تحميل رواية «ابن عمي» PDF
بقلم وحيدة كالقمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حرام عليكي يا يوسف سيبني بقى، ده أنا بنت عمك. قالتها سارة وهي تجثو على ركبتيها مترجية يوسف ابن عمها، بعد أن احتجزها في غرفة على سطح منزلهم الكبير. نظر لها يوسف وقال بصوت يخلو من الرحمة: مش هسيبك. ثم تابع: بمزاجي هسيبك، انتي هنا لمزاجي وبس، وأما آخد منك مزاجي هرميكي، غير كده متحلميش. وقفت سارة على قدميها وقد علا صوت بكائها، وقالت من وسط بكائها: أرجوك يا يوسف ما تعملش كده معايا، لو عايزني أمشي من بيتكم همشي بس متأذنيش بالشكل ده. يوسف: بصي يا دلوعة، انتي ملكيش إلا هنا، أهل أمك زهقوا منك وناس على قد...
رواية ابن عمي الفصل الأول 1 - بقلم وحيدة كالقمر
حرام عليكي يا يوسف سيبني بقى، ده أنا بنت عمك.
قالتها سارة وهي تجثو على ركبتيها مترجية يوسف ابن عمها، بعد أن احتجزها في غرفة على سطح منزلهم الكبير.
نظر لها يوسف وقال بصوت يخلو من الرحمة:
مش هسيبك. ثم تابع: بمزاجي هسيبك، انتي هنا لمزاجي وبس، وأما آخد منك مزاجي هرميكي، غير كده متحلميش.
وقفت سارة على قدميها وقد علا صوت بكائها، وقالت من وسط بكائها:
أرجوك يا يوسف ما تعملش كده معايا، لو عايزني أمشي من بيتكم همشي بس متأذنيش بالشكل ده.
يوسف:
بصي يا دلوعة، انتي ملكيش إلا هنا، أهل أمك زهقوا منك وناس على قد حالهم وبعتوكي هنا، يعني انتي تحت رحمتي، واللي أبوك عمله في أبويا زمان هطلعه عليكي.
سارة:
ورحمة أبوك يا يوسف سيبني، وأنا هبعد عنك خالص بس بلاش اللي أنت بتطلبه ده.
أمسكها يوسف من معصمها بقوة وقال وهو يشير بسبابته لها:
ده مش طلب ده أمر، وأنتي مش هتبعدي، هتقعدي هنا في البيت ده تحت رحمتي وفي ذلي.
ثم دفعها بيده حتى الصقها بباب الغرفة، ورفع يدها فوق رأسها وكبلها بيده، واليد الأخرى أخذت طريقها إلى ربطة شعرها ونزعها ومسح بها على شعرها وأخذ يتحسسه، واقترب بوجهه منها وأغمض عينيه وأخذ يشم رائحة شعرها ويمسح عليه بكفه، ثم رفع ذقنها وخطف منها قبلتها الأولى رغماً عنها.
ثم بعد عنها سنتيمترات بسيطة وقال بصوت أشبه بفحيح الأفعى:
أنتي من دلوقتي بتاعتي، هتعملي كل اللي هقولك عليه وكل اللي أمرك بيه مقابل عيشتك هنا وتكميل تعليمك، ومش قدامك أي اختيارات تانية هنا أو الشارع.
ثم أكمل ما كان ينوي فعله تحت بكائها ورجائها ألا يفعل، أما هو فلا يأبه بما تفعله، وكأن بكاءها يزيد من رغبته بها وإصراره عليها.
مر الوقت وهو يفعل بها ما يحلو له، غير مكترث لبكائها، ثم تركها ولبس قميصه وألقى عليها بعض المال وقال:
الفلوس دي عشان تنزلي تجيبي هدوم.
ثم غمز بعينه وقال:
شفتي كل ما تبسطيني هبسطك وأديكي اللي انتي عاوزاه.
وتركها.
منزل كبير ليس بالتراث الحديث، منزل عائلة حسام الزيني، والذي انتقل بعد أن توفاه الله إلى أولاده (يوسف وأروى وهايدي). منزل كبقية المنازل مريح ومبهج، على الرغم من أنه قديم، إلا أنه وما إن تراه تعرف أنه من أحد البيوت العتيقة الفخمة، مزين بالتحف، يتوسط المنزل صالة كبيرة والعديد من الغرف.
من داخل المطبخ توجد سيدة في منتصف الخمسينات، حيث مكانها المفضل، أم يوسف (الست أميمة).
يا هايدي، يا هايدي، يوووه نفسي مرة أنادي على البت دي ترد من أول مرة.
قالتها أميمة أم يوسف بعد أن نادت على ابنتها الصغرى.
هايدي:
أيوه يا مامتي أنا جيت أهو، بتندهي عليا ليه؟
أميمة:
وأخيراً رديتي، يالا الغدا جهز أهو، اندهي لأخوكي ولبنت عمك.
اتجهت هايدي صوب غرفة أخيها يليها غرفة بنت عمها ولم تجد أياً منهم.
مامتي يا مامتي، محدش منهم هنا.
حضر بهذه اللحظة يوسف.
أميمة (بتساؤل):
كنت فين يا يوسف؟ مشفتش سارة؟
يوسف:
أنا كنت فوق في أوضة الحمام وهي كانت على السطح.
هايدي:
طب أنا هطلع أندهلها عشان ناكل كلنا سوا.
وما أن همت هايدي بالخروج، حتى دخلت سارة، وجهها شاحب وثيابها غير مرتبة وشعرها مبعثر.
أميمة:
يالهووي! إيه ده يا بنتي؟ مالك عاملة كده ليه؟
سارة:
مفيش يا طنط، أنا وقعت من على السلم اللي فوق.
وتنظر ليوسف باحتقار، الذي يقابلها بابتسامة خبيثة، ناظراً لها من أعلاها لأدناها بوقاحة.
سارة:
عن إذنكم هدخل أنام شوية.
أميمة:
لأ استني، أنا بغرف الأكل أهو عشان ناكل كلنا سوا.
سارة:
لأ مش قادرة، ألف هنا على قلبكم.
تركتهم واتجهت صوب غرفتها.
أميمة موجهة الكلام إلى يوسف:
أوعى تكون ضايقتها يا يوسف، أوعى.
رد عليها بابتسامة ساخرة ونظرات غير مهتمة بما تقوله، وجلس على كرسيه وبدأ يتناول طعامه، تليه هايدي، ظلت أميمة مسلطة نظراتها على ابنها بشك، ثم تبعتهم لتناول الطعام مستسلمة.
في منزل رضوان البحيري.
رضوان البحيري ابن عمة يوسف الزيني وزوج أخته الكبرى أروى.
منزل واسع مكون من خمس غرف، يتوسط المنزل صالة كبيرة، يوجد بها مائدة الطعام ومكان جانبي للجلوس أمام التلفزيون، حيث دلف منزله بعد أن فتح الباب بمفاتيحه الخاصة.
رضوان:
أروى، فينك؟
أروى (من المطبخ):
أنا هنا يا حبيبي بجهز الغدا.
رضوان:
طبختي لنا إيه النهارده؟ أنا هموت من الجوع من الصبح مأكلتش حاجة.
أروى:
ثواني وأحط الأكل على السفرة، روح انت اغسل إيدك ووشك ونادي على يوسف ورودينا.
رضوان (ويقترب منها):
طب مفيش أي حاجة أصبر بيها؟ (ويغمزلها)
أروى:
لأ مفيش يا خفيف، ضاربة إياه بخفة على كتفه.
إيه ده؟ الأكل بيتحرق.
قالها يوسف وهو يشهق.
قالتها وهي تنظر خلفها إلى الطعام على البوتجاز.
ليستغل انشغالها ويخطف قبلة.
يوسف:
هههههه أموت فيك وأنت متغاظ كده، عسل يا أختي.
أروى:
كل مرة بتعملها فيا وأنا زي الهبلة بصدق.
وأخذت تسكب الطعام في الأطباق لتضعه على مائدة الطعام.
في منزل يوسف الزيني، تحديداً غرفة هايدي.
كانت تتحدث عبر الهاتف بصوت منخفض.
هايدي:
معلش بقى يا حبيبي معرفتش أكلمك ولا أرد عليك، يوسف طول اليوم كان هنا.
المتصل:
………………..
هايدي:
هعوضك يا حبيبي والله، خلاص متزعلش بقى.
المتصل:
………………
هايدي:
هههههه طول عمرك قليل الأدب (وتضحك ضحكة مثيرة). خلاص بكرة نتقابل بعد الجامعة يا حبيبي، ماشي. يالا باي.
وتلقي الهاتف على السرير وتستلقي على سريرها كي تنام.
في منزل يوسف الزيني، من داخل المطبخ حيث توجد أميمة كعادتها به.
خارجة منه تحمل أطباق الفطور كي تضعها على المائدة.
أميمة:
هاتي المربي والجبنة وأنتي جاية من المطبخ يا هايدي.
سارة:
أنا هروح أجيبهم. (وقفت كي تحضرهم).
أميمة (بعد أن أشارت لها بالجلوس ثانية):
لأ خليكي قاعدة يا حبيبتي، هايدي أصلاً في المطبخ هتجيبهم وهي جاية.
هايدي من المطبخ حاملة الأطباق في يدها وتتجه إلى المائدة كي تضعهم عليها.
هايدي:
هروح أصحّي يوسف بقى.
أنا صحيت من بدري.
قالها يوسف بعد أن خرج من غرفته.
كعادته أنيق، كان يرتدي قميص أبيض مشمر أكمامه وبنطال من الجينز الأسود، ويضع جاكيت أسود على كتفه.
أميمة:
صباح الخير يا قلب أمك.
يوسف:
اقترب منها وقبلها على رأسها.
صباح الفل يا أمي.
هايدي:
أيوه ماهو قلب أمه ويتصبح عليه، إنما أنا بنت الخدامة (ولوت شفتيها مصطنعة الحزن).
حين رأتها سارة قهقهت بصوت عالٍ منظرها.
نظر لها يوسف رافعاً حاجبيه بدهشة وقال:
أول مرة أشوفك بتضحكي من يوم ما جيتي هنا.
وما أن أنهى جملته حتى تلاشت ضحكتها ووضعت عينيها في طبقها، وتناولوا الفطور في هدوء.
ثم تذكرت سارة شيئاً، فخبطت على رأسها بخفة ووجهت حديثها إلى هايدي:
ما الحق يا هايدي، ممكن تكويلي هدومي معاكي، أصل أنا مبعرفش أكوي.
وقبل أن ترد هايدي سبقها يوسف كالرعد بصوت مرتفع قائلاً:
وهي هايدي دي الخدامة بتاعتك يا برنسيسة؟ أنتي هنا مش ضيفة، أنتي عايشة معانا هنا بلقمتك وقعدتك، وكتر خيرنا إننا مستحملينك.
أميمة:
بس يا يوسف. (بلهجة محذرة).
يوسف (بعد أن عقد حاجبيه وتغيرت نبرته للغضب):
لأ يا ماما سيبيني أكمل للبرنسيسة الكلمتين دول عشان تفوق كويس، خدماتك وطلباتك تعمليهم بنفسك يا دلوعة بابا، النفخة الكدابة بتاعت أهلك دي تنسيها خالص.
وأشار بسبابته على رأسه وقال:
فهماني.
سارة (بصوت مكتوم):
أيوه فهمت، وكتر خيركم أوي إنكم استحملتوني. عن إذنكم. (وهمت من مكانها).
أميمة:
استني يا بنتي رايحة فين؟ متزعليش والنبي وكملي فطارك.
سارة:
الحمد لله شبعت. (وركضت إلى غرفتها وأغلقت الباب بعنف).
أميمة موجهة حديثها ليوسف (بحنق):
إيه اللي أنت عملته ده يا يوسف؟
يوسف (هز بكتفه):
عملت إيه؟ هو أنا أما أقول الحقيقة أبقى وحش؟
أميمة:
إنسي بقى يا يوسف.
يوسف (يضرب المائدة بكفه):
عمري ماهنسى، وتحمد ربنا إني فتحتلها بيتي ومقعدها فيه. (بعد أن احتد صوته).
هايدي:
تركت دور المستمعة ودخلت معهم في الحديث.
بس يا يوسف والله سارة دي طيبة وكيوت أوي.
يوسف (وقد لوى فمه):
هه، كيوت؟ دانتي اللي كيوت. (ثم أزاح كرسيه وتابع): أنا خارج بقى، عايزين حاجة؟
أميمة (أشاحت بوجهها عنه وقالت بتهكم):
شكراً.
هايدي (وهي تضرب على صدرها بخفة لتستعطفه):
والنبي يا يوسف وصلني في طريقك، ينوبك ثواب فيا.
يوسف:
هستناكي في العربية واعملي حسابك آخرك عشر دقايق، مش هستنى كتير.
هايدي:
أزاحت كرسيها واتجهت صوب غرفتها.
هتلاقيني وراك على طول.
في شركة (الزيني للمقاولات).
التابعة ليوسف الزيني.
تحديداً في مكتب يوسف (مكتب رئيس مجلس الإدارة).
مكتب على الطراز الأجنبي بالطابق الأخير من الشركة.
حيث كان يجلس مع رضوان المدير المالي لشركته وصديقه المميز، وفي الوقت ذاته (زوج أخته).
رضوان:
إيه يا شريك؟ محدش شافك امبارح ليه؟ ولا أنت كنت مشغول مع حد ولا إيه؟ (غامزاً بعينه).
يوسف (رفع رأسه إليه):
مممم حد زي مين يا ابن عمي؟
رضوان (وهو يحك مؤخرة رأسه):
ممممم سارة مثلاً.
يوسف (بنبرة غضب ممزوجة بتعالي):
بتهزر يالا، معتش إلا دي اللي اتشغل بيها.
رضوان:
ومبتشغلش بيها ليه؟ ده حتى البت تقفيل أجانب، صاروخ أرض جو.
يوسف (أصر على أسنانه):
احترم نفسك، متنساش إنك جوز أختي. (وأمسك بهاتفه رافعاً إياه وقال): ولا أتصل بـ أروى أسألها إذا كانت سارة صاروخ أرض جو ولا لأ.
قالها وهو يغمز بعينيه.
رضوان (بنبرة مصطنعة):
لأ والنبي، إحناااا أسفين ياعم، أنا مش قد أختك وربنا، تطين عيشتي وترجعني لأمي بشنطة هدومي.
يوسف (وقد رفع رأسه بشموخ):
خلاص عفونا عنك، وبعدين انشف شوية كده، مالك نايتي كده ليه؟ خليلك شخصية قدامها.
رضوان:
أنا مش نايتي وأنت عارف كده، أنا بحبها يا عديم المشاعر. (ثم تابع): أروى دي حب عمري من وأنا في ثانوي، وأنا عاهدت نفسي إنها مش هتكون لحد تاني غيري، وفعلاً بقت من نصيبي الحمد لله. (قالها بامتنان).
يوسف (بابتسامة عذبة):
وأنا كنت شاهد على قصة الحب الأسطورية دي.
رضوان:
مش ناوي تعملها بقى وتحب وتجوز بقى؟
يوسف:
أحب وأتجوز؟ الاتنين. (ضاحكاً بشدة). أنا عمري في حياتي ما هحب، ويوم ما أتجوز هتجوز جواز مصالح.
رضوان:
مممم غريب! مع إني لما سارة جت وشوفت بصتك ليها قولت شكلها غمزت.
يوسف (اعتدل في جلسته وقال بنبرة جادة):
ريح نفسك يا رضوان وبطل تلقح، أنت عارف كويس إني مبكرهش في حياتي قد ما بكرةها هي وأبوها. أنا عمري ماهنسى اللي أبوها عمله في أبويا زمان، ولا هنسى إنه سابه لما كان في أمس الحاجة ليه. عيشت عمري اللي فات كله وأنا بستنى إني أواجهه وأنتقم منه على خسارتي لأبويه وحرماني منه، بس للأسف الموت خده مني. بس القدر بعتلي بنته عشان انتقم منه فيها وأخد حقي وحق أبويا. (بنبرة مليئة بالغل والكراهية).
رجع بذاكرته إلى ما حدث بالماضي.
من 20 سنة.
في منزل حسام الزيني (والد يوسف).
داخل غرفة مكتب حسام الموجودة بمنزله.
كان يجلس مع شقيقه الأصغر أيمن الزيني (والد سارة).
حسام (بصوت أجش مرتفع):
جاي تسافر بعد ما وقعت الشركة وخليت الأسهم في الأرض؟ طول عمرك مستهتر ومش قد المسؤولية.
أيمن (بنبرة جافة):
شركة إيه اللي وقعتها؟ الشركة واقعة من زمان أصلاً والسوق نايم.
ثم أكمل كلامه: وبعدين طول عمري نفسي أهج من البلد دي وأنت اللي خليتني أقعد غصب عني ومسكتني الشركة.
حسام (بعد أن تبدلت نبرته للرجاء):
متسافرش، اقف جمبي وتعالى نرجع الشركة ونوقفها على رجليها زي الأول، أنت عارف إنك مش أخويا وبس، دنتا اللي فاضلي من ريحة أبونا وطول عمري بعتبرك ابني ومقدرش أعيش من غيرك.
أيمن (هز رأسه نفياً):
لأ يا حسام، أنا قررت، هسيب البلد دي خلاص.
حسام:
أنا محتاجك. (قالها بتوسل). أنت عمرك ما احتجتني غير ولقيتني في ضهرك،
رواية ابن عمي الفصل الثاني 2 - بقلم وحيدة كالقمر
وقت أذان العشاء.
وصلت هايدي إلى المنزل تضع يدها على قلبها خوفًا من أن يكون يوسف موجودًا بالمنزل.
دلفت إلى الداخل وأخذت تتلفت يسارًا ويمينًا.
أميمة: كنتِ فين كل ده؟
هايدي: (بعد أن انتفضت) خوفتيني يا ماما، كنت… أنا كان عندي محاضرات متأخرة وقعدت أصور ملازم.
رمقتها أميمة بحنق وتحدثت إليها بنبرة محذرة وهي تشيح بيدها: آخر مرة هسمح لك بالتأخير ده، وداري على نفسك قدام أخوكي، اتعدلي أحسن لك.
هايدي: خلاص يا ماما، والله أنا…
قاطعتها والدتها وهي تشير صوبها بكفها: متحلفيش، خلاص. ثم تابعت: ادخلي غيري قبل ما أخوكي يجي ويعرف إنك لسه جاية وبتتأخري كده.
هايدي (تهز رأسها): حاضر. وشوفي بنت عمك، راضيها بكلمتين، من ساعة الفطار وهي قافلة على نفسها، مش راضية تاكل ولا تخرج.
اتجهت هايدي صوب غرفتها بعد أن تنفست الصعداء، حامدة لربها أن يومها مر بسلام.
وقفت هايدي خارج غرفة سارة وقرعت بابها واستأذنتها بالدخول.
فتحت الباب ودلفت لداخل الغرفة، وما إن شاهدت سارة وملامح الحزن تكسو وجهها هتفت بنبرة مرحة: ياني ياني، الأجنبي بتاعنا بيعيط ليه كده. واقتربت منها: وسّعي لي كده عشان أقعد جنبك.
وما إن جلست بجوارها حتى قامت باحتضانها وتحدثت وهي تمسد على شعرها بحنان: ما تزعليش من يوسف، هو كده طول عمره عصبي وكمان…
(واقتطمت حديثها وهي تطبق على شفتيها)
سارة: (بعد أن فهمت ما ترمي إليه) كملي، كملي، قولي إنه مش ناسي اللي بابا عمله زمان.
هايدي: معلش، بكرة يروق وينسى.
