيوا يا عيسى بس هو محتاج تلات كورسات من الأدوية دي والكورس الواحد ممكن يكلفك فوق الـ 2 مليون جنيه."
تنهد عيسى وأردف بجدية:
" خالد قولي إيه المطلوب أعمله ملكش دعوة بالفلوس أنا معايا.. دا أخويا يا خالد هسيبه يموت!!"
" مقولتش حاجة بس أنت.. أنت كتبت القصر اللي حاطط فيه تحويشة عمرك باسم فردوس، أنت بنفسك كنت قايلى إن مش معاك سيولة غير في الشركة ومش هينفع تاخد منها."
" معايا متقلقش… خير إن شاء الله المهم عمار."
" شايل مسئولية كل اللي حواليك يا عيسى، لسه فاكر أول مرة قابلتك في كافتيريا الجامعة.. كنت وقتها مستقل نفسي إني أكبر منك وباخد مصروف وأنت شايل مسئولية نفسك ووالدتك، عشان كدا مش مستغرب نجاحك وفخور بيك."
ابتسم عيسى وابتعـد خطوة يضم ذراعيه أمام صدره يسأله بخبث:
" أنت بتشكر فيا عشان أظبطلك الجوازة ها؟!"
ضحك خالد وأردف بتوتر:
" لا اسكت هي إن شاء الله الجوازة تمشي.. إن شاء الله لما تكلم حنة توافق."
حك عيسى رأسه يردف بحيرة:
" هو بصراحة يعني أنا كلمتها."
برغم توتره سأله خالد بلهفة:
" ها؟ وافقت!! أو قالتلك هتفكر؟!"
" لا.. بس سيبلي الموضوع شوية هحاول فيه."
تبدلت ملامح خالد للجـدية يسأله ببعض الحدة:
" لا فهمني رفضت ليه؟!"
" هي رفضت يا خالد.. بص حنة وافقت على العريس اللي كان متقدملها، بس لما أنا قولتلها عنك حسيت إنها زعلت واتسرعت في موافقتها دي، أنا كنت مستني عمار بس يطلع وهتكلم معاها.. هي المشكلة بس في فردوس هي اللي بتضغط على حنة.. وحنة بتسمع كلامها لأنها بتحس بالذنب إن تقريباً فردوس هي اللي متولية مسئوليتهـا، مش موضوع ماديات بس بوجه عام لكن دا عشان شخصية فردوس أقوى من حنة بكتير."
" بس كدا غلط، فردوس بتضغط عليها ليه!! دا جواز يا عيسى."
" فردوس مش عاوزة تسيب أختها للوحدة بعد ما تتجوز، بعد ما فردوس تمشي حنة هتفضل لوحدها، فهي بتضغط عليها عشان عاوزاها تاخد خطوة في حياتها، وهي مقتنعة بالعريس دا أصلاً من وقت ما حنة قالت عليه."
صاح خالد بحدة:
" يبقى هقنعها بيا وهقنع أختها، والعريس دا لو قرب منها هجيبه تحت مشرطي."
تحرك خالد مبتعداً، ليتبسم عيسى بخبث ويعود لغرفة أخيه.
***
بعد مرور عدة أيام…
استعادت فردوس عافيتها وكذلك عمار، والذي لا يملك أدنى فكرة عن تكلفة أدويته وقد تكفل بها عيسى بالكامل.
انهمكت زمرد في الأيام الماضية بأعمال المنزل ورعاية فردوس، ثم قررت بنهاية اليوم الذهاب لصيدليتها، وقد تركت رعايتها لطبيبتين من نفس فئتها العمرية على أن تتابع هي من وقت لآخر.
مضت بضعة ساعات وهي لا تزال ساكنة تنظر لشاشة الحاسب الآلي، حتى قطع شرودها صوت عيسى:
" سرحانة فيا؟!"
انتبهت له زمرد وابتسمت تسأله بتعجب:
" راجع بدري النهارده… وحشتك ولا إيه؟!"
ابتسم عيسى وجلس أمامها وأمسك بيدها يطبع قبلة هادئة على باطنها:
" بتوحشيني في كل لحظة أصلاً.. النهاردة معادنا عند الدكتورة أنتي ناسيه ولا إيه؟!"
اضطربت وسألته بحيرة:
" هي نتيجة التحاليل طلعت؟!"
أومأ برأسه وأردف بهدوء:
" آه من امبارح.. يلا نمشي!"
سألته بحدة:
" ومقولتليش ليه!! التحاليل فيها حاجة صح؟!"
" مش عارف يا زمرد مفتحتهاش أصلاً ومش هفهم فيها حاجة، بس عشان أنتي هتفهمي فأنا مقولتلكيش، هنعرف عند الدكتورة.. يلا."
تحرك عيسى قبل أن يشتد الحديث بينهم، هي غاضبة وهو يعلم ذلك ولكنـه لن يتجادل معها الآن، هو فعل ما رآه صواباً. تحركت زمرد خلفه تنظر تجاهه بضيق، هو لا يعطيها حتى حق المشاركة بالقرارات الخاصة بهم. كان بإمكانه إخبارها عن رغبته بانتظار موعدها لتقرأ لها الطبيبة التحاليل! ولكن هيهات فهو عيسى القائد.
بـعد قليل… وضعت الطبيبة التقارير الخاصة بهم في الملف مرة أخرى وأعادتها لهم تردف بهدوء:
" بصي يا مدام زمرد أنا هكتبلك على شوية أدوية هتاخديها بإنتظام لمدة شهرين وترجعيلي تاني."
سألتها زمرد بحزن:
" هي إيه المشكلة اللي عندي؟!"
" مشكلة ليها علاقة ببطانة الرحم، بنسبة كبيرة يا زمرد أنتِ حصل معاكي حمل من أول زواجك لكن الحمل دا مثبتش في بدايته، من بعد الأسبوع الأول على طول يعني أول ما بتبدأ البويضة إنها توصل للرحم… فإحنا دلوقتي هناخد العلاج دا ونلتزم بكل التعليمات وترجعيلي بعد شهرين، وحالتك بسيطة متقلقيش."
أومأت زمرد وفضلت الصمت، بينما أنهى عيسى الحديث بهدوء وابتسامة خافتة، وأمسك بيد زوجته ثم رحل بها.
على حالتها من الصمت جلست بجواره بالسيارة. التقطت نفسـاً عميقاً ثم أردفت بخفوت:
" ممكن نقعد في أي كافيه على النيل!"
