وقت أذان العشاء. وصلت هايدي إلى المنزل تضع يدها على قلبها خوفًا من أن يكون يوسف موجودًا بالمنزل. دلفت إلى الداخل وأخذت تتلفت يسارًا ويمينًا. أميمة: كنتِ فين كل ده؟ هايدي: (بعد أن انتفضت) خوفتيني يا ماما، كنت… أنا كان عندي محاضرات متأخرة وقعدت أصور ملازم. رمقتها أميمة بحنق وتحدثت إليها بنبرة محذرة وهي تشيح بيدها: آخر مرة هسمح لك بالتأخير ده، وداري على نفسك قدام أخوكي، اتعدلي أحسن لك. هايدي: خلاص يا ماما، والله أنا…
قاطعتها والدتها وهي تشير صوبها بكفها: متحلفيش، خلاص. ثم تابعت: ادخلي غيري قبل ما أخوكي يجي ويعرف إنك لسه جاية وبتتأخري كده. هايدي (تهز رأسها) : حاضر. وشوفي بنت عمك، راضيها بكلمتين، من ساعة الفطار وهي قافلة على نفسها، مش راضية تاكل ولا تخرج. اتجهت هايدي صوب غرفتها بعد أن تنفست الصعداء، حامدة لربها أن يومها مر بسلام. وقفت هايدي خارج غرفة سارة وقرعت بابها واستأذنتها بالدخول.
فتحت الباب ودلفت لداخل الغرفة، وما إن شاهدت سارة وملامح الحزن تكسو وجهها هتفت بنبرة مرحة: ياني ياني، الأجنبي بتاعنا بيعيط ليه كده. واقتربت منها: وسّعي لي كده عشان أقعد جنبك. وما إن جلست بجوارها حتى قامت باحتضانها وتحدثت وهي تمسد على شعرها بحنان: ما تزعليش من يوسف، هو كده طول عمره عصبي وكمان… (واقتطمت حديثها وهي تطبق على شفتيها) سارة: (بعد أن فهمت ما ترمي إليه) كملي، كملي، قولي إنه مش ناسي اللي بابا عمله زمان.
هايدي: معلش، بكرة يروق وينسى. سارة: (هزت رأسها استنكارًا) عمره ما هينسى. أخوكي ده ربي قلبه على السواد والانتقام، وعمره ما هيسيبني غير لما يدمرني. هايدي: (وقد ظهر على ملامحها الاستغراب) قصدك إيه؟ سارة: (وقد انتبهت لحديثها واعتدلت في جلستها) قالت بنبرة مهتزة: هه، لا مقصدش حاجة. هايدي: طب روّقي بقى، ورحمة أبوكي. سارة: (بحسرة)
عارفة يا هايدي، بعد ما أمي ماتت وأنا بابا كان هو كل حاجة بالنسبة لي في الفترة الأخيرة قبل ما يتوفى. كان بيتكلم كتير على إن لو الزمن يرجع ويصلح اللي حصل بينه وبين عمو حسام. كان بيكلمني عن عمو حسام كتير وعن يوسف برضه كتير. ثم هتفت بتأثر: الله يرحمه، كان نفسه يموت في مصر. هايدي: (الله يرحمه يا رب ويسامحه) بنبرة حزينة. ثم أكملت بلهجة مرحة: ممكن بقى نقوم ناكل عشان هموت من الجوع وربنا. سارة: (بعد أن ابتسمت بعذوبة)
اسبقيني وأنا هغسل وشي وجاية وراكي. في شركة الزيني، في مكتب رضوان البحيري. كان رضوان يجلس مع ليلي السكرتيرة الخاصة به. رضوان: (بنبرة فرحة) ألف مبروك يا ليلي، خلاص هتتجوزي وهتسيبي الشغل. ليلي: (تبتسم بعذوبة) أعمل إيه يا فندم. مجدي مش حابب إني أشتغل بعد الجواز. رضوان: (يقوس فمه وبنبرة حزن) طب أعمل إيه من بعدك؟ ده الشغل هيتعطل. ليلي: (وهي تطمئنه)
متقلقش يا فندم، أنا سايبة خبر في كام جريدة إننا عاوزين سكرتيرة. واللي تتقدم حضرتك تعمل معاها إنترفيو وتشوف إذا كانت تنفع ولا لأ. ثم تابعت بتأكيد: واللي يقع عليها الاختيار هدربها معايا الوقت اللي أنا هقعده هنا قبل ما أتجوّز وأكون فهمتها كل حاجة. رضوان: (بامتنان) تمام يا ليلي، وألف مبروك مرة تانية، وربنا يتمم لك بخير يا رب. يوم جديد مشمس معتدل الحرارة. قررت هايدي زيارة أختها الكبرى أروى، بعد إلحاح من الأخرى بأن تزورها.
في منزل رضوان البحيري. تجلس هايدي في بهو المنزل بانتظار أختها التي تقوم بعمل الشاي لهما. جاءت أروى من المطبخ حاملة بيدها صينية عليها كوبين من الشاي. أروى: (تقدم لها كوب الشاي الخاص بها) وهتفت بحماس: عملت لك أحلى كوباية شاي عشان تحكي لي بقى. هايدي: (بعد أن تناولت من أختها كوب الشاي) لوت فمها بحسرة وهتفت: أقولك إيه، والله ما في حاجة عدلة تتقال.