سارة: (هزت رأسها استنكارًا) عمره ما هينسى. أخوكي ده ربي قلبه على السواد والانتقام، وعمره ما هيسيبني غير لما يدمرني.
هايدي: (وقد ظهر على ملامحها الاستغراب) قصدك إيه؟
سارة: (وقد انتبهت لحديثها واعتدلت في جلستها) قالت بنبرة مهتزة: هه، لا مقصدش حاجة.
هايدي: طب روّقي بقى، ورحمة أبوكي.
سارة: (بحسرة) عارفة يا هايدي، بعد ما أمي ماتت وأنا بابا كان هو كل حاجة بالنسبة لي في الفترة الأخيرة قبل ما يتوفى. كان بيتكلم كتير على إن لو الزمن يرجع ويصلح اللي حصل بينه وبين عمو حسام. كان بيكلمني عن عمو حسام كتير وعن يوسف برضه كتير. ثم هتفت بتأثر: الله يرحمه، كان نفسه يموت في مصر.
هايدي: (الله يرحمه يا رب ويسامحه) بنبرة حزينة. ثم أكملت بلهجة مرحة: ممكن بقى نقوم ناكل عشان هموت من الجوع وربنا.
سارة: (بعد أن ابتسمت بعذوبة) اسبقيني وأنا هغسل وشي وجاية وراكي.
في شركة الزيني، في مكتب رضوان البحيري.
كان رضوان يجلس مع ليلي السكرتيرة الخاصة به.
رضوان: (بنبرة فرحة) ألف مبروك يا ليلي، خلاص هتتجوزي وهتسيبي الشغل.
ليلي: (تبتسم بعذوبة) أعمل إيه يا فندم. مجدي مش حابب إني أشتغل بعد الجواز.
رضوان: (يقوس فمه وبنبرة حزن) طب أعمل إيه من بعدك؟ ده الشغل هيتعطل.
ليلي: (وهي تطمئنه) متقلقش يا فندم، أنا سايبة خبر في كام جريدة إننا عاوزين سكرتيرة. واللي تتقدم حضرتك تعمل معاها إنترفيو وتشوف إذا كانت تنفع ولا لأ. ثم تابعت بتأكيد: واللي يقع عليها الاختيار هدربها معايا الوقت اللي أنا هقعده هنا قبل ما أتجوّز وأكون فهمتها كل حاجة.
رضوان: (بامتنان) تمام يا ليلي، وألف مبروك مرة تانية، وربنا يتمم لك بخير يا رب.
يوم جديد مشمس معتدل الحرارة.
قررت هايدي زيارة أختها الكبرى أروى، بعد إلحاح من الأخرى بأن تزورها.
في منزل رضوان البحيري.
تجلس هايدي في بهو المنزل بانتظار أختها التي تقوم بعمل الشاي لهما.
جاءت أروى من المطبخ حاملة بيدها صينية عليها كوبين من الشاي.
أروى: (تقدم لها كوب الشاي الخاص بها) وهتفت بحماس: عملت لك أحلى كوباية شاي عشان تحكي لي بقى.
هايدي: (بعد أن تناولت من أختها كوب الشاي) لوت فمها بحسرة وهتفت: أقولك إيه، والله ما في حاجة عدلة تتقال. ثم تابعت: يوسف أول ما بيشوفها، بيخنقها، وهي كل أما تشوفه تقلب وشها أو تدخل أوضتها. على الحال ده طول.
أروى: (بعد أن أخذت رشفة من كوب الشاي الخاص بها) يعني مفيش أمل يحبوا بعض طيب. (ولمعت عينيها وأكملت حديثها بوله) دول لايقين على بعض موت. هييييح.
هايدي: (قهقهت بشدة) أمل ذات نفسها انتحرت أما شافت علاقة أخوكي ببنت عمك.
أروى: أخوكي عمره ما هيتعدل معاها غير لما ينسى اللي شافه زمان. ثم اعتدلت بجلستها وأكملت بتأثر: يوسف كان متعلق ببابا الله يرحمه جدًا. موته ما كانش سهل بالنسبة له أبدًا.
هايدي: (بنبرة حادة) ولا بالنسبة لي أنا كمان. ثم تابعت بتأثر وحزن جلي: الله يرحمه.
أروى: (ملطفة للجو بنبرة مرحة) خلاص بقى، إنتي هتعيطي. (واشاحت بيدها) فكّي بقى، أنا آسفة.
هايدي: (تنهدت بضيق ثم قالت) بابا واحشني أوي، غيابه مؤثر عليا جدًا. إنتي اتجوزتي وسيبتيني وفين وفين أما بشوفك. ويوسف طول عمري مشغول في شركته. أنا لوحدي. ثم أردفت: لوحدي فعلًا.
أروى: (تنفست بعمق وهتفتها بنبرة محملة بالحزن والأسف) متزعليش مني، أنا فعلًا مقصرة معاكي أوي، بس إنتي عارفة البيت والعيال وزنهم. وأكملت: بس أوعدك إني أخليكي أول اهتماماتي ياستي.
هايدي: (وهي تضرب على كتف أختها بخفة) ع سيرة العيال، ماتصحيهم بقى، خليني ألعب معاهم شوية قبل ما أروح.
أروى: (بتساؤل) تروحي فين؟ مش ماشية من هنا إلا أما تتغدي معانا.
هايدي: بس ا…
قاطعتها أروى بإشارة من يدها وقالت: مفيش بس، هتتغدي يعني هتتغدي. قُضي الأمر. روحي إنتي صحيهم بقى وأنا هسبقك ع المطبخ.
حملت صينية الشاي واتجهت صوب المطبخ. أما هايدي نهضت هي الأخرى كي توقظ أطفال أختها.
في شركة الزيني تحديدًا مكتب يوسف.
كان يجلس مع أحد العملاء يناقش معه إحدى المشروعات المطلوب تنفيذها.
يوسف: (بعد أن أراح بظهره على كرسيه) بإذن الله 8 شهور وتكون مستلم المجمع.
أحمد الحديدي: (العميل) (بعد أن أخذ رشفة من قهوته) 8 شهور كتير يا باشمهندس.
يوسف: (تقدم في جلسته للأمام وقال بنبرة ثابتة) لا طبعًا مش كتير حضرتك. ثم تابع: ده مجمع مش عمارة ولا اتنين. ثم أشار له بسبابته: حضرتك مجرب الشغل معانا قبل كده وعارف إننا لا بنماطل ولا بنقصر في شغلنا.
أحمد: (متأففًا) تمام. هنمضي العقود امتى؟
يوسف: (اعتدل في جلسته) على ما تخلص قهوتك، يكون الأستاذ رأفت مدير الشؤون القانونية جه ومعاه العقود عشان نمضيها.
(يم رفع سماعة هاتف مكتبه وضغط على زر الاتصال)
ثم تحدث بلهجة أمرة وصوت أجش: مدام هيام، اطلبي الأستاذ رأفت، خليه يجي ومعاه عقود مجمع الحديدي.
لم ينتظر ردها وغلق الهاتف، وتوجه بالحديث لأحمد الحديدي: أطلب لك فنجان قهوة كمان؟
أحمد: (بامتنان) متشكر.
يوسف: (بعملية) خمس دقايق ويكون أستاذ رأفت هنا ونمضي العقود.
أحمد: (أومأ برأسه) تمام.
ترجل عن سيارته بعد أن قام بركنها في جراج المنزل.
كاد أن يدلف للداخل، ولكنّه فضل البقاء عندما شاهدها وهي تترجل من سيارة الأجرة.
عقد ساعده أمام صدره واستند على مدخل بوابة المنزل، وأخذ يتأملها جيدًا.
عندما رأته سارة، رمقته بعدم اكتراث وعجلت من خطواتها.
استبقته سارة على الدرج الرخامي في حين كان هو خلفها يلحق بها.
(هتفها بصوت حاد) كنتِ فين؟
(أطبقت على جفنيها بحنق ثم زفرت بضيق) واستدارت له: كنت في الكلية.
اقترب منها كثيرًا. وضيق عينيه يتأملها ثم هتف بتساؤل: إيه اللي على شفايفك ده؟
زفرت بحنق وأشاحت بوجهها عنه بغضب.
(قبض على معصمها بقوة وهتف) أما أكلمك تردي عليا وتبصي عدل. (وأشار صوب رأسها) فاهمة ولا أفهمك بطريقتي.
(هتفت بوجع وهي تتلوى بين يديه) آآآه، إيدي، إنت بتوجعني كده.
(ترك كفها بعنف ثم هدر قائلًا) وإيه اللي إنتي لابساه ده كمان؟ إنتي مفكرة نفسك في بلا بره.
زفرت بضيق وتحدثت: ممكن تسيبني أطلع عشان تعبانة ومصدعة. (وأخذت تحك بأصابعها مقدمة رأسها)
ركضت سريعًا على الدرج الرخامي بعد أن ولته ظهرها.
ارتسمت على ثغره بسمة شيطانية وهتف بخفوت: طب أما ربيتك، مبقاش أنا.
لحق بها على الدرج. كانت هي سبقته إلى غرفتها.
كادت هي أن توصد الباب، بادرها بحركة مفاجأة بكفه وولج داخل غرفتها بعد أن قام بدفعها للداخل.
و…
رواية ابن عمي الفصل الثالث 3 - بقلم وحيدة كالقمر
ارتسمت على ثغره بسمة شيطانية.
وتمتم بخفوت: "طب، أما ربيتك مبقاش أنا."
لحق بها على الدرج.
كانت قد سبقته إلى غرفتها.
كادت أن توصد الباب، ولكن بادرها بحركة مفاجئة بكفه وولج لداخل غرفتها بعد أن قام بدفعها.
وأوصد الباب بإحكام.
في حين كانت هي بحالة صدمة بما يفعله.
خفق قلبها بشدة.
ضيقت عينيها وصرت على أسنانها بعد أن احتقن وجهها بالدماء.
وقالت وهي تشيح بيدها: "إيه اللي بتعمله ده؟! اتفضل اطلع برة، وإلا والله هصرخ وألم عليك البيت كله."
رمقها بعدم اكتراث بعد أن جلس على طرف سريرها.
رفع حاجبيه بتساؤل: "ها، خلصتي؟!"
ثم أشار لخزانة ملابسها بيده وقال بثبات: "افتحي الدولاب."
رمقته بغضب واحتد صوتها: "اطلع برة أوضتي."
رد عليها باستهزاء وارتسم على ثغره ابتسامة سخرية: "أوضتك اللي هي في بيتي؟! هه... افتحي الدولاب."
لم تنتظر انتهاء حديثه.
واتجهت صوب الباب وقامت بفتحه على مصرعيه، وهتفت بغيظ: "اتفضل."
وهي تشير بيدها للخارج.
نهض من مطرحه بكل تباطؤ وهدوء ودفعها بخفة من كتفها لتبتعد عن الباب.
وأغلق الباب ثانية.
هتف وهو يتجه صوب الخزانة: "هفتحه أنا."
ثم استدار لها بوجهه ورمقها باستهزاء وقال: "لو عايزة تلمي عليا اللي في البيت، يللا. مستنية إيه؟ وشوفي أنا هعمل إيه وهقول إيه."
زفرت بحنق ورمقته بازدراء وأشاحت ببصرها عنه للجهة الأخرى.
قام بفتح خزانتها وشملها بنظرة فاحصة.
أخذ يتمعن في كل قطعة من ثيابها بتمهل.
رفع أحد الفساتين، فستان دانتيل أسود بدون أكتاف، وألقاه أرضاً.
وقال: "ده ميتلبسش تاني."
أمسك قطعة أخرى وهي مضيق عينيه.
"إيه دي؟ ده عريان قوي."
ثم تابع بعد أن ألقاها أرضاً هي الأخرى: "متتلبسش برضو تاني."
أخذت أنفاسها بالتصارع بشكل ملحوظ وهتفت وهي تشيح له: "انت مش طبيعي، انت مجنون."
رمقها بغضب ثم تحرك من مكانه بانفعال وقبض على ذراعها بعنف واحتدت نبرته: "طولي لسانك ده تاني معايا وشوفي أنا هعمل فيكي إيه."
هتفت بتألم: "وانت لسه هتعمل؟ ما أنت عملت."
أرخى قبضته.
وهتفها بلؤم: "وأنا عملت إيه يعني؟"
قام بجذب خصلة من شعرها.
"كان بإمكاني أعمل أكتر من كده، بس قولت بلاش حقير."
رددتها وهي تدفعه عنها: "منصحكيش إنك تشوفي حقارتي."
ثم جذبها من خصرها حتى ألصقها به.
ابتعدت بوجهها وصدرها عنه وأطبقت عينيها بشدة وهتفت من بين أسنانها: "ابعد عني."
يد تطبق على خصرها بإحكام والأخرى سارت على منحنياتها بوقاحة.
اتسعت عيناها من وقاحته وقبل أن ترفع صوتها، التهم شفاهها بقبلة أخْرَسَتْها.
بعين مغمضة وبعالم آخر لا ينتبه لمقاومتها ولا لدموعها.
لحظات وفاق من حالته.
استند برأسه على جبينها كي يلتقط أنفاسه.
دفعته بقوة فارتدت للخلف على أثرها نظراً لحالته.
رمش بعينيه عدة مرات بعد ما انتبه لنفسه وزفر بحنق.
ثم رفع رأسه بشموخ وولاها ظهره واتجه بخطوات ثابتة للخارج.
صفقت الباب بقوة بعد خروجه.
واستندت برأسها على الباب وعلى صوت بكائها وصوت يملؤه النحيب، أخذت تردد: "ربنا ينتقم منك."
...
دلف غرفته بخطى سريعة وصفق الباب.
وقف في منتصف الغرفة بعينين متسعتين ووجهه محتقن وأنفاسه متصاعدة.
استدار بجسده واتجه صوب المرآة.
وقف أمامها وصدره يعلو ويهبط بوضوح.
مسح بكفه على رأسه.
ثم تمتم بتأنيب: "سبت نفسي كده ليه، غبي. أنا ناقص أقولها إني بحبها."
هز رأسه بالرفض.
"أحب إيه؟ أنا مستحيل إني أحبها أصلاً."
أطلق زفيراً محتقناً.
ثم قام بفك أزرار قميصه وأخذ منشفته واتجه صوب المرحاض الخاص بغرفته.
...
صباح يوم جديد مشرق محمل بالرياح الخفيفة.
يوم روتيني كسائر الأيام السابقة.
...
في مكتب رضوان البحيري.
كان يطلع على بعض الأوراق ويقوم بتوقيعها.
واستأذنت ليلي السكرتيرة الخاصة به للدخول بعد أن قرعت باب مكتبه بلطف.
"مستر رضوان."
"خلاص يا فندم. عملت انترفيو مع كذا بنت ولقيت واحدة مناسبة، متخرجة من معهد حاسب آلي ومعاها كورسات إنجليش."
رضوان: "ارتفع حاجبيه وهتف سريعاً: تمام أوي، مستنية إيه؟"
ليلي: "مستنية حضرتك تشوفها. تساءلت: عموماً هي برة، ممكن أخليها تدخل؟"
أردف قائلاً: "يا ريت."
أومأت إيجاباً وقالت: "ثواني يا فندم."
شرعت للخروج، وما هي إلا لحظات ودلفت هي والسكرتيرة الجديدة.
رضوان: "وقد عقد حاجبيه: في بادئ الأمر لم يسترح لمظهرها. شعرها مصبوغ باللون الأصفر، وجهها لم يخلو من أدوات التجميل (مكياج) الموضوع بعناية. لا يقال عن مظهرها إلا أنه مسموح به للسهرات والأفراح فقط."
"مساء الخير يا فندم."
هتفت بها السكرتيرة بنبرة ناعمة مصطنعة.
ويد ممدودة بالسلام.
أردفت قائلة: "أنا يسرا."
تبادلوا السلام بالأيدي.
وقال بنبرة جافة: "نورتي المكتب."
ثم أكمل: "يا ريت تتعلمي الشغل بسرعة من الآنسة ليلي عشان خلاص مفيش وقت."
هتفت بنعومة مصطنعة: "متخافش يا فندم، أنا بفهم بسرعة وإن شاء الله أنول إعجاب حضرتكم."
"نعم؟"
قالها رضوان وهو يرفع إحدى حاجبيه.
"تنحنت: أحم.. قصدي على شغلي يا فندم."
تفحصها رضوان وهتف: "طب اتفضلوا على الشغل يللا."
ليلي: "عن إذنك يا فندم."
غادرا مكتب رضوان بخطوات ثابتة.
زفر بضيق وتمتم بخفوت: "شكلها مش بتاعت شغل وهتتعبني، ربنا يستر بقى."
أطبق على جفنيه، ثم تابع عمله.
...
بأحد الأحياء الراقية بالقاهرة.
في فيلا جلال المنصوري "أحد رجال الأعمال".
لديه ابنة وحيدة تدعى "سهر".
في غرفة سهى.
فتاة بمنتصف العشرينات.
تجلس أمام المرآة تمشط شعرها بعناية.
ثم أمسكت بهاتفها وضغطت عدة مرات ثم وضعته على أذنها.
سهر: "ياااااه، واااخيراً رديت عليا."
المتحدث: ...
سهر: "بعتاب: يعني أنا كل ده موحشتكش ولا جيت على بالك."
المتحدث: ...
سهر: "بنعومة ونبرة حنين: انت وحشتني أوي يا جو. عايزة أشوفك."
المتحدث: ...
سهر: "خلاص نتغدى سوا النهاردة في النادي."
المتحدث: ...
سهر: "هتوحشني لحد ما أشوفك. متتأخرش عليا، سلام."
أغلقت الهاتف ووضعته على المنضدة ثم التفتت لمرآتها ورفعت حاجبها بإعجاب وهي تنظر لنفسها.
تنهدت طويلاً ثم اتجهت صوب خزانتها لكي تنتقي ملابسها.
...
جامعة القاهرة.
في كلية التجارة.
كانت تجلس سارة مع صديقتها رغد في المقهى الخاص بالكلية.
رغد: "لااا، الواد ده مينفعش يتسكت عليه أكتر من كده. قولي لأمه!"
سارة: "تنهدت بضيق: أمه دي ست طيبة موت، مستحيل تصدق عليه حاجة. تابعت باستهزاء: دي مفكراه الواد المؤدب اللي مفيش منه."
رغد: "يعني إيه هتفضلي عايشة كده؟ حرام والله."
ثم تابعت بحزن: "والله كان بودي آخدك تعيشي معايا أنا وأمي، بس من آخر مرة كنتي عندنا والهمجي ابن عمك جه واتهجم علينا وخدك غصب. وأمي بتقول ملناش دعوة بحد."
سارة: "بأسف: كتر خيرها والله، عندها حق. كفاية الفضايح اللي عملها في المنطقة عندكم."
رغد: "طب والحل."
سارة: "كلمتي خالك بخصوص الشغل؟"
رغد: "تنحنت بحرج: احم.. خالي.. قال أنا مش عايز مشاكل. متنسيش إن يوسف ليه اسم في السوق ومعروف."
سارة: "مفيش حل قدامي حالياً غير إني أجتنبه على قد ما أقدر."
رغد: "هتفت بمرح: طب قومي يللا، أنا عازماكي هاكلك شاورما سوري. هتنسيكي الهم اللي انتي فيه ده."
سارة: "هزت رأسها بالرفض: لا شكراً."
قاطعتها رغد بحدة: "مفيش.. بكرة أبقى اعزميني انتي ياستي."
وانطلقا للخارج سوياً.
...
في نادي الجزيرة.
المعروف بالمستوى الراقي لمشتركيه.
حيث لا يستطيع الاشتراك به سوى الطبقة المخملية.
