ظل يدور بغرفته ذهابًا وإيابًا. جلس على الأريكة الموجودة بغرفته مستندًا بساعديه على ركبته. أيعقل أن يخسر بالحرب أمامها؟ انتصرت عليه ببرائتها ورقتها. أظهر لها مدى حقارته، كان غرضه واضحًا أن يكسر أنفها انتقامًا من أبيها. سبب غير مقنع بالنسبة لها، ولكن بالنسبة له ظل يشعل من نيران الحقد بصدره. تذكر موافقتها بأمير ووقفتها معه، يصر على أسنانه بغيظ. أهي الغيرة؟ نفض عن رأسه سريعًا فكرة أنه يغار.
"أنا أصلًا مبطقهاش، هغير عليها ليه؟ القلب يصرخ بأنه بالفعل وقع بحبها والعقل يرفض هذه الفكرة. من سيربح العقل أم القلب؟ كل ما يعرفه أنه يريدها بجواره، يريد امتلاكها فقط. عندما قبلها أول مرة أحس بشعور غريب لم يجربه قبل، حتى وإن كانت رغماً عنها. سيعترف بحبه أم يتجاهل الأمر ويتركها تضيع من يده؟ "اتأخرتي كده ليه يا هايدي؟ قالها يوسف بنبرة حادة وهو يقف أعلى الدرج الداخلي، يضع كفيه ببنطاله الرياضي. تفاجأت هايدي
من وجوده وهتفت بتلجلج: "يوسف.. أبدًا متأخرتش.. أنا بس.. آآ.. كنت بصور شوية ورق كده." رفع حاجبيه بعدم تصديق. "انتي بتتأخري بره كده؟ هتفت مسرعة وهي تتجنب نظراته: "لأ دي أول مرة." غيرت للموضوع ومدعية عدم الفهم، نادت بنبرة مرتفعة وهي تبحث عن والدتها. "ماما.. ماما! "يوسف! بنبرة جافة: "ماما مش هنا." تحاول تلطيف الحوار قليلاً. "أومال فين؟ مازال على وقفته ونبرته: "عند أروى." بتلك اللحظة خرجت سارة من حجرتها.
زفرت ضيقًا لرؤيته يتوسط الدرج. مرت بجانبه بتجاهل وهي تهبط من على الدرج بخطوات مرتبكة. تحدثت لهايدي: "دودو.. أومال طنط فين؟ أجابها سريعًا دون تفكير: "عند أروى." لم تعره انتباهًا وأكملت حديثها مع هايدي بعد أن وقفت أمامها مولية ظهرها له. "انتي اتغديتي؟ هايدي: تضع يدها أعلى بطنها بتحسس وخفة. "لا لسه وانتي؟ قاطعها بكلماته بعد أن هبط الدرج سريعًا ليقف مقابل سارة، يشير بسبابته لها. "أنا مش بكلمك."
تعلم أن هذا يغيظه فأجابته بلا اهتمام. "مختش بالي." يوسف: بتحذير. "لا خودي بالك بعد كده." تسحبت هايدي من بينهم كي تتفادى حديث أخيها ونظراته. لم يشعروا بها من الأساس. ترمقه بغضب، يرمقها هو الآخر بتحدي. قال غامزًا: "شكلك عايزاني أربيكي تاني من الأول." فهمت ما يرمي إليه. نظرت حولها لم تجد هايدي. "اللعنة.. تركتهم بمفردهم." ولكن مهلاً، يقفون بمنتصف البيت، بالتأكيد لن يفعل شيئاً وقحاً معها.
ولكن لا تأكيد مع يوسف، هو كل مرة يثبت لها مدى دناءته وانحطاطه. فاجأها بيده التي كانت تزيح بعض الخصلات الواقعه على وجهها بعد أن اقترب منها لا يفصله عنها سوى سنتيمترات بسيطة. عضت على شفتيها بغيظ وهي تزيح يده عنها. نظر لها بوقاحة تعودت عليها. حركتها وهي تعض شفتيها حتى وإن لم تكن مقصودة تثيره. همس بها بعد أن مال على أذنها. "لو شوفتك بتعضي على شفايفك تاني.. متلوميش حد غير نفسك."
