نهض رضوان عن مكانه وتحدث بنبرة عالية: "طب تعالو يا جماعة نقعد في الصالة شوية، ونسيب العرسان مع نفسهم شوية." انفرجت أسارير أمير عند سماعه هذا. نهض الجميع بالتوالي، تاركين أمير مع سارة بمفردهما. تسارعت دقات قلبه، رمقها بنظرة، ثم تحدث بلطف: "ازيك يا آنسة سارة." استدارت له بوجهها ورمقته بابتسامة عذبة: "بخير، إزيك حضرتك." اقترب منها جالساً على الكرسي المقابل لها، تمتم بابتسامته: "حضرتك إيه بس، ياريت ميبقاش فيه ألقاب."
تنحنحت بحرج: "أحم، ماشي." "انتي تعرفيني؟ " قالها بتساؤل. تأملته جيدا، ثم عقدت حاجبيها وقالت: "لأ." زفر ضيقا: "أنا معيد عندك في الكلية." سارة بثبات: "أنا معرفش غير الدكاترة اللي بيدرسولنا، ومليش علاقات هناك كتير." تأملها قليلا ثم هتف: "تعرفي إني حاولت أكلمك كام مرة من ساعة ماشوفتك؟ ثم تابع: "كتير جداً، وكل مرة كنت بحاول أقربلك فيها أو أكلمك، كان بيزيد إعجابي بيكي أكتر وأكتر."
أومأت برأسها بابتسامة، وأصرت الصمت. وضعها محرج، ونظراته لها تزيد احراجها. "مش عايزة تسأليني عن حاجة؟ " قالها بلطف. تمتمت بخفوت: "مفيش عندي أسئلة حالياً." أمير: "عموما مع الوقت هنتعرف على بعض ونفهم بعض أكتر." هتفت بنصف ابتسامة: "إن شاء الله." دخلت عليهم هايدي بعد أن تنحنحت قليلا، وهتفت: "ياللا يا عرسان، العشا جاهز." ***
أخذ سيارته وسار بها في الشوارع على غير هدي. قاد بسرعة، يضرب على المقود بغضب بالغ، بعد أن وصل من الغضب أقساه. يتنفس سريعا من فرط غضبه، صدره يهبط ويتصاعد بوضوح. أصر على أسنانه بغيظ وهدر بصوت عالي غاضب: "أما أربيك مابقاش أنا يابنت الـ... والله لأخليكي تذللي يا... " وتعالى صوته بالسباب.
وقف بسيارته بشكل مفاجئ، اندفع للامام على أثرها. نظر للفراغ حوله، أطبق على جفنيه بغضب وهو يصر على أسنانه، شعر بألم شديد برأسه. وضع يده على رأسه، ثم نفض عنها يمينا ويسارا وأمسك المقود وأكمل قيادة. *** دلف رضوان إلى منزله بعد يوم شاق، سواء بالعمل أو ما حدث بمنزل يوسف. استقبلته زوجته أروى على الباب وخلعت عنه جاكيته. تحدثت بلهفة: "ها، احكيلي إيه اللي حصل من أول طقطق لحد سلامو عليكو." زفر طويلا:
"أحكيلك إيه، ده كان يوم ما يعلم بيه إلا ربنا. دماغي هتتفرتك من الصداع." تحدثت بنبرة يملؤها القلق: "قصدك إيه يارضوان؟ إيه اللي حصل؟ العريس معجبش هايدي؟ قهقه عاليا حين ذكر اسم هايدي: "هو أنا مقلتلكيش؟ وعلى صوت ضحكاته: "مش هايدي دخلت وشايلة العصير، ع أساس إنها العروسة." تمتمت أروى بنفاذ صبر: "ها يارضوان، اخلص." رضوان: "جايلك بالكلام أهو. المهم هايدي قعدت، ألاقي أم العريس والعريس بيقولوا فين العروسة." هتفت أروى بصدمة:
"نعععععم!! أكمل رضوان: "نفس اللي قولته بالظبط. لحقت الموضوع، واتاري قصدهم على مين؟ على سارة." أروى بصدمة وفم مفتوح: "نعععععم!! أكمل رضوان: "أهو ده نفس اللي قاله يوسف بالظبط." أروى: "وبعدين؟ أراح رضوان بظهره للخلف واستند بساعده على يد الأريكة: "بعدين إيه، هايدي طلعت ندهت لسارة ونزلت." أروى بضجر: "كمل يارضوان، والله إنت هتشلني. مفيش جناب المستشار طلب إيدها من يوسف وأمك، وأمك قالت الرأي رأيها، وسارة وافقت."
