تحميل رواية «ابن عمي» PDF
بقلم وحيدة كالقمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حرام عليكي يا يوسف سيبني بقى، ده أنا بنت عمك. قالتها سارة وهي تجثو على ركبتيها مترجية يوسف ابن عمها، بعد أن احتجزها في غرفة على سطح منزلهم الكبير. نظر لها يوسف وقال بصوت يخلو من الرحمة: مش هسيبك. ثم تابع: بمزاجي هسيبك، انتي هنا لمزاجي وبس، وأما آخد منك مزاجي هرميكي، غير كده متحلميش. وقفت سارة على قدميها وقد علا صوت بكائها، وقالت من وسط بكائها: أرجوك يا يوسف ما تعملش كده معايا، لو عايزني أمشي من بيتكم همشي بس متأذنيش بالشكل ده. يوسف: بصي يا دلوعة، انتي ملكيش إلا هنا، أهل أمك زهقوا منك وناس على قد...
رواية ابن عمي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم وحيدة كالقمر
اليوم المنتظر.. يوم جميل مشرق.. تتوسط الشمس كبد السماء ببزوغ.. محمل ببعض النسمات والريح الخفيفه.. بداية يوم تبشر بالخير والمحبة.. ترتسم البهجة على منزل الزيني.. الجميع يقف على قدم وساق، فرحين بتلك المناسبة.. أميمة وأروى بالمطبخ من الصباح الباكر وبالطبع تساعدهم الست فاطمة.. وأطفال أروى يلهون أمام التلفاز بألعابهم.. أما هايدي لم تتحرك من فراشها منذ البارحة بعد أن تناولت بعض الحبوب المسكنة والمقاومة للبرد.. اعتقاد منها أن بردًا أصاب معدتها.. مرهقة!!
استيقظت سارة مبكرًا.. أدّت فريضتها داعية متمنية من الله أن تتم أمورها على خير.. توسطت الفراش.. مستندة بظهرها على الوسادة.. أمسكت بهاتفها وأرسلت رسالة نصية لصديقتها رغد.. تصر فيها عليها ضرورة الحضور مبكرًا.. فهي صديقتها المقربة.. بل صديقتها الوحيدة.. وضعت الهاتف بجوارها.. تجهمت ملامحها قليلاً.. تذكرت يوسف على حين غرة.. حديثه بالأمس معها.. نبرته التي لم تسمعها منه قبلاً.. حتى نظراته كانت غريبة.. أو بالمعنى الصحيح.. نظراته غير معتادة عليها.. لم ترَ منه سوى نظرات الوقاحة والوعيد والخبث.. "أَيُخطط لشيء ما؟" هكذا همست لنفسها.. "فليضرب رأسه بالحائط.. لم يعد يهمها.. ستتزوج قريبًا وتتخلص من رؤيته البغيضة بالنسبة لها.." مهما فعل.. خيرًا لن تنسى انحطاطه معها واستغلاله لضعفها.. هي تهابه قليلاً.. بل كثيراً.. مهما ارتسمت الصلابة وادعت القوة أمامه.. نفضت عن رأسها التفكير به.. "ما هذا.. أيعقل أن تفكر به في هذا اليوم؟" تململت فراشها بتثاقل.. ثم أمسكت بإحدى الربطات وقامت بتجميع خصلاتها على غير تساوٍ وعقدته للخلف.. ثم نهضت عن مطرحها.. وتوجهت صوب الخزانة وفتحتها وقامت بانتقاء إحدى البناطيل الجينز واختارت عليه تيشرت باللون الأحمر.. وولجت من غرفتها لتنزل إليهم بالأسفل.
أما عند يوسف.. الوضع مختلف.. يجلس على طرف الفراش يستند بساعديه على فخذيه.. منكس الرأس.. محاولاً التخلص من هذا الشعور.. شعور يخنقه.. يكبلُه رغماً عنه.. لم يذق النوم البارحة.. "اللعنة.. إنها مجرد خطبة.. من السهل إفسادها.. لن يخسر.. سيفوز بها بالأخير.. سواء كانت رغبتها أو رغماً عنها.. مستخدمًا ضغطه عليها وأساليبه.." فجراب الحاوي مليء بالألاعيب..
بمنزل المستشار سالم الحوفي.. دلفت أمل.. والدة أمير.. لغرفة ابنها.. مبتسمة والبهجة تحتل معالمها بوضوح.. وجدته يغط بنوم عميق.. نزعت عنه الغطاء برفق.. ثم أمسكت بجهاز التحكم الخاص بالمكيف وقامت بإغلاقه.. كأي أم مصرية أصيلة تغلق التكييف أو المروحة على أبنائها وهم نيام.. ثم توجهت صوب النافذة وقامت بفتحها وسحبت الستائر للخلف.. هتفت به بحنو ونبرة مرتفعة قليلاً.. كي يستفيق..
"أمير.. أمير.. قوم ياللا يا حبيبي الساعة بقت 10.."
تململ بفراشه بتثاقل شديد.. استدار بثقل بوجهه لأمه ونظر لها بنصف عين.. هتف بتحشرج:
"صباح الفل يا ماما.."
تتحرك بعملية في غرفته.. فعلى الرغم من أنها تجاوزت الخمس وخمسين عامًا.. إلا أن جسدها نحيف وقليل.. خفيفة الحركة.. هتفت بتذمر وهي تنحني لتلتقط ملابسه وأشياؤه الملقاة أرضًا:
"امتى سارة تيجي بقى.. عشان تشيل كراكيبك دي."
على ذكر سارة.. ابتسم ابتسامة واسعة حتى برزت أسنانه.. تحرك مكانه قليلاً.. ثم نهض بثقل.. جلس قليلاً على طرف فراشه.. قذفته أمه بالمنشفة بخفة:
"ياللا عشان تاخد دوش كده بسرعة.. وتفطر مع بابا."
أمسك بالمنشفة.. وهو يهتف:
"شكلي مش هفطر.. لسه عايز أروح أشوف البدلة.. أشوف الراجل ظبطها ولا لأ."
"كل حاجة بسيطة قبل ما تخرج يا أمير.."
همت بترتيب غرفته وهي تدعو له بالخير وصلاح زواجه.
***
يوسف كان متجاهلاً تمامًا ما يحدث بالمنزل من تجهيزات ومراسم الزينة.. جلس بالحديقة الخارجية لمنزله.. يولي ظهره للمنزل.. شعور بالضيق يجتاحه.. هتف بباله: "اهدأ قليلاً.. أمام أمر واقع.." ثم أقسم: "لن يتركها تذهب من يده.. أنانية.. حب تملك.. أو لم ينهِ انتقامه.. أيًا كان.. لن يتركها.." تنهد تنهيدة طويلة لعل الضيق الكامن بصدره يتلاشى.. جاءه من الخلف صوت رضوان.. جلس على الكرسي المقابل له..
"أي يا بوس مختفي ليه؟!"
تحدث يوسف بصوت غير مسموع وهو يكز على أسنانه:
"هو أنا كنت ناقصك.."
"بتقول إيه؟!"
هز يوسف رأسه نافيًا:
"مبقولش حاجة.. خير؟!"
"خير إيه.. ما تقوم يا عم اقف معايا وشوف أي الناقص وكده.. هي مش بنت خالي لوحدي.. دي بنت عمك بردو.."
أطبَق على جفنيه بشدة كي لا تفضحه عيناه بما يخبئه.. زفر ضيقًا وتحدث بلهجة جافة:
"لو في حاجة ناقصة قولي.."
لاحظ رضوان تجهم ملامح يوسف.. هيئته غريبة.. دقق النظر به أكثر.. وجد عيناه حمراء بشكل واضح.. أزرار قميصه المغلقة بإهمال.. وأيضًا خصلاته غير المرتبة.. نطق بريبة:
"يوسف.. إنت كويس؟!"
"يووووه.. هو انت شايفني بشد ف شعري؟!"
"مش القصد بس.."
اقتطع يوسف كلماته بحدة صوته وهو يأمره:
"رضوان.. قوم وسيبني دلوقتي!!"
تحرك رضوان عن مكانه بضيق.. هتف وهو يسير لداخل المنزل:
"طب فووق بسرعة بقى يا زفت انت عشان تقف معايا...."
نطق يوسف براحة:
"وأخيرًا مشيت يا رضوان.."
***
أسدلت الشمس ستائرها وحل الظلام.. تعالت الأغاني والمرح والأحاديث الجانبية.. تقف أميمة مع بعض النساء ببهو المنزل.. ترتدي عباءة سوداء مرصعة بفصوص لامعة يبدو عليها قيمتها الغالية.. وحجاب باللون الزهري يخرج منه بعض الخصلات البيضاء من شعرها مما يزيدها وقارًا وهيبة..
إحداهن لأميمة:
"عقبال هايدي يا أميمة.."
"يارب يا حبيبتي.."
والأخرى:
"هو العريس بيشتغل إيه؟!"
"معيد في الجامعة.."
بعضهم في نفس واحد: "ما شاء الله.." وزادت همهماتهم سوياً.
على مدخل المنزل يقف رضوان يرتدي إحدى البدلات رمادية اللون.. وبجواره يوسف يرتدي بنطال جينز وقميص أبيض.
"والنبي دي هدوم تلبسها في خطوبة.." ثم تابع: "دنتا بتيجي الشركة أشيك من كده.."
"تكونش خطوبة السفيرة عزيزة وأنا معرفش؟!"
"مالك مش طايقلي كلمة ليه.."
"اصلك مستفز.. شايفني مش طايق نفسي وبترغي كتير.."
"ومش طايق نفسك ليه؟!"
أكتفى بأن ينظر إليه بضيق وهو يزفر غضبًا منه.
***
مرت دقائق بسيطة.. وحضر أمير وعائلته وبعضًا من أقاربه بعد أن صفوا سياراتهم أمام المنزل.. تبادلوا السلام والأحضان.. كان أمير مرتدياً بدلة سوداء تحتها قميص أبيض وربطة عنق زهرية اللون.. تسحب يوسف للخلف.. فمجرد رؤيته لأمير تخنقه.. بدلًا من أن يبادله السلام.. سيبادله بلكمة قوية جانب فمه تقع على إثرها أسنانه.
أسبوع.. أسبوعين.. ظلت الأمور على وضعها.. توطدت العلاقة بين أمير وسارة بشكل كبير.. يوسف بشركته وعمله كي ينشغل عنها.
***
بالجامعة.. من كلية التجارة.. تجلس سارة مع رغد.
"أمير عامل إيه؟"
"تمام.." وأطلقت تنهيدة حارة.
"وإزي يوسف؟"
"متجيبيش سيرته بقى.. لما بشوفه بدخل أوضتي وأقفل عليا.. بتجنباه ع الآخر."
"لا بس بجد يوسف ابن عمك ده ماشاء الله.."
"نعم؟!"
"قصدي حسبي الله.."
ضحكت سارة.
"أيوه كده اتعدلي.."
"بس رجالة عيلتكو حلوة أوي.. مفيش حد فيهم سينجل."
"عندك يوسف أهو.. خوديه."
"لا ده لا.."
"فيه عمر أخو رضوان.. بس ده مستقر في كندا بيدرس هناك.."
"مرتبط ده؟"
"معرفش.. بس تقريبًا لأ.."
"حلو ده.. أنا خلاص حبيته.."
تعالت ضحكاتهم ومزاحهم.
***
بمرحاض الكلية.. توجد هايدي بالداخل ومعها شريط لاختبار الحمل.. تقف على أعصابها بانتظار نتيجة الاختبار.. تفرك أصابعها بتوتر.. وأخيرًا.. رفعته قبالة عينيها.. وكانت الصدمة.. خطين باللون الأحمر.. تعني بأن النتيجة إيجابية.
***
بشركة الزيني.. يكتب يوسف.. يجلس على مكتبه يطلع على الأوراق الموضوعة أمامه.. استأذنته سكرتيرته بالدخول.
"فيه واحد برة يا فندم.. عايز يقابل حضرتك.."
رمقها باهتمام: "مين؟"
وما إن أنهى كلمته.. حتى ظهر.. صديقه.. من أيام الجامعة.. أحمد الدالي.. وهتف: "أنا.." انفرجت أسارير يوسف فور رؤيته.. نط من مكانه فرحًا.
"أبو حميد.."
قاموا باحتضان بعضهم.. انسحبت السكرتيرة للخارج بصمت.
رواية ابن عمي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم وحيدة كالقمر
بشركه الزيني ..بمكتب يوسف
يجلس علي مكتبه يطلع علي الاوراق الموضوعه امامه.
استأذنت سكرتيرته بالدخول.
"فيه واحد برة يافندم ..عايز يقابل حضرتك."
رمقها باهتمام.
"مين؟!"
وما ان انهي كلمته ..حتي ظهر ..صديقه ..من ايام الجامعه.
أحمد الدالي.
وهتف "أنا."
انفرجت أسارير يوسف فور رؤيته.
نط من مكانه فرحا.
"أبو حميد."
قامو باحتضان بعضهم.
انسحبت السكرتيره للخارج بصمت.
أحمد دياب الدالي متخرج من كليه الهندسه /30سنه /كان من المقربين ليوسف قبل زواجه من زميلته ..عائلته من احدي العائلات المرموقه بأسيوط احدي محافظات الصعيد..انفصل عن زوجته من اربع شهور تقريباا/يتميز بطوله الفارع وملامحه الشرقيه الهادئه.
يوسف
جلس بالكرسي المقابل له.
تحدث بنبرة يملؤها اللهفه.
"عاش من شافك ياابو حميد ..انا قولت انك نسيتني."
أحمد
بعد ان اخذ نفسا عميقا.
"حد ينسي حبايبه بردو."
يوسف
ساخرا.
"حبايب مين ياراجل ..تقريبا بقالي سنتين مشفتكش..ولا اعرف عنك حاجه."
أحمد
بأسي وتبدلت ملامحه للحزن.
"كانو اصعب سنتين في حياتي يايوسف."
ثم تابع بأسي.
"عرفت اني انفصلت عن انجي؟!"
يوسف
بضيق.
"ايوه علمت من شهر كده بس للاسف معرفتش اوصلك عشان اكون جمبك."
تابع احمد بنفس نبرته السابقه.
"بهدلتني خدت كل فلوسي ..بعدتني عن اهلي وعن اصحابي ..كانت مستغبياني."
يوسف:
"ياما قولتلك ابعد عنها وسيبها .انت اللي كنت ماشي معمي ع عينك وراها."
زفر احمد ضيقا.
تابع يوسف كلامه وهو يقلد زوجته السابقه.
"غيرلي العربيه يااحمد وانت تقول حاضر ..المؤخر هيبقي مليون جنيه وانت تقول حاضر اكتب الشقه باسمي حاضر حاضر حاضر .."
احمد:
بحزن.
"كفايه يايوسف ..ارجوك .اهي خدت كل حاجه وراحت."
يوسف:
لمواساته.
"في ستين داهيه ..اهم حاجه انك بخير."
أحمد:
"ومين قالك اني بخير؟!"
يوسف:
"طالما رجعتلي ..هتبقي بخير غصبا عنك."
احمد:
وقد لوي فمه بتهكم وقال ساخرا.
"ليه انشالله ..مفكر نفسك سكارليت جوهانسون؟!"
يوسف:
مقهقها.
"دانا احلي منها ياض ع الاقل انا بلدي .والبلدي يوكل."
قهقه الاثنان عاليا.
ثم أكمل أحمد بغمزة.