ثم تابعت: يوسف أول ما بيشوفها، بيخنقها، وهي كل أما تشوفه تقلب وشها أو تدخل أوضتها. على الحال ده طول. أروى: (بعد أن أخذت رشفة من كوب الشاي الخاص بها) يعني مفيش أمل يحبوا بعض طيب. (ولمعت عينيها وأكملت حديثها بوله) دول لايقين على بعض موت. هييييح. هايدي: (قهقهت بشدة) أمل ذات نفسها انتحرت أما شافت علاقة أخوكي ببنت عمك. أروى: أخوكي عمره ما هيتعدل معاها غير لما ينسى اللي شافه زمان. ثم اعتدلت
بجلستها وأكملت بتأثر: يوسف كان متعلق ببابا الله يرحمه جدًا. موته ما كانش سهل بالنسبة له أبدًا. هايدي: (بنبرة حادة) ولا بالنسبة لي أنا كمان. ثم تابعت بتأثر وحزن جلي: الله يرحمه. أروى: (ملطفة للجو بنبرة مرحة) خلاص بقى، إنتي هتعيطي. (واشاحت بيدها) فكّي بقى، أنا آسفة. هايدي: (تنهدت بضيق ثم قالت) بابا واحشني أوي، غيابه مؤثر عليا جدًا. إنتي اتجوزتي وسيبتيني وفين وفين أما بشوفك. ويوسف طول عمري مشغول في شركته. أنا لوحدي.
ثم أردفت: لوحدي فعلًا. أروى: (تنفست بعمق وهتفتها بنبرة محملة بالحزن والأسف) متزعليش مني، أنا فعلًا مقصرة معاكي أوي، بس إنتي عارفة البيت والعيال وزنهم. وأكملت: بس أوعدك إني أخليكي أول اهتماماتي ياستي. هايدي: (وهي تضرب على كتف أختها بخفة) ع سيرة العيال، ماتصحيهم بقى، خليني ألعب معاهم شوية قبل ما أروح. أروى: (بتساؤل) تروحي فين؟ مش ماشية من هنا إلا أما تتغدي معانا. هايدي: بس ا… قاطعتها
أروى بإشارة من يدها وقالت: مفيش بس، هتتغدي يعني هتتغدي. قُضي الأمر. روحي إنتي صحيهم بقى وأنا هسبقك ع المطبخ. حملت صينية الشاي واتجهت صوب المطبخ. أما هايدي نهضت هي الأخرى كي توقظ أطفال أختها. في شركة الزيني تحديدًا مكتب يوسف. كان يجلس مع أحد العملاء يناقش معه إحدى المشروعات المطلوب تنفيذها. يوسف: (بعد أن أراح بظهره على كرسيه) بإذن الله 8 شهور وتكون مستلم المجمع. أحمد الحديدي: (العميل) (بعد أن أخذ رشفة من قهوته)
8 شهور كتير يا باشمهندس. يوسف: (تقدم في جلسته للأمام وقال بنبرة ثابتة) لا طبعًا مش كتير حضرتك. ثم تابع: ده مجمع مش عمارة ولا اتنين. ثم أشار له بسبابته: حضرتك مجرب الشغل معانا قبل كده وعارف إننا لا بنماطل ولا بنقصر في شغلنا. أحمد: (متأففًا) تمام. هنمضي العقود امتى؟ يوسف: (اعتدل في جلسته) على ما تخلص قهوتك، يكون الأستاذ رأفت مدير الشؤون القانونية جه ومعاه العقود عشان نمضيها.
(يم رفع سماعة هاتف مكتبه وضغط على زر الاتصال) تحدث بلهجة أمرة وصوت أجش: مدام هيام، اطلبي الأستاذ رأفت، خليه يجي ومعاه عقود مجمع الحديدي. لم ينتظر ردها وغلق الهاتف، وتوجه بالحديث لأحمد الحديدي: أطلب لك فنجان قهوة كمان؟ أحمد: (بامتنان) متشكر. يوسف: (بعملية) خمس دقايق ويكون أستاذ رأفت هنا ونمضي العقود. أحمد: (أومأ برأسه) تمام. ترجل عن سيارته بعد أن قام بركنها في جراج المنزل.
كاد أن يدلف للداخل، ولكنّه فضل البقاء عندما شاهدها وهي تترجل من سيارة الأجرة. عقد ساعده أمام صدره واستند على مدخل بوابة المنزل، وأخذ يتأملها جيدًا. عندما رأته سارة، رمقته بعدم اكتراث وعجلت من خطواتها. استبقته سارة على الدرج الرخامي في حين كان هو خلفها يلحق بها. (هتفها بصوت حاد) كنتِ فين؟ (أطبقت على جفنيها بحنق ثم زفرت بضيق) واستدارت له: كنت في الكلية. اقترب منها كثيرًا. وضيق عينيه
يتأملها ثم هتف بتساؤل: إيه اللي على شفايفك ده؟ زفرت بحنق وأشاحت بوجهها عنه بغضب. (قبض على معصمها بقوة وهتف) أما أكلمك تردي عليا وتبصي عدل. (وأشار صوب رأسها) فاهمة ولا أفهمك بطريقتي. (هتفت بوجع وهي تتلوى بين يديه) آآآه، إيدي، إنت بتوجعني كده. (ترك كفها بعنف ثم هدر قائلًا) وإيه اللي إنتي لابساه ده كمان؟ إنتي مفكرة نفسك في بلا بره. زفرت بضيق وتحدثت: ممكن تسيبني أطلع عشان تعبانة ومصدعة. (وأخذت تحك بأصابعها مقدمة رأسها)
ركضت سريعًا على الدرج الرخامي بعد أن ولته ظهرها. ارتسمت على ثغره بسمة شيطانية وهتف بخفوت: طب أما ربيتك، مبقاش أنا. لحق بها على الدرج. كانت هي سبقته إلى غرفتها. كادت هي أن توصد الباب، بادرها بحركة مفاجأة بكفه وولج داخل غرفتها بعد أن قام بدفعها للداخل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!