اتسعت حدقتاها من حديثه المنحط ونظراته الوقحة. ابتعدت عنه قليلاً حتى عجلت بخطوتها. بلمح البصر هرولت إلى غرفتها. ابتلع ريقه بصعوبة ومرر أنامله من بين خصلاته الفحمية. التفت حوله ليدرك أنه بمنتصف المنزل. دخل إلى غرفة مكتبه الموجودة بمنزله وأنار المصباح ثم جلس على الكرسي المقابل للمكتب وأمسك بإحدى الكتب وهم بقرائته، كي يتناسى حالته قليلاً. فهو محب للقراءة. بمنزل رضوان.
أروى: "خليكي شوية يا ماما ولا أقولك باتي معانا انهاردة." أميمة: "أبات إيه؟ والبيت وأخواتك؟ وبعدين عشان جوزك ياخد راحته في بيته." رضوان: متدخلاً في الحديث. "أخد راحتي إيه يا أمي؟ ده بيتك قبل ما يكون بيتي." أميمة: "ربنا يرضى عنك يا ابني، من مقام يوسف والله." ونهضت من مكانها بعد أن لفت حجابها بإحكام وأطبقت عليه. رضوان: "بردو مصممة تمشي؟ أميمة: "أيوه، عشان متأخرش بس. أنا جايه عشان من زمان مجتلكوش والله."
أروى: "بيتك وأي وقت تيجي فيه يا ماما." رضوان: نهض هو الآخر وأخذ مفاتيحه وسار معها لإيصالها. أميمة: "ملوش داعي يا رضوان توصلني، هاخد أي تاكسي وخلاص." رضوان: "ودي تيجي يعني؟ اتفضلي." وأشار بيده كي تسير معه. دَلفت أميمة إلى المنزل وجدت ابنتها هايدي ممسكة بطبق ملئ بالسندوتشات وتجلس أمام التلفاز. تجولت بعينها في المنزل سريعًا. وجدت غرفة مكتب يوسف مضاءة، علمت بأنه يقرأ كعادته.
كان شاردًا ينظر إلى الكتاب ولكن بعينين ثابتتين. كانت تشغله، حتى القراءة شغفه لم تستطع أن تخرجها من رأسه. انتفض من مكانه على صوت والدته. أميمة: بنبرة مرتفعة. "يوسف! يوسف: "أيوه." أميمة: "خبطت ع الباب ومردتش عليا، وبندهلك ومش بترد. مالك؟ يوسف: وهو يغلق الكتاب ويضعه جانبًا. "مفيش.. أروى عاملة إيه؟ أميمة: "بخير، بعتلك السلام." يوسف: "الله يسلمها.. والعيال..؟ أميمة: وهي تضحك. "بيقولوا خالو وحشنا."
يوسف: ابتسم ابتسامة عريضة. "وحشوني والله.. هبقى أعدي عليهم في أي يوم أشوفهم." أميمة: "اتعشيت؟ يوسف: "ولا اتغديت والله.. مستنيكي يا ست الكل." أميمة: بحزن. "ياريتني ما خرجت.. مبتعرفوش تصرفوا نفسكم." نهضت عن مطرحها بتثاقل وتوجهت صوب الباب. هتفها يوسف من الخلف. "ماما هي هايدي بتتاخر برة؟ ارتعبت من سؤاله والتفت إليه ببطء. "ليه هي اتأخرت ولا أي؟ يوسف: "أيوه." أميمة: تهز رأسها رفضًا. "لا مش بتتأخر غير للضرورة."
وشرعت بالذهاب سريعًا للمطبخ كي تتجنبه. تعلم أنه عصبي وتخاف من عصبيته على ابنتها. سارت بخطي ثابتة صوب غرفة زوجة عمها. عزمت على أن تتحدث معها بشأن يوسف ومضايقته لها. قرعت باب غرفتها بلطف واستأذنتها بالدخول. أميمة: وهي تشير بيدها لسارة لتجلس بجوارها على الفراش. "تعالي ياسارة خير! سارة: بتهذيب. "خير يا طنط." وجلست بمحاذاتها. "حضرتك كنتي هتنامي ولا إيه؟ أميمة: بوهن. "آه كنت بحاول أنام جسمي وجعني بس دماغي مصدعة."