"وانت بقي اي ..مش ناوي تجوز؟"
يوسف:
مداعبا لصديقه.
"لاا انا هفضل طول عمري ع حل شعري ..مش هتعرفو تلموني م الشوارع."
تعالت ضحكاتهم اكثر.
احمد:
بجديه.
"لأ بجد ..مش ناوي تجوز بقي؟"
يوسف:
"لا انت عقدتني ف الجواز."
احمد:
"بطل هزار بقي."
يوسف:
تغيرت ملامحه قليلا وتلاشت ضحكته شيئا ف شيئا.
لاحظ احمد ذلك التغير فاعتدل باهتمام كي يستمع لصديقه.
تنهد يوسف تنهيده حارة.
ثم هتف بأسي.
"من ناحيه فيه ..ف هو فيه .."
"بس الموضوع معقد شويه."
احمد:
"وهو فيه حاجه تتعقد مع يوسف الزيني ..معذب قلوب العذاري."
وضحك.
يوسف:
بشموخ.
"مفيش حاجه تتعقد معايا ..قريب انشالله هقدمهالك وهي علي ذمتي."
أحمد:
يغمز بعينه ويقول مداعبا.
"ايوة بقي ..هي حد نعرفه ؟!"
يوسف:
"لا انت متعرفهاش."
أحمد:
"خير انشاالله ..ربنا يجعلها من نصيبك."
يوسف:
متلهفا.
"يارب يارب."
احمد:
"اوووبااا ..داحنا وقعت ولا حدش سمي عليك."
يوسف:
"بقولك اي تعالي سلم ع رضوان ..ده هيفرح اوي اما يشوفك وعلطول بيسألني عنك."
نهضا من مكانهما وهتف احمد وهو يتجه صوب الباب مع يوسف.
"الله واحشني الواد ده ..اهو الوحيد اللي اعرفه وجوازته ناجحه."
ضربه يوسف علي كتفه بقوة.
"يخربيت عنيك دي ..هيروح يطلق اختي يخربيتك."
غادرا المكتب متوجهين صوب مكتب رضوان.
احمد الدالي هو الوحيد الذي يكون يوسف معه علي سجيته ..ضحكته لا تخرج سوا وهما معا.
باحد المطاعم الشهيره بالقاهرة المشيده علي النيل.
تجلس سارة مع أمير بانتظار وجبه الغذاء.
أمير:
مستندا بساعده سفل ذقنه.
"واحنا لازم عشان نتقابل واعزمك ع الغدا لازم موافقه من مرات عمك؟!"
سارة:
بتأكيد.
"طبعا مش مرات عمي ..وانا عايشه معاهم بنفس البيت."
يقاطعهم العامل بالمطعم وهو يقدم قائمه الطعام لكلاهما.
سارة:
للعامل.
"شكرا."
تفحصت القائمه.
ثم نظرت للعامل وقالت بلطف.
"هاخد سكالوب بانيه وسلطه."
ثم توجه بنظره لأمير.
"وحضرتك يافندم؟!"
أمير:
اغلق القائمه وتحدث.
"هاخد زي الانسه بالظبط."
تركهم العامل ودلف للداخل.
أمير:
وهو يتأملها بوله.
"وحشتيني."
سارة:
وقد توردت وجنتاها خجلا.
"ده ع أساس اننا مش كل يوم بنشوف بعض في الكليه."
أمير:
بنبرة عذبه.
"انتي اصلا وانتي اودامي بتوحشيني."
مد يده صوب يدها كي يمسك بها.
ابعدت يدها عنه بخجل دون التفوه بكلمه.
تنهد ضيقا.
ثم هتف.
"سارة ..انتي بتحبيني؟!"
سارة:
ابتسمت بعذوبه.
"ايوة."
أمير:
"طب ليه مبحسش بكده؟!"
قاطعهم العامل ثانيه وهو يضع الطعام أمامهم.
ثواني ورحل وتركهم بمفردهم.
بدأو بالأكل.
أمير وهو يلوك بالطعام بفمه.
"مقولتليش بقي ازي ابن عمك ..اسمه ايه ده."
سارة:
اجابته سريعا.
"يوسف."
"احم قصدك يوسف."
هدر "بغيظ".
"اه هو."
سارة:
"كويس يعني."
أمير:
"بتكلمي معاه؟"
سارة:
فهمت ما يرمي اليه.
"لا ..كلامنا قليل اوي."
أمير:
"تعرفي اني مبرتحش لابن عمك ده خالص."
تلجلجت سارة قليلا.
"ليه بس؟!"
أمير:
"معرفش ..علطول مضايق ..بيكلمني باأرف ..معرفش هو شخصيه مش مريحه."
ساره:
في نفسها.
"عندك حق."
ثم تحدثت.
"هو كلامن قليل مع الكل."
وقد ارتسمت الغيرة علي قسماته.
"عموما ..قللي كلام معاه خالص ..وياريت ميكنش فيه كلام اصل."
رمقته بوله وهي تومأ له.
"حاضر."
صف سيارته بأهمال.
حينما رأها تترجل من سيارة أمير.
زفر بضيق قبل ان يتوجه اليهم.
يوسف:
بتهكم.
"ايه انتو كنتو فين انشاءالله."
هتفهه امير وهو يحاول الحفاظ علي انفعاله.
"كنا بنتغدا برة."
يوسف:
باستهزاء.
"الله الله."
ثم نظر ل سارة.
"وده من امته انشاء الله."
تعرقت ساره وتحدثت بنبرة مهتزه.
"انا استأذنت من طنط."
لاحظ أمير تغير قسماتها امام يوسف تدخل ف الحوار.
أمير:
بغضب.
"هو في حاجه ولا اي ياأستاذ يوسف؟!"
قهقه يوسف بغل.
"لا مفيش ياا..أستاذ أمير."
تجهمت ملامح الاخير.
كاد ان ينطق لولا نظرات سارة له.
قاطع نظراتهم يوسف بصوته الأجش.
"ايه انتي هتباتي ف الشارع ولا اي يا أبله."
ثم اشار بيده.
"ع فوق ياللا."
لوحت بيدها لأمير.
واتجهت صوب الدرج الرخامي الخارجي بعجاله.
هدر يوسف "بضيق".
"عنئذنك ياا ..استاذ امير."
ولاه ظهره وسار بخطي ثابته نحو الدرج.
هتف أنير من بين أسنانه وهو يصعد سيارته.
"قليل الزوق."
لحق بها علي المدخل.
قبل ان تفتح لها فاطمه الباب.
توجه بنبرته الحاده ل فاطمه.
"خشي انتي ياداده."
دفعها جانبا بيده.
هدر بها بعنف.
"لو عرفت انك خرجتي معاه تاني ..هزعلك اوو."
دفعته عنها بكل قوتها.
"ملكش فيه يايوسف ..وابعد عن طريقي احسنلك."
استفزته بلهجتها الحديثه المليئه بالتهديد.
"ايه ده القطه نطقت وبقت بتخربش."
ازاحته بكفها كي تدلف داخل المنزل.
أمسكها من معصمها بقوة.
تأوهت هي علي اثرها.
اغلق الباب وبقو بالخارج علي الدرج.
فجأه حملها رغما عنها علي كتفه وصعد بها للاعلي سريعا.
صرخت باعلي نبره عندها.
ولكن لم يسمعها احد.
توجه بها صوب الغرفه الموجوده علي السطوح.
انزلها من علي كتفه.
ترنحت قليلا.
يم اخذت تضربه بشده علي كتفه.
لكنه لم يتأثر علي الاطلاق بضرباتها المتكررة.
أمسكها من كفهيها بيد واحده.
واليد الأخري حاوطت خصرها كي تقربها اليه.
هدر بها.
"سارة ..متفكريش سكوتي عنك ..اني سيبتك خلاص ..لااا ..انا ساكت بس عشان عارف اخرك هتبقي معايا."
انكمشت ملامحها من حديثه.
ومن الوضع برمته.
فهذه الغرفه تذكرها بما حدث سابقا.
يوسف ..خلصنا بقي ..سيبني في حالي ..انا وامير بنحب بعض.
"وكأنها تعمدت اهانته."
زأر بها بكل قوته وهو يعدل من وقفتها بعد ان ترك يدها وجذبها من شعرها.
شعرها بيده.
كاد ان يقتلعه بين يديه.
تأوهت كثيرا من قبضته.
ولكن ..انتي من دعوتي شياطينه ..اصرفيهم ان كان بمقدرتك.
"لو سمعت سيرة حب دي تاني ..هقتلك اقسم بالله هقتلك."
ثم أكمل بفحيح.
"انتي هتحبيني انا .او متحبنيش مش مشكله المهم انك بتاعتي وبس."
كفيها ممسكان بقبضته المحكمه علي شعرها.
"انسي يايوسف ..مستحيل يحصل."
ترك شعرها من قبضته.
دفعها للحائط بقوة ثم التصق بها يده خلف رأسه ويد ممسكه بكفيها باحكام.
التهم فمها بقبله اخرستها.
وكأنه بهذه القبله ..يعلن ملكيته لها واحقيته بها.
ابتعد عنها قليلا كي يلتقط انفاسه.
تحدث وهو مغيب تقريبا.
"انهي الخطوبه دي بمزاجك ..بدل ماانهيها انا بمزاجي ..وساعتها هتزعلي اووي."
حاولت الوقوف علي قدمها ولكنها لم تقوي.
استندت بظهرها علي الحائط.
ثم سقطت عنه.
اخذت في البكاء.
وكأن احدهم وضع سكينا علي نحرها.
ثم هدرت من بين بكاؤها.
"امته بقي هتسيبني."
انحني ليكون بمستواها.
"لما اموت."
جذبها من يدها.
وقفت امامه.
مسح بكفه الدموع المتساقطه اسفل جفنيها.
ثم هتف بها.
"ياللا عشان ننزل."
اليوم التالي.
ترجلت من سيارة الأجرة امام احدي المباني.
توجهت للدرج وصعدته سريعا.
فتحت حقيبتها واخرجت مفتاح وفتحت به باب الشقه التي تقصدها ودلفت.
كان يجلس علي الاريكه بانتظارها.
جمال:
بحنق.
"واخيرا شرفتي..خير عيزاتي ف اي مهم كده؟!"
ضحكت بحزن علي حالها.
بعد ان كان يركض خلفها.
اصبحت هي من تركض خلفه.
"كله من صنع يدك ..بيدك تعزز نفسك وبيدك ترخصها."
"ايه ياجمال هو انا هشحتك عشان اشوفك ولا اي؟!"
جمال:
"لا ياهايدي ..مش هتشحتيني بس قولي عاوزه اي ..ورايا شغل وعايز انزل."
هايدي.
"بعد ان جلسو علي الاريكه بتعب"
زفرت ضيقا ثم تحدثت.
"هتيجي تتقدم امته ياجمال."
جمال:
وقد احتدت نبرته وتأفف منها.
"يووووه ..اووف انتي مبتزهقيش ..قولتلك بعدين بعدين ..ارحمي."
أمي.
هايدي:
وتبدلت ملامحها للعبوس واحتدت نبرتها مثله.
"للاسف مش هينفع نستني أكتر من كده."
باستغراب.
هتف بها.
"ليه؟!"
هايدي:
بأسي.
"انا حامل."
جمال:
بصدمه.
"نععععم !!من مين؟!"
انتفضت من مكانها بعنف وصرخت به.
"انت بتقول ايه يامجنون انت؟!"
جمال:
"لا مش عارف ياختي ..اكيد زي مانمتي معايا ف الحرام نمتي مع غيري."
تعالت صراختها وهي تصفعه علي وجهه.
"اخرس انا اشرف منك ومن اهلك."
قام بدفعها وهو يجرها من شع ها ناحية الباب.
"ماشي ياشريفه ..روحي لبسي اللي في بطنك ده لحد غيري ..او نزليه اكرمك."
ثم فتك الباب والقاها علي الدرج بقوة.
"ولا نزليه اكرملك ..اخوكي لو عرف حقيقتك ..هيقتلك وياخد عزاكي بدم بارد."
خرج هو الاخر من المنزل هو الاخر.
انحني ارضا جذب حقيبتها وقام بفتحها اخذ مفتاح شقته.
ثم ازاحها بقدمه بكل اهانه.
وتوجه بالنزول.
دون ان يرف له جفن بفعلته.
رواية ابن عمي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم وحيدة كالقمر
دخلت المنزل بخطوات بطيئة. وجدته أمامها. حمدًا لله لم تتأخر كثيرًا.
يوسف: يتفحصها بعينين ضيقتين. هايدي.. وشك عامل كده ليه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم مسكت رأسها بتعب وقالت بنظرات زائغة:
إرهاق بس من المذاكرة والكلية وكده.
اقترب منها، حاوطها بذراعيه بحنان.
خلي بالك من صحتك.. خدتي العلاج بتاعك؟
استندت برأسها على صدره وشدت عليه، فهي بحاجة لاحتضانه أكثر من أي وقت مضى.
أحس يوسف بأنفاسها الحارة. ابتعد عنها قليلًا، وضع يده على جبينها يتحسسه.
شكلك سخنة يا هايدي.
فركت عينيها بكفها.
آه، أنا حاسة إني داخلة على دور برد. هطلع آخد دش وأرتاح شوية.
قبّل جبينها.
طيب يا حبيبتي.. لو عاوزة حاجة اندهيلي.
هايدي تتجه صوب الدرج بإرهاق يبدو بوضوح. أمسكت بسور الدرج وصعدت بتثاقل، حتى دلفت لغرفتها.
ليلًا، بمنزل يوسف.
قرعت سارة باب غرفة هايدي بخفة. تحركت هايدي بتثاقل من مكانها وتوجهت لتفتح.
هايدي: بتذمر. أيوه.
سارة: تبتسم برقة. دودو، مجتيش تقعدي معايا، قلت أجي أقعد معاكي.
هايدي: مازالت على الباب تسد عليها الدخول. لا معلش، أصل تعبانة شوية وعاوزة أنام.
سارة: تضيق عينيها باهتمام. مالك يا حبيبتي؟ ثم مسحت بكفها على وجنتها بلين.
هايدي: وهي تنزح يدها عن وجهها بانفعال. يوووه.. بقولك تعبانة وعاوزة أنام، إيه مبتفهميش؟
انتفضت سارة واتسعت حدقتاها من حديث هايدي.
هتفت بحرج: أنا آسفة.
وهرولت لغرفتها بخطوات متعجلة. صفقت هايدي الباب بعنف، تلعن حالها، فهي بحالة لا يعلم بها سوى خالقها.
أسبوع آخر يمر ببطء على الجميع دون جديد يذكر. أمير وسارة على حالهم، لا يلتقون إلا وهو يوصلها لمنزله. مضايقات يوسف لبنت عمه. هايدي ومشكلتها التي تتزداد تعقيدًا.
بأحد المقاهي الليلية بمدينة القاهرة.
يجلس جمال مع أحد أصدقائه السيئين مثله، يتبادلون سجائرهم.
جمال لصديقه رامي: يحدثه وهو ينفث دخان السيجارة من فمه. بنت الـ*** عاوزة تدبسني فيها هي واللي في بطنها.
رامي: يتناول منه السيجارة. دي كارثة.. طب وهتعمل إيه يا شقيق؟
جمال: تجمعت ملامحه. ولا ليا فيه.. البت دي ما عدتش تلزمني.