ابتسم عيسى يومئ برأسه يؤيد فكرتها تلك، ثم أردف يمازحها:
" مع إن مفيش ولا مرة قررنا نخرج أنا وأنتي إلا ولقينا الدنيا اتقلبت."
" والله يا عيسى نفسي نسيبها مقلوبة ونسافر أنا وأنت في أي مكان، أنت عارف أنا محسيتش خالص إني عروسة أصلاً."
" حقك عليا أنا، أنا عارف دا غلطي أنا يا زمرد بس والله هعوضك عن كل دا وقريب."
جلست بارتياح وتنهدت تردف بمشاغبة:
" هيييح لما نشوف.. بس المهم دلوقتي تخرجني وتغديني عشان جعانة أوي وتشربني عصير مانجا وبعدين تاخدني أشتري شوية حاجات على حسابك طبعاً وبعدين تجيبلي آيس كريم ونروح."
" بس كدا دا إحنا عينيا للدكتورة."
***
في المساء…
" يا بنتي إرحميني وكلي بقى!!! ليكي علاج هتاخديه يا فيفي إخلصي."
" قولتلك عاملة ريجيم مش هاكل الأكل دا أنا."
" ريجيم إيه يا بنتي اللي هتعمليه دلوقتي!! يا حبيبتي لازم تاكلي كويس، عدي بس أسبوع كمان ولا حاجة وابقي اعملي!!"
" حنة ريحيني وريحي نفسك، أنا مش هاكل.. امشي بقى سيبيني أرتاح، وبعدين أنا قولتلك ملكيش كلام معايا صح ولا لا!!!"
" ولما متكلمش معاكي أروح فين!!! أكلم الحيطان!!، كل دا عشان عيسى قـالك على حوار خالد دا."
" أيوا.. ماله خالد مش فاهمه؟!"
" مالهوش يا فردوس وأنا مقولتش حاجة، لكن أنا سبق واتقدملي شخص وإديته كلمتي وخلاص مقتنعة بيه، وبعدين أحمد جه وقعد مع عيسى وأخوكي بنفسه قالك إنه كويس، وأنا خلاص هبلغ عيسى بموافقتي النهائية النهاردة بحيث نقرأ الفاتحة بقى ونعمل شبكة في نفس اليوم."
" هتندمي يا حنة، أنتي بتحبي خالد ومنكريش عشان أنا متأكدة زي ما أنا شايفاكي قدامي إنك بتحبيه من وقت ما كنتي معاه في الأقصر… ممكن بس تيجي تقعدي عشان أنا حاسة إني السبب في كل اللي بيحصل دا… حنة أنا كنت خايفة عليكي من مشاعرك دي وكنت أكتر حد مصمم على أحمد دا عشان خاطر تنسي وتكملي في حياتك ومتفضليش واقفة عليه، أنا خليتك تتسرعي صح!! أنا عارفة إني ضغط عليكي بس والله كنت كل اللي عاوزاه إنك تكوني مبسوطة."
ابتسمت حنة وأجابتها بهدوء:
" أنا متسرعتش يا فيفي، أنا استنيته 7 شهور، معاه هنا في العمارة ومعاه وقدامه في المستشفى، مهو لو كان عاوزني كان يبقى من بدري… بس خلاص مفيش نصيب."
" نعلقله إحنا بقى حبل المشنقة عشان أخد وقته!"
سألتها حنة بنفاذ صبر:
" فيفي أنت لو جالك حد دلوقتي قالك إنه بيحبك وعاوز يتجوزك هتعملي إيه؟!"
" أنتي عبيطة بتقارني إيه بإيه!! حبيبتي أنتي لسه مقرتيش فاتحة إنما أنتِ متزوجة و بعدين حتى لو همشي في المثل بتاعك دا.. أنا بعشق منتصر إنما أنتِ العكس بتحبي خالد مش أحمد."
" وأحمد بيحبني وأنا مقتنعة بيه ف خلاص يا فيفي لو سمحتي اقفلي الموضوع، أنا مش هينفع أروح أقول للراجل لا خلاص الدكتور خالد أخيرا جاي دلوقتي يقول إنه عاوزني.. اسكتي ومتفتحيش الموضوع دا تاني وادعيلي ربنا يوفقني في حياتي الجاية دي وخلاص."
" ربنا يعينك على المهلبية اللي في دماغك."
تجاهلتها حنة وأردفت بابتسامة:
" بمناسبة المهلبية، إيه رأيك أقوم أعملك طبقين على ما تتغدي أنتِ بتحبيها."
" مش قولتلك مش هاكل مرة!! أنا محتاجة أخس خمسة كيلو."
طـالعتها حنة تشعر بالغضب منها، تحركت لخارج الغرفة تجاه التراث تأخذ هاتفها ثم أجرت اتصالاً هاتفياً ليأتيها الرد بعد دقيقة:
" أيوا يا حنة، فردوس كويسة؟!"
" أنتي تيجي تشوف حل مع مراتك دي، مش راضية تاكل قال إيه عاملة ريجيم.. أنا بقالي ساعة بتحايل عليها فلو سمحت تعـالا أنت أكلها لأني هلبس وأنزل عندي نباطشية."
" خلاص يا حنة أنا جايلها دلوقتي روحي أنتِ شغلك أنا هقعد معاها."
" تمام أنا هسيبلك المفتاح تحت مع طنط زينات."
" طيب."
بدلت حنة ثيابها سريعاً ثم أخذت حقيبتها وعادت لغرفة فردوس مرة أخرى لتخبرها بذهابها، فودعتها فردوس بملل وأغمضت عينيها لتحاول النوم ولكنها لم تستطع فهي حقاً تشعر بالجوع. ولكن بعد منتصف الساعة شعرت بحركة مريبة بالخارج، فاعتدلت ترفع الغطاء عنها ثم تحركت للخارج تسحب منامتها القصيرة للأسفل، أخرجت رأسها من خلف الباب تدور بعينيها بحثاً عن مصدر الصوت. ظهر منتصر أمامها فجأة فـصرخت وتراجعت للخلف وكادت تسقط، ولكن امتدت يده تحيط بخصرها تمنعها من السقوط. كانت ستصرخ عليه لدرجة تجعله أصم، ولكن بدلاً من ذلك ابتسمت وهي تغرق بعينيه العسليتين اللتين تطالعها بشغف.
" خضتني!"