أروى باندهاش: "وافقت!! إيه ده؟ طب ويوسف؟ رضوان: "يوسف محدش يعرف راح فين، فجأة كده قام وسابنا ومشي. كان يوم صعب أوي ياحبيبتي. الله يكون في عونك ياماما." قالتها أروى بحزن. رضوان متسائلا: "ليه؟ أروى: "كانت فرحانة أوي انهارده وأنا بكلمها في التليفون، نفسها تفرح هايدي أوي." رضوان تنهد بارتياح: "كان يوم غريب ولا الأفلام الهندي." نهض عن مكانه وهو يخلع عنه قميصه بتعب:
"أما أروح أغير بقى. أروى لو عندنا بنادول هاتيلي حباية، دماغي هتتفرتك." هتفت من خلفه: "بكرة بدري هاخد العيال وأروح لماما، عشان أعرف اللي حصل." أشاح رضوان بيده وتحدث بتعب: "ماشي." *** "عند يوسف"
صفق باب سيارته بغضب بعد أن استوقفها أمام المنزل وليس بمكانها، الجراج. صعد الدرج الخارجي بخطوتين. دخل المنزل، الهدوء يسود المكان، الأنوار مغلقة. نظر لساعة يده، وجدها الثالثة صباحا. ملامحه غير مبشرة. نظر للأعلى، ثم صعد الدرج سريعا. نظر طويلا لغرفة سارة، نظراته مليئة بالغل. قبض على كفه بقوة. تساءل بنفسه: "أروح أكسر عليها الأوضة دلوقتي؟ أكسر إيه؟ أنا لو شفتها هقتلها."
استدار بعنف وسار بخطوات غاضبة صوب غرفة أمه. قرع الباب بعنف. فزعت أميمة على أثرها، وفتحت سريعا. أميمة بقلق: "مالك يايوسف؟ في إيه؟ صعقت من مظهره، وجهه محتقن، أعصاب وجهه بارزة، وأيضا عروق عنقه. يوسف أزاحها عن طريقه بخفة ثم هدر بعنف: "عجبك اللي حصل انهارده ده؟ فهمت أميمة ما يرمي إليه: "لأ طبعاً مش عاجبني، بس هنعمل إيه؟ اللي حصل بقى." اكتظ صوته وصاح عاليا: "يعني إيه اللي حصل؟ الخطوبة دي مش لازم تتم." أميمة:
"ملناش دعوة يايوسف، طالما سارة وافقت ورغبتها كده هنعمل إيه يعني؟ تحرك من مكانه بانفعال واضح وهدر بنبرة أعلى: "رغبتها، رغبتها دي تحت جزمتي. غصبا عنها تعمل اللي أنا أعوزه واللي أقوله هو اللي يمشي." أميمة وقد ساورها الشك: "وإنت مالك يايوسف؟ إيه اللي مزعلك؟ أغلق فمه لحظة، انتبه لحاله، قال وهو يوليها ظهره كي لا تكشفه: "مضايق عشان هايدي، أكيد زعلانة." هتفت أميمة بسخرية: "هايدي؟
ده هايدي معملتش ربع اللي إنت بتعمله ده. إيه الحكاية بالظبط يايوسف؟ أشاح لها بيده وهو يخرج من غرفتها هروبا منها قبل أن يفتضح أمره: "يوووه، اللي قولته هو اللي هيمشي." ثم ارتفع صوته بشكل متعمد وهو في الممر الموصل للغرف ببعضها، وهدر بغضب جلي: "الخطوبة دي مش هتتم، ويانا يا هي." دلف إلى غرفته ثم صفق الباب بعنف.