قديماً كان يشتهر بأنه نادي الخديوي الرياضي.
تجلس سهر على طاولة في المطعم الموجود بالنادي.
في انتظار يوسف.
أحد العاملين بالمطعم: "تؤمري بحاجة تانية يا فندم غير القهوة؟"
زفرت بضيق وهتفت بتكبر: "لأ."
أخذت تفرك كفيها بضيق تارة، وتنظر بساعة يدها تارة أخرى.
حتى شاهدته يدلف لداخل المطعم.
يتجه صوبها حتى انفرجت أساريرها.
أقبل عليها بملامح متهكمة.
نزع نظارته السوداء ورمقها بلا مبالاة.
أزاحت كرسيها ونهضت عن مكانها لتلقي عليه التحية.
"إزيك يا جو."
تمد يدها.
يوسف: "بتهكم: تمام. إزيك انتي."
وجلس على كرسيه وأخذ يتجول بعينيه في المكان.
"وحشتني أوي."
نطقت بها وهي تناظره بوله.
يوسف: ...
"إيه يا جو؟ هو أنا موحشتكش؟ ده إحنا تقريباً بقالنا شهر ونص مبنتكلم."
قال بثبات: "ليه بتقولي كده؟ كل الموضوع بس بالي مشغول بالشغل وكده."
سهر: "جو، انت هتعرفني إمتى على مامتك؟ نفسي أتعرف عليها أوي وأتعرف على أخواتك."
هدرت بغضب: "أومال وقته إمتى يا جو؟ إيه المشكلة أما أتعرف عليهم؟ مانا خليتك تتعرف على بابي."
قال ببرود: "أنا مطلبتش إني أتعرف عليه، انتي اللي جبتيه النادي هنا وعرفتينا ببعض. وبعدين أنا مقلتش إن فيه مشكلة إنك تعرفي أهلي، بس مش وقته. مضغوط في الشغل وع الآخر."
سهر: "بقالنا سنتين مع بعض، وطول السنتين كنت مشغول والشغل تاعبك؟"
أردف بضيق: "يوووه، مش هنخلص. هنتغدى ولا هنعكنن على بعض؟"
أشاحت بوجهها بعيداً.
لم يعرها انتباهه.
أمسك بقائمة الطعام الموضوعة على المائدة أمامه وقام بالنظر بها سريعاً وأشار لأحد العاملين.
"هاخد ستيك بصوص المشروم واسباجتي."
تجه بحديثه صوب سهر: "هتطلبي إيه؟"
نظرت له طويلاً وهتفت: "زيك."
رواية ابن عمي الفصل الرابع 4 - بقلم وحيدة كالقمر
في شقة جمال ..
"يوووه انتي كل ماتشوفيني تعكنني علياا.."
قالها جمال بنبرة غضب عالية.
"يعني انا أما اقولك تعالي كلم اهلي ابقي انا كده بعكنن عليك!!"
قالتها هايدي بنبرة انكسار.
"خلااص ياهايدي بقي والنبي قصري كلام في ام الموضوع ده..خليناا مبسوطين بقي.."
قالها جمال بزفر ضيق.
"ارجوك ياجمال انا اعصابي تعبت م الموضوع ده ..ماما بقت بتشك فيا ويوسف لو عرف حاجه زي دي هيقتلني.."
قالتها هايدي بنبرة مهتزه يكسوها نحيب مكتوم.
"ياستي قولتلك هاجي ..بس مش دلوقتي خلصي سنه رابعه بتاعتك دي وانا ابقي اجيلك ارتحتي ياستي...."
قالها جمال.
رمقته هايدي بحزن ممزوج بالألم .. بعد ما اصيبت بخيبه امل منه .. ليست المرة الاولي لحديثهما بشأن هذا الموضوع .. ولن تكون الأخيرة .. استسلمت للأمر بشكل مؤقت .. فهي للأسف تورطت معه.
بالمساء..
توجهت سارة لغرفه هايدي.. قامت بقرع الباب بخفه هتفت من خلف الباب بانها تود الجلوس معها قليلا.
نهضت هايدي من مضجعها والدموع تنهمر علي وجنتيها.
اخذت منديلا ورقيا من حقيبتها وشرعت بمسح دموعهاا وهتفت: "حاضر هفتح اهوو.."
اتجهت نحو الباب وفتحت لسارة.
"انتي كنتي نايمه ولا اي؟"
قالتها سارة بحرج.
"لا ابداا انا كنت قاعده ع السرير بس .."
قالتها هايدي بنبرة متعبه.
ضيقت سارة عينها بتساؤل وهتفت: "مالك وشك متغير كده ليه؟!!"
"ها للا مفيش .. يمكن ارهاق او شكلي داخله ع دور برد!!"
قالتها هايدي بنبرة مهتزه.
اقتربت من وجهها ومدت يدها تتفحص حرارتها .. وقالت بمرح وضحكه خفيفه: "يااااه دنتي مش سخنه خالص..".
ضربتها هايدي بكفه علي كتفها وهتفت: "خفه اووي البت .. يوم ماتشتغلي حد هتشتغليني انا."
اتجهت صوب السرير .. وتوسطت هايدي السرير وجلست هايدي بجانبها ع الطرف.
"انتي حلوة اووي ياسارة ورقيقه .. كان نفسي اكون زيك كده .."
قالتها هايدي.
"وانتي حلوة اووي.."
قالتها سارة بابتسامة بعذوبه.
"بتجامليني .. ماشي ياستي مقبوله .."
قالت سارة بمرح.
"ابدا وربنا انا بقول الحقيقه .. حتى لو انا حلوة زي مابتقولي .. كون ان انا مريضه سكر .. ده بيخلي اي حد يبعد عني .. حتى لما يتقدملي عريس ويعرف ان عندي سكر .. ميجيش تاني ويقول كل شئ قسمه ونصيب .."
قالتها سارة بنبرة جاده.
تنهدت سارة تنهيده طويله ونظرت لها بعطف.
ربتت علي كتفهاا بحنان .. وقالت بصوت هادئ: "وهو من امته المرض ده عيب او مشكله .. دي حاجه من ربنا ومينفعش نعترض عليها .. مش ذنبك انك قابلتي متخلفين احبطوكي وعقدوكي .. اكيد ربنا شايلك الأحسن وبكرة تقولي بنت عمي قالت .."
نظرت لها هايدي طويلا .. وقالت بيأس يكسوه الاستهزاء: "الأحسن … هه.."
سكتت لحظه ثم هتفت بلامبالاه ومرح مصطنع: " بقولك ايه ماتيجي نشغل اغاني ونرقص !!"
"بس انا مبعرفش ارقص .."
هتفت سارة برقتها المعهوده.
"انا هعلمك .."
تحدت هايدي بحماس.
نهضت من مكانها وأمسكت بهاتفها ضغطت عده ضعطات عليه. ثم قامت بالضغط علي زر ارتفاع مستوي الصوت ووضعته علي المنضدة وجذبت سارة من السرير واخذا يتمايلان بخفه ومرح علي صوت الأغاني.
دلف الي المنزل ليلا.
تجول بعينيه بحثا عن شخص معين ولم يجده.
توجه لأمه والتي كانت تجلس تشاهد التلفزيون.
"مساء الفل ياامي .."
قالها يوسف بنبرة مرهقه.
"مساء الرضا ياقلب امك .."
قالت أميمه بنبرة راضيه. ثم تابعت: "مجتش تتغدا ليه؟"
"اتغديت برة واتعشيت كمان .."
اومات براسها ووجهت انتباهها للمسلسل الذي تتابعه.
تنحنح ثم قال بتساؤل: "اومال انتي قاعده لوحدك ليه؟!! هايدي فين؟"
"هايدي فوق في اوضتها .."
لم تشيح نظرها عن التلفاز.
تنحنح وقال: "اااا طب وسارة؟!"
استدارت براسها صوبه ونظرت بمكر ثم قالت: "قاعده مع هايدي في اوضتها .."
ردد بحرج جلي: "انا بسأل بس لانهم سيبينك قاعده لوحدك ؟!"
لم ترد عليه اكتفت بالنظر اليه.
هتف بصوت متحشرج: "انا طالع اوضتي .."
"ماشي ياحبيبي .."
قالت أميمه.
صعد الدرجات بخطي سريعه.
وقف عند باب غرفه اخته.
وسمع صوت اغاني وصوتهم المرتفع.
اقترب من الباب واخذ يتسمع عليهم.
ودلو كان بامكانه ان يراها وهي ترقص وتضحك.
"اللعنه عليك يايوسف .. وكأن ليس لك شأن بعبوسها وحزنها!!"
استقام بوقفته.
نفض عن رأسه وسار بخطي ثابته لغرفته.
بأحدي مراكز التجميل المشهورة بالقاهرة.
بقسم العنايه بالبشرة والأظافر.
توجد سهر مع صديقتهاا المقربه روجين.
تجلس سهر علي كرسي من الجلد الأسود وترجع بظهرها للخلف بشكل مريح.
وكذلك صديقتها روجين أخذت نفس الوضعيه علي كرسيها.
تقف امام كلاهما فتاتان مختصتان بعمل الأظافر.
"مش عارفه ياروجي بقيت حاسه انه بيتهرب مني.."
قالتها سهر ترمق صديقتها بحيرة.
"مش قولتلك ان يوسف ده مش بتاع جواز والحوارات دي.."
رمقتها روجين بثقه.
"لا متقوليش كده .. انتي عارفه اني بحبه وهو كمان بيحبني . هو اصلا هيلاقي واحده زيي فين .."
علت نبرتها بتباهي.
"تقدري تفهميني لما هو بيحبك .. مبيجيش يتقدملك رسمي ليه؟!!"
قالتها روجين وقد نفذ صبرها.
"ياسو انتو بقالكو سنتين مع بعض .."
تابعت باستهزاء.
"ايه لسه بيكون نفسه ولا معندوش فلوس؟!"
أشاحت ببصرها عنها بعد ما زفرت باختناق من حديثها.
ثم هدرت بها: "دلوقتي شوفيلي حل .. اعمل ايه معاه وارجعه مهتم بيا زي الاول ازاي .. ده حتي مش راضي اني اتعرف ع أهله .. تصوري؟!"
نظرت لها نظرة ذات مغزي وأردفت: "لو هو مش راضي .. فاجئيه انتي .."
"يعني ايه؟!"
اعتدلت بجلستها صوبها ونطقت ببلاهه.
"يعني روحي انتي .. قال ايه وحشك وعايزه تطمني عليه .."
رمقتها روجين بدهاء وقالت.
ثم غمزتها بعينها.
اعتدلت بجلستها للامام.
نظرت لحالها بالمرآه رفعت احدي حاجبيها باعجاب لفكرة صديقتها.
"طب والله فكرة .."
لحق بها علي الدرج الخارجي للمنزل بعد ان تعمد التأخر بذهابه الي الشركه.
"استني .."
هتف بنبرة مرتفعه قليلاا.
اغمضت عينيها بضيق وأطبقت علي شفاهها ثم استدارت بجانبها له.
"انت لسه مخرجتش؟!"
بنبرة ضيق.
بعد ان اقترب منها وصار بجوارها.
كذب وقال: "لا راحت عليا نومه .."
استبقته للاسفل بخطي متعجله.
لحق بها.
وقال بنبرة حاده: "انا مش قولتلك استني .."
عقدت ذراعيها امام صدرها: "انا مش عايزه استناك ؟! ايه هو كله بالغصب عندك .."
احتد صوته واحتقن وجهه قليلا.
هدر بها: "اصطبحي وقولي ياصبح .. الحق عليا كنت عاوز ارحمك من التكسيات واوصلك بطريقي .."
"لا شكرا مش عاوزه توصيله .."
هتفت برفض.
رمقها بغضب.
ثم تركها وذهب للجراج كي يخرج سيارته.
استغلت انشغاله.
وشرعت بالذهاب سريعا واخذت تبحث عن اي سيارة أجره.
وقف بسيارته امامها.
انزل زجاج السيارة وأخفض براسه ليحدثها.
"اركبي .."
رمقته بعدم اكتراث وهزت راسها نفيا.
زفر غيظا.
ترجل من سيارته بغضب.
واستدار صوبها.
تنهدت بضيق حين رؤيته وهدرت باختناق: "قولت مش هركب .."
جذبها من كفها بعنف وقام بفتح باب السيارة و دفعها للداخل رغما عنها.
واغلق الباب.
تلوت في مقعدها.
زفرت بحنق.
انتظرته حتي دلف للسيارة.
وجلس علي مقعده.
اخذت تضربه بغيظ علي كتفه.
وهي تردد بغضب: "انت ايه ؟، معندكش احساس .. قولتلك مش عايزه اشوفك وبردو بتجبرني ع شوفتك .. قولتلك مش عاوزه اكلمك وبردو بتجبرني أكلمك ومش عوزاك توصلني وبردو بتجبرني على كده…"
مسك يدها.
وهدر بها: "صوتك علي وايدك كمان!!"
بنفس نبرة صوته هدرت: "أكيد مش هسيبك تستضعفني يايوسف تاني!!"
مسح بكفه علي ذقنه.
ثم حدثها بنبرة وعيد ووقاحه: "تحبي اوريكي قوتي وجبروتي ؟"
تلجلت قليلا واهتزت نبرتها.
"مش هديك الفرصه .."
قال بثبات ممزوج بوقاحه: "وهو فيه احسن من كده فرصه!! انا وانتي لو حدنا ف العربيه .."
ثم تابع غامزا: "ولا تحبي اخدك الشقه بتاعتي .."
"وقح .."
هتفت بها بعد ان اشاحت وجهها بغضب عنه.
ترك يدها.
تنهد قليلا.
مسح بكفيه علي وجهه بغضب.
ثم اردف: "أنا كنت عايز اوصلك وبس!! انتي اللي بتستفزيني .."
لازالت علي وضعها تنظر للجهه الأخري.
تنحنح وقال بتساؤل: "فطرتي"؟!"
لم ترد عليه.
خبط بكفه علي كتفها بعنف.
توجعت هي علي اثرها.
يم جذبها من شعرها وقال بنبرة حاده: "اما أكلمك تردي عليا احسنلك.. كام مرة هفهمك كده ولا انتي مبتفهميش الا بالاهانه .."
رمقته بحزن.
ولم تجيبه.
اطبقت علي جفنيها كي لا تبكي.
وعضت علي شفاهها.
تأملها قليلا.
وجهها بيده بعض الخصلات تقع علي عينيها المطبقه بشكل جميل.
تعض علي شفاهها بشكل مثير غير مقصود.
محدثا نفسه: "واأأه من شفاهها .."
"يالله…"
تركها.
ثم اعتدل في جلسته واعتدلت هي الأخري.
هدر بها: "اربطي الحزام .."
استجابت ببطئ.
وانطلق يوسف بالقياده.
بمكتب "رضوان"
مكتب "بشركه الزيني"
يرفع سماعه هاتف المكتب.
ويتحدث مع سكرتيرته الخاصه.
"يسراا .. هاتي الورق اللي عندك عشان اوقعه .."
"دقيقه .."
ودلفت يسرا لداخل مكتب رضوان بعد ان قرعت الباب بلطف.
تحمل بعض المستندات بيدها مرتديه ملابس تبرز منحنياتها بدقه.
لا تليق ابدا باالعمل.
رمقها رضوان من اعلاها لاسفلها بنفاذ صبر.
وهتفها: "انسه يسرا .. قولتلك قبل كده الهدوم دي مينفعش تيجي بيها الشغل .. ليه مش عامله اعتبار لكلامي."
"يافندم كل الهدوم اللي عندي كده .. بس اوعدك هحاول اظبط ف لبسي عشان حضرتك .."
بحزن مصطنع.
رفع حاجبيه بذهول.
واردف بتساؤل: "عشان حضرتي؟!"
"قصدي ع الشغل وحضرتك يافندم .."
هتفت بدلع.
رمش بعينيه ثم تحدث بثبات: "هاتي الورق امضيه .."
اقتربت من المكتب.
اتجهت صوب كرسيه بخفه ثم مالت بوقفتها وشرعت بفتح المستندات واخرجت منهم الورق للتوقيع.
توتر من قربها بهذا الشكل وطريقه وقفتها بجواره.
زاغت عيناه واخذ يبتلع ريقه بصعوبه بلل شفتاه بطرف لسانه.
نظرت له بعدم فهم مصطنع: "فيه اي مشكله يافندم..؟"
ارخي ربطه عنقه قليلا.
وقال بتلعثم: "لا مفيش .."
علمت بنجاح خطتها وانها تسير بخطي ناجحه لتحقيق مخططها.
كان بحال لا يحسد عليه.
شرع بفحص الاوراق بعد ان غض بصره عنها واردف بنبرة جافه: "اتفضلي روحي انتي ع مكتبك .."
استقامت بوقفتها وأومأت برأسها ايجابا.
وغادرت الغرفه بخفه.
تنفس الصعداء لخروجها.
وتمتم بخفوت وقلق: "شكلك مش هتجيبها لبر يايسرا .."
ترجلت سهر من سيارتها.
بعد ان استدلت علي المكان من احد المارة.
صعدت الدرج الرخامي بخطي ثابته.
استندت قليلا علي الباب.
اطلقت تنهيده طويله.
ثم قرعت الجرس.
بداخل المنزل.
الست أميمه كعادتها بالمطبخ تساعدها الحاجه فاطمه بأعمال المنزل.
سمعت الحاجه فاطمه صوت قرع الجرس.
لفت الحجاب علي رأسها جيداا.
واتجهت صوب الباب.
وفتحته.
ووجدت فتاه طويله بشعر مموج *كيرلي* وملابس ملفته جداا من وجهه نظرها.
هتفت بفضول: "خير يابنتي عايزه ايه؟"
تحدثت وعينيها لداخل المنزل: "يوسف .. يوسف هنا؟!!"
أميمه من داخل المطبخ: "مين يافاطمه..؟"
هتفت فاطمه وهي في مكانها: "دي .. واحده كده عايزه الاستاذ يوسف..!"
تضايقت سهر منها.
وقالت بتكبر موجه لفاطمه: "انتي بتشتغلي هنا؟!"
لم ترد عليها.
بل اشارت بذراعها لها بالدخول.
وهتفت: "الست الكبيره .. هتيجي اهي .."
واوصلتها الي الصالون.
جلست باريحيه علي كرسي الصالون المدهب.
واخذت عينها تتجول علي المنزل.
حضرت أميمه.
مرحبه بها: "ازيك يابنتي .."
عرفت ع الفور انها والده يوسف.
الشبه بينهم كبير.
نهضت عن مكانها والقت عليعا التحيه.
"ازي حضرتك .."
"اقعدي يابنتي .. كنتي عاوزه يوسف ابني .."
تنحنحت: "احم .. ايوة .."
"حضرتك مين يابنتي .. انا اول مرة اشوفك .."
"أنا سهر ابقي .."
ابتسمت بعذوبه.
"ابقي حبيبه يوسف .."
تبدلت ملامح أميمه كليا.
واعتدلت بجلستها.
عقدت حاجبيها بفضول.
وتحدثت: "يعني ايهايه ياطنط .. هو مقالش لحضرتك عليا؟!"
احست بالحرج.
"لأ ازاي. اكيد قالي بس انا للي بنسي !! هو مش هنا ياطنط ولا ايه؟!"
"لا ياحيبتي هو ف الشركه دلوقتي .."
تنحنحت بحرج.
واحست بانها غير مرغوب بها.
نهضت عن مكانها.
"طب انا اسفه ياطنط فكرته هنا .. همشي انا بقي وابقي اكلمه .."
"لا ازاي طبعا.. استنيه ياحبيبتي .. ع مايجي.."