" سلامتك من الخضة."
اعتدلت تبعد يديه تسأله بتعجب:
" مقولتليش ليه إنك جاي! مش أنا لسه مكلماك من ساعتين؟!"
" لا مهو أنا مكنتش عامل حسابي إني جاي، بس سمعت طراطيش كلام كدا إنك مبتاكليش كويس فقولت أجيبلك حاجة بتحبيها يمكن تغيري رأيك."
أشار للحقيبة التي أحضرها من المطعم المفضل لها، ولكنها تماسكت وحركت رأسها رفضاً:
" لا أنا عاملة دايت، أنت مش شايف أنا تخنت إزاي!!"
ابتعد منتصر يطالعها، فشعرت بالخجل من مظهرها، ولكنه أردف بابتسامة:
" أنا مش شايف غير بنت زي القمر."
ابتسمت بخجل:
" طيب ممكن تخرج أغير هدومي وأجيلك."
تعالت ضحكات منتصر يسألها بصدمة:
" مين مكسوف!! فردوس!؟ مش معقول والله."
" لا مش مكسوفة بس عيسى هيعلقني والله."
أردف منتصر بضيق:
" عيسى بقى خنيق والله، المهم غيري وتعالي هحط الأكل على السفرة."
أجابته بحدة:
" قولت مش هاكل يا منتصر."
" مش هعيد كلامي تاني يا فردوس.. تعالي عشان تاكلي، دا مش وقت دايت وزفت!!"
" لا أنا بقالي أسبوع مبتحركش وحنة وزمرد مبيعملوش حاجة غير إنهم بيأكلوني وأنا مش عاوزة أتخن أكتر من كدا.. ولا أنت هتستنى لما الناس تتريق عليا وأنا معاك!"
" يتريقوا عليكي وأنتي معايا!!! اللي يفكر يبصلك أصلاً مش هيلاقي عينيه دي تاني يا فيفي.. بصي تعالي أقعدي كدا بلاش نتخانق.. قوليلي إيه اللي مضايقك أنتي ومتفكريش في كلام الناس."
جلست فردوس وهو بجوارها، فأردفت بصوت خافت:
" أنا أصلاً طول عمري مضايقة من موضوع وزني دا وجيت دلوقتي.. جيت دلوقتي اتجوزت واحد معندوش تلاتة جرام وزن زيادة وحتى مراتك كانت زي القمر."
" نسرين الله يرحمها كانت مريضة سكر أصلاً والعلاج بتاعها كان فيه أدوية بتعلي الحرق وغير كدا هي كانت بتبقى مضطرة تحافظ على أكلها وبتحرم نفسها بس عشان صحتها وعشان كمان دا كان مؤثر معاها في موضوع الحمل… بس أنتي دلوقتي لسه خارجة من عملية وجرحك حتى لسه ملمش كويس كمان فمينفعش تفكري في ريجيم… وفي فيفي أنا والله شايفك زي القمر ممكن ميفرقش معاكي رأي أي حد تاني!!! ممكن تصبري لما تبقي أحسن وبعدين أنا بنفسي هاخدك لدكتورة تغذية وأحجزلك في أحسن جيم.. بس عشانك أنتي تبقي راضية عن نفسك مش أي حاجة تانية."
" يا ويلي من حلاوة كلامه يا ناس!!!"
" يا ويلي أنا من حلاوتك يا قمر والله مش فاهم لما أنتي تقولي الكلام دا غيرك يقول إيه!! طب دا أنا يا بختي بيكي والله."
" بس الله الرحمن الرحيم مين اللي بيقول الكلام الحلو دا كله!! منتصر أنت كويس؟!"
طالعته منتصر بابتسامة وهو يحك عنقه يشعر بذلك الاضطراب بداخله، مرحباً بشعوره ذلك وهو يختبره معها، تلك الفتاة أثرته بكل الطرق بدون أي مجهود منها، فقط بكونها فردوس أُغرم بها.
" أنا مغرم بيكي أقسم بالله!"
لمعت عيناها بل أنها بكت بصمت، ورغم ذلك ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها تجيبه بحب:
" وأنا كمان.. أنت أحن راجل وأحن زوج وأنا مش عاوزة حاجة من الدنيا دي غيرك."
ترك يدها وضمهـا بحب، ولولا أنهما منتصر وفردوس لكان انتهى اليوم بعشاء رومانسي على ضوء الشموع، ودعته بحب، ولكن انتفض الاثنان على صوت صرخة أفزعتهم حقاً، وقد كان مصدرها عيسى الذي أتى للاطمئنان على أخته.
أردف منتصر بخوف:
" أقسم بالله مستعد أصلح غلطتي."
" أنت بتعمل إيه هنا!!! في بيتي يا منتصر و مع مين مـع أختي يا صاحب عمري!!! ليه يا منتصر الضربة تيجي منك أنت!!"
أردفت فردوس بملل:
" إيه يا عيسى الأوفر دا هو يدوبك قالي مغرم يعني!!"
رفع عيسى قدمه يأخذ حذاءه يلقيه تجاهها، فأبعدت فردوس تختبئ خلف منتصر تستمع لصراخ أخيها:
" وأنتِ كنتي عاوزة يقول إيه أكتر من كدا يا كلبة."
كتم منتصر ضحكاته، لكن عيسى أكمل بضيق:
" أنتم وضعكم دا مش عاجبني فعلاً."
أردف منتصر بهدوء:
" كل الحكاية إني كنت جايبالها أكل وبعدين قعدنا شوية وكنت بطمن عليها بس."
صمت عيسى وتحرك أمامهم ببطء ذهاباً وإياباً، والاثنان يطالعانه وكأنهما مذنبان، حتى نطق عيسى أخيراً:
" فرحكم بعد شهرين.. موافقين!!!"
نظر الاثنان لبعضهما البعض بصدمة، ولكن سرعان ما ابتسم منتصر وأومأ برأسه:
" أنا موافق."
بينما فردوس هزت رأسها رفضاً:
" مش قبل ما حنة تتخطب."
جلس عيسى وسألها بحيرة:
" أختك شكلها بتحب خالد واللي هي بتعمله من ورا ضهرك يا ست فيفي هو أكبر غلط.. وأنا مش عارف أقنعها."
أردفت فردوس بندم:
" وبصراحة أنا حاولت أقنعها بردو مش عارفة."
أردف منتصر:
" طيب ما أحنا ممكن نفهم أحمد دا كل حاجة وهو هيبعد من نفسه."