أما عن سارة، كانت حاضرة للموقف من أوله. تسمعت على صياحهم من خلف باب غرفتها. شعرت بنغزة قلبها، وضعت يدها صوب قلبها، وضربت بخفة عليه وهتفت: "خير، خير." ابتلعت ريقها بصعوبة، وتوجهت صوب الفراش، توسطته، محاولة تجاهل كل ما حدث والخلود إلى النوم. *** في شركة "الزيني" بمكتب رضوان. تفاجأ بيوسف أمامه بعد أن دفع الباب بكل قوته ليصطدم بالجدار. انتفض رضوان من كرسيه، ثم هتفه ببلاهة: "أومال إنت فين يابني من امبارح؟ وصله الرد من
يوسف بلكمة مدوية على أنفه: "إنت السبب." قالها يوسف بعد أن لكمه بأنفه. أمسك رضوان أنفه بكفيه واحنى رأسه للأسفل كي يوقف نزيف أنفه، وهتف بوجع: "أنا السبب في إيه يامجنون؟ أنا عملتلك إيه؟ يوسف وقد صدح صوته: "إنت اللي جيبته، زي ماجيبته، مشيه. خلصني منه." رضوان مضيق عينيه: "قصدك أمير." هتفه يوسف سريعا: "قصدي زفت. انهي معاهم الموضوع زي ما بدأته." رضوان: "انهي إيه يامجنون؟
منتا لو كنت قاعد معانا امبارح كنت هتعرف إننا حددنا معاد للخطوبة بعد أسبوعين." عقد حاجباه بصدمة وزاد خفقان قلبه: "إيه؟ إنتو حددتوا كمان معاد؟ اقترب من رضوان بعد أن كور قبضته ليلكمه ثانية، ولكن رضوان لن يقع بفخه مرتين، تفادى الضربة بمهارة. رضوان: "أعملك إيه؟ منتا اللي مشيت وسيبتني معاهم." هدر يوسف بغضب: "مفيش خطوبة هتم." رضوان: "نععععم؟ هتصغرني مع الجماعة يعني؟ يوسف: "وأصغر اللي جابوك. طالما معملتليش اعتبار." رضوان:
"اعتبار إيه اللي أعملهولك؟ سارة قطعت الكلام لما قالت إنها موافقة." جذب مطفأة السجائر وقذف بها ولكنها لم تصبه: "بنت الـ... متفكرنيش هي قالت إيه." صدم رضوان من حال يوسف، لم يسبق وأن رآه بهذا الحال من قبل. هتفه بتساؤل: "وإنت مالك يايوسف؟ إيه اللي مضايقك؟ يوسف وقد نفذ صبره: "هو كل حد أكلمه يقولي إيه اللي مضايقك!! هايدي ياأخي. هاايدي أختي زعلانة، مش هاين عليا زعلها." رضوان وقد تبدلت ملامحه للاستغراب: "هايدي؟!!
قوس فمه ورمقه باستهزاء: "ده ع أساس إني مكنتش شايف هايدي امبارح. هاتها ع البلاطة يايوسف، وقول إيه اللي مضايقك." رمقه يوسف بغضب ولم يجبه. تابع رضوان حديثه: "أقولك أنا إيه اللي مضايقك؟ اللي مضايقك هي سارة. قولتلك قبل كده إنت بتحبها ولا لأ. كابرت وقولت لأ." انتفض يوسف بانفعال واضح ثم صرخ بغضب: "بنت الـ... أنا مستحيل أحبها وإنت عارف كده. أنا بكرهها، بكرهها. بس والله لأوريها." شرع بالخروج من مكتب رضوان.
جذبه رضوان من ذراعه: "يوسف لو عرفت إنك ضايقت سارة أنا هزعلك." يوسف بنفس نبرة رضوان المحذرة: "والخطوبة دي لو كملت كلكو هتزعلو." جذب ذراعه من قبضة رضوان وغادر والشرر يتطاير من هيئته. مال رضوان برأسه للخارج، وجد الموظفين متجمعين أمام مكتبه يتسمعون على صياحهم. هتف بهم رضوان بنبرة حادة: "متهيألي كل واحد يشوف شغله أحسن."
ثم استدار ورمق سكرتيرته يسرا بحيرة. رمقته ببرود متعمد. دلف لمكتبه وأوصد الباب، وجلس على مكتبه ليباشر عمله. *** بمبنى كلية التجارة، جامعة القاهرة. من داخل قاعة المحاضرات. تجلس سارة وصديقتها رغد في آخر القاعة في انتظار دكتور مادة "مبادئ الإحصاء". رغد بابتسامة واسعة: "إيه ده؟ ولا الروايات اللي بقراها." سارة: "اه والله، حاجة غريبة فعلا." رغد: "طب وإنتي وافقتي ليه؟ سارة:
"لما بصيت ليوسف ولقيت الشر بيفط من عينه ووشه أحمر، محسيتش بنفسي غير وإني بهز لهم راسي إني موافقة." رغد: "يخربيتك. طب وإيه اللي حصل؟ سارة: "الدنيا مقلوبة من امبارح ويوسف جه قبل الفجر وقعد يزعق مع مامته." تابعت بحزن: "حتى طنط حاسة إنها متغيرة معايا." رغد: "أكيد. مش كانوا مفكرينه جاي لهايدي. عموما خلي بالك بقي، عشان يوسف مش هيجيبها لخير." وضعت سارة كفها على قلبها ورددت: "خير، خير."
دلف دكتور المادة إلى القاعة. ساد الصمت وظهر صوت الدكتور الجهوري بإلقاء التحية على الطلبة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!