بالمساء بعروس البحر المتوسط.. بشالية خاص بعائلة علام.. فتحت سارة عينيها بصداع، وضعت يديها حول رأسها تحاول تذكر ما حدث معها، الخادمة، الطبيبة، جنينها، وضعت يدها على بطنها بهلع لتسمع صوته الساخر بجوارها: _مات ربنا يجعلها أخر الأحزان.. انتفضت، رفضت، بكت، ندمت، مشاعر كثيرة ضربتها دفعة واحدة من مفعول جملته، رفعت عينيها إليه لا تعلم لما أرادت سماع إن جنينها بخير رغم ما فعلته، كان يجلس على المقعد المقابل لها واضعا
ساق على الآخر ثم قال : _أكيد دي دموع الفرح مهو اللي كان بيربط بينك وبين محمود الوحش مات.. رأي بعينيها نظرة عتاب وكأنها ترمي عليه اللوم وهذا ما قالته بنحيب: _أنت السبب في موت إبني أنت السبب في كل حاجة لأنك ضعيف زي أبوك بالظبط ويمكن أبشع منه.. ماذا قالت؟! .. وكيف قدر لسانها على هدم أخر ما بينهما؟! .. حدق بها بذهول ثم أشار على صدره مردفا : _أنا السبب؟!
.. ليه قولتلك خبي عليا حملك وروحي أمشى ورا خدامة الله أعلم معاكي والا عليكي، أنا اللي قولتك أقتلي روح مالهاش ذنب في أي حاجة غير ان واحدة غبية زيك أمها؟! .. نظرت إليه بأعين غارقة بالدموع ثم قالت : _كنت عايزني اسيبه يعيش مع اب رافض يقول للناس إنه متجوز أمه؟! .. كنت عايزني أجيب طفل الدنيا عشان يعيش منبوذ زي أروى أختك..
_أخرسي يا غبية أنتِ مراتي على سنة الله ورسوله مش محتاجة اي أثبات عشان أعترف بابني، وبعدين هو أنتِ شايفني زبالة لدرجة اني معترفش بحتة مني؟! حركت رأسها بضياع وقالت :
_أنت مش شايف غير معتز وعايدة عارفة كدة وبتضغط عليك بيه وأنت بتعمل أي حاجة وكل حاجة عشانه، أنا مش في حساباتك حتى لو بتحبني زي ما بتقول الحب محتاج قوة تحميه وأنت رغم كل قوتك دي ضعيف وعاجز.. قالتها للمرة الثانية وكأنها تود إثباتها عليه، كان حقاً مذهول يراها لأول مرة ويري نفسه بعينيها للمرة الأولى، أوما إليها بقوة مردفا :
_لو كنت راجل ضعيف كان أقل رد مني على كلامك وافعالك علقة موت تقعدك في المستشفى شهرين تلاتة، بس أنا عشان راجل مش هعمل كدة، معتز ده ابني حتة مني مش جايبه من الشارع عشان تبقى مشاعره ولا حاجة بالنسبة ليا، كنت فاكرك هتقفي جانبي لحد ما نعدي الصعب سوا وتكوني واثقة في حبي، بس أنتِ اللي عيلة صغيرة معندهاش لا خبرة ولا مخ بتتصرفي بغباء ومش شايفة غير نفسك.. صرخت به مردفة : _أنت مستخسر فيا أشوف نفسي؟!
.. ده حقي طالما على هامش حياة الكل ومحدش مهتم بيا ولا بوجعي يبقى من حقي أخاف على نفسي.. ضرب كفيه ببعض بقوة ثم أقترب منها مردفا بسخرية : _من حقك تخافي على نفسك برافو، وكان مين اللي هيدفع التمن إبني اللي لسة مشافش للدنيا نور.