أجابه عيسى:
" لازم حنة تكون موافقة على أي حاجة هنعملها يا منتصر، إحنا ملناش الحق إننا نتصرف بالشكل دا من غير موافقتها… خالد اللي لازم يتلحلح شوية ويقنعها بيه ولو دا حصل أنا هفهم أحمد كل حاجة… ركزوا بقى أنتم في شقتكم والفرش وانتِ اكتبيلي قايمة كاملة بكل اللي محتاجاه عشان ننزل نجيب كله مرة واحدة وننجز… و آه فستانك هيبقي هديتي ليكي متفكريش فيه وانت يا عريس اعتبر شهر العسل اتحجز."
ابتسم منتصر، ولكن عيسى اقترب منه يهمس له بتحذير:
" لو في يوم زعلتها هتبقى لعبت في عداد عمرك.. فاهم!!"
تحرك عيسى للخارج يطارده منتصر بصدمة، بينما فردوس أخذت حقيبة الطعام وجلست تتناول منها بنهم.
***
بعد مرور عدة أيام…
تحركت حنة بتعب للأعلى حيث شقتها لتجد ورقة صغيرة أمام الباب:
" أنا على السطح لما تيجي من الشغل اطلعي صحيني!"
تأففت حنة فهي تريد النوم حقاً، ولكنها تحركت للأعلى تبحث عن أختها، تحاول أن تستوعب أنها ربما قضت ليلتها على سطح المبنى!!! لكنها بالأعلى لم تجدها، لم تجد سوى بعض اللوحات المغطاة بقماش أبيض، ومن الغرفة الوحيدة ظهر خالد أمامها. لم تفهم ما يحدث حقاً، ولكنها استنتجت أن أختها ليست بالأعلى، فاستدارت لترحل، ولكنـه أوقفها.
" حنة!! لحظة واحدة."
التفتت مرة أخرى بتوتر وقد اثلجت أطرافها، وكانت خطواتها الصغيرة التي اتخذتها تجاهه صعبة للغاية، وبرغم ذلك سألته بثبات:
" خير يا دكتور."
" بص هو أنا كنت عاوز أقولك حاجة، بس أنا مش عارف إزاي فتصرفت."
تحرك سريعاً تجاه اللوحة الأولى، كان رسومات كرتونية بسيطة، بتلك اللوحة رأت فتاة تقف بمحطة القطار خلفه وهو ينظر لها.
" أنا أصلاً كنت معجب بيكي من أول مرة شوفتك فيها."
تحرك للوحة الثانية ليجدها صورتها عندما شعرت بالتوعك بالمشفى وكان هو جوارها.
" وهنا حسيت قد إيه أنا مهتم بيكي!"
تحرك للوحة الثالثة وكانت عبارة عن فتاة تقف أمام جرس منزل صغير:
" وهنا كنت فرحان إنك جاية بيتي، حتى لو مكنتش فاهم ليه عيسى طلب مني كدا.. ولما كارم جه وعرفـت إنك كنتي متجوزة وفهمت قصة جوازك.. صدقتك ومشكتش في صدق حديثك في لحظة."
باللوحة الرابعة كانت صورتها تقوم بإعداد الطعام في مطبخ يشبه نفس مطبخ شقة خاله:
" وهنا كنت بفكر قد إيه هبقى محظوظ لو رجعت كل يوم لقيتك في بيتنا أنا ومطبخنا.. وتكوني حلالي يا حنة!!"
وقبل أن يرفع القماش عن اللوحة الخامسة أوقفته حنة بصوت خافت:
" لو سمحت يا دكتور خالد!! الكلام دا مفيش منه داعي، أنا في حكم المخطوبة دلوقتي!"
" وأنا مش قادر أقتنع ومش عاوز أصدق إن دا بيحصل!! حنة أنا والله كنت عاوز أتقدم من زمان بس خايف من رد فعلك وأنتي طول عمرك كنتي بتقولي إنك رافضة المبدأ.. كنت خايف من الرفض فوقفت على أرض محايدة."
" لا.. أنت كنت ضامني يا دكتور، كنت ضامن إني هفضل موجودة، وفاكر إنك بالنسبالي أصلاً فرصة مقدرش أرفضها!!!!"
" لا!!! والله أبداً عمري ما فكرت كدا! أنا اللي كنت خايف من الرفض، مكنتش عارف هتقبلي ولا لا!.. أنتي اللي بالنسبالي فرصة يا حنة وأول حب لشاب عمره 35 حياته كلها بين دراسة وشغل مكانش فيها مجال لأي مشاعر بس أنتي جيتي من أول نظرة غيرتي كل دا.. حتى لو هتفضلي رافضاني يا حنة خليكي عارفة كدا كويس، أنتي بالنسبالي كنتي حاجة عالية خايف مطولهاش مش العكس زي ما أنتي فاكرة!!!"
" دكتور خالد.. كل شئ قسمة ونصيب وأنا نصيبي جه وإن شاء الله ربنا هيرزقك باللي أحسن مني."
قاطعته حنة فأومأ خالد بيأس، وبتلك اللحظة تدخل جميع من بالغرفة، وللحقيقة جمعت تلك الغرفة الكثير من الأشخاص… عيسى وخلفه منتصر ومن ثم زمرد وفردوس ومن بعد زين وزوجها سليم، وقد رتبوا جميعهم للأمر لمساعدة خالد.
أردفت فردوس بيأس:
" طب فكري تاني يا حنة!"
أردف عيسى بهدوء:
" اللي أنتي عاوزاه هو اللي هيحصل."
اقتربت زمرد تمسك بيدها تردف بحنان:
" بس يستاهل تديله فرصة."
اقتربت زين تقف جوار أخيهـا:
" يا ست والله بيحبك!"
وقف عيسى أمامها يهمس لها:
" خالد ميعرفش إنك بتحبيه، محدش فينا ليه الحق يقوله، بس صدقيني لو جوازتك من أحمد كملت هتبقي بتظلمي نفسك وبتظلمي أحمد."
صمتت حنة تنظر للجميع. وقفت بعينيها على خالد، ذلك الذي أحبته بصمت كل تلك الأشهر. هي فتاة بسيطة ربما ستنسى حبهـا له وتمضي حياتها مع شخص آخر، ربما يسألها حفيدها يوماً هل أحبت بصدق يوماً!! وتتذكره وتبتسم بألم… ألا يكفيهـا ما أخذته من الألم بحياتها!! والآن لن تأخذ ذلك الطريق بنفسها، ستختاره وتختار نفسهـا معه، ربما تأخر قليلاً، ربما هو أناني بشكل ما وهي قررت تلك المرة أن تسعى لسعادتها، تصغي لدقات قلبها التي تناديه.