"ميرسي ياطنط .."
قالت سهر بامتنان.
"لا والله لازم تستنيه وبالمرة نتغدا كلنا سوا .."
قالت أميمه باصرار.
لم تستطع مقابله اصرارها بالرفض.
فعاودت الجلوس مرة اخري.
في انتظار يوسف.
او بالمعني الأصح.
رد فعل يوسف.
كان يخرج بسيارته "أميرر الحوفي" معيد بالكليه.
لم ينتبه لها تفاجأ بها تقف امام سيارته.
كاد ان يصطدم بها.
ولكن.
لحق الامر.
ترجل من سيارته بغضب.
واستدار لها.
كانت جالسه علي ركبتيها تلملم كتبها وأغراضها.
نظر صوبها بغضب.
كاد ان ينطق.
فاجأته برفع رأسها.
ألجمته عن الحديث.
اقسم بباله لم يري جمال كهذا من قبل.
لم ينتبه لحالته جلس مقابلها يجثو علي ركبتيه.
قالت بخفوت: "انا اسفه مكنتش واخده بالي .."
ناظرها بوله وبنبرة ناعمه: "انا اللي اسف .."
نهضت عن مكانها بعد ان لملمت اغراضها.
ورمقته بابتسامه عذبه واتجهت للداخل.
التقطت ببعض زميلاتها والقت عليهم التحيه.
واكملت طريقها.
اما عنه هو مازال مكانه مشدوها شارد الذهن.
ظل يتتبعها حتي غابت عن عينيه.
رأيتُها بالعُيون الزرقِ ترمُقُنِي فأغرقتني وما للبحرِ شُطئانُ
ألا فجودي على عيني بمبتسِمٍ ونظرةُ العين هذي منك إحسانُ
رواية ابن عمي الفصل الخامس 5 - بقلم وحيدة كالقمر
كانت شارده بملامح منزعجه تسير علي غير هدي بالجامعه.
عند "الباركينج الخاص بالكليه" كان يخرج بسيارته "أمير الحوفي" معيد بالكليه.
لم ينتبه لها، تفاجأ بها تقف أمام سيارته.
كاد أن يصطدم بها، ولكن لحق الأمر.
ترجل من سيارته بغضب واستدار لها.
كانت جالسه على ركبتيها تلملم كتبها وأغراضها.
نظر صوبها بغضب، كاد أن ينطق، فاجأته برفع رأسها، ألجمته عن الحديث.
أقسم بباله لم يري جمال كهذا من قبل.
لم ينتبه لحالته، جلس مقابلها يجثو على ركبتيه.
قالت بخفوت: "أنا آسفة، مكنتش واخدة بالي".
ناظرها بوله وبنبرة ناعمة: "أنا اللي آسف".
نهضت عن مكانها بعد أن لملمت أغراضها، ورمقته بابتسامة عذبة واتجهت للداخل.
التقت ببعض زميلاتها وألقت عليهم التحية، وأكملت طريقها.
أما عنه، هو مازال مكانه مشدوهاً شارد الذهن.
ظل يتتبعها حتى غابت عن عينيه.
سار صوب زميلاتها اللاتي ألقت عليهم سارة التحية، وقال بابتسامته المعهودة:
"مساء الخير يا بنات!!"
رمقته الفتيات بوله وفم مفتوح، فكل الفتيات أو بالاصح معظمهم يتمنون أن يرمقهم أمير الحوفي بنظرته الجذابة وابتسامته العذبة.
تحدثوا بنفس واحد: "مساء النور يا دكتور".
انتبه لحالهم، فتنحنح وقال بحرج وهو يحك أنفه بأصبعه:
"احم.. ممم.. كنت عاوز أسألكم عن حاجة".
قالت إحداهن بنبرة حماسية: "أكيد.. اتفضل يا دكتور".
قال بنبرة تساؤل لا تخلو من الحرج: "الآنسة اللي سلمت عليكم من شوية دي تبقي مين؟!"
نظرن الفتيات لبعضهم باستغراب، ثم نطقت إحداهن:
"قصد حضرتك سارة الزيني".
لوى فمه ورفع حاجباه دليل على عدم معرفته: "معرفش، أنا اللي بسألكم مين دي؟!"
قالت إحداهن: "مش اللي شعرها أصفر ولسه داخلة دلوقتي".
تحدث مسرعاً: "أيوة هي.. مين دي وفي سنة كام؟!"
تحدثت إحدى الفتيات: "دي سارة الزيني في سنة تانية مدرج ج، مع بنت خالتي في المدرج بتاعها. كانت عايشة برة وحولت السنة دي، أما نزلت مصر تقريباً".
رمقهم أمير "برضا" بعد أن حصل على ما يريد معرفته.
أومأ برأسه لهم، وسار بخطوات مستقيمة للداخل.
تساءلت الفتيات فيما بينهم: "ياترى بيسأل عليها ليه؟!"
ردت الأخرى: "ودي عايزة كلام، أكيد عاجباه".
ولوت فمها بتحسر: "هييييييح يابختها".
ترجل يوسف من سيارته.
ضيق عينيه عند رؤيته لتلك السيارة الحمراء المركونة أمام المنزل.
استدار حولها بغضب، تأكد أنها سيارة سهر.
جذب بانامله خصلات شعره بعنف، ثم ضرب بقبضته على مقدمة السيارة واتجه صوب الدرج الرخامي الخارجي للمنزل وصعده بخطي مسرعة.
ولج للمنزل وأخذ يبحث بعينيه عنها.
استوقف بنظره على الصالون.
اعتدلت سهر بجلستها عند رؤيته ورمشت بعينيها مرات متتالية.
اتجه صوبها بخطوات ثابتة وهو يصر على أسنانه من الغضب.
استقطعته أمه وهي تحدثه ببرود متعمد:
"ايه مش هتسلم على سهر؟"
اقترب من سهر وهو يعقد حاجباه وقد أصابه الغضب.
"مد يده"
"إزيك يا سهر؟"
انتفضت سهر عن مقعدها وقالت بنبرة مهتزة وهي تبادله السلام:
"تمام".
ظل ممسكاً بيدها يعتصرها حتى وضح على ملامحها الوجع.
لاحظت أميمة ذلك، فهتفت بعدم فهم:
"فيه حاجة ولا إيه؟"
تحدث من بين أسنانه ونظره مثبت على سهر بعد أن ترك يدها:
"لا.. مفيش".
عاتبته أميمة:
"مش تقولي يا يوسف إنك مرتبط بواحدة وهتخطبها؟"
زفر بضيق وأشاح بكفه لأمه:
"مش وقته يا ماما.. مش وقته".
نهضت من مكانها بانفعال ثم قالت بانزعاج موجه له:
"عموماً كلامنا بعدين.. أنا قايمة أحضر الأكل عشان سهر هتتغدى معانا النهاردة".
غادرت الغرفة متوجهة صوب المطبخ بخطوات سريعة مستقيمة.
احتقن وجهه بالدماء وقبض على ذراعها بانفعال:
"ايه اللي جابك هنا؟ بتتحدي؟"
تحدثت بوجع: "آه.. ايدي.. وجعتني.. سيبني بقى".
دفعها بقوة، ارتدت على إثرها للخلف.
أكملت بلهجة مستنكرة: "وإيه المشكلة أما أجي وأتعرف على أهلك؟ أنا عملت إيه غلط؟"
هدر بها بغضب وهو يشيح بيده: "لما تكسري كلامي وتيجي بيتي من غير معرفتي وتحكي لأمي ع اللي بينا.. يبقى ده مش غلط!!"
"أومال الغلط عندك يبقى إيه؟"
كانت متوجسة من رد فعله، ولكنّه عدى احتمالاتها بمراحل.
لم هذا الغضب؟
حدثها بوعيد: "أنتي دلوقتي تمشي ولينا كلام بعدين".
جذبها من مرفقها وسار في اتجاه الباب رغما عنها.
وما زاد الطين بلة، حضور هايدي وسارة معاً.
تجمدت سارة وهايدي مكانهما عند رؤيتهم ليوسف وضيفته، وملامح يوسف لا تنم عن خير مطلقاً.
تسمر يوسف مكانه وترك مرفق سهر بسرعة ووجه نظراته لسارة.
رمقها بتوتر شديد.
شاهدت سهر يوسف وأحست بتوتره ونظراته المصوبة تجاه سارة.
تنفست هايدي بعمق وهتفت:
"ايه مش تعرفني؟"
هتفت هايدي مسرعة: "أنا هايدي اخت يوسف الصغيرة".
توجهت سهر برأسها لسارة، فأكملت هايدي:
"ودي سارة بنت عمي".
ثم تابعت باستغراب وتساؤل: "مين حضرتك؟"
قامت سهر بشبك ذراعها بذراع يوسف وقالت بثقة:
"أنا حبيبة يوسف وقريب هنتخطب".
اتسعت عين يوسف واحمر وجهه من الغيظ.
رمقته سهر بلا مبالاة غير مكترثة لنظراته.
أما عن سارة وهايدي، ارتفعا حاجبيهما بذهول، ونظروا لبعضهم باستغراب.
في هذه اللحظة حضرت أميمة من المطبخ:
"ايه انتو جايين مع بعض ولا إيه؟"
وجهت حديثها صوب هايدي وسارة.
هايدي: "لا.. إحنا اتقابلنا تحت وطلعنا سوا".
هتفت أميمة ليوسف بنبرة جافة:
"عرفت البنات على ضيفتك ولا لسه؟"
تحدثت هايدي: "آه يا ماما خلاص اتعرفنا".
هتفت أميمة: "طب يللا عشان هنتغدى سوا.. خد ضيفتك وقعدها يا يوسف".
هايدي: "أنا هروح أشوف أي حاجة أشربها عشان دايخة أوي".
توجهت للمطبخ.
أصرت سارة الصمت.
رمقت يوسف باحتقار، ثم صعدت الدرج الداخلي للمنزل، متجهة صوب غرفتها لتبديل ثيابها.
في منزل رضوان البحيري.
كان رضوان يجلس على الأريكة المقابلة للتلفاز بارتياح.
حضرت أروي وجلست بمحاذاته.
أروي: "بتتفرج على إيه يا حبيبي؟"
رضوان: "انتي شايفة إيه؟"
أروي: "أيوه عارفه إنه ماتش مين بيلعب مين يعني".
رضوان بمرح وشماتة: "برشلونة واخدة الريال ورا مصنع الكراسي وعاملة معاه الصه".
تساءلت أروي باهتمام: "مين فيهم برشلونة ومين فيهم الريال؟"
رضوان يشير بسبابته: "بصي يا ستي اللي لابس أزرق غامق ده برشلونة واللي لابسين أبيض دول الريال".
أروي: "طب ومين الأحسن فيهم؟"
رضوان بثقة وتباهي: "طبعاً برشلونة".
جلست تشاهد معه المباراة في صمت.
وبعد انتهاء المباراة بفوز فريقه المفضل التفت له مقهقهاً بشدة:
"مش قولتلك برشلونة هتقطع الريال النهاردة".
هتفت بنعومة: "مبروك يا حبيبي".
انتبه لها أخيراً: "بس.. إيه الحلاوة دي؟"
قوست فمها بتهكم: "أول ما أخدت بالك.. ده أنا قاعدة جمبك بقالي أسبوع".
هتف بمرح: "معلش يا روحي أنا ساعات بيتعمى على قلبي.. العيال نامت؟"
أروي بابتسامة خجولة: "آه".
رضوان ضحك بخفوت وغمزها: "طب إيه؟"
أردت ببلاهة: "إيه؟"
"قومي اعملي لنا شاي وتعالي أقولك".
"طب.. إيه؟"
في فيلا المنصوري.
في غرفة سهر.
كانت تتحدث عبر الهاتف مع صديقتها روجين.
سهر: "بس يا ستي واتغدينا ومكنش مديني وش طول ما أنا قاعدة.. حتى ماما روحت موصلنيش".
روجين: "..."
سهر: "أنا مش هسيبه.. هو مش بمزاجه يعلقني بيه وبمزاجه ينهي اللي بينا.. ثم أنا عايزة أتأكد في حاجة بينه وبين بنت عمه ولا لأ".
روجين: "..."
سهر: "انتي لو شفتي بصاته ليها.. كنتي هتفهمي أنا قصدي إيه.. ده منزلش عينه من عليها ولا كاني موجودة.. بس مامته طيبة وتقريباً اقتنعت بيا ورضيت بالأمر الواقع".
روجين: "..."
سهر: "أنا بكرة لازم أقابله وأعرف آخرته إيه معايا.. وإيه حكاية البت بنت عمه دي".
روجين: "..."
سهر: "ولا حلوة ولا حاجة.. عادية يعني.. هي بس عينيها زرقا.. وممكن تكون عدسات كمان.. عادية جدا".
روجين: "..."
سهر: "ماشي يا حبيبتي.. أشوفك بكرة في النادي ونكمل كلامنا.. good Night".
ألقت الهاتف بإهمال على المنضدة.
توسطت سريرها كي تخلد للنوم.
دلف إلى المنزل بساعة متأخرة من الليل.
وجد المنزل هادئ.
صعد الدرج الداخلي بتملل ويده تستند على سور الدرج.
وقف في منتصف الردهة، ثم سار بخطوات مستقيمة صوب غرفة سارة.
ظل واقفاً أمام الغرفة بعضاً من الوقت.
التفت يميناً ويساراً، اطمئن بأن لا يوجد أحد.
ضرب الباب بضربات خفيفة.
كانت مستيقظة تقوم بعمل بحث من على الإنترنت.
سمعت صوت طرقات على بابها.
نهضت من سريرها بتملل، محدثة نفسها: "ع أساس هايدي راحت تنام يعني.. إيه جابها دلوقتي؟"
فتحت الباب، اصطدمت بوجوده.
هتفت بجفاء: "خير.. فيه إيه؟"
رد بتساؤل: "كنتي نايمة؟"
جاوبته باستهزاء: "متهيألي ده وقت نوم يعني.. مش محتاجة ذكاء يعني".
تنهد بنفاذ صبر: "انتي الكلمة عندك بموشح.. إيه؟"
أطلقت زفيراً محتقناً وهتفت بضيق: "خير!!"
تلجلج في الحديث: "مفيش.. أنااا كنت.."
حك كفه بمقدمة رأسه: "مفيش حاجة بيني وبين سهر!"
هزت رأسها بعدم اهتمام: "وأنا مالي باللي بينك وبين سهر".
هتف بتذمر: "ولما هو مالك اتضايقتي ليه؟"
رفعت إحدى حاجبيها بتعجب: "اتضايقت.. لا يا يوسف أنا مضايقتش.. في فرق بين إني اتضايقت وإني احتقرتك".
احتد صوته: "هتف بنبرة متحشرجة"
"قولتلك مفيش بيني وبينها حاجة".
"لزمته إيه كلامك ده.. مفيش بينك وبينها إيه؟ يا ابني بتقول إنكم هتخطبوا قريب".
كاد أن يتحدث، قاطعته بإشارة من يدها.
وقالت بثبات: "أنا فرحت أوي.. على الأقل هتبعد عني بقى وتسيبني في حالي".
يمسح بيده على ذقنه.
قام بالنظر لعنقها وما أسفله بوقاحة.
انتبهت لنظراته الوقحة، فوضعت كفها على عنقها.
رمقته باحتقار وأوصدت الباب سريعاً.
هتف من خلف الباب بصوت منخفض مسموع لها: "براحتك.. قريب هتقعي تحت إيدي".
هتفت وهي تستند على الباب بعد ما سمعت حديثه: "وقح".
وتعمدت إيضاحها له.
ارتسم على ثغره ابتسامة واسعة، وكأن كلمة وقح تعني له مديح أو شكر.
سار بخطي متعجلة إلى غرفته.
في منزل المستشار سالم الحوفي والد أمير.
يجلس هو وعائلته الصغيرة المكونة من الأم أمل (أم أمير) ربة منزل.
كانوا يجلسون في الشرفة يتسامرون ويحتسون الشاي.
أمل: "ربنا ما يحرمني من قعدتكم الحلوة دي".
أمير: "طيب.. أنا أنتهز الفرصة دي وأكلمكم في موضوع كده شاغلني بقاله أسبوعين أهو".
المستشار سالم بصوت أجش: "خير يا أمير.. إيه شاغلك؟"
أمل بنبرة متلهفة: "خير يا حبيبي".
تنحنح أمير بحرج واعتدل بجلسته للأمام، وهتف بنبرة هادئة:
"أنا قررت إني أخطب".
هتفت أمل مسرعة: "واااخيراً.. هتفرح قلبي يا أمير".
المستشار: "قام بخلع نظارته ووضعها بجانبه على المنضدة".
"ومين بقى سعيدة الحظ دي؟"
أمير: "بنت زي القمر.. حلاوة وأخلاق.. من عيلة الزيني".
المستشار: "أعرف ناس من عيلة الزيني.. أبوها اسمه إيه؟"
أمير: "حك بانامله بمقدمة رأسه.. مش فاكر يا بابا.. المهم.. عارف أستاذ رضوان اللي في العمارة اللي قدامنا.. يبقى ابن عمتها.. يا ريت يا بابا تكلمه عشان يمهد لنا الأمر وناخد ميعاد".
أمل: "تدخلت في الحوار".
"أستاذ رضوان ومراته محترمين ومراته بنت ناس".
المستشار: "خلاص.. سيب لي أنا الموضوع ده وأنا بنفسي هروح أكلمه في أقرب وقت".
أمير: "يا ريت تستعجل يا بابا.. أنا خايف البت تتخطب".
قهقه المستشار عالياً وقال مداعباً له: "شوفي الواد مستعجل إزاي".
أمل: "ومستعجلش ليه.. الواد حلو والبنات بتترمي تحت رجله.. أصلاً كان نفسي إنه يفكر في الموضوع ده من زمان".
المستشار: "خلاص.. هروح لقريبهم ده بعد صلاة العشاء وأتكلم معاه".
أومأ أمير برأسه وقال: "متحرمش منك يا سيادة المستشار".
غيروا الحديث بأحاديث أخرى عن حياتهم وأعمالهم وغير ذلك.
قامت هايدي بالاتصال بجمال بعد محاولات كثيرة كانت نتيجتها عدم الرد.
لم يجيب.
بعين دامعة شارده، ونغزة بالقلب.
أحست بالضياع.
حدثت نفسها بصوت لا يسمعه غيرها وهي جالسة في إحدى الاستراحات الموجودة بالجامعة:
"أنا اللي عملت في نفسي كده.. أنا اللي خليته يدوس عليا بجزمته.. لو الزمن يرجع بيا تاني.. عمري ما كنت أفرط في نفسي".
في مكتب "يوسف الزيني".
كان يجلس على كرسيه يقوم بالتوقيع على بعض الأوراق.
دخل عليه رضوان دون أن يقرع الباب أو يستأذنه كعادته.
يوسف وهو يرمي القلم بانزعاج:
"نفسي مرة تخبط عليا قبل ما ندخل".
رضوان: "أنا لو عملت كده.. أعرف إني زعلان منك".
يوسف: "يا ريت.. خاصمني يا أخويا".
رضوان: "يضرب على كتف يوسف".
"والله ما تقدر تعيش من غيري دقيقة".
هتف يوسف بمرح: "متهيألك".
"خير.. جاي ليه؟"
خبط رضوان بقوة على رأسه وتحدث:
"أوف.. كنت هنسى أنا جايلك إيه".
يوسف بتأفف: "انجزز".
وضع رضوان ساق أعلى ساق وهتف بتكبر:
"حايب لك عريس".
يوسف: "نعااام؟"
رضوان: "واعتدل في مكانه وأدرك خطأه المضحك".
"مش قصدي.. انت.. قصدي جاي لأختك عريس".