_تقدر تقولي مشاكلك كانت هتتحل امتي لما بطني تبقي قدامي مترين والكل يقولي منين، وطبعا البيه هيبقى خايف على مشاعر معتز الأحسن ليا اتحمل الفضيحة لوحدي لحد ما معتز أعصابه تهدي.. يكفي لهنا أي كلمة ستقال ستبني بينهما حائط جديد ربما يستحيل هدمه، أخذ جكيت بذلته وقال :
_ظلم بظلم أنتِ ممنوعة تخرجي من هنا لحد ما تولدي، معاكي عزيزة هتبقى تحت أمرك والحرس على الباب حدودك الشالية أي خطوة برة ممنوعة، موبايلك في ايدك اعملي بيه اللي أنتِ عايزاه بس نصيحه مني يا سارة لو سألتك جدتك او أي حد أنتِ فين فانتِ بتصيفي خلينا حلوين مع بعض للآخر واعرفي كويس ان أنتِ اللي وصلتينا هنا، لان اللي زيك لا يؤتمن يبقى حر المرة دي لحقته يا عالم المرة الجاية ممكن تعملي إيه؟! _شيما سعيد
_بعد يوم طويل مرهق عاد محمود لقصر علام وهو يعلم انه خالي من أفراد العائلة، وجد علي يجلس بانتظاره فزفر بضيق مردفا: _وبعدين في اليوم اللي مش عايز يخلص ده؟! .جلس على الأريكة المقابلة لمقعد علي وقال: _جاي ليه بالليل كدة ؟! ..أجابه الآخر بغضب: _أنا هنا من 8:00 الصبح بس أنت اللي مكنتش موجود.. _وسايب شغلك واللي وراك وقاعد هنا من 8:00 الصبح لوحدك تعمل ايه يا علي؟!
_ما تبطل برود يا جدع انت، أنت عارف انا هنا ليه يا محمود رفضت جوازي من أروي ليه ؟! .. شايفني مش قد المقام ولا ما ينفعش اناسب محمود باشا علام؟! ..تنهد محمود بضيق ثم قال بقوة: _بلاش تخريف يا علي وبلاش كلام خلينا نخسر بعض، أنت عارف كويس قوي انا مش موافق على الجوازه ليه..حرك رأسه بنفي وقال: _لأ يا محمود مش عارف أنت مش موافق ليه؟!
.. انا كنت فاكر انك هتبقى مبسوط بس طلعت بالنسبه لك ولا حاجه لدرجه انك مش عايز تحط ايدك في ايدي..نظر إليه محمود بحدة وقال: _هو انا مش قولت لك بلاش كلام يخلينا نخسر بعض، عايز تعرف انا مش موافق ليه؟!
.. لانك بتغير الستات زي الشرابات أنت ما تقدرش تعيش مع ست أكتر من اسبوع واللي انت جاي تطلبها دي اختي اللي شافت هم الدنيا كله والمفروض اني اعوضها مش اديها لك عشان تكمل عليها، تحطها في البيت زي الاباجوره وتطلع تتصرمح أنت براحتك، علي خلي اللي بينا اقوى من النسب والحاجات اللي ممكن تخسرنا بعض... محمود محق هو صاحب ماضي أسود يجعل الجميع يخشي خوض التجربة معه، قام من مكانه وقال بقوة:
_عندك حق تخاف وتشك بس انا بحبها يا محمود، أنت أكتر واحد عارف الحب بيغير البني ادم ازاي مش هسيبها وهفضل العمر كله مستنيها لو ده هيثبت لك اني بحبها، انا همشي دلوقتي لكن عايزك تفهم حاجه واحده بس ان أروى هتبقى مراتي وام ولادي حتى لو اتجوزتها واحنا عندنا 100 سنه.. ذهب علي فأخذ محمود نفسه بتعب وأخرج هاتفه وقام بالاتصال على جدته، قبل أن ينطق بحرف وصل إليه صوتها الغاضب: _سارة فين يا محمود ؟! ..أجابها بقوة:
_امتحاناتها خلصت من أسبوع فسافرت تغير جو.. _يا سلام أنت فاكرني يا عبيطة عشان اصدق الكلام الاهبل اللي أنت بتقوله ده، عملت ايه في البنت يا محمود؟! ..حرك عنقه يميناً ويساراً بإرهاق وقال: _رني عليها لو قالت لك غير اللي انا قولته ابقي حاسبيني يا الفت هانم وسلام دلوقتي عشان أنا تعبان..أغلق الهاتف بوجهها ثم قام بخطوات ثقيلة لغرفة مكتبه، فتح اللاب توب الخاص به ليجدها عبر الكاميرات تنام على فراشها وتضم
وسادتها إليها فقال بحزن: _حقك عليا يا حبيبتي بس أنا خايف منك ومش عارف لو اديتك ضهري في وسط الزحمه اللي انا فيها دي كلها ممكن تعملي في نفسك ايه ولا في ابني ايه.. اخلص من القرف اللي حواليا ده كله عشان اقدر يبقى كل تركيزي عليكي بس وهرجعك لحضني تاني.. حمل اللاب توب ونام على الأريكة الموضوعة بغرفه المكتب ثم وضع اللاب توب على بطنه وظل يشاهدها حتى ذهب هو الاخر بالنوم.. _شيما سعيد
_بعد يومين.. بلندن.. دق باب منزل طاهر كان يعلم هوية الطارق فقام بخطوات سريعة حتى وصل للباب فتحه ووجد ولده الكبير يقف أمامه بملامح يفوح منها التعب والإرهاق، افسح له مساحة يستطيع الدخول منها، دلف محمود واغلق الباب خلفه ثم القى بجسده على اقرب مقعد فقال طاهر بقلق: _قولي مالك يا محمود من وقت ما اتصلت بيا عشان تعرف مكاني وانا مش مطمن، أنت فيك ايه بالظبط شكلك بيقول انك تعبان حنان حصل لها حاجه؟! ..نظر
اليه محمود بسخريه ثم قال: _وانا وحنان نفرق معاك في ايه يا بابا؟! .. مراتك بقى لك اكتر من خمس شهور ما شفتهاش، حملك وحمل عيلتك كله حطه على دماغي، جاي دلوقتي تقولي شكلك تعبان ما انا لازم اتعب عشان انا بني ادم مش جبل..جلس طاهر بجواره، ولأول مرة يشعر بأن محمود تعب من دور الكبير، يعلم من البداية إنه أب وزوج فاشل ولكنه أعتاد على وجود محمود محله، أبتلع ريقه مردفاً:
_أول مرة تشتكي من وقوفك في ضهري يا محمود، اول مره اشوف في عينك نظره عتاب او احس اني قليل قدامك..ضغط محمود على رأسه بتعب ثم قال: _عشان انا مش واقف في ضهرك يا بابا انا واقف مكانك، بص مش جاي لا الومك ولا اعاتبك ولا اتكلم معاك في اي حاجة، أنت كبير كفايه انك تعرف الصح من الغلط، كل اللي بطلبه منك أنك تبقي جانبي الأيام دي محتاج لك، محتاج لحد يقف في ضهري واحس اني مش لوحدي، هترجع وتقف جنبي ولا مش هتقدر؟! ....
كان سؤال مغلف برجاء كبير، شعر به طاهر ففتح ذراعيه لولده الذي كان ينتظر هذا العناق بلهفة، القى بنفسه على صدر والده وأغلق عينيه بالقليل من الراحة فقال طاهر: _تعالي أدخل ارتح يا محمود وبعدين ننزل مصر..بشعور طفل صغير بالأمان أومأ إليه وسار معه للداخل مردفاً بطاعة: _ماشي.. _شيما سعيد
_بدأت تمر الأيام ومحمود يتابع سارة يوما بعد يوم عبر الكاميرات ويذهب إليها كل يومين تفتح إليه الخادمة لينام على الأريكة المقابلة لفراشها ويرحل قبل أن تستيقظ، بمرة من المرات رآها بالكاميرة تسأل عزيزة بشك: _أنا عايزة أفهم حاجه ريحه البرفان اللي بصحى كل يوم الاقيه مليان الاوضه ده جاي منين بالظبط واياكي تكدبي عزيزه.. إجابتها الأخري بتوتر: _ريحه ايه بس يا ست هانم وانا اعرف منين؟! _يعني محمود مش بيجي هنا؟!