" هقول لأحمد إيه؟!"
" مش هتقولي حاجة… أنا اللي هقول، أنا أخوكي يا حنة."
ابتسمت حنة تقول بامتنان:
" أنت أكتر من أخ يا عيسى، وعشان كدا قول للدكتور خالد لو عاوزني يبقى يتقدم رسمي ويجيب والده ووالدته وبعد كدا يبقى يحسب حسابه على ضوابط الخطوبة.. التسيب دا لا يمكن اسمح بيه."
أعطته نظرة أخيرة وابتسمت بخجل قبل أن تستدير وترحل، تاركة إياه ينظر في أثرها بصدمة يتساءل:
" يعني إيه!؟ ناجح ولا ساقط كدا؟!"
اقترب عيسى يكتم ضحكته:
" هات والدك ووالدتك وتعالى بكرة الساعة 6."
تحرك عيسى وخلفه زوجته ومنتصر وفردوس التي لحقت بهم، وتبقت زين التي أردفت بتعجب:
" أعتقد إنها كدا هتوافق خلاص يعني… مبروك يا خلودة، يا ريت تنجز بقى عشان أنت قربت تعجز."
دفعهـا خالد بعيداً عنها بضيق، فأخذها سليم بين يديها، فسحبها خالد مجدداً وتحرك بها ينظر له بغيظ، ألا يكفيه أنه أخذهـا منه بحجته تلك أنها زوجته!!!
***
بعد عدة أيام…
برغم خوفها من فكرة الزواج للمرة الثانية، وبرغم التجربة الأليمة التي مرت بها حنة، إلا أن الغرفة لم تسع أجنحتها وهي تنظر لخاتم الخطبة بيدها. وبإصرارها على ضوابط الخطوبة، أصر خالد على عقد قرانهما بعد شهرين، بيوم زفاف منتصر وفردوس…. ولكن قبل ذلك الزفاف كان عليهم جميعاً التجهز لزفاف زين وسليم، وقد أتى موعده سريعاً بعد أسبوع واحد لا أكثر.
" مش هتلبسيه يا زمرد، إنسي."
" يا عيسى أنا أصلاً مبجيبش لبس ضيق، أنا لبس بجد محترم."
" مش ضيق بس ملفـت يا هانم."
" والله ما ملفـت دا هادي خالص، يا عيسى بالله عليك الفستان عاجبني أوي وحلو عليا."
" لا لا… لا مش موافق… مش قادر أوافق والله نفسي أعملك اللي أنتي عاوزاه بس لا شوفي حاجة تانية."
" أقولك حاجة أنا مش رايحة الفرح ومتكلمنيش بقى تاني."
" أحسن بردو."
" طب.. طب هلبس نقاب أسود هيقفل اللون شوية.. عشان خاطري بقى وافق عشان خاطري!"
" استغفر الله العظيم… خلاص يا زمرد البسي اللي أنتي عاوزاه."
" طيب البس جرافتة بيج بقى لون الفستان."
حمل الكوب بجواره وكاد يرميها به، ولكنها صرخت تحمي وجهها خلف يديها:
" يا مصيبتي عاوز يخلص عليا وأنا في عز شبابي!!"
ترك الكوب وتعالت ضحكاته، فنظرت له بضيق واقتربت تقف جواره تضع يدها بخصرها:
" إيه يا أستاذ عيسى مزعلتنيش بالكوباية ليه!! افتحلي دماغي!"
سحبها عيسى تجاهه يهمس لها:
" مقدرش يا قلب الأستاذ عيسى."
في مساء يوم الزفاف…
ابتسم سليم وهو يتحرك لداخل غرفة الفندق ليأخذ عروسه. كان أنيقاً للغاية وازدادت وسامته بابتسامته الواسعة تلك. بداخل وقفت زين تنتظره بفستانها الأبيض الثقيل، ربما رأته زين مبالغاً به قليلاً، ولكن ما الضرر من المبالغة في فستان زفافها الذي سترتديه لمرة واحدة بالعمـر!!! بدت كالأميرات رغم كل شيء بحجاب أنيق، لكنها بدت مرتبكة حقاً، تشعر بأنها تسرعت بالأمر ولا مجال للعودة، لا مجال للهرب.
اقتربت فردوس تسألها بتعجب:
" مالك يا زين؟!! إيه دا إيدك ساقعة كدا ليه؟!"
" مفيش.. خايفة بس شكلي يكون مش حلو."
" لا طبعاً أنتي زي القمر مفكيش غلطة حقيقي."
ابتسمت لها زين والتفتت على صوت طرقات سليم على الباب، فـ اتسعت ابتسامتها تردف بحماس:
" سليم."
تـناسـت زين توترها وتحركت تجاه الباب، فأمسكت بها فردوس تردف بحدة:
" بت أقفي هنا واتقلي كدا."
ضحكت زين وأومأت لها، ووقفت بنهاية الغرفة، بينما اتجهت فردوس لتستقبله ممسكة بهاتفها لتقوم بتصويرهم. ابتسم سليم للكاميرا ثم اتجه بعينيه يبحث عن زوجته حتى رآها كالملاك الأبيض بنهاية الغرفة، فـ اتسعت ابتسامته وقام بالتصفير بمشاغبة، لتكتم زين ضحكتها تحاول الحفاظ على وقارها كعروس، ولكنها لم تتمالك نفسها عندما اقترب سليم يضمها ويرفعها عن الأرض. أنهت فردوس تسجيل الفيديو وتحركت للخارج، فـ اقترب سليم يهمس لزوجته:
" عمر صورتك دي ما هتروح من بالي وهتفضل أحلى حاجة شوفتها في حياتي."
ابتسمت زين بخجل وهي تنظر له بحب. قامت الحياة بتعويضها عن كل الأيام المريرة بقطعتها الخاصة من السكر المحلّي.
***
" سيبلي رف واحد يا مفترية أحط فيه هدومي!!!"
" ما أنا سبتلك يا منتصر والله أهو الحتة دي مش هتقضيك يعني!!"
" لا مش هتقضي أنا لبسي كله فورمال لازم يتعلق مش هينفع يتطبق كل فوق بعضه كدا."