يوسف: "تبدلت ملامحه للاستغراب".
"أختي أنا.. مين ده؟"
رضوان: "يا سيدي ده يبقى ابن المستشار سالم الحوفي.. راجل محترم وليه قدره وابنه بيشتغل معيد في كلية".
"امسك براسه".
"مش فاكر كلية إيه.. اسم العريس أمير".
رضوان: "هز كتفيه بعدم معرفة".
وقال: "معرفش.. أكيد شافها في الجامعة ولا حاجة.. ها.. هما عايزين ميعاد بكرة كويس؟"
يوسف: "تنهد وهتف".
"طيب.. هكلم أمي في الموضوع وأرد عليك أما أكلمها".
رضوان: "تمام.. متتأخرش عليا بالرد.. هروح لمكتبي أنا بقى.. يالا سلام".
لم يتلقى رداً من يوسف ولم ينتظره.
نهض عن كرسيه ونهض وسار بخطوات مستقيمة للخارج.
رجع يوسف لعمله، وأمسك بالقلم وقام بتوقيع الأوراق بعد التدقيق في فحصها.
رواية ابن عمي الفصل السادس 6 - بقلم وحيدة كالقمر
في منزل يوسف الزيني، اجتمع مع أمه بعد وجبة العشاء بشأن الموضوع الذي أخبره به رضوان بالمكتب.
جلس يوسف على الأريكة المقابلة لأمه، وأراح بجسده على ظهرها. زفر سريعًا قبل أن يتحدث.
يوسف: هايدي جالها عريس النهارده.
أميمة: بجد؟ مين أهله يبقوا مين؟
يوسف: رضوان هو اللي جايبه. أبو العريس يبقى مستشار وساكن قصاده. راح اتكلم مع رضوان أساس رضوان يكلمنا ويقولهم على ميعاد يناسبهم. وبيقول إنهم مستعجلين.
انفرجت أساريرها.
أميمة: يا رب لو خير يكتبهولك يا بنتي.
ثم نظرت ليوسف مليًا واعتدلت للأمام مقتربة منه برأسها.
أميمة: مالك؟ مش فرحان ليه؟
يوسف: مين قالك إني مش فرحان؟ أنا فرحان وجدًا كمان. بس خايف لما يقعد معانا ويعرف إن عندها السكر، يمشي وميجيش تاني زي اللي قبله.
تبدلت ملامح أميمة للعبوس.
أميمة: هايدي بتتعب جامد بعد الموضوع ده. ربنا يستر.
يوسف: عشان كده أنا خايف ومتردد. حرام لما تتعشم وتفرح وبعد كده أم العريس تكلم في الفون وتقول كل شيء قسمة ونصيب.
أميمة: خلاص مش مهم نقول من الأول. أكيد لما يقعد معاها ويتعرف عليها أكتر هيحبها والموضوع ده مش هيأثر معاه.
يوسف: إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ لا طبعًا.
أميمة: والنبي يا يوسف. سيبني أفرح واختك تفرح. متقولش على الموضوع ده من أولها.
أرضخ يوسف لرغبة أمه بعد أن ترجته. زفر بضيق وهتف:
يوسف: طيب هطلع أنا أكلم مع هايدي وأعرفها.
نهضت أميمة من مكانها وقالت بعجالة:
أميمة: لا اطلع انت يا حبيبي ارتاح وسيبلي هايدي أنا هقولها.
اتجه صوب الدرج، رفع جاكته بيده على كتفه وهتفها وهو يصعد ببطء.
يوسف: ابقي عرفيني رأيها الصبح عشان أقول لرضوان يقولهم.
رمقته أميمة برضا، متمنية له الخير، داعية من قلبها أن تسير الأمور على خير.
***
دلفت أميمة لغرفة ابنتها هايدي بعد أن استأذنتها بالدخول.
أميمة: بتعملي إيه يا قلب أمك؟
هايدي: أنا بفرح أوي أما بتقوليلي يا قلب أمك.
أميمة: طب ما انتي قلبي وآخر فرحتي والدلوعة بتاعتنا.
هايدي: ربنا ما يحرمني منك يا ست الكل. بس إيه الدلع ده؟ أوعي تكوني عايزة فلوس؟
قهقهت أميمة بشدة من حديث ابنتها وهتفت من بين ضحكاتها:
أميمة: هعوز فلوس منك انتي؟ دانتي لسه بتاخدي المصروف.
هايدي: ممم أومال عايزة إيه يا أميمة؟ أنا قلبي اتوغوش.
جلست أميمة على طرف السرير وأشارت لابنتها للجلوس بجانبها.
أميمة: طب تعالي جمبي وأنا أقولك.
هايدي: ها. كلي أذان صاغية.
أميمة: بطلي لماضة يابت بقي. ثم تابعت: عندي ليكي خبر حلو.
تأملت هايدي أمها بتساؤل.
أميمة: جالك عريس.
وما إن أنهت أميمة كلمتها، تغيرت ملامح هايدي للعبوس. زاغت ببصرها وأحست بانخفاض بضغط الدم مفاجئ.
هايدي: إيه؟
شاهدتها أميمة بتلك الحالة، دخل الشك قلبها. بالأساس كانت تشك بأبنتها، قلب الأم وإحساسها لا يخيب.
أميمة: في إيه؟ مالك؟
هايدي: مم مم مفيش.
هدرت بها أميمة بلهجة محذرة.
أميمة: هايدي، لو في حاجة قوليلي.
انتبهت هايدي على حالتها وانتباه أمها. أزاحت العرق من جبينها بصعوبة بالغة.
هايدي: مفيش حاجة يا ماما. أنا بس... بس كنت بقول يعني بلاش دلوقتي. على الأقل أخلص رابعة.
أميمة: مفرقتش دلوقتي من بعدين. هو عريس كويس وفرصة حلوة. أي حد يتمناها.
هايدي: بس.
قاطعتها أميمة بحدة.
أميمة: مفيش بس. بكرة بإذن الله العريس وأهله هييجوا ويارب يكون فيه قبول لأني عايزة أفرح بيكي بقي.
أمام إصرار والدتها وشخصيتها القوية، فضلت الصمت ورضخت للواقع.
هايدي: اللي تشوفيه يا ماما.
مسحت أميمة على ظهر ابنتها بحنان وقالت:
أميمة: ربنا يهديكي يا بنتي ويجعله خير ليكي.
نهضت من مكانها ممسكة بركبتها واتجهت ببطء للخارج. فور خروج أمها، أوصدت الباب بإحكام. أمسكت الهاتف وأخذت بالضغط عليه، ثم تضعه على أذنها بانتظار الرد.
هايدي: للأسف لا يوجد رد. اللعنة عليك يا جمال. أين أنت؟ هربت أم ماذا؟ الله أعلم.
موقف لا تحسد عليه. تذكرت مرضها وهروب كل من تقدموا لها. تنفست بارتياح وهتفت:
هايدي: أكيد هيبقى زي اللي قبله ويمشي.
متمنية وداعِية الستر من ربها.
***
صباح اليوم التالي، تجمعوا على الفطور.
أميمة: اعملوا حسابكم مفيش مرواح للكلية النهارده انتوا الاتنين.
سارة: ليه يا طنط؟ خير؟
أجابها يوسف سريعًا.
يوسف: هايدي جايلها عريس النهارده.
لم تعيره انتباهًا. التفت لهايدي الجالسة بجوارها وقالت بحماس.
سارة: أوباا. مبروك يا روحي بقي.
اكتفت هايدي بالإيماء لها بابتسامة.
نهضت أميمة عن كرسيها وهتفت للفتيات بحماس.
أميمة: يلا شهلو بقي عشان نساعد فاطمة، ورانا شغل كتير.
نهضت هايدي من مكانها وسارت خلف أمها للصالون. سارة ويوسف وحدهما على المائدة.
وجدت أنهما بمفردهما، همت سريعًا من مكانها دون النظر إليه. فهم فعلتها.
نهض عن مكانه وسار خلفها. بعد أن تأكد من انشغال أمه وأخته عنهما، جاء من خلفها، أمسكها من خصرها على غفلة منها، ظهرها له. مال براسه على أذنها بعد أن جذب خصلاتها للخلف.
يوسف: عقبالك.
دفعته بقوة ونزعت يده عنها بقوة. سارت بخطى متعجلة لتبتعد عنه.
يوسف: طب قولي شكرًا حتى.
ابتسم ابتسامة جانبية، وضع يده بجيب بنطاله وشرع بالذهاب للخارج.
***
في مكتب رضوان البحيري، كان يتحدث مع سكرتيرته الخاصة.
رضوان: يا يسرا. اللي بيحصل ده مينفعش. أنا راجل متجوز.
يسرا: وإيه المشكلة لما تكون متجوز؟ الشرع حلل لك أربعة. أنا معجبة بيك وانت معجب بيا. ليه هتقعد الموضوع يا رضوان؟
رضوان: ومين قالك إن الإعجاب متبادل؟
اقتربت منه وجلست على المكتب مقابلة. أمسكت بيده.
يسرا: أنا عارفة إنك معجب بيا. هنستفيد إيه من البعد ده؟
توتر كثيرًا من اقترابها الوقح. أرخي ربطة عنقه وفك أول زرين من قميصه بتوتر. تنهد.
اقتربت بوجهها منه، اقتربت كثيرًا. عضت على شفتها السفلية بإثارة. رمقته بوله. استجاب لما تفعله. كان بعالم آخر، عالم لم يجربه ولا كان على دراية به. أخرجته يسرا من الرجل العادي الروتيني إلى الرجل المطلوب المرغوب. جعلته يهرب من حبه ومن مسؤليته. أغمض عينيه وترك البداية لها.
فجأة اهتز هاتفه. أفاق من حالته وغيبوبته. حمحم بتوتر. أمسك الهاتف.
رضوان: أيوه يا يوسف... بجد والله... خلاص هكلم سيادة المستشار وأعرفه إن الزيارة بالليل.
ألقى الهاتف بانفعال، بلل شفتيه بطرف لسانه، وهتفها وهو يشيح ببصره عنها.
رضوان: روحي انتي يا يسرا على مكتبك.
زفرت بضيق. رمقته بتحدي.
يسرا: طيب هخرج دلوقتي. بس فكر يا رضوان. أنا مش هستنى قرارك أكتر من كده.
غادرت المكتب بانفعال. وضع رضوان كفه على رأسه مستندًا بساعده على سطح المكتب. رفع رأسه ببطء، مسح بكفه على وجهه، وأمسك الهاتف وقام بالاتصال بسيادة المستشار لتحديد الموعد.
***
ليلاً، من أمام منزل يوسف الزيني، ترجل أمير ووالديه من السيارة الخاصة بهم. صعدوا على الدرج الرخامي بالمقدمة. المستشار وخلفه أمير ووالدته. قرعوا الجرس بثبات.
فتحت الباب فاطمة وقالت بابتسامة واسعة.
فاطمة: اتفضلوا اتفضلوا يا أهلا وسهلا يا أهلا وسهلا.
حضر يوسف ومعه رضوان لاستقبالهم. تبعتهم أميمة بابتسامة عذبة.
يوسف ورضوان: مرحبًا. أهلًا وسهلًا سيادة المستشار. اتفضلوا للصالون.
سار يوسف بالمقدمة وتتبعه الجميع إلى غرفة الصالون. مرح وترحيب بهم. تجولت الأعين بالمنزل معجبين بالأثاث والتحف الأنيقة.
أميمة: انتوا نورتونا والله.
أمل: البيت منور بأهله يا أم يوسف.
رمق يوسف أمير بنظرات غير مفهومة. لماذا لم يسترح له؟
نتركهم مع بعضهم وترحيبهم ونذهب لغرفة هايدي.
***
عند هايدي، التوتر غالب على ملامحها.
سارة: مالك يا دودو؟ انتي خدتي علاجك ولا لأ؟
هايدي: أيوه خدته. بس دايخة شوية.
سارة: اجمد كده يا عم. ثم لكزتها في خصرها. دايخة من قبل ما تشوفي أوامال لو شفتيه بقي.
أجلستها أمام المرآة وأخذت تمشط شعرها.
سارة: إيه رأيك يا هايدي أجيبه على الجنب كده؟
هايدي: متفرقش.
أحست سارة بقلقها، لكنها طردت إحساسها بعيدًا.
سارة: خلاص بقيتي جاهزة. يلا انزلي.
خرجت هايدي من غرفتها بتملل وشرعت بالنزول للمطبخ.
نهضت أميمة من مكانها ولحقت بهايدي إلى المطبخ.
أميمة: ما شاء الله يا حبيبتي زي القمر. ربنا يحرسك يا رب.
رمقتها برضا. ثم تحدثت.
أميمة: شيلي يا حبيبتي صينية العصير وحصليني على جوة واضْحَكي شوية.
أومأت هايدي بالإيجاب وشيعت أمنا حاملة صينية العصير.
أميمة: هايدي بنتي.
رمقت أمل لأمير بمعنى: هي دي؟ هز أمير رأسه بالنفي لأمه.
أمل: ربنا يخليهالك. زي العسل ما شاء الله.
وزعت العصير على الجميع. الوضع غريب. أمير ووضعه أغرب. أين سارة؟ حوريته؟ أين العروس؟
أمل: أومال فين عروستنا الحلوة؟
تغيرت ملامح الجالسين.
أميمة: نعم يا حبيبتي؟
رضوان: إحنا عندنا العرايس كتير. ثم ضحك وقال: شاور بس.
أمير: هي عروسة واحدة مفيش غيرها.
سارة؟ يوسف؟ أقال سارة أم أنها تهيؤات؟ نفض عن رأسه سريعًا. ضيق عينيه. وجه حديثه لأمير.
يوسف: قولتلوا مين؟
أحس كلا من أمل وأمير بالقلق. نظروا لبعضهم باستغراب. لحقت الأمر هايدي التي تنفست الصعداء وانفرجت أساريرها لذكر اسم سارة وتنحيها عن الموضوع.
هايدي: شكرًا يا الله. سترتني وأنا لا أستحق.
هايدي: هطلع أندهلها أهو.
ولا أي وصف أقدر به أن أوصف به يوسف. لكم مطلق الحرية في تخيله.
أحست أميمة بخيبة الأمل، ورضوان بالحرج. أما يوسف؟
صعدت هايدي مسرعة متجهة صوب غرفة بنت عمها. دلفت لغرفتها دون استئذان. انتفضت سارة لرؤيتها.
سارة: خضتيني يا دودو. في إيه؟
هايدي: العريس.
سارة: ماله؟
ضحكت هايدي بشدة وهتفت بصعوبة.
هايدي: العريس جاي يتقدملك انتي.
اتسعت عين سارة بذهول وغير تصديق. اقتربت من هايدي بتوجس.
سارة: انتي لسعتي يا هايدي؟
هايدي: والله أبدا. عايزينك تحت. يلا بسرعة.
شرعت بفتح خزانتها وأخذت تنتقي لها ملابس كي ترتديها قبل النزول.
هايدي: إيه رأيك في ده؟
هايدي ممسكة بفستان أبيض ممزوج بالبمبي، مفتوح قليلًا من أعلى. ارتدته سارة بعد إصرار هايدي.
الذهول سيد الموقف بالنسبة لها. استبقتها هايدي على الدرج وتبعتها سارة.
دخلت هايدي عليهم مشيرة بيدها بحركة مسرحية.
هايدي: سارة.
ثم تنحت جانبًا.
أمل: ما شاء الله.
نظرات أمير كانت كلها وله وإعجاب. كانت كالملاك باللون الأبيض وشعرها الكستنائي مفرود على ظهرها. هزت سارة رأسها بالتحية وجلست بحوار أمل.
أمل: جميلة أوي يا أمير. ربنا يهنيك يا ابني.
حالته لا توصف. عينان مبحلقان بغضب يتطاير منهما الشرر، حواجب معقودة، ووجه مكتظ محتقن. أنزلت رأسها سريعًا.
المستشار سالم: بما أن العروسة جت، إحنا جايين نطلب الآنسة المصون سارة لابننا أمير. إيه رأيك يا ست أميمة؟
أميمة: الرأي رأيها هي.
توجهوا جميعًا بالنظر لسارة في انتظار ردها. نظرت ليوسف سريعًا. قابله بالتحذير. هز رأسه لها بالنفي. أي رفض الخطبة.
رفعت رأسها بشموخ وأومأت برأسها بالموافقة. ثم رمقت يوسف بتحدي، الذي بادلها بنظرات وعيد.
أطلقت هايدي زغرودة عالية بعد موافقة سارة.
نهض يوسف عن مكانه بانفعال، شرع بالذهاب خارج المنزل بأكمله حتى ينفس عن غضبه. الآن يعلم لماذا لم يسترح له.
في المنزل، شعور بخيبة الأمل، شعور بالنصر، شعور بالراحة، شعور بالفرحة. اختلطت المشاعر لكلاهما.
يتبع.
رواية ابن عمي الفصل السابع 7 - بقلم وحيدة كالقمر
نهض رضوان عن مكانه وتحدث بنبرة عالية:
"طب تعالو يا جماعة نقعد في الصالة شوية، ونسيب العرسان مع نفسهم شوية."
انفرجت أسارير أمير عند سماعه هذا. نهض الجميع بالتوالي، تاركين أمير مع سارة بمفردهما. تسارعت دقات قلبه، رمقها بنظرة، ثم تحدث بلطف:
"ازيك يا آنسة سارة."
استدارت له بوجهها ورمقته بابتسامة عذبة:
"بخير، إزيك حضرتك."
اقترب منها جالساً على الكرسي المقابل لها، تمتم بابتسامته:
"حضرتك إيه بس، ياريت ميبقاش فيه ألقاب."
تنحنحت بحرج:
"أحم، ماشي."
"انتي تعرفيني؟" قالها بتساؤل.
تأملته جيدا، ثم عقدت حاجبيها وقالت:
"لأ."
زفر ضيقا:
"أنا معيد عندك في الكلية."
سارة بثبات:
"أنا معرفش غير الدكاترة اللي بيدرسولنا، ومليش علاقات هناك كتير."
تأملها قليلا ثم هتف:
"تعرفي إني حاولت أكلمك كام مرة من ساعة ماشوفتك؟" ثم تابع: "كتير جداً، وكل مرة كنت بحاول أقربلك فيها أو أكلمك، كان بيزيد إعجابي بيكي أكتر وأكتر."
أومأت برأسها بابتسامة، وأصرت الصمت. وضعها محرج، ونظراته لها تزيد احراجها.
"مش عايزة تسأليني عن حاجة؟" قالها بلطف.
تمتمت بخفوت:
"مفيش عندي أسئلة حالياً."
أمير:
"عموما مع الوقت هنتعرف على بعض ونفهم بعض أكتر."
هتفت بنصف ابتسامة:
"إن شاء الله."
دخلت عليهم هايدي بعد أن تنحنحت قليلا، وهتفت:
"ياللا يا عرسان، العشا جاهز."
***
أخذ سيارته وسار بها في الشوارع على غير هدي. قاد بسرعة، يضرب على المقود بغضب بالغ، بعد أن وصل من الغضب أقساه. يتنفس سريعا من فرط غضبه، صدره يهبط ويتصاعد بوضوح. أصر على أسنانه بغيظ وهدر بصوت عالي غاضب:
"أما أربيك مابقاش أنا يابنت الـ... والله لأخليكي تذللي يا..." وتعالى صوته بالسباب.
وقف بسيارته بشكل مفاجئ، اندفع للامام على أثرها. نظر للفراغ حوله، أطبق على جفنيه بغضب وهو يصر على أسنانه، شعر بألم شديد برأسه. وضع يده على رأسه، ثم نفض عنها يمينا ويسارا وأمسك المقود وأكمل قيادة.