_وهو يعني هيلبس طاقيه الاخفاء يا ست هانم ما هو لو بيجي هتشوفيه وتسمعي صوته..زفرت بضيق وقالت: _ماشي روحي اعملي ليا قهوة..تحركت عزيزه للخارج فضربت سارة على رأسها مردفة: _لا بيجي لك ولا عايز يشوفك ولا بيفكر فيكي أصلا بطلي اوهام بقى وتخيلات وخلي عندك دم..بالخارج ردت عزيزة على اتصاله بتوتر فقال:
_ما تتكلميش عشان ما تحسش ان انا اللي بكلمك، بلاش تعملي قهوه المشروبات الوحيدة المسموح للهانم تشربها هما اللبن والعصيرات غير كده هحاسبك أنتِ مفهوم؟! _أمرك يا باشا..دقائق ودلفت لها باللبن فنظرت إليها سارة بغضب مردفة: _إيه ده ؟! ..بسرعة البرق قالت الأخري: _ده لبن يا حبيبتي مفيد ليكي وللبيبي القهوة غلط على البيبي.. _بجد غلط ؟! _أيوة طبعاً..
_طيب خلاص هاتي اللبن..بمساء نفس اليوم قررت تلبيت نداء قلبه وقلبها وذهب اليها وجدها تجلس بالحديقه فاقترب منها مردفا : _قاعدة هنا ليه الجو ساقعة في الوقت ده؟! ..لفت وجهها إليه ليعلم إنه أشتاق بجنون لرؤية عينيها، كان يبتعد عنها حتي لا يزيد الأمر سوء بينهما، حرم نفسه من جمال عينيها والآن رأي نعيمه، كانت ذابله بها الكثير من العتاب، فقال:
_ما تبصليش كده يا سارة اللي أنا عملته ده عشان خايف عليكي ومش عارف ممكن تعملي إيه في غيابي.. _اللي أنت عملته ده عشان خايف على نفسك مش عليا ويا ريت ما تجيش هنا تاني لأني مش طايقاك ومش عايزه اشوفك.. جذبها بغضب مردفاً: _أنتِ اللي مش طايقاني ومش عايزه تشوفيني؟! .. هو أنتِ مش واخدة بالك انك كنتي ناويه تموتي ابني؟!
.. انا بحاول انسى المصيبه دي وبقول أنك عيلة صغيرة وخايفه ومش فاهمه لو اتعاملت معاكي على انك عاقله وكبيره كنا هننتهي يا سارة... نظرت داخل عينيه بقوة قائلة: _وأنا بقولها لك اهو أنا كبيرة وفاهمه وواعية، وكنت عايزه اخلص من آخر حاجة ممكن تربطني بيك ومش عايزه أشوفك تاني خلي عندك دم بقى.. بالفعل ذهب ومن بعدها ظل يتابعها من بعيد حتى آت موعد متابعتها مع الطبيبة، ذهب إليها رآها تجلس على الأريكة ومعها كتاب
تقرأه بتركيز فقال بجمود: _قومي البسي عشان اطمن على البيبي..أصبحت تراه فقط مرة واحدة بالشهر حتي يطمئن معها على صغيرته، يأخذها بصمت ويعود بها بنفس الصمت..لتمر خمسة أشهر يتابعها عبرة الكاميرات ويهتم بتفاصيلها بمساعدة الخادمة وبنفس الوقت يتابع تحضيرات عملية عايدة .... _شيماء سعيد
_نهاية الفلاش باك..بغرفة سارة..طردت عزيزة، وبعد أقل من ساعة بدأت تشعر بأشياء غريبة، ألم يأتي لعدة لحظات وبعدها يختفي، لتمر ساعة أخري وتصبح حركتها تؤلمها أكثر همست بتعب:
_كان لازم يعني اقول لعزيزه تمشي مش قادرة أقوم من مكاني طيب أتصل على تيتا، لأ لأ مش هتقدر تعمل ليا حاجة..حاولت التحرك حتي لو حركة خفيفة حتى تصل لهاتفها الموضوع على الطاولة المجاورة للفراش، خرجت منها تنهيدة تكتم بها صرختها المتألمة، سحبت الهاتف سريعاً وقامت بالاتصال عليه ثلاث مرات ففتح أخيراً الهاتف مردفا بغضب: _في إيه طالما مش برد أبقى قاعد مع العيلة بترني ليه..