رامي: يضيق عينه بفضول. مش انت بتقول إنها من عيلة غنية؟
جمال: بلا مبالاة. والنبي لو بنت وزير الداخلية ما هتجوزها.. أنا خلاص خدت غرضي منها.. أتوزجها بقي ليه؟
رامي: طب هتعمل إيه؟
جمال: هيرنّي رنّ على الموبايل. أنا هقفل الموبايل وأروح أقعد في شرم شوية.. تكون اتصرفت بقى ونزلت اللي في بطنها.
رامي: بنبرة قلق. طب افرض قالت لأهلها ولا أخوها؟
جمال: بتأكيد. مستحيل تعملها.. دي بتترعب من أخوها.. ده يقتلها.
رامي: وهو يدوس السيجارة تحت قدمه. يبقى انت كده في الأمان يا زميلي.
أكملوا أحاديثهم وهو يشعلون السيجارة تلو الأخرى.
بالمقهى الموجود بكلية التجارة.
تجلس سارة مع أمير. يتحدثون سويًا بشأن علاقتهم ومستقبلهم معًا.
أمير: بنفاد صبر. مينفعش اللي بيحصل ده.. اقسم بالله.
سارة: بحزن. طب أنا بإيدي إيه أعمله؟ ما انت شايف الوضع.
أمير: بإصرار. أنا لازم أتكلم مع ابن عمك.
سارة: أحست بقبضة قلبها بذكر ابن عمها. هتكلمه في إيه؟
أمير: نستعجل بكتب الكتاب والفرح وتكملي تعليمك عندي.
هتفت بفرحة ممزوجة بالقلق. بجد.. بس معرفش هما رأيهم إيه؟
تذكرت تهديدات يوسف وتحذيراته. فليضرب برأسه الحائط. وأخيرًا ستتخلص من قبضته!
بمكتب يوسف.
كان يجلس مع صديقه أحمد الدالي. حيث كان يجلس على الكرسي المتحرك يستند بذراعيه على ساعدي الكرسي وبالمقابل له يجلس رامي.
يوسف: إيه يا عم انت.. وآخرتها معاك إيه؟
أحمد: إيه؟ عايز إيه؟
يوسف: هتفضل كده طول عمرك.. مش هتشتغل بقى؟
أحمد: يمزح. إيه.. جايب لي شغل؟
يوسف: أيوه.. أنا محتاجك معايا في الشركة.
أحمد: وهي الشركة ناقصها مهندسين يا يوسف..
يوسف: انت غير.. انت عارف أنا طول عمري محتاجك جنبي.
أحمد: أومأ برأسه. خلاص على بركة الله.. شوف هنبدأ شغل مع بعض امتى.
يوسف: بعجالة. دلوقتي.
ونهض من مكانه واستدار ليجاور صديقه بعد أن نهض هو الآخر.
تعالى أما أوريك مكتبي.
وولجا للخارج سويًا.
توقفت بسيارة الأجرة أمام البناية التي يقطن بها جمال.
ذهبت إليه بعد محاولات عديدة من الاتصال به وعدم الرد عليها إما بالتجاهل أو بغلق الهاتف.
صعدت الدرج الداخلي للبناية ببطء تستند بكفها على الجدار الموازي للدرج. ملامح الإرهاق والتعب ترتسم على وجهها.
وصلت لشقته. شرعت بقرع الجرس كثيرًا، دون رد.
زفرت ضيقًا. جلست تستريح على الدرج قليلًا وعيناها مصوبتان نحو الباب. فقدت الأمل بأن تراه.
ترجلت السلم بتثاقل وحزن وخرجت من البناية.
كانت تسير على غير هدى، شاردة وحزينة. شعرت بغمامة سوداء برأسها ترنحت في مشيتها.
لم تنتبه للسيارة التي أمامها. ظهرت فجأة أمام السائق من العدم.
ثوان قليلة. يانسه.. إيه يا أستاذ ياللي بتسوق انت مش تفتح؟
اختلطت الأصوات بالصراخ. كان آخر صوت يصرخ بـ "انتوا لسه هتتعاركوا مع الراجل؟ حد يتصل بالإسعاف بسرعة.. البت سايحة في دمها!".
بمكتب رضوان.
كان يجلس على مكتبه يتحدث مع أخيه عمر على الهاتف.
عمر البحيري: 28 سنة.. يدرس إدارة أعمال بكندا. تخرج من كلية التجارة. مرح.. معروف في العائلة بغيرته الدائمة من يوسف!
رضوان: وهو يمسك هاتفه على أذنه اليمنى بكفه. بس يااض يا واطي انت.. ده انت مبتكلمنيش غير كل شهر مرة.
عمر: ...
رضوان: لو كنا وحشناك كنت جيت.
عمر: ...
رضوان: كل مرة بتقول كده ومبتجيش.. دا إحنا نسينا شكلك.
عمر: ...
رضوان: طبعًا حلوين.. هيطلعوا وحشين لمين؟ رودي شبه أمها.. يوسف شبه خالو يوسف بالظبط.
عمر: ...
رضوان: بس يااض.. وأنا أطول إن ابني يبقى شبه يوسف.. طب يا رب يبقى نسخة منه.
عمر: ...
رضوان: مضحكًا. عمرك ما هتتغير.. مفيش فايدة فيك.. يوسف ده الحتة الشمال.
اقتطعه السكرتير الجديد لمكتبه باسم، وهو يستأذنه بالحديث.
أشار رضوان لباسم بكفه، بمعنى ينتظر أن ينهي حديثه على الهاتف.
القي على أخيه السلام وأغلق الهاتف، ثم وضعه على سطح المكتب مفتوحًا.
باسم: يتنحنح. احم.. اللي اسمها يسرا من العلاقات العامة عايزة تقابل حضرتك.
رضوان بعد أن زفر ضيقًا وافرك صدغيه بغيظ. خليها تدخل.. خلينا نخلص.
باسم وهو يستدير: حاضر يا فندم.
رضوان في نفسه: البت دي مبتيأسش.
لحظات وولجت يسرا، كالحية تغير جلدها بما يناسب حاجتها. من داخلها تحقد عليه وتكرهه ولكن ظاهريًا تدعي عكس ذلك.
هتفت بنعومة. ممكن أقعد؟
تنهد سريعًا. اتفضلي.
لم يعطها انتباهه، انتباهه كله مركز على ما أمامه من أوراق وملفات. رفع ببصره لها ثم أنزله بعجالة.
ها.. عاوزة إيه؟
يسرا: عاوزة أتكلم معاك.. أنا وانت وبس.
كملت بفحيحها وهي تلتف إليه بأنوثتها. رآها تقترب انتفض من مطرحه واقفًا. استوقفها بإشارة من كفه. حسب خطتها لا مجال للرجوع.
أمسكت يده بيدها، ضمتها بحنان مزيف. اقتربت منه بنظراتها الوله. تابعت بنبرة يكسوها الشوق. وحشتني.
أصبح تحت سيطرتها بعد أن اقتربت من عنقه بهمساتها وقبلاتها الناعمة. تأكدت من غفوته ووقوعه بفخها.
أمسكت بهاتفه وقامت بالضغط عدة مرات دون أن تلفت انتباهه. أكملت بهمساتها الناعمة بعد أن ضغطت على زر الاتصال. يدها تتخلل خصيلاته الفحمية القصيرة. تعلم جيدًا نقطة ضعفه.
بادلها بالهمسات أنه يريدها ويحبها و..
أحست بصحوته. أغلقت الهاتف سريعًا.
دفعها بقوته عنها، ارتطمت بالجدار خلفها وهو يسبها بأقبح الألفاظ.
اقترب منها وأمسك رسغها بقبضته القوية. احتد صوته كثيرًا وهو يرمقها بغضب يتطاير من عينيه.
لو شوفتك في وشي تاني همسح بيكي الأرض.. تحاشيني أحسن لك وكلي عيش!
صرخ بها عاليًا. برااااه.
انتفضت من حدة صراخه وركضت للخارج.
وقفت تلتقط أنفاسها بالخارج. ثم ارتسمت على جانب فمها ابتسامة نصر. حدث ما كانت تريده تمامًا. إن لم تكن زوجته.. ستهد بيته على رأسه.
أما هو بالداخل بعد أن أحس بالندم لاستسلامه لها. بالفعل لا يحبها ويحتقرها. ولكن لماذا هو حقير؟ لماذا؟
أخذ يضرب بقبضته الحائط عدة مرات بغضب، حتى تألم بشدة من وجعها.
يعتقد بأن الموضوع انتهى بإهانتها وطردها؟ ولكنه بدأ.
رواية ابن عمي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم وحيدة كالقمر
يجلس يوسف على مكتبه، متفحصاً الأوراق أمامه باهتمام، ممسكاً بيمينه القلم للتوقيع. رن هاتفه، رمق الهاتف بإهمال ثم دقق النظر جيداً. رقم سارة!
اتسعت حدقتاه بذهول وهو يهتف: "دي أول مرة تتصل بيا!" على الرغم من فرحته برؤية اتصالها، إلا أنه قلق، فبتأكيد لم تطلبه حباً، وإنما لحدوث شيء ما.
يوسف بنبرة قلقه يغلب عليها الاهتمام: "الو.. أيوه يا سارة."
سارة: "..."
يوسف: "انتفض من مكانه بذعر. بتقول إيه؟ مستشفى إيه؟ مسافة السكة وأكون عندكم."
هرول من مكتبه باتجاه المصعد. استقبله بطريقه رضوان، الذي كان ينوي الذهاب إليه للتحدث بشأن ما يخص الشركة.
رضوان بقلق من هيئته: "في إيه يا يوسف؟"
يوسف وهو يدلف للمصعد: "هايدي عربية خبطتها وهي في المستشفى."
رضوان بعد أن تتبعه للمصعد وقرر الذهاب معه: "يانهار أسود! أنا جاي معاك."
توجهوا بالمصعد للدور الأرضي، خرجوا منه راكضين صوب سيارة يوسف للذهاب للمستشفى.
***
صف يوسف سيارته أمام المستشفى بإهمال. ترجل هو ورضوان من السيارة، دلفا لداخل المستشفى ثم توجها صوب مكتب الاستعلامات.
يوسف محدثاً الموظف الجالس أمامه بلهجة جافة: "في واحدة جت عندكم هنا انهارده، جايه في حادثة عربية."
لاحظ الموظف القلق المرسوم على قسماته والتوتر البادي والواضح على نبرته. تحدث بهدوء: "هي لسه بالعمليات يا فندم."
رضوان مقتطعاً للحديث بنفاد صبر: "أيوه فين أوضة العمليات دي؟"
الموظف: "الدور التالت يا فندم."
ركضوا باتجاه الدرج، لم يصبروا لمجيء المصعد. وصلوا للدور الثالث. رضوان كان يلهث بشدة، أما يوسف فأخذ يجول بعينيه في الدور بتركيز، حتى وجدها جالسة على أحد الكراسي. نظر لها بعد أن تنهد براحة، فمجرد رؤيتها تريحه.
هرول صوبها وانفاسه تعلو وتهبط بشكل واضح. بنبرة خشنة يكسوها القلق والتوتر: "سارة.. طمنيني."
سارة: "موجهة الحديث ليوسف. هايدي يا يوسف، لقيت حد من المستشفى بيتصل بيا وقالي إنها..." ثم أكملت بنبرة يملؤها النحيب: "عملت حادثة."
رضوان وقد اقترب منها وقرر تهدئتها، حاوطها بذراعه وهو يمسد على ظهرها بحنو: "اهدي يا حبيبتي، هتقوم بالسلامة."
اتسعت عينا يوسف يتطاير الشرر منهما، وقد تحددت ملامح الغيرة على وجهه. تجهمت ملامحه بشكل ملحوظ. هتف بنبرة حادة مرتفعة تدل على غضبه: "رضواااان!"
التفت رضوان ومعه سارة بانتفاض.
رضوان: "في إيه؟!"
يوسف وهو يصر على أسنانه بغيظ جلي: "متهيألي.. المفروض نسأل على أي دكتور هنا يطمنا أولى!"
توجهت سارة صوب الكرسي لتجلس ثانية. أخذت تهز قدمها بتوتر، وتفرك بأناملها التي كانت ترتعد بشدة. كل هذا وأنظاره مثبتة عليها كالصقر. لم يقل عنها هو أيضاً. أخذ يدور بمكانه في انتظار خروج الطبيب.
خرجت إحدى الممرضات من الغرفة مسرعة.
الممرضة: "عايزين حد يتبرعلها بدم."
هتف يوسف والذعر يتغلب على نبرته: "في إيه طمنيني."
الممرضة: "نزفت دم كتير وهما بيجيبوها على هنا."
يوسف: "أنا نفس فصيلتها. اتبرع فين؟"
استبقته الممرضة وهتفت به: "حضرتك تعالي معايا."
بعد أن تبرع بدمه، قرر الانضمام إليهم ثانية. برهة من الزمن وخرج الطبيب من غرفة العمليات. هرول ثلاثتهم إليه.
يوسف بقلق وذعر: "طمني يا دكتور."
الطبيب وهو يهز رأسه لهم مطمئناً: "الحمد لله.. المدام كويسة. هي شوية كسور وجروح هتلم بإذن الله." ثم رمقهم بأسف: "بس للأسف مقدرناش ننقذ الجنين."
دقيقة من الصمت والصدمة. اللعنة! ماذا يقول؟
يوسف وقد أمسك بتلابيبه: "جنين إيه؟ أنا بسألك على أختي يا راجل يا مجنون أنت."
رضوان مكملاً للهجة يوسف: "جنين إيه دي لسه آنسة!"
سارة بعد أن اتسعت حدقتاها بصدمة، وضعت يدها على فمها وأصرت الصمت، فالوضع لا يحتمل أي كلمة أخرى.
الدكتور بعد أن استطاع فك قميصه من قبضة يوسف بأعجوبة: "لو سمحت حضرتك، أنت هنا في مكان محترم." ثم ابتعد عنهم والخوف يرسم على معالمه بدقة، فهيئته هكذا كفيلة بأن تجعله يركض لبلد آخر.
تبادل رضوان وسارة النظرات تعبيراً عن صدمتهم. أما يوسف فكان بعالم آخر غير مدرك لما حوله. اقترب على الكرسي الجلدي وارتمى بثقله عليه. نظر للفراغ حوله، انكس رأسه وهو يزفر ببطء شديد.
….********
دَلفت يسرا إلى منزلها المتوسط، المقيم بإحدى الحواري الشعبية. قذفت مفاتيحها على المنضدة. استقبلتها سماح شقيقتها وهي ترمقها بدهشة: "إيه يا بنتي انتي حد بيجري وراكي؟"
يسرا بتوتر: "وانتي بتقولي فيها، أنا فعلاً حاسة إن حد بيجري ورايا."
سماح وقد لمعت عيناها بفرحة: "لا متقوليش، نفذتي اللي اتفقنا عليه؟"
يسرا بيأس: "أيوه يا أختي، وفي الآخر ضربني وطردني زي الكلاب من مكتبه."
سماح باهتمام: "طيب عملتي اللي اتفقنا عليه كله؟"
يسرا وهي تشيح بيدها: "كله، وربنا يستر لما يعرف اللي أنا عملته."
سماح وقد توسطت الأريكة المنهكة الموضوعة ببهو المنزل الصغير: "ولما يعرف اللي عملتيه هيعمل إيه يعني؟" ثم أكملت بدهاء: "انتي ناسيه إنك وإنتي بتقدمي كتبتي عنوان تاني غير ده."