***
دلف رضوان إلى منزله بعد يوم شاق، سواء بالعمل أو ما حدث بمنزل يوسف. استقبلته زوجته أروى على الباب وخلعت عنه جاكيته. تحدثت بلهفة:
"ها، احكيلي إيه اللي حصل من أول طقطق لحد سلامو عليكو."
زفر طويلا:
"أحكيلك إيه، ده كان يوم ما يعلم بيه إلا ربنا. دماغي هتتفرتك من الصداع."
تحدثت بنبرة يملؤها القلق:
"قصدك إيه يارضوان؟ إيه اللي حصل؟ العريس معجبش هايدي؟"
قهقه عاليا حين ذكر اسم هايدي:
"هو أنا مقلتلكيش؟"
وعلى صوت ضحكاته:
"مش هايدي دخلت وشايلة العصير، ع أساس إنها العروسة."
تمتمت أروى بنفاذ صبر:
"ها يارضوان، اخلص."
رضوان:
"جايلك بالكلام أهو. المهم هايدي قعدت، ألاقي أم العريس والعريس بيقولوا فين العروسة."
هتفت أروى بصدمة:
"نعععععم!!"
أكمل رضوان:
"نفس اللي قولته بالظبط. لحقت الموضوع، واتاري قصدهم على مين؟ على سارة."
أروى بصدمة وفم مفتوح:
"نعععععم!!"
أكمل رضوان:
"أهو ده نفس اللي قاله يوسف بالظبط."
أروى:
"وبعدين؟"
أراح رضوان بظهره للخلف واستند بساعده على يد الأريكة:
"بعدين إيه، هايدي طلعت ندهت لسارة ونزلت."
أروى بضجر:
"كمل يارضوان، والله إنت هتشلني. مفيش جناب المستشار طلب إيدها من يوسف وأمك، وأمك قالت الرأي رأيها، وسارة وافقت."
أروى باندهاش:
"وافقت!! إيه ده؟ طب ويوسف؟"
رضوان:
"يوسف محدش يعرف راح فين، فجأة كده قام وسابنا ومشي. كان يوم صعب أوي ياحبيبتي. الله يكون في عونك ياماما."
قالتها أروى بحزن.
رضوان متسائلا:
"ليه؟"
أروى:
"كانت فرحانة أوي انهارده وأنا بكلمها في التليفون، نفسها تفرح هايدي أوي."
رضوان تنهد بارتياح:
"كان يوم غريب ولا الأفلام الهندي."
نهض عن مكانه وهو يخلع عنه قميصه بتعب:
"أما أروح أغير بقى. أروى لو عندنا بنادول هاتيلي حباية، دماغي هتتفرتك."
هتفت من خلفه:
"بكرة بدري هاخد العيال وأروح لماما، عشان أعرف اللي حصل."
أشاح رضوان بيده وتحدث بتعب:
"ماشي."
***
"عند يوسف"
صفق باب سيارته بغضب بعد أن استوقفها أمام المنزل وليس بمكانها، الجراج. صعد الدرج الخارجي بخطوتين. دخل المنزل، الهدوء يسود المكان، الأنوار مغلقة. نظر لساعة يده، وجدها الثالثة صباحا. ملامحه غير مبشرة. نظر للأعلى، ثم صعد الدرج سريعا. نظر طويلا لغرفة سارة، نظراته مليئة بالغل. قبض على كفه بقوة. تساءل بنفسه:
"أروح أكسر عليها الأوضة دلوقتي؟ أكسر إيه؟ أنا لو شفتها هقتلها."
استدار بعنف وسار بخطوات غاضبة صوب غرفة أمه. قرع الباب بعنف. فزعت أميمة على أثرها، وفتحت سريعا.
أميمة بقلق:
"مالك يايوسف؟ في إيه؟"
صعقت من مظهره، وجهه محتقن، أعصاب وجهه بارزة، وأيضا عروق عنقه.
يوسف أزاحها عن طريقه بخفة ثم هدر بعنف:
"عجبك اللي حصل انهارده ده؟"
فهمت أميمة ما يرمي إليه:
"لأ طبعاً مش عاجبني، بس هنعمل إيه؟ اللي حصل بقى."
اكتظ صوته وصاح عاليا:
"يعني إيه اللي حصل؟ الخطوبة دي مش لازم تتم."
أميمة:
"ملناش دعوة يايوسف، طالما سارة وافقت ورغبتها كده هنعمل إيه يعني؟"
تحرك من مكانه بانفعال واضح وهدر بنبرة أعلى:
"رغبتها، رغبتها دي تحت جزمتي. غصبا عنها تعمل اللي أنا أعوزه واللي أقوله هو اللي يمشي."
أميمة وقد ساورها الشك:
"وإنت مالك يايوسف؟ إيه اللي مزعلك؟"
أغلق فمه لحظة، انتبه لحاله، قال وهو يوليها ظهره كي لا تكشفه:
"مضايق عشان هايدي، أكيد زعلانة."
هتفت أميمة بسخرية:
"هايدي؟ ده هايدي معملتش ربع اللي إنت بتعمله ده. إيه الحكاية بالظبط يايوسف؟"
أشاح لها بيده وهو يخرج من غرفتها هروبا منها قبل أن يفتضح أمره:
"يوووه، اللي قولته هو اللي هيمشي."
ثم ارتفع صوته بشكل متعمد وهو في الممر الموصل للغرف ببعضها، وهدر بغضب جلي:
"الخطوبة دي مش هتتم، ويانا يا هي."
دلف إلى غرفته ثم صفق الباب بعنف.
أما عن سارة، كانت حاضرة للموقف من أوله. تسمعت على صياحهم من خلف باب غرفتها. شعرت بنغزة قلبها، وضعت يدها صوب قلبها، وضربت بخفة عليه وهتفت:
"خير، خير."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وتوجهت صوب الفراش، توسطته، محاولة تجاهل كل ما حدث والخلود إلى النوم.
***
في شركة "الزيني" بمكتب رضوان. تفاجأ بيوسف أمامه بعد أن دفع الباب بكل قوته ليصطدم بالجدار. انتفض رضوان من كرسيه، ثم هتفه ببلاهة:
"أومال إنت فين يابني من امبارح؟"
وصله الرد من يوسف بلكمة مدوية على أنفه:
"إنت السبب."
قالها يوسف بعد أن لكمه بأنفه. أمسك رضوان أنفه بكفيه واحنى رأسه للأسفل كي يوقف نزيف أنفه، وهتف بوجع:
"أنا السبب في إيه يامجنون؟ أنا عملتلك إيه؟"
يوسف وقد صدح صوته:
"إنت اللي جيبته، زي ماجيبته، مشيه. خلصني منه."
رضوان مضيق عينيه:
"قصدك أمير."
هتفه يوسف سريعا:
"قصدي زفت. انهي معاهم الموضوع زي ما بدأته."
رضوان:
"انهي إيه يامجنون؟ منتا لو كنت قاعد معانا امبارح كنت هتعرف إننا حددنا معاد للخطوبة بعد أسبوعين."
عقد حاجباه بصدمة وزاد خفقان قلبه:
"إيه؟ إنتو حددتوا كمان معاد؟"
اقترب من رضوان بعد أن كور قبضته ليلكمه ثانية، ولكن رضوان لن يقع بفخه مرتين، تفادى الضربة بمهارة.
رضوان:
"أعملك إيه؟ منتا اللي مشيت وسيبتني معاهم."
هدر يوسف بغضب:
"مفيش خطوبة هتم."
رضوان:
"نععععم؟ هتصغرني مع الجماعة يعني؟"
يوسف:
"وأصغر اللي جابوك. طالما معملتليش اعتبار."
رضوان:
"اعتبار إيه اللي أعملهولك؟ سارة قطعت الكلام لما قالت إنها موافقة."
جذب مطفأة السجائر وقذف بها ولكنها لم تصبه:
"بنت الـ... متفكرنيش هي قالت إيه."
صدم رضوان من حال يوسف، لم يسبق وأن رآه بهذا الحال من قبل. هتفه بتساؤل:
"وإنت مالك يايوسف؟ إيه اللي مضايقك؟"
يوسف وقد نفذ صبره:
"هو كل حد أكلمه يقولي إيه اللي مضايقك!! هايدي ياأخي. هاايدي أختي زعلانة، مش هاين عليا زعلها."
رضوان وقد تبدلت ملامحه للاستغراب:
"هايدي؟!!"
قوس فمه ورمقه باستهزاء:
"ده ع أساس إني مكنتش شايف هايدي امبارح. هاتها ع البلاطة يايوسف، وقول إيه اللي مضايقك."
رمقه يوسف بغضب ولم يجبه. تابع رضوان حديثه:
"أقولك أنا إيه اللي مضايقك؟ اللي مضايقك هي سارة. قولتلك قبل كده إنت بتحبها ولا لأ. كابرت وقولت لأ."
انتفض يوسف بانفعال واضح ثم صرخ بغضب:
"بنت الـ... أنا مستحيل أحبها وإنت عارف كده. أنا بكرهها، بكرهها. بس والله لأوريها."
شرع بالخروج من مكتب رضوان. جذبه رضوان من ذراعه:
"يوسف لو عرفت إنك ضايقت سارة أنا هزعلك."
يوسف بنفس نبرة رضوان المحذرة:
"والخطوبة دي لو كملت كلكو هتزعلو."
جذب ذراعه من قبضة رضوان وغادر والشرر يتطاير من هيئته. مال رضوان برأسه للخارج، وجد الموظفين متجمعين أمام مكتبه يتسمعون على صياحهم. هتف بهم رضوان بنبرة حادة:
"متهيألي كل واحد يشوف شغله أحسن."
ثم استدار ورمق سكرتيرته يسرا بحيرة. رمقته ببرود متعمد. دلف لمكتبه وأوصد الباب، وجلس على مكتبه ليباشر عمله.
***
بمبنى كلية التجارة، جامعة القاهرة. من داخل قاعة المحاضرات. تجلس سارة وصديقتها رغد في آخر القاعة في انتظار دكتور مادة "مبادئ الإحصاء".
رغد بابتسامة واسعة:
"إيه ده؟ ولا الروايات اللي بقراها."
سارة:
"اه والله، حاجة غريبة فعلا."
رغد:
"طب وإنتي وافقتي ليه؟"
سارة:
"لما بصيت ليوسف ولقيت الشر بيفط من عينه ووشه أحمر، محسيتش بنفسي غير وإني بهز لهم راسي إني موافقة."
رغد:
"يخربيتك. طب وإيه اللي حصل؟"
سارة:
"الدنيا مقلوبة من امبارح ويوسف جه قبل الفجر وقعد يزعق مع مامته."
تابعت بحزن:
"حتى طنط حاسة إنها متغيرة معايا."
رغد:
"أكيد. مش كانوا مفكرينه جاي لهايدي. عموما خلي بالك بقي، عشان يوسف مش هيجيبها لخير."
وضعت سارة كفها على قلبها ورددت:
"خير، خير."
دلف دكتور المادة إلى القاعة. ساد الصمت وظهر صوت الدكتور الجهوري بإلقاء التحية على الطلبة.
رواية ابن عمي الفصل الثامن 8 - بقلم وحيدة كالقمر
بمنزل يوسف..
التوتر سيد الموقف.. الأجواء مشحونه.. حضرت أروي ظهرا كي ترى أمها وتقص عليها تفصيلا ما حدث أمس.
أروي: والنبي يا داده فاطمه خدي رودي ويوسف وافتحي لهم أي قناة كرتون يتلهوا فيها شوية.
حضرت فاطمه بخطوات بطيئة، مالت على الصغار وأمسكت بأيديهم، وساروا معها صوب التلفاز.
اعتدلت أروي بجلستها واتجهت بوجهها لأمها: ها يا ماما.. كملي.
تململت أميمة بجلستها ومسحت بكفيها وجهها بتأني: يوسف على آخره ومصمم إن الخطوبة متحصلش.
أروي بنبرة استغراب: أنا أصلا مستغربة إزاي سارة توافق ع العريس وهي شايفة إنكم كنتوا عايزينه لهايدي.
أميمة بغيظ: ماهو ده اللي مضايقني ومضايق يوسف.. إيه للدرجادي مب تفهمش.
أروي زمت شفتيها: معرفش.. حسيتها حركة لئيمة منها.. مش قادرة أبرر اللي عملته.
أميمة بنبرة هادئة: حرام.. أنا أقول شهادة حق.. البت دي من يوم ما جت هنا وهي طيبة وف حالها.. عمرها لا اشتكت ولا سمعت حاجة منها.
أروي: أنا كنت بحبها أووي.. بس بعد حركة امبارح وأنا مش طايقاها.. لازم ترفضي العريس ده.. منعا للمشاكل.
أميمة: لاا.. ملناش دعوة ترفض تقبل.. هي حرة.. أنا عندي بنات.. مقدرش آجي على بنت زيهم.. أخاف ربنا يقعدهالي فيكم.
أروي: طب وهايدي عاملة إيه بعد موقف امبارح.. زعلت كتير؟
أميمة اعتدلت للأمام وهتفت باستغراب: اهي دي بقى اللي مش فاهماها.. ده البت أول ما سمعت اسم سارة وإنها العروسة والضحكة بقت من الودن للودن.. ورقعت الزغرودة اللي تسمع للصعيد.
أروي: غريبة يعني.. بس هقول إيه.. الحمد لله إنها متأثرتش أوي وإلا كانت هتتعب كالعادة.
أميمة: يمكن ده اللي هداني شوية بعد موقف امبارح.
نهضت عن مكانها بعجالة، هتفت ابنتها وهي تسير صوب المطبخ: أما أقوم أطبخ الغدا.
هتفتها أروي من خلفها: هقلع الهدوم دي وألبس أي حاجة من عند هايدي وأجي أساعدك.
نهضت من مكانها وصعدت الدرج متجهة صوب غرفة أختها.
***
بكلية الحقوق..
خرجت هايدي من قاعة المحاضرات بعد أن انتهت المحاضرة، ممسكة هاتفها بيد تضغط عليه للاتصال، واليد الأخرى تحمل الكتب والملازم. وضعت الهاتف على أذنها بانتظار الرد.
أخيراً جاءها صوت جمال.
احتد صوتها وهي تهاتفه: أنت فين كل ده.. مب تردش عليا ليه.
جمال: …
هايدي: يعني إيه مسافر تتفسح مع أصحابك.. طب والكلبة اللي أنت مرتبط بيها مش تعرفها.. بدل ما أنت سايبني مش عارفة راسي من رجلي.
جمال: …
هايدي: لا مش هوطي صوتي ولازم أشوفك ونتكلم وتحط حد للموضوع ده بقى.
جمال: …
هايدي: طالما هتيجي بكرة أنا كمان هاجيلك بكرة بعد الكلية عشان أخلص.
أنهت المكالمة معه دون أن تنتظر رد منه. أغلقت الهاتف بعنف، ثم ألقته بحقيبتها بإهمال، وتوجهت صوب الدرج للنزول.
***
تقف سارة ورغد صديقتها أمام بوابة الجامعة، تشير لأي سيارة أجرة بالتوقف.
جاءها من الخلف صوت أمير: سارة.. آنسة سارة.
التفتت سريعاً هي ورغد.
مالت عليها رغد بمداعبة: إيه ده.. هو ده العريس.
لكزتها سارة في كتفها. ابتسمت لأمير، الذي اقترب منهم. مد يده بالسلام لسارة. مدت يدها له، أطال بالسلام وهو يرمقها بإعجاب. جذبت يدها من يده بحرج، وهتفت: رغد صحبتي.
استدار برأسه لرغد وابتسم لها ابتسامة واسعة. ثم وجه حديثه لسارة: ها أنتِ خلصتي محاضراتك ولا إيه.
سارة: أيوه.. ومروحين أهو.
أمير: طب يلا عشان أوصلك.
سارة بامتنان: لأ شكراً.. مفيش داعي.
أمير: لا إزاي.. ده أنا جاي وراك مخصوص عشان أوصلك و..
اقتطع حديثه وهو يتنحنح بحرج: قصدي.. يعني شوفتك وإنتي خارجة وقولت أوصلك.
نظرت سارة لرغد، أومأت رغد لسارة بالموافقة على طلبه.
رغد: طيب همشي أنا بقى ياسو.
سارة موجهة حديثها لأمير: ممكن نوصل رغد في طريقنا.
أمير بثبات: طبعاً طبعاً.. اتفضلي يا آنسة رغد.
رغد بحرج: لا مش عاوزة أتعب حضرتك.. هاخد تاكسي.
أمير بإصرار: اتفضلي نوصلك في طريقنا.. مفيش تعب ولا حاجة.
فتحت رغد الباب الخلفي للسيارة، في حين أن أمير كان يستدير حول سيارته لكي يفتح الباب الأمامي لسارة. ولكنها أحبطته عندما رأها تجلس بجوار هايدي بالخلف. قوس فمه بغيظ وتمتم: إيه الورطة دي.
دلف إلى السيارة وجلس على مقعد القيادة. ضبط المرآة حتى ظهر بها وجه سارة. رمقها بابتسامة عذبة. أحرجت من تصرفه فأشاحت وجهها عنه بحرج. وانطلقا بالسيارة لإيصال رغد أولاً.
***
تجلس يسرا على مكتبها بشركة الزيني. مكتبها بجوار مكتب رضوان. كانت تتحدث بالهاتف بصوت منخفض مع سماح شقيقتها.
يسرا بصوت منخفض: يعني مش قادرة تصبري أما أجي البيت وأحكيلك.
سماح: …
يسرا: طيب.. هو عموماً م الصبح مش على بعضه وكل شوية يندهلي.. هاتي ورق معرفش إيه يايسرا.. خدي ورق معرفش إيه يايسرا.. وأنا مسقعاله على الآخر. وضعت يدها على فمها كي لا يعلو صوت ضحكاتها.
سماح: …
يسرا: لأ هسيبه شوية كده.. عشان يتلحلح شوية ويجي بقى.. عارفة يابت لو الموضوع ده حصل.. ده إحنا هنتنغنغ.. أنتِ متعرفيش رضوان ده.. ده على قلبه قد كده.
بنبرة جدية مصطنعة: أيوه يا فندم.. حاضر هجيب الملف وأدخل لحضرتك.
أغلقت الهاتف. فتحت درج مكتبها وأخرجت مرآة صغيرة. نظرت لنفسها بإعجاب. قامت بتظبيط شعرها، ثم أخرجت أحمر الشفاه من حقيبتها ووضعت قليلاً منه على شفاهها.
دخلت عليه بعد أن استأذنت بلطف للدخول. ابتسمت بنصر، فمجرد رؤيته هكذا يعتبر نصر لها.
اتفضل يا فندم الملف أهو. هتفت وهي تناوله إياه.
أمسك منها الملف ثم جذبها من يدها سريعاً. قال بحزن: متغيرة معايا ليه.
هتفت: حضرتك اللي عاوز كده.
رضوان بحيرة: ومين قالك إني عاوز كده. استقام بوقفته مقابلها. انتي عاوزة إيه وأنا أعمله.
هتفت بدلال بعد أن وصلت لمبتغاها: أنت عارف أنا عاوزة إيه.
زفر بضيق نظراً لحاله: خلاص.. وأنا كمان مبقتش قادر.
وضعت كفها على كتفه بدلال ومالت برأسها عليه: ولا أنا كمان يا قلبي.
رواية ابن عمي الفصل التاسع 9 - بقلم وحيدة كالقمر
ليس لديه عذر.. متزوج من امرأة يحبها وتحبه ولديه منها أولاد.. متفاهمة معه وعلى قدر من الجمال.