_مهو أنا كمان من العيلة دي وبنت عمك يا أبية وإلا نسيت..تنفس محمود بغضب قبل أن يمسح على خصلاته مردفا: _أكيد مش رانة عشان الكلام الفاضي ده اخلصي..أرتفعت شهقاتها وهي تلعن نفسها على زواجها منه، ما هذا الحب الأعمى الذي جعل منها أداة للتسلية مع رجل متزوج ولديه فتى أصغر منها بعدة سنوات، لم تتحمل أكثر وهي ترى مائها يتساقط من بين ساقيها مردفة: _الحقني أرجوك أنا بولد.. _إيه..قالها بخوف شديد
عليها فأكملت هي حديثها:: أنا خايفة وأنا لوحدي يا محمود أرجوك تعالى قبل ما إبني يحصل له حاجة..توقف به الزمن لعدة لحظات وهو ينظر لعايدة التي تستعد لدخول غرفة العمليات، وبين حبيبته التي تبكي له برجاء حتى لا يتركها بمفردها وبين هذه وتلك هو يقف عاجزا، وصلت إليه صرخة سارة القوية أسقطت قلبه أرضا فقال بلهفة :
_سارة إنتِ قوية وأنا جانبك أتحملي نص ساعة وهتصرف.. ارتفعت شهقاتها أكثر وعضت على أسنانها من الوجع، قدرتها على التحمل انتهت فأغلقت عينيها باستسلام كبير هامسة بنبرة بدأت تختفي شيئا فشيئا: _لو موتت هيبقى ذنبي في رقبتك ولو قومت منها حسابنا مع بعض هيبقى طويل يا أبيه.. تود أن يتحدث أن يقول أي كلمة تبرر موقفه، أتى صوت والده الغاضب :
_سيب الموبايل ده وشوف مراتك عايزة تكلمك قبل ما تدخل العمليات.. أغلق الهاتف معها ورأسه تكاد تنفجر، نظر الي والده مردفا : _بابا اتصل بالمستشفى بتاعتنا في اسكندرية وخليهم يروحوا الشاليه اللي هناك فورا مع دكتورة نسا وتوليد.. رفع والده حاجبه بتعجب مردفا : _مين اللي في الشالية يا محمود.. _محمووود.. صرخة قوية من عايدة جعلته يفقد المتبقي من أعصابه، سارة الآن وحيدة وقلبه معها، لو حدث لها شيء....
لا لا يستحيل أن يحدث، قال لوالده بنبرة حادة قبل أن يدلف للأخرى : _سارة اللي موجودة في الشاليه واللي جوا بطنها إبني.. حدق به طاهر بذهول، سارة ابنة أخيه تحمل بأحشائها طفل من ولده؟! .. كيف هذا وأين كان هو؟! .. أقترب معتز من محمود الواقف على باب الغرفة مردفا : _هو حضرتك هتفضل واقف كدة ماما منهارة وعايزة تشوفك.. الله يلعنها، عاد بنظره لوالده وقال بغضب :
_أتصرف يا بابا.. أوما إليه طاهر بتوهان أما هو دلف لغرفة عايدة بمفرده، وقف أمامها وجدها تحدق به وتبكي فقال : _أدخلي العمليات يا عايدة وكفاية دلع..
_أنا خايفة يا محمود ومش برتاح الا أنت جانبي.. خائفة ومعها الجميع ما حال سارة وكيف تتحمل وجعها، يحترق العالم بما فيه ليبقى بجوارها، خرج من الغرفة وهو يركض للخارج بكل قوته لو بيده لسبق الرياح، يسمع صراخات عايدة نداء معتز حتى رنين اسمه من والده، ترك الجميع خلفه واتجه للمطار، رفع هاتفه ليتم تحضير طائرة خاصة تذهب به لأرض الإسكندرية الآن وبعدها قام بالاتصال على أروى التي قالت بقلق : _هنسافر إسكندرية نعمل إيه يا محمود؟!
_مش وقت كلام يا أروى سارة هتروح مني.. عندك سارة.. ألمها بدأ يخف يأتي دقائق ويذهب دقائق أخرى حتى مائها تنزل على مراحل، حاولت أخذ نفسها وشعرت بالقليل من الأمان مع عودة الخادمة، أقتربت منها بلهفة مردفة : _لما حضرتك تعبانة ليه حلفتي أسيبك لوحدك محمود بيه أتصل بيا وهيقطع عيشي.. حدقت بها بضياع تتمنى لو تقدر على أغلاق عينيها ولكن كيف سيكون حال صغيرتها لو فعلت ذلك.؟ حركت شفتيها بتعب مردفة : _الحقيني يا عزيزة أنا تعبانة أوي..