يسرا بعد أن ضيقت عينها بتساؤل: "يعني إيه؟"
سماح: "يعني عمره ما هيعرف يوصلك!"
أومأت يسرا لشقيقتها وقد تنهدت براحة: "بس الحمد لله شفيت غليلي."
سماح ترفع رأسها بزهو وتباهي: "عشان تبقي تسمعي كلامي على طول."
يسرا: "طب هنعمل إيه؟"
سماح قهقهت بحقارة: "اللي بنعمله كل مرة، هنرسم على أي حد تاني يكون متريش ونسحب منه اللي نقدر عليه."
يسرا: "رضوان ده طالع من عيني."
سماح: "انتي اللي هبلة معرفتيش توقعيه صح."
أكملوا حديثهم ووقاحتهم معاً، فالاثنان نفس الحقارة، فإن كانت يسرا حية ف سماح من العقارب.
….………….
نهض رضوان من مكانه وهو يحك رأسه من الإرهاق صوب حديثه لسارة: "قومي يا سارة يالا أروحك، انتي شكلك تعبتي أوي."
سارة بإصرار: "أنا مش همشي من هنا قبل ما أطمن على هايدي."
تمتم يوسف والذي بدأ أن يعي ما حدث: "والله لاقتلها!" وأخذ صوته بالارتفاع أكثر وأكثر.
اتسعت عيناها بخوف من نبرته الحادة الخالية من المشاعر. رمقته بقلق وهي تهتف له: "حرام عليك، ده بدل ما تحتويها وتراعي حالتها وتعبها."
أشاح لها رضوان بغضب: "اسكتي انتي يا سارة دلوقتي، سيبى يوسف بالهم اللي هو فيه."
رمقتهم بغضب، ثم أشاحت بوجهها عنهم وهي تردد بخفوت: "ربنا ينجيكي يا هايدي."
….…..
استمع لصوت رنين الهاتف بجيبه. مد كفه بتعب وضيق وهو يمسك به. كانت والدته. رفع ببصره لرضوان.
يوسف: "رضوان.. أمي بترن."
رضوان وقد أبدى اهتمامه: "هتلاقيها قلقت على البنات."
قام بالرد عليها: "أيوه يا أمي."
أميمة: "..."
يوسف: "اهدي يا أمي، أنا جايلك أهو."
أميمة: "..."
يوسف مطمئناً: "متخافيش هما معايا. بصي أنا جايلك أهو." وأغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها. نظر لرضوان بقلة حيلة: "هنعمل إيه؟"
نهض عن مكانه وهتف لسارة بجمود: "قومي يالا عشان أروحك."
عقدت ذراعيها أمام صدرها: "مش هروح قبل ما أطمن عليها."
كاد أن يصرخ به لولا أن رضوان قاطعه: "خلاص يا يوسف.. خليك انت هنا مع سارة. أنا هروح لمرات خالي، وأصلاً عايز أروح أطمن على أروى والعيال."
وبالفعل أمسك بجاكيته ووضعه على كتفه وتوجه للمصعد، وتركهم وحدهم.
….….
بمنزل المستشار. "سالم الحوفي."
خرج أمير من غرفته ليجلس مع والديه كعادته. ولكن هذه المرة غير، فهو يريد التحدث معهم بشأنه وسارة.
أمير بعد أن ألقى نظرة على التلفاز: "يووه انتوا مبتزهقوش من المسلسلات القديمة دي؟"
ديالاب: "المسلسلات دي اللي مش عاجباك أحسن 100 مرة من مسلسلات دلوقتي."
أمل: "انتوا أصلاً جيل مابيعجبكوش حاجة."
أمير مشيحاً بيده: "خلاص خلاص، انتوا هتعملوا عليا حفلة. ممكن بقي تخليكوا معايا شوية عايز أتكلم معاكو في موضوع كده."
أمسكت أمل بجهاز التحكم الخاص بالتلفاز وضغطت على زر كتم الصوت.
أمل باهتمام: "قول يا حبيبي."
أمير حك بأنامله طرف أنفه: "كنت عاوز أقولكو إني عايز أعجل في الجواز."
نظرت أمل ل سالم وضحكوا بصمت.
أمير بضيق: "لو سمحتوا يا جماعة متتريقوش عليا. أنا مش عاجبني إنها تفضل في بيت عمها ده كتير."
أمل مؤكدة لكلام ابنها: "ولا أنا والله."
سالم: "طب هتعيشها فين؟ أكيد هي عايزة تعيش في شقة لوحدها."
أمير: "لأ يا بابا، سارة مفتقدة جو الأسرة الحنينة. بيتنا هيعوضها."
سالم بتساؤل: "هي موافقة؟"
أمير يومأ برأسه تأكيداً: "جداً يا بابا."
سالم: "خلاص نبقى نروح نتكلم مع بيت عمها بعدين عن تعجيل الجوازة."
أمير: "مش بعدين يا بابا، بكرة لو سمحت."
أمل: "ليه الاستعجال ده يا ابني!"
أمير: "مش استعجال يا ماما، أنا مش مرتاح وهي هناك."
…….
ترجل رضوان من سيارة يوسف التي أخذها بسبب أنه ترك سيارته بالشركة. صعد السلم الرخامي وقرع الجرس بتثاقل. فتحت له الست فاطمة، وكانت أميمة وأروى خلفها.
أروى؟! ضيق عينه باستغراب لرؤية أروى. ماذا جاء بها لهنا؟ ولم لم تستأذنه بالخروج! نفض عن رأسه وهتف بسره: "يمكن أمها طلبتها أما قلقت ولا حاجة."
أميمة بذعر: "في إيه يا رضوان، طمنيني. يوسف والبنات فين؟"
رضوان مطمئناً: "متخافيش يا أمي بخير والله." ثم أكمل بكذب خوفاً عليها من الصدمة: "هايدي وقعت النهارده في الكلية ويوسف وسارة معاها هناك في المستشفى."
ضربت أميمة على صدرها بقوة وهي تهتف بخوف: "بنتي!" حاوطتها أروى من ظهرها: "متخافيش يا ماما.. خير يا حبيبتي."
اتجهت صوب الدرج وهتفت عالياً لرضوان: "استني يابني عشان تودينا."
رضوان متفهماً: "أنا مستنيكي اهو." ثم استدار بجسده لأروى والتي أشاحت بوجهها عنه: "معرفتنيش ليه إنك جاية؟!"
لم تجبه وظلت على وضعها. نفخ ضيقاً ثم هدر: "طب العيال نايمين هنا؟" اكتفت بإيماءة بسيطة. عقد مابين حاجباه، ولكن هذا ليس وقته.
نزلت أميمة سريعاً، بعد أن ارتدت ملابسها البسيطة السوداء، وتوجهوا ثلاثتهم للسيارة للذهاب للمستشفى.
…..….
يوم شاق طويل. من الطبيعي أن يحتاج الجسم والعقل للراحة. مالت برأسها على كتفه وهي جالسة بعد أن غلبها النوم. اعتدل بجلسته كي يقلل من أثر نومتها المتعبة. قلبه يدق كطبول الحرب. غفت على كتفه، جالسة بجواره وملامحها الجميلة المستكينة على يساره. للأمر مذاق آخر إذا كان برضاها. أنسته النيران الموقدة بصدره تجاه أخته بسبب فعلتها الشنيعة. لو يتوقف الزمن. ولكن.. لرضوان رأي آخر.
بعد أن قطع خلوتهم بصوته الجهوري وهو يهتف: "أنا جبت أروى وأمك معايا أهم."
انتفضت سارة من نومتها. زفرت ضيقاً من نفسها لأنها كانت نائمة على كتفه. أميمة وأروى من وراء رضوان.
أميمة بقلق: "طمنيني يا يوسف."
يوسف كالثور: "خبطتها عربية وجابوها على هنا وهي لسه بالعناية."
شهقت أميمة وأروى بنفس واحد. نظرت أميمة لرضوان: "أومال قولتلي وقعت بس ليه."
رضوان وهو يرمق يوسف بغضب: "مرضتش أخضك. قولت يوسف هيقوم باللازم."
**********
مر الوقت وصار الوضع مطمئناً بعد أن خرجت من العناية على خير. الجميع حولها باستثناء يوسف ورضوان. ونظرات القلق والخوف والشفقة ترتسم على سارة، فهي تعلم بالأمر، وأن يوسف لن يمررها على خير. أيضاً قامت أسرة أمير بزيارتها بالمستشفى وقرروا تأجيل الحديث بأمر الزواج. حان ميعاد الرحيل ومغادرة المستشفى بعد أن صارت بخير وستكمل معالجتها في المنزل. وأخيراً جاء يوسف كي يأخذها بسيارته. بعد أن حملها ودلفها للسيارة بعناية. مال على أذنها، تمتم بوعيد: "أوعي تفكري اللي حصل أنا هعديه بالساهل. أنا لو مكانك أتمنى الموت ألف مرة يا و×××.."
صراخ مستمر بغرفة هايدي. ضرب مدوي صوته يصدح بأرجاء المنزل الكبير. باب مغلق بإحكام. الجميع بالخارج يضربون الباب بقوتهم. سارة، أروى، أميمة، ورضوان.
أميمة: "افتح يابني هتموت في إيدك."
رضوان: "افتح يا يوسف، الموضوع مش هيتحل كده بطل فضايح."
سارة: "حرام عليك، رجلها وذراعها مكسورين هتموتها بضربك ده."
بالداخل يوسف بعد أن أنهى ضربه وكب غضبه بها. ممسكاً بشعرها بغضب: "قوليلي مين الـ×× اللي عملتي معاه كده يا..."
نطقت باسمه من وسط تأوهاتها. اسمه جمال المصري. أكمل وهو يضربها ببطنها: "ساكن فين؟"
"ساكن في..."
يوسف: "هاتي الورقة العرفي اللي كتباها معاه."
بصوت يملؤه النحيب: "الورقتين معاه."
أخذ يصفعها على وجهها بشدة: "كمان! يعني رخصتينا ورخصتي نفسك وسيباله الورقتين كمان."
دفعها بقدمه.
رضوان: "الواد ده انت تجيبهولي من تحت الأرض." وأعطاه اسمه وعنوانه.
أما عند هايدي، أروى وسارة يجلسون أرضاً لتطييبها ومحاولة تهدئتها. أما أميمة فتضاربت مشاعرها. مصدومة من أخلاق ابنتها وكذلك تشفق عليها وتتمنى احتضانها. ولكن شعور الأم دائما هو الغالب. اقتربت منها وقامت باحتضانها ببعض كلمات العتاب واللوم.
………
جاء من خلفها لم تنتبه له.
رضوان: "يالا يا أروى بقى، هاتي العيال ويالا نروح."
أروى: "أروح فين؟"
رضوان هز رأسه بعدم فهم: "هو إيه اللي فين؟ بيتنا. انتي بقالك مدة قاعدة هنا ولا معبراني."
أروى: "انت مش حاسس إن أنا متغيرة معاك؟"
رضوان: "لأ طبعاً حاسس وملاحظ. عشان كده بقولك يالا ع بيتنا نتفاهم هناك."
أروى بنبرة ثابتة: "طلقني."
رواية ابن عمي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم وحيدة كالقمر
جاء من خلفها لم تنتبه له.
رضوان: ياللا يا أروي بقي، هاتي العيال وياللا نروح.
أروي: أروح فين؟
رضوان: (هز رأسه بعدم فهم) هو أي اللي فين؟ بيتنا. انتي بقالك مدة قاعدة هنا ولا معبراني.
أروي: انت مش حاسس إن أنا متغيرة معاك؟
رضوان: لا طبعًا حاسس وملاحظ. عشان كده بقولك ياللا ع بيتنا نتفاهم هناك.
أروي: (بنبرة ثابتة) طلقني.
رضوان: (كأنه وقع على أذنه) أخذ يهز رأسه بعدم فهم ثم هتف: بتقولي إيه؟
أروي: (بصوت مبحوح متثاقل) بقولك طلقني.
عقد حاجباه بغضب وهدر بها: انتي لسعتي ولا حد خبطك على نافوخك؟ أنا مش فاهم حاجة.
أروي: بالعكس يارضوان، دانا يمكن عقلت. طلقني ياابن عمتي وبلاش فضايح.
كور قبضته بغضب واقترب منها حتى تلاشت بينهم كل المسافات.
تحدث بعنف وهو يشيح بقبضته غضباً: هو ف إيه بالظبط؟ ماتتعدلي أحسنلك.
أروي: (لم تهتز من نبرته وظلت على موقفها) مش عارفه مين فينا اللي يتعدل. أنا اللي عايشة ف دور القديسة وأنا أساساً حقير و... (كلمة غير مفهومة) ليك ف الحرام.
أول مرة في حياته وعشرته مع زوجته تتطاول عليه بهذا الشكل. لم يدرك نفسه غير وهو يصفعها.
ثم جذبها من ذراعها ودخل بها غرفة من ضمن الغرف بالدور الأول بالمنزل، ثم أغلق الباب عليهم.
وضعت كفها مكان الصفعة. رمقته بغل، ثم هدرت بأعلى صوتها: أنا سمعتكو. سمعتك وانت معاها وانت بتسمعها كلام بقالك سنين مسمعتهوليش. وسمعتها.. سمعت منك كل حاجة.
أحس بالدوار يتملك رأسه، تسارعت انفاسه.
ارتمي بجسده على الأريكة.
وأكملت هي كالطير الدبيح: معرفش تلفونك اتفتح بالغلط ولا هي اللي قاصدة تتصل وتسمعني وتوريني وساختك وحقيقتك.
"أنا آسف"، قالها رضوان بعيون راجية.
بعد أن أمسكت بمزهرية موضوعة على المنضدة وكسرتها أرضاً: آسف دي تقولهالي لما تتأخر برة. لما تكسر لي طقم فناجين كنت بحبه. إنما تخوني ده إيه البجاحة دي يااخي!!
ثم تتابع بصراخ: ياخسارة العمر اللي ضيعته عليك.
رضوان: (يحاول الاقتراب منها واستعطافها) ياأروى وحياة عيالي ماحصل بينا حاجة. أنا كنت مغيب ساعتها ومش حاسس بأي حاجة خالص. أنا قلبي طول الوقت معاك عمره ماخانك.
أروي: (بصراخ سمعه من بالمنزل) متحلفش بولادي. أنا مش عارفه لما انت كده مخنتنيش اومال الخيانة عندك تبقي إزاي.
فتح يوسف الباب أثر سماعه لصراخ أخته وتبعته أمه.
يوسف: (وهو يوزع نظراته بين أخته ورضوان) ف إيه؟
ارتمت أروي بحضنه باكية وهتفت بنحيب: طلقني منه يايوسف.
أميمة: (وهي تضرب على صدرها بخفة) يالهووى.. إيه اللي بتقوليه ده يا أروي.
يوسف: (مهدئاً لها وهو يمسد على ظهرها) اهدي وفهمينا ف إيه.
بصراخ يغلبه النحيب: الأستاذ بيخوني. طلقني منه ياايوسف.
يوسف: (ببلاهة) مين ده؟ بتكلمي ع مين.
أميمة: صحيح الكلام ده يارضوان؟
رضوان: (بحرج وهو ينزح العرق عن جبينه بتوتر) لا مش صح. أنا معملتش حاجة.
أروي: وكمان ليك عين تكدب.
رضوان: أنا مبكدبش والله، أنا معملتش معاها حاجة.