قصة رضوان ليست قصة أو رواية للتسلية.. واقع وحدث أمامي.. لم يكن له عذر.. حاولت جاهدة التماس أعذار ولم أجد.
……………
قامت بتوديع صديقتها رغد من شباك سيارة أمير.
ثم توجهت ببصرها إليه وهتفت مبتسمة:
خلاص تقدر تطلع دلوقتي.
التفت إليها أمير برأسه وقال:
تيجي تقعدي قدام؟
هتفت سارة بحرج:
لا أنا مرتاحة كده.
تافف بصمت ثم اندفع بسيارته.
يتبادلون النظرات بمرآة السيارة.. نظرات تارة وابتسامات تارة أخرى.
هتف بعد فترة من الصمت:
انتي ساكتة ليه.
سارة:
انت كمان ساكت.
أمير:
يرمقها في المرآة.. هو كل مرة أنا اللي هتكلم.. اتكلمي انتي بقى مرة من نفسي.
ابتسمت ابتسامة واسعة حتى برزت أسنانها.
مممم.. طيب أقول إيه.
التفت إليها وهتف:
إيه رأيك ننزل أي مطعم نشرب حاجة.. أو نتغدى سوا.
هتفت بأسف:
للأسف مينفعش.. مستأذنتش حد.
أحبطته ثانية.. قال:
انتي عايشة عند عمك من امتى؟
تبدلت ملامحها سريعاً للعبوس على ذكر سيرة بيت عمها.
أنا في مصر بقالي سنة ونص. قعدت حوالي سنة في بيت أخوات ماما.
ثم تابعت بحرج:
ومرتحتش هناك.. وبعدين مرات عمي طنط أميمة خدتني عندها.
قال باستفهام:
جاية مصر بس من سنة ونص؟ غريبة.
تأملته بفضول:
غريبة ليه؟
أمير:
يعني لكنتك المصرية حلوة قوي.. كأنك عايشة هنا بقالك سنين.
سارة:
إحنا كنا فعلاً مهاجرين أمريكا.. بس المنطقة اللي كنا عايشين فيها كان فيها عرب كتير.. وأيام مدرستي كنت مصاحبة مصريين كتير وكنت بتكلم بلهجتهم.. حتى بابا الله يرحمه.. كان في البيت كل كلامه مصري.
أمير:
قولتيلي بقى.. مقولتيش.. إيه رأيك فيا.
تفحصته باستغراب:
مش فاهمة؟
أمير:
احم.. قصدي يعني رأيك فيا بما إننا هنتخطب قريب وكده.
سارة:
أومأت له بابتسامة.
وضحت له مدى رضاها عنه.
تنفس بارتياح:
يعني أفهم من كده إيه.
سارة:
حلو.. كويس.. مبدئياً يعني.
التفت لها وهو يرمقها بوله.
هتفت مسرعة وهي تضرب على الكرسي ضربات خفيفة:
استني هنا.. هنا.
نظر أمامه مضيق عينيه بتساؤل:
هنا.. لسه البيت قدام.
هتفت:
لا هنا أحسن.. عشان بس محدش يقولي حاجة.
ترجل من سيارته واستدار سريعاً لها كي يفتح الباب.
ترجلت.. وقفت أمامه وقالت بامتنان:
شكراً على التوصيلة.
مال قليلاً ليصل لمستواها.
مفيش بينا شكر.
ثم أخرج هاتفه من بنطاله.
ممكن بقى رقم تلفونك.. عشان أبقى أكلمك.
أملته الرقم.. وتبادلا السلام.
ظل مكانه حتى غابت عن عينه.
صعد سيارته وغادر بها والابتسامة لا تفارقه.
……………
تجمعوا على المائدة للغداء عند حضور رضوان.
أروى:
مش نستنى يوسف أما يجي عشان نتغدى سوا.
رضوان:
وهو فين يوسف؟ أنا فاكرته هنا.. جه شوية الصبح ومشي.. والشغل على بعضه.
أميمة:
بتصل بيه.. الموبايل مقفول.
تورطت سارة أكثر.. تحركت على كرسيها بصمت.. ولم ترفع بصرها عن طبقها.
أروى:
بتهكم.. وانتي ياسارة هتعملي إيه!!
سارة:
مستفهمة.. في إيه؟!
أروى:
زفرت بحنق وهتفت: هو إيه اللي في إيه؟!! في العريس اللي جاي.
نحنت سارة بحرج:
ولا حاجة.. طنط وأبيه رضوان حددوا ميعاد الخطوبة.
قاطعتهم أميمة قبل أن تتعقد الأمور أكثر:
خلاص يا أروى.. كملوا أكل وبعدين ابقوا اتكلموا.
رضوان:
يلوك بالطعام بفمه.. عاملة إيه في الكلية ياسارة.. مرتاحة؟
سارة:
آه الحمد لله يا أبيه.
هايدي:
متدخلة في الحوار.. دانا بقالي أربع سنين في حقوق ومش عارفة أصاحب حد.. هي لسه مكملتش ترم هناك وليها بيست وزملا وكمان جابت عريس.
وقهقهت عالياً.
تبادلت هي ورضوان الضحك والمرح.. وسط نظرات حنق من أروى لسارة.. وعدم اكتراث من أميمة.
……………
خرج يوسف من المصعد متجهاً صوب شقته الموجودة بإحدى المباني الفخمة.
دلف للداخل بمفاتيحه الخاصة.
منزل واسع عبارة عن بهو كبير وخمس غرف ومطبخ على الطراز الأمريكي وحمام بغرفة النوم وآخر بالخارج.
ألقى بجسده على الأريكة بتعب.. ثم رفع قدميه.
تجول بعينيه في المنزل.
أمسك هاتفه وضغط عدة مرات.. حتى جاءه الرد.
أيوه يا عبده.. اطلع نضفلي الشقة دي دلوقتي.
أغلق الهاتف دون أن ينتظر رد الآخر.
قام بالاتصال مرة أخرى.
الو.. أيوه يا أمي.
أميمة:
…………..
يوسف:
لا متقلقيش عليا.. أنا هنام هنا. استقربت المسافة من الشركة لهنا وكنت تعبان.
أميمة:
…………..
يوسف:
مش وقته يا أمي.. مصدع وعايز أنام.
أغلق معها ثم ألقى هاتفه بإهمال على المنضدة المجاورة له.
أطبق على جفنيه بتعب.. وأخذ يمسح بكفه مقدمة رأسه.
ثم نهض من مكانه توجه صوب غرفة النوم الكبيرة.
دلف لداخلها وقام بفتح خزانة الملابس وأخرج منها ملابس داخلية وبنطال من القطن لونه أسود.
وسحب منشفة.. وتوجه صوب الحمام الموجود بالغرفة بخطوات متعبة.. كي يأخذ حماماً منعشاً يزيل به تعب وتفكير دام يوم وليلة.
……………
بمنزل رضوان.. بغرفة نوم رضوان وأروى.
يدعي رضوان النوم وأيضاً أروى.
زفرت أروى بضيق بعد أن تململت على الفراش.
تحركت من مكانها بضيق وقامت بفتح ضوء المصباح المجاور للفراش.
توجهت ببصرها صوب رضوان الذي يوليها ظهره.
ضربت على كتفه ضربة خفيفة.
أروى:
رضوان.. قوم أنا عارفة إنك صاحي.
أطبق على جفنيه بشدة لاكتشاف أمر ادعاؤه للنوم.
استدار ببطء شديد لها.. وأخذ يفرك عينيه.
تمتم بخفوت:
في إيه يا حبيبتي.
أروى:
عايزة أتكلم معاك شوية.. ممكن!!
رضوان:
يضيق عينيه بدهشة.. دلوقتي ده الساعة داخلة على 3 الفجر!!
أروى:
آه دلوقتي يا رضوان.. ما أنا مبقاش أعرف أتكلم معاك كلمتين على بعض.
ارتفع عن مكانه قليلاً بعد أن أسند الوسادة خلف ظهره.
تنهد طويلاً ثم هتف:
مممم.. خير.
بشكل مفاجئ هتفته أروى:
انت متغير معايا ليه!!
رضوان:
متغير معاكي.. مين قالك إني متغير معاكي.
أروى:
أنا حاسة إنك متغير معايا.. متكذبش إحساسي.
رضوان:
مفيش حاجة يا أروى.. ضغط في الشغل مش أكتر.
أروى:
طول عمرك مضغوط في الشغل.. في حاجة غريبة!
رضوان:
مفيش حاجة يا أروى متخليش الشيطان يلعب بعقلك.
أروى:
أوعدني متخبيش عني حاجة.. لو قصرت ناحيتك بحاجة قول.
رضوان:
استحقر نفسه ألف مرة وهتف بحب صادق.. أنا عمري ما قصرتي ولا هتقصري.. أنا اللي مقصر.
جذبها من رأسها برفق.. وضعها بلين على صدره أخذ يمسح شعرها بحنان.. ثم طبع قبلة رقيقة على جبينها.
استكانت أروى في حضنه باستسلام واستجابت له بوله.
لم يكن مجرد زوج.. بل حبيب وأخ وصديق.. تربت على يده من صغرها.
حاولت أن تطرد إحساسها وتكذبه حتى لا تعكر صفو اللحظة.. فهي إلى الآن لم تر منه غير كل حسن.. حتى وإن قصر وتغير قليلاً.
……………
هو أنا مش هشوفك غير كل فين وفين زي الأغراب.
قالتها سهر وهي تسير بخطى ثابتة مستقيمة صوب يوسف الذي كان يوليها ظهره.
كان موجوداً بالنادي يشرب كوباً من الشاي.
استمع لصوتها.. زمجر بخفوت.. وهمس:
أصل أنا كنت ناقصك انتي كمان.
جلست بجواره.. وترمقه بعتاب وشجن.
أنا زعلانة منك أوي.. تقريباً أسبوعين مشفتكش.. حتى مبيهونش عليك تتصل تطمن عليا.
يوسف:
أتصل أطمن عليكي ليه.. ما انتي كويسة أهو.. وبعدين مانتي قولتي شايفين بعض من أسبوعين.. عايزة إيه تاني!
سهر:
بخبث وهي ترفع شعرها من على وجهها.. عايزة كتير طبعاً.. انت ناسي إننا مرتبطين!
احتدم صوته:
سهر.. فكك مني.. انتي عارفة إني مش هأرتبط بيكي ولا بغيرك.
بنفس حدة صوته أجابته:
لا يا جو.. مش بكيفك.. تعلقني بيك بمزاجك وأما تزهق ترميني!!
يوسف:
ارجعي بذاكرتك لورا ياسهر.. وافتكري كويس.. انتي اللي عملتي إيه عشان توصليلي.
ثم أكمل بوقاحة:
ومفيش حاجة عملتيها لي إلا وخدتي تمنها.
سهر وقد اهتزت نبرتها غيظاً:
واديك قلتها.. يبقى مش هسيبك لغيري بسهولة.
يوسف:
رمقها باستهزاء.. صدقيني انتي بتلعبي لعبة انتي خسرانة فيها.
ضربت الطاولة بعنف.. بعد أن وصلت لذرة الغضب.
أنا مش هخسر يا جو.. وهتشوف بنفسك.
أزاحت الكرسي بغضب ثم مالت على أذنه تهمس بفحيح:
ابقى سلملي على طنط يا جو.. لحد ما أشوفها.
وقهقت عالياً وغادرت بخطى جامدة تعبر عن غيظها منه.
تمتمت بخفوت وهي تغادر:
تريدها حرب.. فليكن ما تريد.
ظهر على ملامحه الضيق والانفعال وخصوصاً حين ذكرت أمه.
لا يريد أن تتشوه صورته بنظرها.
نهض عن مكانه بضيق.. وغادر هو الآخر على عجالة.. متجهاً صوب شركته.
……………
لم تذهب إلى الجامعة.. خرجت من المنزل وهي محددة وجهتها.. أن تذهب لـ "جمال" وتتحدث معه بشأن علاقتهما المحرمة.. زواج عرفي ولكنه يظل محرماً.. فأهم شرط من شروط صحة الزواج هو الإشهار.. ولكن أين الإشهار في الزواج العرفي.
كانت تضحك على حالها حين ضغط عليها ونصحها بالزواج منه عرفياً على أساس أنه يعتبر زواجاً مؤقتاً لحين أن يعمل ويتقدم بطلبها من أهلها بشكل صحيح.
مخطئة.. فالحلال بين والحرام بين.
ترجلت من سيارة الأجرة.. وألقت على السائق حسابه.
توجهت صوب المبنى وصعدت الدرج مستندة على الحائط المجاور للدرج.
ثم توجهت إلى شقة جمال.. وفتحت بمفاتيحه الخاصة.
وجدته نائماً.. زفرت ضيقاً.
استدارت حول الفراش وضربته على ظهره عدة ضربات كي تفيقه.
هاتفها بتملل وهو مغمض العينين ومازال غير مدرك:
إيه.. في إيه؟!
هايدي:
قوم يا جمال.
تحرك على فراشه بتثاقل ونظر لها بعين مغلقة والأخرى مفتوحة.
يووه.. انتي جيتي.
هايدي:
قوم وفوق عشان عايزة أتكلم.
جمال:
اصطبحي يا هايدي.. انتي جاية تجري شكلي!
هايدي:
جاية عشان أتكلم مع…
قاطع كلماتها بإشارة بيده:
اعمليلي شاي أول عشان أفوق.. ولا هتكلمي معايا وأنا نايم!!
رمقته بضيق.. ثم توجهت للمطبخ كي تصنع له الفطور.. حتى لا يتحجج وتستطيع الحديث معه.
كانت تريد نهاية لموقفها معه.
……………
بشركة الزيني للمقاولات.
يقف العاملون على قدم وساق.. رؤيتهم لـ "يوسف" تلزمهم العمل بصمت.. وخصوصاً وأنه لا يتهاون بأي شيء يخص العمل.. ولا يتهاون مع من يقصر بعمله.
دلف لمكتبه لم يلق التحية على سكرتيرته.. تعودت منه على ذلك ولم تعترض.
لحقت به تحمل الأوراق والملفات ليتطلع عليها ويقوم بتوقيع البعض منها.
مدام هيام:
بلطف.. اتفضل يا باش مهندس.
ووضعت الأوراق والملفات على سطح مكتبه.
قاطع كلماتها وقال وهو يضع كفه على مقدمة رأسه:
سيبي الورق وأنا هشوفه دلوقتي.. اطلبيلي رضوان خليه يجيلي.
أومأت برأسها إيجاباً:
أمرك يا فندم.. حاجة تانية!!
يوسف:
يطبق على عينيه بتعب.. ولو عندك أي حاجة للصداع هاتيهالي لو سمحتي!
هتفت باهتمام:
حاضر يا فندم.. معايا نوفلجين.. هجيبه لحضرتك حالا.
اكتفى بالإيماء برأسه لها تعبيراً عن امتنانه وشكره.
……………
بضع لحظات عادت ومعها بعض الحبوب وكوب ماء.
اتفضل يا فندم.. بالشفاء إن شاء الله.
أخذ منها كوب الماء وقام بوضع العلاج بفمه وشرب الكوب دفعة واحدة.
ثم تحدث:
طلبتيلي رضوان.
مدام هيام:
أيوه يا فندم.
يوسف:
طب اتفضلي على مكتبك.
غادرت الغرفة وهي تتمتم بنفسها.. قليل ذوق.. حتى شكراً مستكثرها.
……………
دقائق بسيطة وحضر رضوان.. مبتسماً كعادته.. يوزع ابتساماته على جميع خلق الله بصدر رحب.. على عكس يوسف تقريباً.. فبالإمكان أن تحصي عدد المرات التي ابتسم بها لأحد.
تغير كثيراً منذ وفاة والده.. وكل ما يتقدم به العمر.. كل ما كان التغيير للأسوأ.
رضوان:
بمرح.. يوسف باشا طالبني ليه؟!
هدر به يوسف بغضب:
عملت إيه؟!
رضوان:
يهز رأسه بعدم فهم.. في إيه؟!
زمجر غضباً وهدر به عالياً:
عملت إيه في موضوع الواد اللي كان متقدم لهايدي؟!
رضوان:
باستفزاز.. قصدك اللي متقدم لسارة.
تعمد رضوان استفزازه ونجح بذلك.
قال وهو يصر على أسنانه بغيظ:
اقصر الشر يارضوان.. واخلص.
رضوان بلع ريقه بصعوبة.. يعلم يوسف ابن خاله عن وجه قلب.. ويعلم أن غضبه ليس له حدود.
تمتم بصوت منخفض يدعي الهدوء:
هعمل إيه يا بني.. ما أنا قولتلك إننا اتفقنا على ميعاد للخطوبة خلاص.
انتفض من مكانه بغضب واقترب من رضوان:
أنا مش قولتلك أنهي الموضوع ده.
رضوان:
صدقني مينفعش يا يوسف.. سارة قطعت الكلام لما وافقت.. والواد وأهله فرحانين أوي وشكله مستعجل وبيحبها بجد.
بنبرة صادحة هزت الأرجاء:
متقولش إنه بيحبها.. عرفها فين عشان ينتحل.
رضوان:
وانت مالك يا ابن خالي.. بنت عمك قالت كلمتها خلاص.. اقصر الشر انت.
احتدم صوته وهو ممسك بعنقه بعد أن تجهمت قسماته:
هو أنا اللي مليش دعوة.. قبل ما تكون السنيورة بنت عمي وبنت خالك.. هي عايشة عندي في بيتي وبتاكل من خيري.
ثم تابع بجمود.. أنا الوحيد اللي فتحتلها بيتي وقعدتها لما الكل قفل بابه في وشها.
أيوه.. أنا مبطقهاش.. أنا بكرهها وبكره أبوها وعمري ما هسامحه.. بس ده ميمنعش إنها عايشة معايا.. مينفعش تكسر كلامي وتوافق عليه وهي عارفة رأيي.
رضوان:
بشك.. وهي عرفت رأيك منين.. ده الموضوع كله كان مفاجأة.
يوسف:
انتبه لخطأه.
اهتزت نبرته وارتفعت أكثر:
أكيد يعني هتبقى عارفة رأينا كلنا.. ماهو مش معقول.. هنبقى موافقين عليه بعد ما كنا فاكرين إنه لهايدي مش ليها.
رضوان:
متأففاً.. يا دي هايدي اللي انت واروى عاملين حساب لزعلها.. هايدي نفسها مبسوطة جداً.
اقتطع حديثهم صوت هاتف يوسف.
توجه يوسف لمكتبه.. وأمسك به.. رأى اسم المتصل وكانت أمه.
يوسف:
بعد أن فتح ووضع الهاتف على أذنه.. أيوه يا أمي.
أميمة:
……………
يوسف:
لا أنا في الشركة دلوقتي.
أميمة:
…………
يوسف:
معرفش يا ماما هرجع النهارده ولا لأ!!
أميمة:
…………
يوسف:
ليه خير.
أميمة:
…………
يوسف:
طيب ماشي يا حبيبتي خلي بالك ع نفسك..!
وأغلق معها.
توجه ببصره لرضوان وتناسى قليلاً خناقهم.. وحدثه مشاغباً:
أمي جايلكم النهارده.. أروى عزماها.
رضوان:
حماتي جايلنا.. لأ.. ده أنا أستأذن بدري بقى.. عشان الحق الغداء والقعدة من أولها.
يوسف:
يالا على مكتبك.. بدل ما أخصم منك.
رضوان:
ورفع يده لتكون بمحاذاة كتفيه.. لأ خلاص خلاص.. هروح على مكتبي أهو.
……………
جلس مكانه.. أمسك بالأوراق.. ثم أزاحها جانباً.