دلفـت زمرد للغرفة تحمل حقيبة ثياب أخرى تسألهم بحيرة:
" هنحط دي فين!!!"
نظر منتصر لفردوس بحنق وصاح بها:
" إيه يا فيفي!!! هو الجهاز كله هدوم بس!!"
" والله إن كان عاجبك بقى لو مش عاجبك يبقى خلاص نأجل الفرح على ما نبقى نكبر الدولاب."
أمسك منتصر بثيابه وألقاها أرضاً ثم أشار لزمرد:
" تقدري تحطيهم هنا عادي مش مهم أنا."
ضحكت فردوس واقتربت تحمل ثيابه تقول بحب:
" يا حبيبي لا خلاص والله هحطهم لك متقلقش هتصرف أنا."
ابتسم منتصر وربت على رأسها:
" خلاص ماشي أنا هروح أنا الشغل وهخلي البواب يشتري لكم غداء."
" ماشي اعمل حساب حنة هي زمانها جاية."
" حاضر."
تحرك منتصر للخارج، فابتسمت فردوس تنظر في أثره، فاتجهت زمرد تربت على ذراعها:
" يلا يا حبيبتي مش وقت تتنحي، وريني هتتصرفي إزاي في الحوسة دي، إخلصي فاضل أسبوع على الفرح والشقة تضرب تقلب!"
" شقة إيه اللي بتفكري فيها، فكري في فستان فرحي يا هانم اللي جوزك ورانيش شكله لحد دلوقتي ولا حتى عارفة شهر العسل هروح فين! والله شكله هيسوحني ويوديني الموزمبيق!"
" أخوكي هيعملك أحسن حاجة متفكريش كتير، وأخلصي بقى أنا تعبت."
" تعبتي إيه إحنا لسه بدأنا!!"
" فرهـدت من كتر اللف معاكي من الصبح، أنا عاوزاكي تتجوزي عشان أنا أستريح شوية."
ضمتهـا فردوس تشكرها بامتنان:
" ربنا يخليكي ليا يا زوزا."
مر ذلك الأسبوع المرهق بسرعة كبيرة، وآتى اللحظة التي انتظرتها فردوس وهي رؤية فستانها العزيز. وضعه عيسى بغرفتها ولم يخبـرها، وجلس بالخارج وبجـواره زمرد وحنة وزينات ينتظرنها بفارغ الصبر، فقد رفض عيسى أن يروا الفستان قبلها.
عادت فردوس للمنزل وأخيراً تردف بتعب:
" هدخل أغير هدومي وأجي نتغدى معلشي اتأخرت."
دلفـت فردوس لغرفتهـا سـريعـاً ثم عادت لهم بعد قليل وهي بالكاد تلتقط أنفاسها تشير للداخل بأيدي مرتجفة:
" دا… دا إيه اللي جوا دا!! دا فستاني!"
رواية عيسى القائد الفصل العشرون 20 - بقلم اية محمد
" دا... دا إيه اللي جوا ده!! ده فستاني!"
ابتسم عيسى لها واقترب يضمها بحنان: "مبروك يا فيفي".
صرخت فردوس بسعادة: "عيسى ده تحفة، ده أحلى فستان شفته في حياتي.. ده حلو أوي أوي أوي!".
تحركت زينات وخلفها زمرد وحنة للداخل ليقفن ثلاثتهم لدقيقة وينظرن بأعين مندهشة بفستان الزفافغاية في الرقي والفخامة والجمال.
باللون الأبيض الناصع مرصع باللآلئ اللامعة بالأعلى بينما من منطقة الخصر للأسفل واسع بشكل فخم لامع بطريقة راقية وأكمام فراشة وطرحة طويلة من نفس تصميم الفستان.
لم ينسى عيسى الأحذية وحجابها والعديد من أدوات التزيين الأخرى لأجل عروسه الصغيرة.
"ما شاء الله... جميل أوي."
قالتها زمرد فأومأت حنة بأعين دامعة تردف بحنان: "فردوس هتبقى زي القمر فيه."
باليوم التالي، يوم الزفاف.
لم تكن فردوس تبدو كعروس عادية بل كانت ملكة متوجة تزف لملكها الذي أخذها من يد أخيه يضمها بحب وبرغم ثقل فستانها رفعها منتصر ودار بها بسرعة فأرتفعت أصوات هتافات الأصدقاء والأقارب.
من سبعة أشهر كان يظن بأنه سيعود للطريق المظلم من جديد وسينتهي به الأمر بالموت بطريقة غامضة أو ربما منتحراً ولكن آتت تلك الملكة الصغيرة لتتمسك به بقوة تأخذ لعالمه المليء بالألوان الزاهية ليختلط بألوانها تلك ويعود قلبه للحياة من جديد.
بالزاوية وقف خالد يسحب منديلاً تلو الآخر يعطيه لحنة التي لم تتوقف عن البكاء، كانت دموع الفرح تسيل على وجنتيها وهي ترى سعادة أختها الصغيرة وسعادة زوجها وحبه لها، أردف خالد بإبتسامة: "عقبالنا... مش كان زمانا بنتكتب كتابنا معاهم!".
"إزاي كنت هبقى مشغولة بكل ده مرة واحدة!! ما نستني براحتنا كدا لسه شوية."
"لا مش لسه شوية، هو أخرك شهر على ما فردوس ترجع من شهر العسل، عشان أنا مش قادر أستحمل ضوابط الخطوبة والله."
تركها خالد وأتجه يقف مع الشباب فكتمت ضحكاتها وذهبت لتقف مع النساء.
كانت تلك الأمسية من أجمل لياليهم، سعادة منتصر بفردوس وكأنها جوهرة غالية فاز بها، ما يشعر به تجاهها فاق كل الحدود.
في اليوم التالي.
"قولتيلي الدواء تاعبلك معدتك؟"
"أيوا، هو من أعراضه أصلاً فكنت بفكر آخد البديل بتاعه أعراضه أقل، لأني مش مستحملاه، حضرتك شايفة إيه!!"
"أنا شايفة بيبي يا زمرد."
اعتدلت زمرد تنظر للشاشة تتمسك بيد عيسى الذي جلس جوارها وتقدم أيضاً ينتقل بعينيه بين زوجته والطبيبة وتلك الشاشة الصغيرة التي ثبت عينيه عليها عندما أشارت الطبيبة.