شهقت أميمة واتسعت عينا يوسف بصدمة.
......
فترة من النحيب والصدمة وبعض من تبريرات رضوان واعتذاره.
......
فترة من النحيب والصدمة وبعض من تبريرات رضوان واعتذاره.
يوسف: روح انت دلوقتي يارضوان وبعدين نبقي نتكلم.
رضوان: (وقد استسلم للوضع) ف أي حل سيكون مريح بالنسبة له. إلا الطلاق. لا يمكنه العيش بدونها. أساساً مجرد التخيل مرفوض.
اتجه صوب الباب والأعين مصوبة عليه.
استدار ليخاطبها بنبرة شجن: أنا سيبك بس عشان تهدي أعصابك شوية. مفيش طلاق هيحصل.
ثم تابع بحزن: خلي بالك من نفسك ومن العيال.
وصفق الباب خلفه.
.....
شاهدته من نافذتها. منكس الرأس يبدو عليه الإرهاق والتعب.
لثوان تأثرت بحالته قليلاً. ولكن هتفت بشماتة: وهو صعبان عليا ليه! يستاهل كل اللي بيحصله ده.
زفرت ضيقاً على حالته وهتفت: أنا مش متعودة أشوفه مكسور كده.
نفضت عن رأسها فكرة التعاطف معه. أغلقت النافذة سريعاً وقررت التوجه لغرفة هايدي للاطمئنان عليها.
~~
بعد مرور أسبوع.
من أمام كلية التجارة. تقف سارة مع صديقتها رغد. يتفحصون سويا ورق المحاضرات.
تراه من بعيد بطلته المرحة وابتسامته العذبة يأتي وبيده حقيبة سوداء يضع بها ملازم وأوراقه.
تسير صوبه بخطي سريعة. اتسعت ابتسامته فور رؤيتها.
تبادلا السلام سويا.
أمير: (بلهفة) وحشتيني.
سارة: (بخجل) وانت كمان.
أمير: تعالي نقعد في الكافتريا. ولا أقولك إيه رأيك نتغدى بره؟
سارة: (بحزن) مينفعش. أروي وهايدي والبيت على آخره. المفروض أكون جمبهم.
أمير: طب واخرتها؟ أنا زهقت مبقتش أشوفك إلا صدفة. حتى مكالمتنا بقت شبه معدومة.
سارة: معلش بكرة الأمور هتظبط.
أمير: أول الأمور ماتظبط هاجي أتكلم مع أهلك في الجواز.
تورّدت وجنتاها خجلاً ونظرت للاسفل.
ضحك من خجلها: طب ياللا نروح نقعد في الكافتريا شوية.
……
كتم ضحكته حينما دخل عليه رضوان في مكتبه. ملابسه غير مرتبة وذقنه التي نمت بشكل ملحوظ وبالأساس رضوان لم يكن من أصحاب اللحى. فأروى كانت تتضايق من لحيته إذا نمت قليلاً.
جلس بقوة على الكرسي المقابل ليوسف وهو يزفر غضباً منه.
رضوان: (بغضب) انت بتضحك ليه؟
يوسف: (لم يستطع كبح ضحكته أكثر من ذلك وترك لها العنان) شكلك يهلك م الضحك. (وتعالت قهقهته)
رضوان: (تجهمت ملامحه) اتلم يايوسف أحسنلك. ده بدل ما تعقل أختك.
يوسف: أعقلها إيه؟ واحدة عرفت إن جوزها بيخونها. تعمل إيه؟ صدقني اللي أروي عملته ده الطبيعي.
ثم أكمل بسماجة وسخرية: طلقها يارضوان.
رضوان: طلقة في نافوخك ونافوخها. ده مش هيحصل إلا على جثتي.
قهقه يوسف: يابني لما انت مش قد البعد، بتتنيل تلعب بديلك ليه؟ أصلاً أروى لو عرفت إني بكلمك هتقتلني.
رضوان: والله ما لعبت. أنا لحقت نفسي. انت عارفني يايوسف.
يوسف: (باستهزاء) أعرف إيه بقى؟ دانا كنت عاملك قدوة أحتدي بيها. طلعت مدورها من ورايا.
رضوان: (بنفاذ صبر) وأهو أنا هخلص منك النهاردة. نستني كنت جايلك ليه أصلاً.
اعتدل يوسف بجلسته وضيق عينيه. تقريباً فهم سبب مجيء رضوان.
يوسف: إيه؟ لقيتوه؟
يوسف: (بعد أن نهض بعنف من كرسيه واستدار لرضوان) طب يللا بينا نروحله.
…
بمخزن بالمقطم في القاهرة. حيث يقف ثلاثة من الرجال يرتدون حلي سوداء ولكنهم ليسوا برجال عاديين فهيئتهم كالجنود. يحرسون المكان.
ترجل يوسف بعد أن صف سيارته بغضب جنوني وتبعه رضوان.
اعتدل الرجال بوقفتهم فور رؤيته. لم يهتم بهم.
دفع الباب بكل قوة.
انتفض على أثرها الجالس المكبّل الملثم. "جمال".
أخذ يهز برأسه استنكاراً ويصدر أصواتاً يريد الكلام ولكن فمه ملثم.
يوسف: (بلهجة جافة) اطلع اقف برة مع الرجالة.
كاد رضوان أن يعترض لولا إشارة يوسف له، فغادر المخزن على مضض.
أما عن يوسف.. خلع جاكيته ببطء. فتح أزرار قميصه العلوية ولم يرتدي تحته شيئاً. ثم فك ساعته الغالية وألقاها جانباً بإهمال وشمر عن ساعديه.
هتف بصوت حاد مرعب: اديني سبب واحد يخليني مقتلكش دلوقتي!!
قالها وهو ينزع عنه كمامة فمه بعنف.
تأوه هو بشدة من نزعها.
ضحك ضحكة مخيفة: انت سوسو بقى وأقل حاجة بتوجعك.
استمر بهز رأسه وسارت الرعشة بجسده بشكل واضح.
يوسف: (يلكمه على فمه) بتضحك على بنات الناس وترميهم ياو... (لفظ بأقبح الألفاظ).
لم يعطه فرصة بالحديث. كلما حاول التفوه بكلمة تأتيه لكمة سريعة من يوسف تخرسه.
استمر في ضربه بعد أن فك رباطه فترة ليست بقليلة، فالمعادلة بين يوسف وجمال غير عادلة. فاختلاف الطول والحجم بينهم واضح.
هتف بصوت يشبه الفحيح بعد أن مال على جسده الملقي أرضاً والمغطي بالدماء والكدمات نتيجة الضرب: اعمل حسابك إن بكرة هتكتب كتابك على أختي يا حقير.
ثم بصق عليه ورمقه باحتقار.
تحدث قليلاً مع رجاله بالخارج. ثم أخذ سيارته هو ورضوان وغادرا المكان كله.
…
ليلاً…
بعد أن دلف والشرر يتطاير من عينيه، وجد أروي وأمه مشغولون بالأطفال يجلسون معهم أمام التلفاز.
رأته أروي. أشارت له بالمجيء. ولكن أشار على رأسه بأنامله "فيما معناه بأنه متعب".
أكمل صعوده حتى وصل لغرفة هايدي وفتحها دون استئذان. كانت سارة تجلس معها. فهي يومياً بهذا التوقيت تجلس معها.
فتح الباب على مصراعيه. انتفضت سارة وهايدي من مكانهما.
ظل واقفاً على الباب يرمق هايدي بغضب واحتقار.
ثم هتف بغضب وهو يشير بسبابته لأخته: "اعملي حسابك إن الحيوان اللي كنتي ماشية معاه هيجي بكرة يكتب عليكي".
اتسعت حدقتاهما بصدمة بينما نطقت سارة من وسط ذهولها: "مش معقول انت هتجوزها للزفت ده!!"
لم يعيرها اهتمام وهتف دون النظر إليها: "ملكيش دعوة انتي!"
هتفت هايدي باستسلام: اللي تشوفه. (فليس بيدها حيلة).
اقتربت منه سارة بانفعال: "ده مش ممكن يحصل."
هتفها ببرود وهو يحاول التحكم بأعصابه: "أنا بحل الموضوع المفروض انتي وال... (كلمة غير مفهومة) تشكروني."
"لما هي ... (كلمة غير مفهومة) اومال انت تبقي إيه؟" هتفت بها سريعاً.
لم تنتبه لما قالته غير بتبديل ملامح وجهه وتجهمه.
وضعت هايدي يدها على فمها وأصرت السكوت. فوضعها لا يحتمل أي صفعة زائدة من كف يوسف.
انعقد حاجباه وتقلصت المسافة بينهما وهو يجذبها من رسغها بعنف.
خرج بها من غرفة شقيقته وأغلق الباب.
ثم توجه بخطوات غاضبة مستقيمة صوب غرفته.
كانت تتلوى بين يديه تحاول التحدث ولكنه قاطعها بتكميم فمها بكفها.
حتى دلف لغرفته دفعها بكل قوته. ارتدت للخلف بقوة وسقطت أرضاً.
أغلق الباب بالمفتاح.
ثم نظر صوبها بغضب وقد ارتسمت على ملامحها الرعب، وبالذات بعد أن رأته يخلع حزامه عن بنطاله.
أمسكها من ذراعها حتى صارت بمستواه.
حاوطها من خصرها بعد أن التصقت به. هدر بها: "أنا ملاحظ إن صوتك وكلامك وبصاتك اتغيرت بعد موضوع هايدي. لو انتي فاكرة إن ممكن اتهد وانك تشمتي فيا تبقي غلطانة."
قابلته بنظرات خوف. حاولت فك يديه وأصابعه التي غرزت بخصرها.
هتف بثقة وعيناه مصوبة على عينيها: "أنا مش زي أي حد." ويداه تسير على شعرها. "أنا من يوم ماشوفتك وأنا عايزك. كده كده هنتجوز يعني مش بلعب بيكي. دنتي اللي مأخرة الجواز. واديني اعترفتلك أهو."
أنفاسه الحارة تلفح وجنتها. وابعدت قليلاً عنه بوجهها: "ده نجوم السما أقربلك. أنا بحب أمير وهتجوزه."
أخرسها بقبلة عنيفة. يعبر بها عن غضبه، عن غيرته، وعن حبه.
حاولت التخلص من قبلته. أحس هو بطعم الدماء بفمه.
ابتعد عنها قليلاً وهو يحاول التنفس. وايضاً يتركها لتلتقط أنفاسها.
"اللعنة.. شفتاها المكتنزتين تغريانه."
أخذ يقبلها ثانية عدة قبلات حتى غاب بها عن الوعي.
لم يفق غير بصفعة مدوية منها وهي تلعنه بأشد السباب.
هرولت سريعاً خارج الغرفة.
مازال على وقفته بمنتصف الغرفة. يحاول استيعاب ما حدث.
أمامها ومعها لا يستطيع التحكم بمشاعره.
مسح بكفه مؤخرة رأسه. ثم ارتمي بثقله على الفراش. محاولا وجود قليل من الراحة.
كنت عند الدكتور……
رواية ابن عمي الفصل السادس عشر 16 - بقلم وحيدة كالقمر
أروى بغرفتها مع رضوان يسترضيها.
أميمه أخذت هايدي لغرفتها كي تواسيها بعد ما شاهدته الأيام السابقة من عناء وتعب نفسي وجسدي.
أصبح الجو رواق وهم بمفردهم.
بالأساس كانت شارده، فالأحداث كانت سريعة وغريبة عليها.
انتفضت بوقفتها بعد أن مال علي أذنها.
قال لها بغرور: "سرحانه فيا".
استقامت بوقفتها ونفخت ضيقاً منه.
قالت: "أنا بعيدة عنك، أبعد من النجوم".
استدار حولها وهو يهتف بفحيح: "متهيألك، دانا أقربلك من شعرك".
قال كلماته وهو ممسك به من الخلف.
نزعته من يده بغضب.
بدأت تسير بغضب صوب غرفتها.
اعترضها بجسده.
قال: "أنا مش هصبر عليكي أكتر من كده".
رفعت رأسها بشموخ.
قالت: "محدش قالك تصبر، بكرة أتجوز ومتضطرش إنك تصبر أصلاً".
احتقن وجهه وأصر على أسنانه.
رمشت بعينها عدة مرات.
جربت غضبه سابقاً، وبالتأكيد لا تريد تجربته ثانية.
مرت من جانبه بعجالة صوب غرفتها وصفقت الباب سريعاً، قبل أن تتطور الأمور بينهم.
ظل مكانه ينظر مكانها بالفراغ.
بحركة عنيفة غاضبة مسح على رأسه بكفه، ثم استدار وشرع بالذهاب لغرفته.
***
يمر الوقت سريعاً، وتتبدل الفصول معلنة عن بدء الشتاء.
الجو ملبد بالغيوم والسماء مليئة بالسحب الرمادية.
يبدو أنها ستمطر اليوم.
ستمطر على قلوب المحبين لتزيدهم عشقا، وتمطر على قلوب الكارهين والحاقدين لتذيب أحقادهم وغلهم، وتجبر بخاطر الموجوعين وتطيب أوجاعهم.
فكل أوجاع ومساوئ الصيف يمحوه مطر الشتاء.
بمنزل يوسف.
لا شك وأن الفترة الماضية كانت صعبة عليه وعلى أهل بيته، ولكن دوام الحال من المحال.
حل مشاكل أختيه سريعاً.
كيف لا يحلها وهو قبل أن يكون الأخ، هو الأب والسند والحماية.
نعم هو مستاء من أخته، ولكن حان وقت الصفح لنبدأ معاً من جديد.
لن يتركها بعد ما حدث بمفردها، ستبقى تحت عينيه.
أما القريبة البعيدة، فهي تحتل قلبه وترتاح به.
لا تعلم بمدى عشقه.
هي رأت غضبه، رأت جنونه، وللأسف رأت انتقامه.
مهلاً ياصغيرتي، فأنا الآن حللت مشاكلي وفرغت لكي.
لن تدوم الحرب بيننا طويلاً، لنحذف الراء من الحرب ونعيش الحب.
ولكن أولاً، فلنزيح هذا الكريه البغيض من طريقنا.
خرج من غرفته، مغلقاً للباب بإحكام.
ثم أخذ يغلق أزرار قميصه المفتوحة وهو يتوجه صوب غرفة شقيقته هايدي.
قرع بابها عدة مرات دون رد.
فتح الباب بخفة ووجدها نائمة.
خبط على كتفها بلطف.
فتحت عينيها بتثاقل.
انتفضت من مكانها بذعر فور رؤيته.
زفر ضيقاً منها.
قال: "قومي اغسلي وشك وانزليلي تحت".
لم ينتظر ردها.
تركها وسط ذهولها.
قامت فزعة من مكانها قاصدة المرحاض لكي تغتسل وتقابله بالأسفل.
دقائق بسيطة وكانت أمامه.
يجلس هو ببرود ممسكاً بكوب الشاي خاصته.
ارتشف منه ثم هتف بجمود: "اقعدي".
جلست بجواره منكسة رأسها بخجل وخوف.
يوسف: اعتدل بجسده لها.
طال بنظره لها كثيراً، ثم تنهد طويلاً.
قال: "أنتي عارفه انتي مش أختي الصغيرة، عمري ما عاملتك ع إنك أختي الصغيرة، كنت بعتبرك بنتي، ويوم ما جيتي تكافئيني قطمتي ضهري".
انهمرت في البكاء، كلامه يجرحها ويهينها.