تحدث في نفسه.. والتمعت عيناه بمكر.
بما إن ماما هتروح لأروي.. أنا أقدر أستفرد بسارة لوحدها.
وارتسمت على ثغره ابتسامة عريضة.
أمسك بالأوراق مرة ثانية وأمسك بالقلم كي ينهي عمله سريعاً.. ويذهب إلى المنزل.
……………
يوم عصيب ملئ بالمحاضرات عند سارة.. وأخيراً خرجت من القاعة هي وصديقتها رغد تحمل الحقيبة على كتفها.. والكتب على كفها.
استندت بظهرها على الحائط.
يووه.. أنا تعبت أوي.. وخلاص عنيا مش قادرة أفتحها.
رغد:
ومين سمعك.. أنا كمان دماغي هتنفجر والله.
سارة:
يالا تعالي ننزل نشرب أي حاجة.
رغد:
يالا.
واندفعا بالنزول قاصدين مقهى الكلية.
رغد:
وهي ترتشف من كوب القهوة خاصتها.. أي مفيش توصيلة النهارده.
غمزت بعينها.
لكزتها سارة بكتفها وقالت وهي ماسكة كوب النسكافيه:
لأ مفيش يا خفيفه.
غمزتها رغد بشقاوة:
طب إيه.. إيه اللي حصل بعد ما نزلت.
سارة:
تبتسم بصدق.. محصلش حاجة والله.. اتكلمنا شوية وبعد كده نزلت.
رغد:
بنفاذ صبر.. أيوه يعني اتكلمتوا في إيه.. متخبيش عليا أحسنلك.
رغد:
قهقهت بشدة.. حاضر يا باشا هقول.. سألني عن دراستي وعن قعدتي في بيت عمي وكده.. وبعدين خد نمرتي عشان يكلمني.
داعبتها رغد بمشاغبة:
أيوه بقى.. العب يا عم.. ده الواد مش صابر.
اكتفت سارة بالضحك من حديث صديقتها.
……………
حمحمت رغد ثم أكملت كلامها.
احم.. طب وابن عمك ده.. معملش إيه.
تقلبت معدتها وحست بقبضة بقلبها حين ذكر اسم يوسف.
هتفت:
بتجيبيلي سيرته ليه دلوقتي!! لسه لحد دلوقتي مشفتوش.. قلبي مقبوض أوي ربنا يستر.
رغد:
ربنا يستر. جمدي قلبك يابت ومتخافيش منه.
سارة:
كعادتها كي تطمئن نفسها.. وضعت يدها على قلبها وهتفت وهي تطبطب عليه بخفة.. خير خير.
رن هاتفها.. ابتسمت لرؤية اسم أمير منيراً على الشاشة.
توجهت لرغد بالحديث:
أمير بيرن.
رغد:
ردي بسرعة.
امسكت بالهاتف.. تنحنت قليلاً قبل الرد.
الو.
أمير.
سارة:
الحمد لله.. وانت!
أمير.
سارة:
في الكافتيريا مع رغد.
سارة:
لا مينفعش بجد.. شكراً.
أمير.
اغلقت سارة معه وتوجهت بضيق لرغد:
بيقول عايز يوصلني ومصر.
رغد:
اشطا.. وانتي إيه مضايقك.. ولا انتي خدتي ع مرمطة التاكسيات.
سارة:
بضيق.. أيوه بس.. أنا خايفة حد في البيت يضايق.
رغد:
بلامبالاة وهي تشيح بيدها.. اللي يضايق يخبط راسه بالحيط.
أكملوا حديثهم وهم يحتسون مشروبهم.
……………
بمنزل جمال بعد أن تناول فطوره وقام بالاستحمام كي يستفيق قليلاً.
هايدي:
ها.. خلاص كده فوقت وخدت دوش.. ممكن نتكلم بقى.
جمال:
متأففاً.. في إيه يا هايدي.. مالك من الصبح وانتي مش على بعضك.
هايدي:
تعبت يا جمال.. أبوس إيدك.. تعالي اتقدم.
جمال:
أجي أتقدملك إزاي يابنتي.. مش لازم على الأقل يكون معايا تمن الشبكة.
هايدي:
بصدمة.. نعععم.. دنتا ساحب مني لحد دلوقتي 13 ألف جنيه.. وديتهم فين.
جمال وهو يشيح بوجهه عنها.. قولتلك دول سلف وهردهم لك.
هايدي:
مش عايزة تردهم.. اتقدم وأنا مش عايزة شبكة.
قال مستهزئاً.. ومعقول يوسف باشا هيرضي يجوز أخته ببلاش.
هايدي:
أنا هضغط عليه.
جمال:
بهدف إنهاء الحديث.. اقترب منها والتصق بها.. أنا بحبك ومش هسيبك.. اظبط أموري وأجي أتقدملك. اتفقنا.
هايدي:
امتى.
جمال:
يلف يده حول خصرها.. قريب.. قريب أوي.. انتي وحشتيني.
هايدي:
مشمئزة من حالها.. ولكن تريد مسايرته.. وأنت برضو.
سحبها من يدها كالبهيمة خلفه وتوجه بها صوب غرفة نومه.. للأسف.
……………
ترجلت من سيارة أمير بعد ما قاموا بتوصيل رغد بطريقهم.. ووصلوا عند منزلها.
تبادلا السلام بالأيدي.. وقف قليلاً يتحدث معها.
صدم يوسف برؤيتهما هكذا وهو يقود سيارته.
توقف كي يتفحصهما قليلاً ويستوعب ما يراه.
ترجل من سيارته بغضب.. لم يستطع اللحاق بأمير.. من حسن حظ أمير بالطبع.
صعقت سارة عند رؤيته.
استدارت سريعاً حتى لا تتشابك معه.
وجهه لا يطمئن بالمرة.
بلمح البصر كانت أمام غرفتها وهو يلحق بها.
كادت أن توصد الباب ولكنه دس بقدمه.. مما أعاق غلق الباب.
تراجعت للخلف قليلاً.
قالت وهي تشيح له بيدها محذرة:
اطلع برة أحسن لك.
بخطوة واحدة كان مقابلها.. شعرها بيده.. وجهها بجوار وجهه.
وكمان مخلياه يوصلك ياصايعة.
تأوهت بشدة من قبضته.
آه.. سيب شعري.
وانت مالك.
أخذ يهزها بعنف بعد أن تجهمت معالمه.
مالي.. أنا هعرفك دلوقتي مالي.
ترك شعرها وأمسك بذراعها بعنف.. ثم ألقاها على الفراش بقوة ارتدت على أثرها.
ارتمي بجسده عليها كي يشل حركتها.. وأمسك جيداً بذراعيها بقبضتيه.
اسمعي البوقين دول.. الواد ده هتسيبيه.. والخطوبة دي مش هتكمل.. وده لمصلحتك.
رمقته سارة بازدراء وظلت تدفعه بكل قوتها.
تعمد النظر لها بوقاحة.. كي يخيفها.
نهض فجأة.. ثم تحدث بنبرة جافة:
الخطوبة لو تمت ياسارة.. هجيب عليها واطيها ومش هيهمني حد.
هتف بكل أنانية.. انتي بتاعتي.. بتاعتي وبس.. وأنا لما تزهق هرميكي.
أشار بيده لها.. فاهمة!
لم ينتظر ردها.. وخرج غاضباً من غرفتها.
رواية ابن عمي الفصل العاشر 10 - بقلم وحيدة كالقمر
ظل يدور بغرفته ذهابًا وإيابًا.
جلس على الأريكة الموجودة بغرفته مستندًا بساعديه على ركبته.
أيعقل أن يخسر بالحرب أمامها؟ انتصرت عليه ببرائتها ورقتها.
أظهر لها مدى حقارته، كان غرضه واضحًا أن يكسر أنفها انتقامًا من أبيها.
سبب غير مقنع بالنسبة لها، ولكن بالنسبة له ظل يشعل من نيران الحقد بصدره.
تذكر موافقتها بأمير ووقفتها معه، يصر على أسنانه بغيظ.
أهي الغيرة؟
نفض عن رأسه سريعًا فكرة أنه يغار.
"أنا أصلًا مبطقهاش، هغير عليها ليه؟"
القلب يصرخ بأنه بالفعل وقع بحبها والعقل يرفض هذه الفكرة.
من سيربح العقل أم القلب؟
كل ما يعرفه أنه يريدها بجواره، يريد امتلاكها فقط.
عندما قبلها أول مرة أحس بشعور غريب لم يجربه قبل، حتى وإن كانت رغماً عنها.
سيعترف بحبه أم يتجاهل الأمر ويتركها تضيع من يده؟
"اتأخرتي كده ليه يا هايدي؟"
قالها يوسف بنبرة حادة وهو يقف أعلى الدرج الداخلي، يضع كفيه ببنطاله الرياضي.
تفاجأت هايدي من وجوده وهتفت بتلجلج: "يوسف.. أبدًا متأخرتش.. أنا بس.. آآ.. كنت بصور شوية ورق كده."
رفع حاجبيه بعدم تصديق.
"انتي بتتأخري بره كده؟"
هتفت مسرعة وهي تتجنب نظراته: "لأ دي أول مرة."
غيرت للموضوع ومدعية عدم الفهم، نادت بنبرة مرتفعة وهي تبحث عن والدتها.
"ماما.. ماما!"
"يوسف!"
بنبرة جافة: "ماما مش هنا."
تحاول تلطيف الحوار قليلاً.
"أومال فين؟"
مازال على وقفته ونبرته: "عند أروى."
بتلك اللحظة خرجت سارة من حجرتها.
زفرت ضيقًا لرؤيته يتوسط الدرج.
مرت بجانبه بتجاهل وهي تهبط من على الدرج بخطوات مرتبكة.
تحدثت لهايدي: "دودو.. أومال طنط فين؟"
أجابها سريعًا دون تفكير: "عند أروى."
لم تعره انتباهًا وأكملت حديثها مع هايدي بعد أن وقفت أمامها مولية ظهرها له.
"انتي اتغديتي؟"
هايدي: تضع يدها أعلى بطنها بتحسس وخفة.
"لا لسه وانتي؟"
قاطعها بكلماته بعد أن هبط الدرج سريعًا ليقف مقابل سارة، يشير بسبابته لها.
"أنا مش بكلمك."
تعلم أن هذا يغيظه فأجابته بلا اهتمام.
"مختش بالي."
يوسف: بتحذير.
"لا خودي بالك بعد كده."
تسحبت هايدي من بينهم كي تتفادى حديث أخيها ونظراته.
لم يشعروا بها من الأساس.
ترمقه بغضب، يرمقها هو الآخر بتحدي.
قال غامزًا: "شكلك عايزاني أربيكي تاني من الأول."
فهمت ما يرمي إليه.
نظرت حولها لم تجد هايدي.
"اللعنة.. تركتهم بمفردهم."
ولكن مهلاً، يقفون بمنتصف البيت، بالتأكيد لن يفعل شيئاً وقحاً معها.
ولكن لا تأكيد مع يوسف، هو كل مرة يثبت لها مدى دناءته وانحطاطه.
فاجأها بيده التي كانت تزيح بعض الخصلات الواقعه على وجهها بعد أن اقترب منها لا يفصله عنها سوى سنتيمترات بسيطة.
عضت على شفتيها بغيظ وهي تزيح يده عنها.
نظر لها بوقاحة تعودت عليها.
حركتها وهي تعض شفتيها حتى وإن لم تكن مقصودة تثيره.
همس بها بعد أن مال على أذنها.
"لو شوفتك بتعضي على شفايفك تاني.. متلوميش حد غير نفسك."
اتسعت حدقتاها من حديثه المنحط ونظراته الوقحة.
ابتعدت عنه قليلاً حتى عجلت بخطوتها.
بلمح البصر هرولت إلى غرفتها.
ابتلع ريقه بصعوبة ومرر أنامله من بين خصلاته الفحمية.
التفت حوله ليدرك أنه بمنتصف المنزل.
دخل إلى غرفة مكتبه الموجودة بمنزله وأنار المصباح ثم جلس على الكرسي المقابل للمكتب وأمسك بإحدى الكتب وهم بقرائته، كي يتناسى حالته قليلاً.
فهو محب للقراءة.
بمنزل رضوان.
أروى: "خليكي شوية يا ماما ولا أقولك باتي معانا انهاردة."
أميمة: "أبات إيه؟ والبيت وأخواتك؟ وبعدين عشان جوزك ياخد راحته في بيته."
رضوان: متدخلاً في الحديث.
"أخد راحتي إيه يا أمي؟ ده بيتك قبل ما يكون بيتي."
أميمة: "ربنا يرضى عنك يا ابني، من مقام يوسف والله."
ونهضت من مكانها بعد أن لفت حجابها بإحكام وأطبقت عليه.
رضوان: "بردو مصممة تمشي؟"
أميمة: "أيوه، عشان متأخرش بس. أنا جايه عشان من زمان مجتلكوش والله."
أروى: "بيتك وأي وقت تيجي فيه يا ماما."
رضوان: نهض هو الآخر وأخذ مفاتيحه وسار معها لإيصالها.
أميمة: "ملوش داعي يا رضوان توصلني، هاخد أي تاكسي وخلاص."
رضوان: "ودي تيجي يعني؟ اتفضلي."
وأشار بيده كي تسير معه.
دَلفت أميمة إلى المنزل وجدت ابنتها هايدي ممسكة بطبق ملئ بالسندوتشات وتجلس أمام التلفاز.
تجولت بعينها في المنزل سريعًا.
وجدت غرفة مكتب يوسف مضاءة، علمت بأنه يقرأ كعادته.
كان شاردًا ينظر إلى الكتاب ولكن بعينين ثابتتين.
كانت تشغله، حتى القراءة شغفه لم تستطع أن تخرجها من رأسه.
انتفض من مكانه على صوت والدته.
أميمة: بنبرة مرتفعة.
"يوسف!"
يوسف: "أيوه."
أميمة: "خبطت ع الباب ومردتش عليا، وبندهلك ومش بترد. مالك؟"
يوسف: وهو يغلق الكتاب ويضعه جانبًا.
"مفيش.. أروى عاملة إيه؟"
أميمة: "بخير، بعتلك السلام."
يوسف: "الله يسلمها.. والعيال..؟"
أميمة: وهي تضحك.
"بيقولوا خالو وحشنا."
يوسف: ابتسم ابتسامة عريضة.
"وحشوني والله.. هبقى أعدي عليهم في أي يوم أشوفهم."
أميمة: "اتعشيت؟"
يوسف: "ولا اتغديت والله.. مستنيكي يا ست الكل."
أميمة: بحزن.
"ياريتني ما خرجت.. مبتعرفوش تصرفوا نفسكم."
نهضت عن مطرحها بتثاقل وتوجهت صوب الباب.
هتفها يوسف من الخلف.
"ماما هي هايدي بتتاخر برة؟"
ارتعبت من سؤاله والتفت إليه ببطء.
"ليه هي اتأخرت ولا أي؟"
يوسف: "أيوه."
أميمة: تهز رأسها رفضًا.
"لا مش بتتأخر غير للضرورة."
وشرعت بالذهاب سريعًا للمطبخ كي تتجنبه.
تعلم أنه عصبي وتخاف من عصبيته على ابنتها.
سارت بخطي ثابتة صوب غرفة زوجة عمها.
عزمت على أن تتحدث معها بشأن يوسف ومضايقته لها.
قرعت باب غرفتها بلطف واستأذنتها بالدخول.
أميمة: وهي تشير بيدها لسارة لتجلس بجوارها على الفراش.
"تعالي ياسارة خير!"
سارة: بتهذيب.
"خير يا طنط."
وجلست بمحاذاتها.
"حضرتك كنتي هتنامي ولا إيه؟"
أميمة: بوهن.
"آه كنت بحاول أنام جسمي وجعني بس دماغي مصدعة."
سارة: "سلامتك يا طنط."
أميمة: "الله يسلمك يا حبيبتي."
تحمحمت سارة قليلاً.
"احم.. كنت عايزة أتكلم مع حضرتك بموضوع كده."
اعتدلت أميمة بمكانها وضيقت عينيها بتساؤل وهي تنظر لها.
"خير.. يا بنتي أنا سمعاكي."
سارة: بنبرة مهتزة.
"آآ.. يو.. يوسف!"
أميمة: "ماله يوسف؟"
سارة: "يعني بيضايقني شوية."
وتململت بحرج.
أميمة: مضيقة عينيها باستفهام.
"مش فاهمة بيضايقك إزاي يعني؟"
تراجعت سارة قليلاً بشأن إخبارها بما يفعله معها.
"بيضايقني.. عشان خطوبتي من أمير وكده يعني."
أميمة: متفهمة الوضع.
"معلش ياسارة هو يوسف عصبي بس قلبه طيب أوي، أنا أمه وعارفاه."
ضحكت سارة بداخلها على حديثها عن طيبة قلب ابنها.
"هو فكرة إنه كان فاكر إنه كان جاي لهايدي وبعد كده ميكنش فيه نصيب مضيقاه بس."
سارة: بحرج.
"أنا مليش ذنب يا طنط.. ربنا يعلم أنا وافقت عليه ليه."
أميمة: بحنان الأم.
"مقدرش ألومك إنك وافقتي، أنا بتمنى واحد زيه لبنتي. فرصة كويسة ليكي ياسارة."
سارة: "طب يعني..."
أميمة: وهي تمسد على ظهر سارة بحنان.
"هكلمه أخليه ملوش دعوة بيكي.. وربنا يتمها على خير يارب."
تنهدت سارة براحة.
رمقتها بامتنان بعد أن نهضت من مكانها واستأذنتها بالمغادرة.
تجلس العائلة على مائدة الطعام لتناول الفطور.
يوسف يجلس بالمقدمة وبجواره أميمة وهايدي.
أما سارة ففضلت المكوث بغرفتها كي لا تتشابك مع يوسف أو تراه.
هايدي: ترتشف قهوتها دفعة واحدة.
"اتاخرت هقوم أنا بقى عشان ألحق المحاضرة الأولى."
يوسف: "استني هوصلك معايا."
أميمة: "لا روحي انتي يا هايدي.. أنا عايزة يوسف كلمتين."
نهضت هايدي من كرسيها وأخذت كتبها وشرعت بالذهاب سريعًا.
يوسف: بقلق.
"خير يا ماما."
أميمة: "سارة!"
يوسف: يرفع حاجبيه باهتمام.
"مالها."
أميمة: "بطل تضايقها يا يوسف!"
ابتلع ريقه لثوان.
ثم تحدث بعدم فهم.
"مش فاهم قصدك إيه."
أميمة: "بطل تضايق سارة يا يوسف، خطوبتها هتم يعني هتم، متحججش بهايدي عشان تضايقها وخلاص. كل واحد وليه نصيبه."
أصر على أسنانه وتحدث بوقاحة.
"وهي بقي اللي قالتلك إني بضايقها عشان الخطوبة؟"
أكتفت أميمة بالإيماء برأسها إيجابًا.
زمجر قليلاً وهتف من بين أسنانه.
"وقالتلك إيه تاني الست هانم؟"
زفرت أميمة ضيقًا.
"مقلتش غير كده يا يوسف."
تنفس الصعداء بارتياح لمعرفته أنها مازالت تخشاه ولم تفتح فمها بما فعله ويفعله وسيفعله بها.
رفع حاجبيه محدثًا نفسه.
"حتى ولو كانت قالت، في كل الحالات أنا مش هسيبها."
نظر للأعلى ناحية غرفتها وهو يتوعد لها أشد الوعيد.
حمل هاتفه ومفاتيحه الموضوعة أمامه على المائدة.
نهض بعملية.
قبل رأس أمه بحنان وغادر المنزل متجهًا لشركته.