"شايفين الحاجة الصغيرة دي! يا بنتكم يا ابنكم إن شاء الله.. مبروك يا مدام زمرد أنتي حامل في شهر."
سألها عيسى والذي لم يستوعب الأمر بعد: "يعني العيل في معدتها!!".
نظرت له الطبيبة بتعجب وكذلك فعلت زمرد التي انفجرت في الضحك تسأله بصدمة: "إيه اللي أنت بتقوله ده!! لحظة وإيه اللي أنتي بتقوليه ده!! أنا حامل؟ أنا بس لسه مخلصتش كورس العلا..."
"أنا قايلالك إن مشكلتك بسيطة أنتي اللي كنتي مكبرة الموضوع ومقتنعتيش، أنتي حامل يا زمرد اتبسطي."
نظرت لعيسى بأعين دامعة لتجده يبتسم بإتساع ولا زالت عيناه عالقة على الشاشة، انتبه لها فهربت دمعة من عيناه فأقترب يضمها يخبئ وجهه بها.
ابتسمت الطبيبة وتركتهم لدقيقة، فهمس عيسى لزمرد: "شكراً.. شكراً عشان خليتيني أحس بالشعور ده، أنا أسعد واحد في الدنيا."
"أنا مش مصدقة، ربنا إستجاب لدعواتك كل ليلة في قيام الليل."
"الحمد لله.. الحمد والشكر لربنا، بصي بقى مفيش هزار هتحافظي على نفسك ومش هتتعبي نفسك في أي حاجة، فاهمة!!".
"حاضر، إن شاء الله ما يكونش فيه أي مشاكل."
"تعالي نشوف الدكتورة.. قومي على مهلك."
ضحكت زمرد بخفة وهي تنهض عن الفراش ثم تحركت معه للخارج ليجلسا أمام الطبيبة التي أردفت بهدوء: "دي الروشتة بتاعتك.. عاوزة راحة تامة، مش بقولك نامي على طول بس عاوزاكي مرتاحة، خصوصاً الشهرين الجايين دول."
أومأت لها زمرد بابتسامة واسعة ووجه متوهج فأكملت الطبيبة تعليماتها بالكامل ثم اصطحب عيسى زوجته للخارج.
"زمرد.. أنتي بتخافي من الأماكن العالية!".
نظرت له بتعجب وأجابته: "لا عادي، بتسأل ليه!!".
"لا مفيش... صحيح قوليلي مين أول حد هتقولي له الخبر الحلو ده!!".
ابتسمت وأجابته وهي تفكر: "طبعاً ماما زينات وحنة وبابا... يا ريت فردوس كانت هنا."
"طيب حلو تعالي نكلم فردوس بقي نقولها."
ضحكت زمرد واتجهت تحتضن ذراعه بيديها تسأله بخفوت: "أنت غيران عليها صح!".
"أنا بموت."
"بعد الشر عنك.. دي سنة الحياة يا عيسى، المهم إنها مبسوطة."
"ربنا يسعدها، هو إحنا هنروح لها إمتى! عاوز أديهم تذاكر شهر العسل."
"صحيح يا عيسى ما تقولي بقي هما هيروحوا فين!!".
"مش مكان محدد، أنا عامل لهم برنامج سفر هيلف في معظم دول أوروبا.. حاجز الأوتيلات ومظبطلهم كل حاجة، إن شاء الله يتبسطوا."
صاحت بحماس: "الله دي هتبقى حلوة أوي بجد، أكيد هيتبسطوا، فردوس هتفرح أوي."
"قوليلي بقي هنروح إمتي!!".
ضحكت زمرد وهي تنظر لساعة هاتفها: "تعالي هنرجع البيت نلاقي ماما وحنة مستنينا عشان نتحرك، وعمر وعمار هيجوا معانا بردو وبعدين يرجعوا طنطا بقي."
"خلاص تعالي نروح إحنا على هناك وهما يقابلونا، أنا هبعت لهم عربية."
"ماشي هبعت لفردوس أقولها."
"طيب."
أجابها عيسى باقتضاب ثم تحرك بسيارته، كانت سرعته بسيطة، يبتسم كل دقيقة وأخرى وبداخله آلاف الصور، زوجته التي تجلس بجواره تحمل طفلاً له بداخلها، كيف ستبدو بعد بضعة أشهر، كيف سيبدو صغيرها، هل ستكون فتاة وتصبح مدللته!! ماذا سيسميها!!!.
وزمرد تحتضن بطنها بسعادة تحمد الله بداخلها أن استجاب لدعواتهم ورزقهم وقر أعينهم.
كانت تحاول فهم الطريقة التي يعمل بها جهاز الميكروويف الجديد الخاص بها ولكنها سئمت ولم تفهمه، أردفت بضيق: "هسخن الأكل في الفرن وخلاص."
اقترب منتصر يبحث عنها.
"فيفي تليفونك بي... أووه أنتي لابسة هدومي ليه بقي إن شاء الله!!"
"براحتي، هدوم جوزي وأنا حرة فيها."
أخذت الهاتف منه تنظر لرسائلها.
"عيسى وزمرد جايين بعد ربع ساعة، يدوب أدخل أغير هدومي ممكن تاخد بالك من الأكل اللي في الفرن ده."
"أكل إيه أنتي بتطبخي في صباحيتنا!"
"لا ده من عشاء إمبارح، هنرميه يعني! بسخنه عشان نتغدى، ولا مش عاوز منه!!"
"عادي أي حا....."
رن هاتفه فأخذه ليجده عيسى، ابتسم منتصر بخبث وأجابه: "حبيبي أبو نسب."
"أختي فين! برن عليها مبيجمعش."
"بتسخنلي الأكل، معلشي مشغولة بتهتم بيا."
أجابه عيسى بغيظ: "ماهو العيد الكبير قرب صحيح."
ضحك منتصر فهو استطاع بسهولة استفزازه وبرغم ذلك كتم ضحكاته وأردف بهدوء: "إحنا مستنيينكم."
"تمام بركن العربية وطالع أهو."
بالفعل بعد دقائق تحرك منتصر ليستقبلهما فدلف عيسى ينظر حوله بتعجب: "إيه ده شقتك اتغيرت 180 درجة!".
أردف منتصر بإبتسامة: "كله على ذوق فيفي، وزمرد بردو تعبت هي وحنة على ما ظبطوا كل حاجة."