زفر ضيقاً ثم هدر: "من هنا ورايح أنا اللي هاخد بالي منك ومن خروجك ورجوعك وكمان لبسك".
رفعت بصرها إليه راجية.
قالت: "سامحني يايوسف".
أشاح ببصره عنها.
قال: "مش لدرجة إني أسامحك دلوقتي، السماح هيجي مع الوقت".
قال: "10 دقايق بالكتير وتكوني جاهزة عشان أوصلك للكلية واعملي حسابك إن هعينلك سواق بعربية مخصوصة يوصلك ويجيبك".
انفرجت أساريرها، فهي تعلم طيبة قلب أخيها.
هذا يعني أنه سامحها.
نهضت من مكانها بفرحة ثم هتفت وهي تركض على الدرج: "ثواني وأكون قدامك".
هز رأسه بيأس من تصرفاتها.
قال: "هتفضل هبلة زي ماهي مش هتتغير".
في مبنى كلية التجارة.
أمير بتساؤل: "لسه وراكي محاضرات تانية؟"
سارة تهز رأسها نفياً.
قالت: "لا خلصت".
أمير: "طب اعملي حسابك هنتغدا سوا النهارده".
سارة: "لا مينفعش النهارده، أنا مستأذنتش من حد".
أمير وقد احتد صوته قليلاً.
قال: "انتي بتتهربي مني ليه؟"
سارة تنفي بتأكيد.
قالت: "لا وحيات ربنا، بس فعلاً مش هينفع غير لما أستأذنهم في البيت".
أمير بنفاذ صبر.
قال: "واخرتها!!"
اكتفت بهز كتفها ولوت فمها دليل على عدم المعرفة.
أمير بغضب.
قال: "أنا هاجي أتكلم مع يوسف بكرة عن ميعاد كتب الكتاب وده آخر كلام".
قال: "خلاص".
تصاعدت أنفاسها شيئاً فشيئاً.
هتفت بتوتر: "طب اتكلم مع أبيه رضوان أحسن".
ضيق عينيه بتساؤل.
قال: "اشمعنى؟"
سارة: "عادي يعني، أصل يوسف مش هتعرف تتكلم معاه كلمتين على بعض".
امتعض وجهه وقال: "خلاص كلمي رضوان عشان أكلمه النهارده، أنا زهقت من الانتظار".
قال: "متروحيش، استني هخلص السيكشن بسرعة وأجي أوصلك".
أمسكت بهاتفها وضغطت عدة مرات ثم رفعت الهاتف على أذنها بتوجس.
لحظات وجاءها صوت رضوان.
سارة برقة: "الو".
رضوان: "إيه ده سارة بذاتها بتكلمني".
ثم أكمل بمرح: "ياادي الهنا".
ضحكت سارة بعذوبة من طريقته.
قالت: "ازيك يا أبيه".
رضوان: "الحمد لله ياحبيبتي، انتي عاملة إيه؟"
سارة: "الحمد لله".
ثم تلجلجت قليلاً.
قالت: "اا.. كنت عايزة حضرتك في موضوع كده".
رضوان بحزن مصطنع: "يعني المكالمة دي مش عشاني؟ أنا قولت أكيد وراكي مصلحة".
هتفت بحرج: "لا والله يا أبيه بس".
قاطعها بمداعبة خفيفة.
قال: "بس إيه بقي، ما خلاص عرفتك على حقيقتك".
قهقهت من قلبها على حديثه.
رضوان يعتبر من الشخصيات السهل دخولها إلى القلب، مرح خفيف الظل يتحمل المسؤولية منذ صغره وأيضاً جذاب، فبالرغم من إتمامه السبع والثلاثون عاماً إلا أنه مازال محتفظاً بجسده المشدود.
تابع رضوان بمحبة.
قال: "قولي ياحبيبتي، عايزة إيه؟"
تنحنحت بحرج ثم هتفت.
قالت: "أمير عايز يقابلك عشان يحدد كتب الكتاب".
رضوان وقد أبدى ذهوله.
قال: "يكلمني أنا؟"
ثم أردف: "تمام ماشي هييجي إمتى؟"
قالت بتهذيب: "حضرتك فاضي إمتى؟"
بـ خفته المعهودة.
قالت: "حضرتي فاضي في الوقت اللي تحبيه، النهارده بالليل لو عايزة".
قال: "تمام يا أبيه هخليه يجي يتكلم مع حضرتك".
ليفاجئها برده.
قال: "يجيلي فين؟ خليه يجي على بيت عمك، عشان أقعد معاه أنا ويوسف".
انكمشت ملامحها عبوساً وتمتمت بخفوت.
قالت: "مينفعش حضرتك اللي تقابله بس!!"
أجابها بتأكيد.
قال: "لا طبعاً، ميصحش ياسو، لازم يوسف يكون موجود قبلي، متنسيش إنك في بيته وتقريباً هو اللي مسؤول عنك".
تغيرت نبرتها حزناً.
قالت: "خلاص ماشي يا أبيه، هعرفه".
لاحظ رضوان تبدل نبرتها ولكنه لم يهتم كثيراً.
أنهى الاتصال بسلام لحين لقائهم مساءً.
استندت بظهرها على الحائط المجاور لها، وضعت كتبها جانباً أرضاً.
أخذت تمسح بكفيها وجهها كله بحركات مستمرة.
كعادتها حين تشعر بالخوف والانقباض من أي شيء.
وضعت كفها على قلبها وبخفة ضربت عليه وهي تردد: "خير.. خير.. خيير".
في مكتب يوسف.
كان يجلس على كرسيه أمام مكتبه، يتمعن في الأوراق التي أمامه.
قرع الباب بلطف، فأذن بالدخول.
كان صديقه أحمد الدالي.
تفحصه يوسف قليلاً بعينين ضيقة.
يوسف: "خير، مالك قالب وشك ليه؟"
أحمد بعد أن جلس مقابل ليوسف.
تحدث بعبوس.
قال: "جدي تعبان، نفسي أشوفه أوي".
يوسف بلامبالاة.
قال: "طب ماتشوفه".
وقد ضاق ذرعاً بالفعل.
هتفه بانفعال: "انت غبي يالا، منتا عارف إن العيلة كلها مقاطعاني من ساعة ما اتجوزت إنجي".
يوسف ببرود.
قال: "بسيطة، قولهم إنك طلقتها ورميتها رمية الكلاب".
أحمد: "وانت مفكرها سهلة كده، أخباري كلها عندهم أول بأول، يعني أكيد عارفين اللي فيها، وهيشمتوا فيا لو شافوني".
يوسف بتشفي.
قال: "أحسن تستاهل".
تنفس أحمد غضباً منه.
قال: "أنا غلطان إني جيتلك وكنت فاكرك هتحلهالي".
رفع يوسف حاجبيه واللمعت عيناه بفكرة.
قال: "طب واللي يحللك الليلة دي؟"
أحمد: "دانا أبوسه من بوقه".
يوسف وقد امتعضت ملامحه.
قال: "يع.. لا شكراً يا أخويا بلا ارف".
قال: "حلك الوحيد إنك تجوز واحدة كويسة بنت ناس تبقى أنت الراجل معاها وأودامها، وهما أما يشوفوا إن ابنهم بقى راجل مش دلدول الست، الأمور كلها هتتعدل".
أحمد بنبرة حادة وهو يشير بسبابته تجاه صدره.
قال: "أنا مش راجل".
يوسف ببرود.
قال: "آه، أنت أودام إنجي مكنتش راجل، وعشان كده ركبتك".
انتفض من مكانه والغضب يتطاير من عينه.
كور قبضته حتى ابيضت من غضبه.
أزاح الكرسي بقدمه ورمقه بملامح نارية وخرج هو يسبه بأقبح الألفاظ.
يوسف وقد ارتفعت حاجبيه بذهول وهتف ببروده المميت.
قال: "هو ماله زعل ليه؟"
قال: "لا ياشيخ، زعل ليه، يكونش عشان أنت حلوف مثلاً؟"
اعتدل على كرسيه كأن شيئاً لم يكن، ثم عاد النظر للأوراق أمامه ثانية.
ترجلت من سيارة أمير بعد أن قام بتوصيلها للمنزل، وأخبرته بتحديد الميعاد اليوم في منزل عمها.
دلفت إلى المنزل.
وخزة القلب مازالت كما هي، لا بل زادت كثيراً.
أي مصيبة ستحدث؟
نفضت عن رأسها هواجسها وخوفها.
هتفت لنفسها: "لعل الله يتمم أموري بخير، أتمنى".
بحثت بعينها عن زوجة عمها كي تحدثها بشأن الليلة ومجيء أمير.
سمعت صوت ارتطام بالمطبخ ومياه مفتوحة.
علمت بوجودها هناك.
وضعت حقيبتها وكتبها جانباً على المنضدة ثم توجهت صوب المطبخ.
هتفت بمكر كي تكسبها في صفها: "الله الله، ريحة الأكل تجنن".
أميمة مثلها مثل أي امرأة، تحب وتعشق من يمجد بطهيها.
أميمة بفخر وهي تمسك بالمغرفة الكبيرة.
قالت: "كل اللي بيدخل بيتي وياكل من أكلي لازم يقولي كده".
وضحت بتباهي.
سارة بتأكيد وهي تومئ.
قالت: "طبعاً طبعاً، وأنا أشهد بكده".
أميمة وهي تشيح لها.
قالت: "طب يالا اطلعي غيري وارتاحي شوية عقبال ما يوسف وهايدي يرجعوا".
قالت: "أيوة يوسف خدها معاه بوصلها للكلية، ربنا يهديهم الاتنين يارب".
قالتها بنبرة عادية.
هتفت بنية صادقة.
قالت: "اامين".
استندت بكفها على ظهر الكرسي الموجود بالمطبخ ثم نظفت حلقها بحرج.
قالت: "طنط أنا كنت عايزة أقولك، إن أمير عايز يجي النهارده يكلم مع يوسف".
كانت أميمة مولية ظهرها لسارة، حين سمعت اسم أمير امتعض وجهها.
فهي لا تحبه.
ليس عيباً في أمير لا سمح الله، ولكن لمعرفتها بأمر ابنها فهو حقاً يحب سارة، ترى ذلك في نظراته في حديثه، حتى في انفعالاته عليها، يكفي الحالة التي رأته بها يوم خطبتها وكأنه تبدل، ليس ولدها الذي تعرفه.
قوست فمها بتهكم.
قالت: "خير، عايز إيه؟"
لاحظت سارة تغيرها.
تلاحظ على العموم تغيرها في أي وقت تذكر فيه سيرة أمير.
فركت أناملها بتوتر.
قالت: "تقريباً عايز يتكلم مع يوسف وأبيه رضوان عن تحديد كتب الكتاب".
وضعت المغرفة بقوة على الساند الرخامي.
تحدثت بتهكم.
قالت: "ماشي هقول ل يوسف، لما يجي".
هتفت بتوتر.
قالت: "طب عن إذنك يا طنط، هطلع أغير أنا".
غادرت المطبخ للأعلى تحت نظرات تهكم من أميمة.
"لازم يوسف ينهي الموضوع ده النهارده".
بمنزل رضوان.
دلف إلى منزله بعد أن فتح الباب بمفاتيحه الخاصة.
المنزل هادئ على غير العادة.
نطق بنبرة عالية.
قال: "ما أسكت الله لكما حسا، انتو فين؟"
خرجت أروى من غرفة نوم الصغار وعي تضحك من حديثه.
قالت: "إحنا اهو ياسيدي".
قالت: "بس هما ملبوخين باللاب الجديد وقاعدين ساكتين أودام الكارتون بتاعهم".
رضوان بمشاغبة.
قال: "يارب دايماً".
خلع عنه جاكيته وهو يتحدث.
قال: "الدنيا برة شكلها هتشتي".
أروى وهي تتحسس على كتفيها لتكتسب الدفء.
قالت: "آه شكلها، أنا سقعانة جدا".
تحدث.
قال غامزاً: "تعالي وأنا أدفيكي".
قذفته بالوسادة الصغيرة على وجهه ثم دلفت المطبخ وهي تضحك.
تحدث عالياً بعد أن تمدد بجسمه على الأريكة.
قال: "النهاردة أمير هيجي عند يوسف عشان يحددوا ميعاد كتب الكتاب".
ظهرت فجأة أمامه وبحزن.
قالت: "بجد؟ كان نفسي تتجوز أخويا أوي".
رضوان: "حرام عليكي البت نسمة وطيبة، عايزة ترميها في نار أخوكي".
ارتفع أحدى حاجبيه بتعجب.
قال: "لا والله".
قال غامزاً: "آه والله، أجي معاك؟"
رضوان: "هو فرح خالتك؟ لا طبعاً".
أروى بغضب.
قالت: "ماشي".
واتجهت للمطبخ ثانية.
وهي تدعو عالياً: "يارب الخطوبة تبوظ وتجوز أخويا".
رضوان ضاحكاً.
قال: "بس يابركة قال تجوز أخوكي قال، ده أمير برقته".
واستمر الشد والجذب بينهم طويلاً بمرح.
قرر المكوث بغرفته.
بعد أن أخبرته والدته بمجيء أمير وطلبت منه حل، إما أن يتركها وشأنها أو ينهي هذه الخطبة ويتزوجها هو.
بالأساس لا يوجد خيار آخر.
الزواج منها وفقط، شاءت أم أبت، لا مفر منه.
بدأها انتقام وهي واختيارها.
تنهيها بحب أو يكمل في انتقامه.
نظر لنفسه بالمرآة وتحدث.
قال: "أنا معلييش لوم، نبهت عليها وقولتلها تسيبه، بس هي اللي تمادت، تشرب بقى".
أما عند سارة، أخذت تدور في الغرفة.
لم تهدأ.
وكلما اقترب ميعاد مجيء أمير ينقبض قلبها أكثر.
جلست على طرف الفراش.
وهتفت بنفسها: "هيعمل إيه يعني؟ هيقعد يزعق شوية وبالأخير الموضوع هيعدي، كويس إن أبيه رضوان جاي".
"ياجميلة.. ما سيفعله اليوم.. صدقيني بأسوأ كوابيسك لن تريه".
مطر خفيف بالخارج.
عندما يسقطُ المطر تُزال الأصباغ عن الوجوه فيعود كل شيء لأصله دون خداع أو تصنع.
رضوان وسارة وأميمة يجلسون ببهو المنزل بانتظار أمير.
لحظات وأتى.
قرع الباب.
توجهت الست فاطمة للباب لتفتح له.
استقبلته أميمة مرحبة.
وسلم عليه رضوان واحتضنه.
وتبادل السلام مع خطيبته.
ثم توجهوا جميعهم إلى غرفة الصالون.
جلسوا قليلاً يتحدثون في أي شيء وعن كل شيء تقريباً في انتظار تشريف سموه.
يوسف.
أمير متأففاً.
قال: "هو يوسف مش نازل ولا إيه؟"
رضوان بحرج.
قال: "لا إزاي، يا أمي اندهيله استعجليه معلش".
تحركت أميمة من مكانها ببطء.
قالت: "حاضر، هطلع أستعجله".
جلس مقابلاً لأمير بعد أن ألقى عليه التحية بفتور وهز رأسه لرضوان محيياً له، متجاهلاً وجود سارة.
زفر يوسف بضيق ثم قال وهو يلوي ثغره.
قال: "ممممم، خيير، عاوزني ف إيه؟!!"
أمير بنبرة استهزاء وقد رفع حاجبيه.