ابتسمت إليها الأخرى مردفة: _ده أنتِ زي الفل والبكرية بتأخد وقت طويل أهدى وخدي نفسك طالما الوجع لسة بيروح وييجي يبقى لسة بدري ومتخافيش الإسعاف على وصول.. لم تنتهي من الجملة ووصل لهما صوت سيارة الإسعاف لحظات معدودة وكانت سارة بداخلها متجهة لمشفى علام.. وضعت بغرفة مجهزة على أعلى مستوى بجوارها عزيزة التي قالت : _مش قولتلك البكرية بتأخد وقت.. يا الله لا يكفي نفيه لها كعقاب أعطي لها تلك الكارثة على شكل خادمة،
أغلقت عينيها بتعب مردفة : _أبعدي عني يا عزيزة أنا تعبانة.. بعد مرور نصف ساعة.. دلف إليها وخلفه أروى، أهتز جسده وهو يراها ضعيفة خائفة متألمة، رأته أمامها وبلحظة سمحت لنفسها بالبكاء، طفلة صغيرة تاهت بشوارع غريبة عنها وأخيراً رأت والدها لتشعر إنها وصلت لبر الأمان هذا كان حالها، جلس على أرضية الغرفة بجوارها وقال بحنان:
_حبيبتى.. رفضت بحركة سريعة من رأسها، حرمها من حنانه أشهر والآن يضحك عليها، أشاحت بوجهها بعيدا عنه فأشار لأروي وعزيزة بالخروج، بأحد أصابعه حرك وجهها إليه مردفا : _حقك عليا.. يا ليت العتاب والاعتذار يغير ما مرت من مشاعر، عاد وجعها لتصرخ بقوة انتفض جسده على أثرها، فقال بهلع :
_حاسة بأيه يا حبيبتي استنى اجيب الدكتوره .. ضغط على زر بجوار الفراش وقام جلس بجوارها على الفراش، ضم جسدها لصدره وهو يشعر بأرتجافها بين يديه، دلفت الطبيبة ومعها ثلاثة ممرضات فبكت سارة أكثر مردفة برجاء : _خليها تطلع برة يا محمود دي بتوجعني أكتر.. وضع قبلة حنونة على خصلاتها المتعرقة وقال: _متخافيش أنا جانبك.. وجد الممرضة تقترب منها وتحاول فتح ساقيها فقال بغضب : _أبعدي عنها مين سمح لك تقربي منها بالشكل ده؟! .. نفذت
أمره بخوف فقالت الطبيبة : _أهدى يا باشا ده كشف لعنق الرحم هو بيبقى صعب شوية بس لأزم.. حركت رأسها برفض ثم أغلقت يديها حول عنقه هامسة : _عشان خاطري بلاش أنا خايفة أنت مش عارف هما عملوا فيا إيه وأنت مش موجود.. كلمات بسيطة ذكرته إنها كانت بمفردها بأكثر أوقاتها احتياجا له، مرر بيده على وجهها بحنان وقال: _المرة دي هبقي جانبك ومحدش هيقرب منك غيري.. رفع نظره لطبيبة مردفا بقوة :
_طلعي اللي معاكي برة أنا هساعدك بدل ما أنتوا عاملين ليها رعب كدة.. _يا باشا محدش عمل لها حاجة الكشف ده فعلا صعب ولازم حد يتحكم فيها.. بنظرة واحده من عينيه أشارت للممرضات بالخروج، فأبتعد عنها قليلا ومازالت يده تضم يدها مردفا :
_أعملي اللي الدكتورة تقولك عليه ولو حسيتي بوجع عضي على أيدي.. مع زيادة ألم عليها قبل أن تقترب منها الطبيب أومات إليه بضعف، أطلقت صرخة قوية مع كشف الطبيبة عليها ليقبل رأسها عدة مرات بأعتذار، بعد دقيقة من العذاب قالت الطبيبة : _لسة شوية كمان حاولي تقومي يا مدام تمشى شوية.. زادت دموعها وقالت : _مش قادرة ومش عايزة، عايزة أولد قيصري.. نظرت إليه الطبيبة ونفت الفكرة فأشار إليها بالخروج، مسح على وجهها عدة مرات وقال :