ابتسمت زمرد وجلست جوار عيسى، آتت فردوس بعد دقائق ترحب بهما فأجلسها عيسى جواره يهمس لها: "لو ضايقك في حاجة اديني رنة هاجي أكسرلك دماغك، متشيليش هم."
"ملحقش يضايقني يا عيسى إحنا مكملنallش نص يوم جواز."
"تحسباً فيما بعد يعني."
حمحم منتصر وأردف بحدة: "فيفي هاتي حاجة لعيسى يشربها، وقومي من جنبه قبل ما يقنعك تروحي معاه دلوقتي."
"بس يا خفيف، أنا بنصحها دي أختي.. اقعدي يا فردوس أنا عاوز أقولكم حاجة... أولاً دي تذاكركم لشهر العسل.. الأسبوع الأول في إسبانيا والتاني في باريس في فرنسا ومنها هتطلعوا عشر أيام على سويسرا واخر حاجة خمس أيام في روما في إيطاليا.. هبعتلك التفاصيل وكل حاجة محجوزة ومأكدلكم الحجز وإن شاء الله تتبسطوا."
كانت تطالعه بفاه مفتوح فرفع عيسى يده يغلق فمها ينظر لها بتعجب: "إيه!".
"هو أنا اللي هروح الأماكن دي!! عيسى أنا كان أقصى طموحاتي أروح دهب!!".
ضحك عيسى واقترب يهمس لها: "ولما تخلصوا هبقى آخدك أنتي وأخواتك نروح كوريا والهند لو حابة عشان بس أثبتلك إن المسلسلات العرة اللي بتتفرجي عليها دي مش حقيقة."
"قلبي هيقف من الفرحة."
ضحك عيسى وربت على رأسها: "لا استني عشان فيه خبر حلو كمان.. احم أنتي هتبقي عمتو قريب إن شاء الله."
اتسعت ابتسامة فردوس وضمت عيسى وهي تصرخ بحماس: "يا حبيــــــــــبـي ألف مبروك يا عيسى!".
اتجاهت فردوس تضم زمرد بسعادة كبيرة حتى أدمعت عيناها: "مبروك يا زمرد الحمد لله ربنا إستجاب لدعواتك، الحمد لله يا قلبي ربنا يقومك بالسلامة وتجيبي لنا أحلى نونو في الدنيا."
اتجاه منتصر يبارك لعيسى سعيداً لسعادته تلك، يضمه يربت على ظهره: "مبروك يا قائد."
"الله يبارك فيك يا منتصر."
بعد ثمانية أشهر.
"اسمع كلام أبوك.. واسمع كلام أمك."
"اسمع كلام عمك منتصر يااض."
صاح عيسى بخبث: "اسمع كلام حماك منتصر يا إلياس."
نظر له منتصر بضيق واتجه يقف أمام زوجته التي امتدت بطنها أمامها في شهرها السابع وصاح بضيق: "اللي هيقرب من بنتي مش هرحمه."
أكمل عيسى حديثه بتحدي: "هجوزهاله يا منتصر، وأما نشوف بقي يا أنا يا أنت."
دفعت فردوس منتصر بتعب واقتربت تقف جوار عيسى الذي لف ذراعه حولها فأبتسمت له وأردفت تؤيده: "صح، ابن خالها أولى بيها."
بمرور عدة أعوام تأكدت نظرية عيسى التي قالها على سبيل المزاح، حتى أصبح الأمر واضحاً أمام الجميع في قصة حب جديدة بين إلياس وآيلا، الإبنة المدللة للجميع إذ رزق الله عيسى بأربعة ذكور، أرادت زمرد أن تحصل على فتاة ولكن عيسى دائماً ما حمد الله لكونهم ذكور فهو لن يتحمل أن يأخذ أحد ابنته منه يوماً ما، تخيل كم سيكون متعلقاً بها!!
أما فردوس فأنجبت آيلا وياسين، ورزقت حنة بتوأم ذكرين "نور ونوح".
صاح إلياس غاضباً: "آيلا!! أنا مش قولت زفت تغيري السكشن بتاع المعيد ده!!!".
وقف منتصر يتابع المشهد، ذلك الأحمق يصيح على ابنته بحضوره!!
"مالك يا نجم! أنت هتزعقلها وأنا واقف! مكانتش خطوبة دي اللي مقوية قلبك كدا!! اقلعي يا بت الدبلة ارميها في وشه."
بكت آيلا ووقفت خلف أبيها: "والله يا بابا قال اللي مش هيحضر هيشيله المادة."
التفت منتصر يردف بضيق: "يشيله المادة ليه هو فاكر نفسه عميد الكلية، ده حتة معيد لسه متخرج من سنتين.. لحظة هو دا المعيد اللي كان متقدملك!".
صرخ إلياس بإنفعال: "أيوا هو."
تأفف منتصر والتفت له: "ما تهدي يا ابني مالك عامل زي الجاموسة كدا ليه! جتك نيلة وأنت شبه مجدي كدا."
اقترب عيسى الذي تابع المشهد من بدايته ولم يتدخل ليصيح بإنفعال: "أنا مش قايلك متقولش كدا لإبني تاني!".
دلف جميع أبناءه في ذلك الوقت ليقفوا جوار عيسى فتراجع منتصر يجلس على كرسيه ساحباً ابنته جواره يتمتم بضيق: "عامل لي روبوتية هو وعياله!! أنتي إيه بس اللي رماكي الرمية السودا دي!!".
همست آيلا بحزن: "بحبه أعمل إيه بس!".
"بس بس متقوليهاش قدامي قومي اتنيلي روحي شوفي أمك بتعمل إيه."
تابعهـا إلياس بعينيه يطالعها بغضب وحده فصرح منتصر بغيظ: "هخزقلك عينيك دي لو بصيتلها كدا تاني."
اتجاه إلياس يجلس بضيق أمام منتصر: "يا عمي والله المعيد بيضايقها، أنا قولتلها تغير السكشن ومتروحش غير لما تعمل كدا، أنا كدا غلطان!! أنا غلطان يا بابا!".
ابتسم عيسى يجيبه: "لا يا حبيبي أنت مبتغلطش."
اتجاه إلياس يجلس جوار أبيه فلف عيسى ذراعيه حوله وبجوار بقية أبناءه فأبتسم منتصر بسخرية: "مبسوط أنت كدا!!".
أومأ عيسى بسعادة ينظر لأبناءه يهمس بحب: "أيوا.. آل عيسى.. آل عيسى القائد."