قال: "إيه هو محدش قالك!! كنت عايز أحدد معاك ميعاد ل كتب الكتاب والفرح؟!"
يوسف بعد أن اقترب بجلسته للأمام مضيق عينه بتساؤل.
قال: "فرح مين لامؤاخذة؟!"
أمير بعد أن نفذ صبره رد بنبرة استهزاء.
قال: "إيه هو اللي فرح مين لامؤاخذة؟ اصحي معانا شوية يايوسف".
قال: "فرحي أنا وسارة".
رضوان بحرج.
قال: "إيه يا جماعة ماتصلوا ع النبي كده".
وما إن أنهى أمير حديثه.
صدرت ضحكة عالية مليئة بالاستهزاء من قبل يوسف.
واتجه ببصره نحو سارة ونظر لها نظرة ذات مغزى ثم قال بنبرة استهزاء.
قال: "إيه ياعروسة انتي هتجوزي بجد ولا إيه؟!!"
وأكمل ضحكته المستفزة.
سارة بعد أن فهمت ما يرمي إليه.
نظرت له بصدمة وأخذت تبتلع ريقها بصعوبة بالغة.
أمير مقاطعاً إياهم.
قال: "لو سمحت خلص وحدد ميعاد معايا عشان نخلص بقى".
ثم زفر بقوة ورمقه بنفاذ صبر.
يوسف: "ميعاد إيه بجد! أنتو بتتكلموا بجد ولا إيه؟!!"
رضوان وقد بدأ ينفذ صبره هو الآخر.
قال: "جري إيه يايوسف، ماتخلص بقي".
أمير: "هي المواضيع دي فيها هزار".
وقد علا صوته.
يوسف ببرود محدثاً سارة.
قال: "ها ياعروسة أقوله ولا تقولي انتي".
شعرت سارة بوجود غمامة في رأسها وقبضة في قلبها.
وأخذت تهز رأسها استنكاراً.
أخذا أمير ورضوان يوزعان نظراتهما على يوسف الذي كان يتحدث بتعال وثقة وعلى سارة التي أصابها التوتر وارتسم الخوف على ملامحها بشكل ملفت للنظر.
أمير: "تقولي إيه ف إيه؟!"
قالها بتساؤل.
يوسف بعد أن اعتدل في جلسته واضعاً ساقاً أعلى ساق وأسند بساعده على ذراع الأريكة.
قال: "هي العروسة مقالتلكش إنها..."
ثم صمت قليلاً.
قال: "مش بنت!!"
أمير بصدمة: "نععععم!!"
رضوان وقد اتسعت عيناه مما سمعه.
قال: "بتقول إيه يامجنون انت".
سارة بعد أن نهضت من مكانها واقتربت من أمير وأمسكت ذراعه وبصوت يملئه البكاء المكتوم.
قالت: "متصدقوش يا أمير متصدقوش ارجوك هو بيقول كده عشان منتجوزش".
يوسف وقد لوى فمه متصنعاً للحزن والتأثر.
قال: "أخس عليكي كده بردو بتكدبيني".
ثم تابع حديثه غامزاً بعينيه.
قال: "يعني تنكري اللي حصل بيني وبينك في أوضة السطوح اللي فوق واللي حصل في أوضتك".
سارة بعد أن خانتها دموعها وأخذت مجراها في الهطول.
وأخذت تهز رأسها رفضاً لكلامه واتجهت ببصرها إلى أمير.
وهي تضرب على صدرها بخفة محاولة لاستعطافه.
قالت: "عشان خاطري اسمعني أنا يا أمير م…."
أمير بعد أن قاطعها وقال بنبرة غضب ونظرات حادة موجهة نحوها.
قال: "هو سؤال واحد وعايز إجابته، الكلام اللي قاله ده حصل ولا محصلش؟!!"
قال: "جاوبيتي بكلمة واحدة أه أو لأ".
سارة وهي تلوح بيدها له كي تهدئه.
قالت: "اسمعني بس يا أمير".
مقاطعاً إياها بعنف.
قال: "أه أو لأ".
بصوت عالٍ واضعاً يده على ذراعها وأخذ يهزها.
دفع يوسف رضوان عنه وسار من مكانه بانفعال سريعاً.
أزاحها من طريقه فارتمت على الأريكة الموضوعة جانباً.
حتى صار مقابلاً لأمير وجهاً لوجه.
وقال له بنبرة حادة وهو يشد على ياقة قميصه.
قال: "كلامك معايا أنا وايدك دي مترفعهاش ع حريم بيتي أحسنلك……".
رواية ابن عمي الفصل السابع عشر 17 - بقلم وحيدة كالقمر
تعالى الصراخ بينهم وزاد الموقف سوء بحضور أميمة وتلتها هايدي.
أمير وهو يصرخ غضباً: "من أول مرة شوفتك وأنا مرتحتلكش، وسلختك ووقاحتك مرسومة على وشك."
يوسف: "لما أنا وأنتي إيه؟! بص لنفسك أول ما قولتلك عليها حاجة وشك اتغير، وصدقت أقولك أنا عايز أجوزها ليه؟!"
ثم اتجه بصراخه لابنة عمه، والتي بعد أن احتد النقاش وتعالت الأصوات أصابت بالدوار، وارتمت على الأريكة واضعة كفها على أذنها. لم يستمع لها أحد.
يوسف بعنف لسارة: "بقي هو ده اللي بتحبيه؟! هو ده اللي عايزة تجوزيه؟! ده زبالة ولا يسوى."
اقتطعه أمير بلكمة على جانب فمه.
أميمة بصراخ: "ابني!"
رضوان أمسك بيوسف بكل قوته وهتف لأمير بغضب: "امشي ي أمير دلوقتي لو سمحت." ثم صرخ أعلى: "امشي!"
هدر أمير بغضب: "همشي، بس ليا كلام تاني معاك ي رضوان." رمق سارة بعنف وهو يهز رأسه بيأس، ثم شرع بالذهاب سريعاً.
الوضع أصبح لا يحتمل! اشتعلت النار بمنزل الزيني.
رضوان وهو يمسك بخناقه: "أنا يا أخي مكنتش أعرف إنك كده، إزاي تقول اللي قولته ده؟"
يوسف ببجاحة: "أنا أعمل أي حاجة المهم متروحش لغيري."
رضوان: "أنت لو آخر واحد في الدنيا مش هتاخدها."
يوسف وقد اشتد غضبه أضعاف واظلمت عيناه: "ومين اللي هيمنعني عنها؟"
رضوان وهو يرمقه بتحدي: "أنا ي يوسف."
ضحك استهزاء من حديث رضوان ثم هتف بسماجة: "الحنية دي من امتى ي رضوان؟ نسيت إنك من سنة قولت بيتي وعيالي وبس، حتى مفكرتش تسأل عليها."
ثم هدر بجنون: "أنا اللي أستحقها، أنا اللي خدتها في بيتي وتحت حمايتي من الألف للياء، طلباتها مجابة، مصاريف، كلية، أكل شرب هدوم، أحدث آيفون جبته وخليت هايدي تديهولها كأنها اللي جايباهاله، ومستنتش كلمة شكر واحدة من حد. مكنتش ملزم بيها في الأول، بس دلوقتي ومن هنا ورايح بتاعتي."
ثم اقترب وهتف بفحيح لرضوان: "بتاعتي أنا وبس."
رضوان وهو يناظره باستحقار: "كلمتين أبرك من 100، سارة مش هتقعد في بيتك ده ثانية بعد انهارده."
يوسف بعد أن مسك بياقته: "ورحمة أبويا ماهي خارجة من بيتي ي رضوان، ووريني هتعمل إيه؟!"
صفعة من أميمة أخرسته، بعد ما كانت تقف مصدومة من ابنها وهيئته وحديثه وأيضاً حقارته.
"تمد إيدك على رضوان كمان يا واد أنت!!" وقد اتسعت عيناه واستشاط غضباً، ولكن بالأخير أمه!
لتكمل أميمة بصفعة أخرى على وجنته: "أنت اتفرعنت أوي ي يوسف، وأنا اللي فرعنتك." احتجزت بينهم ثم أشاحت بذراعيها لكليهما بنبرة آمرة: "سارة مش هتخرج من البيت."
رضوان بتذمر: "إيه اللي بتقوليه ده ي مرات خالي، أنتي مش شايفة الواد ده قال إيه."
التفتت بجسدها ليوسف وبنبرة جافة خالية من أي مشاعر: "أنت اللي هتمشي من البيت ي يوسف."
رفع حاجبيه بذهول وهتف بنبرة انكسار: "عايزة تخرجيني من بيتي ي ماما؟"
أميمة تصرخ بوجهه وقد اعتلى الغضب نبرتها وملامحها: "قصدك بيت حسام الزيني، اللي تعبت وشقيت عمري كله فيه، ملكش قعاد فيه، اطلع براااه."
رضوان وهو يرمقه بتشفّي: "هو ده أنسب حل ي مرات خالي، وأنا بإذن الله هاخد سارة عندي."
زمجر يوسف غضباً واحتدت نبرته: "رضواااان!"
أميمة بتحذير: "اخرس ي يوسف، واتفضل امشي."
كور قبضته بغضب واشتد على أسنانه، كاد أن يكسرهم من هيجانه. ضرب الجدار بقبضته عدة ضربات.
رمشت أميمة بذعر: "فغضب ابنها من الصعب بل من المستحيل السيطرة عليه."
هدر بصوت صادح اهتزت الجدران على أثره: "أنا هخرج بس ورحمة أبويا، أنا هتجوزها ومفيش أقصر من الأيام." سار بخطى غاضبة للخارج في محاولة فاشلة لكظم غيظه عنهم.
رمق بعضهما بيأس وحزن. أميمة الأم، أم أميمة صاحبة الحق، ورضوان أيضاً يشعر بتأنيب ضمير، فكل حرف نطق به يوسف صحيح. قد أخلى مسؤوليته منها تماماً، ووحده يوسف من حملها بأسوأ ظروف، ولكنّه مجنون وأيضاً غبي.
رضوان بقلة حيلة: "وبعدين، هنعمل إيه؟"
أميمة: "الله يخليك ي رضوان، أنا قلبي واكلني على يوسف، روح وراه كأنك أنت اللي رايح من نفسك، وابقى طمني."
رضوان بتهكم: "ده مستحيل، لازم يوسف يعرف إنه غلط ولازم يتعاقب يا أمي."
استدارت للأريكة وتوسطتها بوهن وهي تندب حالها وحال أبنائها. قليلاً من الوقت وغادر رضوان، بعد أن حاول تهدئة زوجة عمه، مقرر تأديب يوسف على فعلته.
بسرعة جنونية يقود سيارته، احتقن وجهه بالدماء، كل عروق جسمه بارزة، لم يحدد وجهته. يراها في كل شيء، خصلاتها الذهبية وهي تزيحها من على وجهها لتكشف عن زرقة البحر بعينيها التي غرق بهما عشقا، وشفتاها المكتنزة ووجنتيها. اللعنة يعشق كل ما فيها، أنفاسها، نبرة خوفها وقوتها المزيفة، واسمه منها حتى وإن نادته غيظاً أو غضباً.
يضرب على المقود بقبضته بقوة، زادت سرعته حد الجنون. "أنا لها وهي لي، وإن لم يكن سأقتلها."
أخذت نفس عميق لتدلف لداخل غرفة هايدي. سارة تبكي بانهيار في حضن هايدي.
أميمة جلست أمامهما بعد أن زفرت ضيقاً تحدثت: "أنا مش عارفة أهديكي يابنتي ولا أهدّي نفسي." مسحت على شعرها بحنان: "متزعليش يابنتي بالله عليكي، والله طردته من البيت عشان خاطرك."
لتزداد سارة بالبكاء وبنبرة يملؤها النحيب: "مشيني من هنا، أنا خلاص تعبت وعايزة أمشي."
اقتربت منها أكثر: "مش هتمشي من هنا، هتقعدي هنا في بيتك." تعالي صوت بكاؤها وهايدي تتعاطف وتشد عليها أقوى باحتضانها.
أميمة تسائلت بحرج: "قوليلي ي سارة، يوسف عمل معاكي حاجة أو غصبك على حاجة؟"
هزت سارة رأسها نفياً. وضعت أميمة كفها على صدرها وتمتمت بارتياح: "الحمد لله." تسائلت بتوجس ثانية: "طب كان بيضايقك؟!"
أومأت سارة برأسها إيجاباً وأخذت في البكاء أكثر وأكثر.
أميمة بعتاب: "طب مقولتليش ليه ي سارة وأنا كنت هتصرف."
لتردف سارة بصوت مليء بالنحيب: "م كنتيش هتصدقيني."
أميمة بلوم: "ليه كده يابنتي، شوفتي مني إيه يخليكي تشكي إني مش هقف معاكي." طبطبت على كتفها بحنو وتحدثت لهايدي: "خلي بنت عمك تنام معاكي الليلة دي."
هايدي اكتفت بالإيماء موافقة: "أساساً الموقف صعب، ماذا ستقول!!"
أميمة نهضت من مكانها بتثاقل وهتفت لهم: "أنا هقوم أصلي وأدعي ربنا يسترنا ويهدي الحال، وأنتم كمان يابنات قوموا صلوا."
أومأت هايدي برأسها: "حاضر يا ماما، ربنا يتقبل إن شاء الله."
مرت عدة دقائق. عند أميمة بغرفتها. جلست على سجادة الصلاة بعد أن أنهت صلاتها. ضمت يديها وقربتهما من وجهها داعية لله برجاء: "يارب اهديه يارب وحببها فيه، هي دي اللي هتصلح حاله وهتنسيه الحقد والغل اللي جواه."
صباح اليوم التالي. هدأ الجو قليلاً من عاصفة أمس. الطرقات مبتلة بفضل المطر، ولكن حركة السير كما هي، فكل له مصلحته ومدْرسَته وعمله و... والكثير.
يقف السائق الخاص بتوصيل هايدي للجامعة أمام المنزل بسيارته، يتأفف ضيقاً في نفسه من تأخرها. شاهدها تنزل بهدوء وروية من الدرج الرخامي الخارجي. دلفت السيارة بهدوء وألقت عليه الصباح.
السائق وهو ينظر لهايدي في مرآة السيارة: "إحنا قبل مانروح الجامعة، هنروح على الشركة عند يوسف بيه."
عقدت حاجبيها بتساؤل: "ليه؟!"
هو السائق كتفه وهو يلوّي ثغره بعدم معرفة: "معرفش، بس يوسف بيه قالي أوصلك ليه أول." وانطلقا بالسيارة قاصدين شركة الزيني.
بمنزل المستشار سالم الحوفي. يجلس أمير مع والديه. يجلس على طرف الكرسي منكسراً رأسه يستند بساعديه على ركبتيه. على يساره أمه تربت على ظهره تواسيه، وبالمقابل والده.
سالم: "أنا لازم أروح أكلم رضوان، إيه لعب عيال ده، لما هما مش عايزيننا من الأول بيرحبوا بينا ليه ووافقوا ع الخطوبة؟"
أمل: "لا تروح ولا تعيد ياسالم، كفاية أوي لحد كده، مش شايف ابنك عامل إزاي!!"
أمير مقاطعاً لهم: "لو سمحتوا، دي مشكلتي أنا وأنا اللي هحلها."
أمل بضيق: "تحل فيها إيه؟ جايلك إيه من وجع القلب ده؟"
سالم بتهكم: "يعني إيه مشكلتك؟ دي مشكلتنا معاك، هما مش عارفين مناسبين مين ولا إيه."