_تعالي اتسندي عليا نمشي سوا. _مش قادرة هو محدش حاسس بيا ليه، وبعدين لولا إن ماليش غيرك هنا ولو مشيت هتبقى لوحدي مكنتش خليتك معايا أنا مش طايقاك.. أوما إليها بصبر ومد لها يده مردفا : _اعملي فيا كل اللي نفسك فيه بس دلوقتي لأزم أساعدك عشان تيجي فاطمة مش أنتِ بتحبيها ونفسك تاخديها في حضنك؟! .. نعم تحبها وترغب بضمها، تنتظر رفيقة دربها على أحر من الجمر، وضعت كفيها برجفة بين يديه فقام بمساعدة حتى وضعت ساقيها على الأرض خرجت
من شفتيها اه متألمة فقال : _معلش أنتِ قدها يلا خطي.. ما أبشع أول خطوة بهذا الثقل المغلف بنيران من الوجع، خطت معه أول خطوة وبكت أكثر ليمسح دموعها بقبلاته وبدأ يتحرك معها، أرتفعت شهقاتها فقال بحنان: _عمرك سمعتي قرآن بصوتي؟! ..لعبة على فضولها ونجح، حركت رأسها بنفي فقال وهو يحثها على أكمال حركتها حتى خرج بها من الغرفة :
_طيب يلا عشان تبقى أخر حاجة سمعتها حبيبة قلب أبوها في بطن مامتها صوت باباها بيقرأ قرآن.. وضعت رأسها على كتفه بتعب وأخذت نفسها بتقطع ومع تسمع آية الكرسي بصوته العذب." بسْم اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِاللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ "دلف بقلبها راحة نفسية جعلتها تنسي ما يحدث بها لعدة لحظات،
همس بنبره دافئة: _صوتي حلو صح ؟! ..أومات إليه بتعب ثم ضغطت على يده بقوة تعجب لها، سألها بقلق: _في إيه ؟! .. حاسة بأيه ؟! ..سقطت دموعها بقوة وحاولت العض على شفتيها لعلها تتحمل إلا إنها شعرت برأس صغيرها تبدأ بطريقها للخارج فصرخت بفزع: _بولد أنا حاسة بيها بتطلع مني..حملها بين يديه فرأته أروي وأخبرت الطبيبة، دقائق وكانت بالداخل وهو معها يده بيدها، نظرت إليه وقالت بأنفاس متقطعة: _أنا خايفة.. _أنا جانبك...
جملة بسيطة بثت بداخلها الامان، مر الوقت عليهما بثقل شديد هي تتنفس بصعوبة وتتألم وهو يمسح على وجهها المتصبب عرقا ويدعو لها..وأخيراً انتهت صرخاتها وات موعد بكاء " فاطمة محمود علام" لتعلن عن قدومها، سلمتها الطبيبة له فحملها برجفة لذيذة وبكي من حلاوتها لا يصدق إنه يحمل نسخة صغيرة من سارة تحمل دمه ولقبه، أخذتها منه الطبيبة ووضعتها على صدر والدتها لتطمئن بسماعها دقات قلبها فقالت سارة بتعب: _دي بنتي يا محمود ؟!
..كانت مذهولة فابتسم لها وقبل رأسها ورأس الصغيرة مردفاً: _بنتنا يا بسبوسة... أعطها للطبيبة حتي تعدها للخروج وبعد ثواني كان يحملها فنظر لسارة بخوف مردفاً: _هي غمضت عينها ليه ؟! _ما تقلقش يا محمود بيه هي بس واخده مخدر في المحلول عشان نقدر نكمل شغلنا من غير ما تحس بوجع.. خد البرنسيسة الصغيرة واتفضل أخرج..بخطوات ثقيلة تركها بالداخل وخرج، وجد أروي تنتظره بالخارج ومعالم وجهها غير مفهومة فقال بقلق: _مالك يا أروي في إيه ؟!
_مش عارفه اقولك ايه يا محمود وبصراحه ما كنتش حابه ان انا اللي هقول لك الخبر ده وخصوصا وأنت فرحان كده ووو .. _اخلصي يا أروي في ايه؟! .. مش بكره في حياتي قد المقدمات ؟! _عايدة تعيش أنت.. _شيما سعيد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!