سارة: "سلامتك يا طنط." أميمة: "الله يسلمك يا حبيبتي." تحمحمت سارة قليلاً. "احم.. كنت عايزة أتكلم مع حضرتك بموضوع كده." اعتدلت أميمة بمكانها وضيقت عينيها بتساؤل وهي تنظر لها. "خير.. يا بنتي أنا سمعاكي." سارة: بنبرة مهتزة. "آآ.. يو.. يوسف! أميمة: "ماله يوسف؟ سارة: "يعني بيضايقني شوية." وتململت بحرج. أميمة: مضيقة عينيها باستفهام. "مش فاهمة بيضايقك إزاي يعني؟ تراجعت سارة قليلاً بشأن إخبارها بما يفعله معها.
"بيضايقني.. عشان خطوبتي من أمير وكده يعني." أميمة: متفهمة الوضع. "معلش ياسارة هو يوسف عصبي بس قلبه طيب أوي، أنا أمه وعارفاه." ضحكت سارة بداخلها على حديثها عن طيبة قلب ابنها. "هو فكرة إنه كان فاكر إنه كان جاي لهايدي وبعد كده ميكنش فيه نصيب مضيقاه بس." سارة: بحرج. "أنا مليش ذنب يا طنط.. ربنا يعلم أنا وافقت عليه ليه." أميمة: بحنان الأم. "مقدرش ألومك إنك وافقتي، أنا بتمنى واحد زيه لبنتي. فرصة كويسة ليكي ياسارة."
سارة: "طب يعني... أميمة: وهي تمسد على ظهر سارة بحنان. "هكلمه أخليه ملوش دعوة بيكي.. وربنا يتمها على خير يارب." تنهدت سارة براحة. رمقتها بامتنان بعد أن نهضت من مكانها واستأذنتها بالمغادرة. تجلس العائلة على مائدة الطعام لتناول الفطور. يوسف يجلس بالمقدمة وبجواره أميمة وهايدي. أما سارة ففضلت المكوث بغرفتها كي لا تتشابك مع يوسف أو تراه. هايدي: ترتشف قهوتها دفعة واحدة. "اتاخرت هقوم أنا بقى عشان ألحق المحاضرة الأولى."
يوسف: "استني هوصلك معايا." أميمة: "لا روحي انتي يا هايدي.. أنا عايزة يوسف كلمتين." نهضت هايدي من كرسيها وأخذت كتبها وشرعت بالذهاب سريعًا. يوسف: بقلق. "خير يا ماما." أميمة: "سارة! يوسف: يرفع حاجبيه باهتمام. "مالها." أميمة: "بطل تضايقها يا يوسف! ابتلع ريقه لثوان. ثم تحدث بعدم فهم. "مش فاهم قصدك إيه." أميمة: "بطل تضايق سارة يا يوسف، خطوبتها هتم يعني هتم، متحججش بهايدي عشان تضايقها وخلاص. كل واحد وليه نصيبه."
أصر على أسنانه وتحدث بوقاحة. "وهي بقي اللي قالتلك إني بضايقها عشان الخطوبة؟ أكتفت أميمة بالإيماء برأسها إيجابًا. زمجر قليلاً وهتف من بين أسنانه. "وقالتلك إيه تاني الست هانم؟ زفرت أميمة ضيقًا. "مقلتش غير كده يا يوسف." تنفس الصعداء بارتياح لمعرفته أنها مازالت تخشاه ولم تفتح فمها بما فعله ويفعله وسيفعله بها. رفع حاجبيه محدثًا نفسه. "حتى ولو كانت قالت، في كل الحالات أنا مش هسيبها."
نظر للأعلى ناحية غرفتها وهو يتوعد لها أشد الوعيد. حمل هاتفه ومفاتيحه الموضوعة أمامه على المائدة. نهض بعملية. قبل رأس أمه بحنان وغادر المنزل متجهًا لشركته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!