أمير بوعد: "يوسف، والله يا أنا يا هو، وعناده فيه هتجوزها عشان أحرق قلبه."
أمل: "ما يمكن يابني اللي قاله صح وفعلاً بينهم حاجة، أنت نسيت يوم قراية الفاتحة ساعة ما سابنا ومشي وكمان يوم الخطوبة."
أمير وظل يهز رأسه ويلوح بيده رفضاً: "لا ياما، مفيش بينهم حاجة، ده قال كده عشان يشككني فيها وبعد كده قلب عليا الترابيزة وإني أنا اللي وحش وإزاي أصدق وحوارات."
سالم منهياً للحديث: "عموماً أنا وأنت هنروح للي اسمه رضوان ده بالليل ونشوف هنعمل إيه في الموضوع ده."
أمل: "ربنا يعمل اللي فيه الصالح."
زفر أمير ضيقاً وقد زاد غضبه وظل يتوعد ليوسف بباله.
ترجلت هايدي من السيارة الخاصة بتوصيلها. وقفت أمام الشركة قليلاً، تنفست بعمق لتدلف لداخل المبنى. وقفت قليلاً بانتظار المصعد. لحظات وولجت داخله. قبل أن يغلق باب المصعد، أوقفه بقدمه. قال لها مبتسماً وهو ينهج: "كويس إني لحقته." (يقصد المصعد)
التفت لها مرة أخرى وهو يدقق بها. لاحظت هي ذلك، فأشاحت بوجهها عنه بضيق. نظف حلقه قليلاً ثم هتف بلطف: "بتشتغلي هنا؟"
رمقته بازدراء قبل أن تجيبه بالنفي. من نظرات التدقيق أصبحت تأمل، تشبهها كثيراً، نفس الخصلات السوداء الطويلة والعيون الفحمية الواسعة، الفم الصغير والبشرة الحنطية الصافية. تشبه أمه الفقيدة العزيزة على قلبه بشكل غريب، نفس الملامح المصرية الهادئة الجميلة.
توترت من نظراته، أخذت تمسح مقدمة رأسها بتوتر، ولكن تنفست بارتياح حين توقف المصعد بالمبنى المقصود. خرجت منه سريعاً تحت نظراته المتفحصة تتبعها قليلاً بحرص. وجدها تدلف لمكتب يوسف دون استئذان من سكرتيرته الخاصة.
سار بخطوات ثابتة للسكرتيرة الخاصة بيوسف، بتساؤل: "مين اللي دخلت عند يوسف دي يا مدام هيام؟"
أجابت بتهذيب: "أخته الصغيرة يافندم!!" ورجعت تتفحص الورق أمامها.
حك ذقنه بأنامله وقد لمعت عيناه: "يبدو أن أحدهم سيجن عشقاً قريباً."
"عامل إيه ي يوسف؟" تمتمت بها هايدي بحزن وهي تنظر لهيئة أخيها.
رفع بصره لها وبنبرة ثابتة: "الحمد لله."
هايدي وهي ترمقه: "مش باين، مظهره غير مرتب، يرتدي ملابسه من الأمس، يبدو عليه الإرهاق والأرق، عيناه حمراء بشكل جلي."
زفر ضيقاً ثم هدر بها: "قوليلي، إيه اللي حصل من امبارح لحد دلوقتي." وكأنه ضغط على الزر لم يغلق فمه حتى بدأت شقيقته بالحديث.
"قصت عليه كل شيء." بكاء سارة وانهيارها وعدم نومها، حالة أمه وأسئلتها لسارة، وذكرت رضوان وحديثه مع والدتها. قصت كل شيء بالتفصيل. يوسف أحسن الاختيار حين قرر معرفة الوضع من شقيقته هايدي.
يوسف بضيق: "طب سارة هتروح الكلية انهاردة ولا لا؟"
هايدي: "لا طبعاً ي يوسف، دي منهارة جداً، عايزها تخرج إزاي؟ أنت عملت ليه كده ي يوسف؟" تسائلت بعتاب.
عقد حاجباه واحتدت نبرته: "ملكيش دعوة أنتِ." ثم تابع وهو يشيح لها: "أي حاجة تحصل تكلميني وتقوليلي."
هايدي ببلاهة: "أي حاجة أي حاجة."
بنفاذ صبر: "أي حاجة تخص سارة."
أجابته: "حاضر."
"هترجع البيت امتى؟" اقتطع كلماته صوت قرع على الباب.
يوسف: "ادخل."
أحمد بعد أن فتح وبابتسامة عريضة وهو ينظر لهايدي: "إيه ده، أنت عندك حد ولا إيه؟"
ارتفع حاجبيها بذهول: "إذا هذا البغيض صديق شقيقها."
استدار بكرسيه لأحمد وهتف: "دي أختي هايدي، تعالي خش."
بالفعل دخل وتحدث بهدوء: "لو هعطلكوا أمشي وأرجعلك تاني!"
يوسف موجهاً وجهه لشقيقته: "لا هي أصلاً هتمشي أهو عشان تلحق كليتها، زي ما اتفقنا يا هايدي."
أومأت برأسها وهي تنهض عن كرسيها بخفة. ألقت على الآخر الذي يبحلق بها بشكل غريب نظرة جانبية بعدم الاكتراث. اتسعت ابتسامته حتى برزت أسنانه ولكنها ولّت ظهرها ولم تعطيه اهتمام.
"ضيق نظره وهو يرمق صديقه باستغراب الذي ظل ثابتاً مكانه بصمت بعد أن غادرت المكتب." هتفه يوسف: "ماتقعد يابني، هو أنت عليك عفريت واقف؟!"
انتبه له أحمد: "هه." ثم قال بمرح مصطنع: "أنت مقولتش ليه إن عندك أخوات، أنا معرفش غير مرات رضوان."
يميل يوسف قليلاً بجلسته ثم يهتف بتعب: "مجتش مناسبة يعني." انتبه على هيئته أخيراً تحدث وهو يعقد حاجبيه: "أومال ف إيه، مالك؟"
تنهد يوسف تنهيدة طويلة اكتفى بها.
أحمد: "إيه التنهيدة دي، يبقى شكل الحب عامل عمايله، هي فرقعتك ولا إيه؟"
يوسف: "تفرقع مين، أنت مش عارفني ولا إيه؟"
أحمد بثقة: "لا طبعاً عارفك، دنتا دنجوان الدفعة اللي البنات بتجري وراك، هنتعرف امتى بقى على صاحبة الصون، وهي على ذمتي." قالها يوسف بتأكيد.
أومأ أحمد له بابتسامة.
يوسف: "كنت جاي ليه؟"
هه: "لا أبداً أنا... كنت جاي أشوفك." قالها بتلجلج.
يم نهض عن مكانه: "هروح أنا مكتبي بقى."
"لو هتسهر بالليل نسهر سوا."
يوسف: "هشوف وأقولك."
حرك يوسف عنقه يساراً ويميناً بتعب ثم اعتدل بجلسته وحاول استكمال عمله.
بمكان ما بكندا. يقف مالك العقار مع عمر البحيري. يتحدثون بالإنجليزية.
المالك: "I want to rent."
عمر: "Give me a little time, and I'll pay you."
تمتم المالك بكلمات غير مسموعة لعمر.
عمر وهو يتمتم بخفوت بالمصري: "أبو اللي جابك ياشيخ وشك فقر."
ليدلف إلى منزله ويجد شريكه بالمنزل زياد الحلبي بانتظاره.
زياد: "كان عايزك في إيه الراجل ده؟"
عمر: "هيكون إيه غير الزفت الإيجار، قولتله يصبر عليا شوية."
زياد: "واخرتها؟"
عمر: "مفيش حل غير إني أنزل مصر وآخد نصيبي من بيت أبويا من رضوان."
زياد: "هتسافر بجد؟"
عمر: "بإذن الله في أقرب فرصة."
استوسط فراشه بتعب بعد أن انتهى من مقابلة أمير ووالده وسماعه ما لا يرضيه. تحدّث وهو ينظر لـ أروى التي كانت جالسة أمام المرآة تمشط شعرها: "بقالك ساعة بتسرحي شعرك!"
أروى تنظر له من المرآة: "طب كمل بس وقولي نهيت الحوار معاهم على إيه."
زمجر رضوان: "اللي عمله أخوكي خلاني في نص هدومي قدام الراجل وابنه، قولت لهم الموضوع في إيد سارة، هبقى أتكلم معاها وأشوف."
أروى بتذمر: "إيه ده يعني أمير ده لسه عايز يتجوز سارة؟"
رضوان: "آه."
أروى وهي تلوي شفاهها بحزن: "يعني مش يوسف اللي هيتجوزها؟"
رضوان وهو يضرب كفاً على كف: "انتوا والله عيلة مختلة، شوف أنا بقولك إيه وإنتي بتقولي إيه."
تفتت وهي تلتف بوجهها له: "أنت بتكلم كده وكأنك مش عارف يوسف، ما أنت عارف إن مفيش أطيب من قلبه."
رضوان بحزن: "أنا فعلاً مش عارف يوسف، اللي كان بيتكلم ده مش يوسف ده حد أول مرة أتعامل معاه، ده كان هيمد إيده عليا." ثوانٍ وهتف بها: "تعالي يالا."
أروى وهي تنهض من أمام المرآة: "هروح أطمّن على العيال."
بخطوتين كان خلفها وهو يجذبها من ذراعها بقوة لتصطدم به ثم هتف بمرح: "اطمني عليا أنا الأول."
أشاحت بوجهها عنه وهي تضحك منه. أمسك بذقنها كي يعيد عينيها لمرمى نظره، تأمل لون العسل الذائب في عينيها، أخذ يهمس بعشقه وهو يمرر شفتيه على عنقها، حاوط خصرها بذراعه وبكفه يمسح على خصلاتها وكتفيها برقة. استسلمت هي الأخرى لمساته الجريئة وأنفاسه الحارة وأخذت تبادله القبلات والهمسات هي الأخرى.
رواية ابن عمي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم وحيدة كالقمر
تململ في نومه، ظل يتقلب يساراً ويمين. تقريباً أقصى وقت نام فيه لا يتعدى الثلاثين دقيقة. أخيراً انتفض من فراشه، أنزل قدميه على الأرض وظل جالساً على طرف الفراش وهو يمسح بقوة رأسه. تنهد طويلاً وهو ينظر للفراغ أمامه متذكراً أول مرة رآها.
«عودة بالماضي»
يوم جديد مليء بالأمل والأمنيات. تنشر الشمس أشعتها على استحياء لتطل من بين غيوم السماء، فسماء الربيع تتزين ما بين صفاء اللون الأزرق، وما بين السحب البيضاء الحنونة. تقف فتاة شقراء قصيرة القامة، شعرها منسدل على ظهرها، تلعب بخصلاتها الذهبية باستحياء. بجانبها حقيبة سوداء كبيرة، وأخرى تحملها على ظهرها بسروال من الجينز الأزرق وتيشيرت أبيض منقط بالزهري. ترفع بصرها تنظر بزرقة عينيها إلى الجالس أمامها ببرود، يضع ساقاً أعلى ساق ونظرات الحقد تشع من عينيه بوضوح. أشاحت بنظرها عنه كي تتحاشى نظراته. ظلت تفرك بأناملها بتوتر.
قطعت أميمة صمتهم.
أميمة: «بنبرة ودودة» أنتي نورتينا ياحبيبتي.. ولا إيه يايوسف؟ «وهي تلكزه بكتفه»
تمتم بتهكم وتثاقل: «أومال.. نورتينا يابنت الغالي»
وجست من نبرته الغريبة وانكمشت بحلستها.
أميمة: «وهي تشير لهايدي» اطلعي ياهايدي مع بنت عمك وريها أوضتها.. خدي راحتك ياسارة بيت عمك يعني بيت أبوكي.
نهضت سريعاً من مكانها متجنبة نظراته الحارقة. مالت لحمل حقيبتها الموضوعة أرضاً.
أميمة: «سيبيها ياسارة يوسف هيبقي يطلعها»
عقد حاجبيه باعتراض ولكن رمقته أميمة بتحذير.
«عودة من الماضي»
زفر ضيقاً من حاله حينما تذكر مضايقته لها. لحظات وارتسمت على ثغره ابتسامة عذبة بعد أن ارتسمت ملامحها أمامه. اعتدل مرة أخرى في الفراش محاولاً النوم وراحة جسمه قليلاً.
«امبارح بالليل وأنا سهران بالليل.. كنت بكلم صورتك وحدي وجايب سيرتك.. ويا نجوم ياحبيبي.. ويا نجوم الليل»
في حجرة سارة، توجد حقيبة كبيرة أمام الباب، وسارة تغلق الباب وتمسك بها. حتى استوقفتها أميمة.
أميمة: «بفزع» إيه ياسارة الشنطة دي؟
سارة: «وهي تشيح نظرها عنها» ماشية.
ضربت أميمة بخفة على صدرها وهي تقترب منها أكثر.
أميمة: «ماشية على فين؟»
بنبرة جافة هتفت سارة: «هروح أقعد عند أبويا رضوان وأروي»
أميمة: «ليه يابنتي واحنا زعلناكي في حاجة؟ دانا مشيت يوسف من البيت عشانك!!»
سارة: «وأنا همشي خلاص.. ممكن حضرتك ترجعيه؟»
أميمة: «واحتدت نبرتها قليلاً» سارة.. ادخلي أوضتك وخذي شنطتك معاكي.
سارة: «لو سمحتي ياطنط.. لو سمحتي انتي يا سارة.. كلامي خلص مفيش خروج من البيت ده.. أنا بعتبرك زي هايدي.. لو يوسف رجع البيت ساعتها أنا اللي هقولك روحي اقعدي مع رضوان»
قاطعتها أميمة بلهجة حازمة.
ارتسمت على ملامح سارة الأحباط. لتدلف لغرفتها منكسة الرأس وعادت أميمة إلى غرفتها. تحت نظرات تراقب وتسجل كل شيء. فكانت هايدي تستند على بابها تشاهدهم من فتحة صغيرة فتحتها هي بجانب الباب ممسكة بقبضتها هاتفها النقال لحدوث أي شيء غير متوقع تبلغ به شقيقها على الفور.
صف السائق سيارته أمام شركة يوسف. ترجلت هايدي من السيارة وصعدت المبنى قاصدة المصعد للوصول لمكتب شقيقها. قطع شرودها.
«صباح الخير»
ليردف بها أحمد بعد أن لحق بها قبل أن يغلق باب المصعد.
بانزعاج هدرت: «إنت تاني.. وبرضو في المصعد؟»
بلطف قال: «أعمل إيه.. حظي معاكي كده»
لم ترد عليه وأشاحت بعيداً عنه. أخذت تفرك أناملها بتوتر من أثر نظراته الثاقبة لها. نظف حلقه قليلاً ثم تحدث.
«أخبارك إيه؟»
محاولة فاشلة منه لفتح حديث معها. لم تجبه.
«أساساً لن تعيرك انتباها.. قد فشلت سابقاً وهذا الفشل أصبح جزء منها.. تتعمد عدم نسيانه وإبقاء جرحها مفتوحاً حتى لا تسمح لنفسها بالحب مجدداً.. فالحب لأمثالها بات ممنوع»
أخيراً توقف المصعد اللعين وستتخلص من هذا البغيض. هو ليس ببغيض ولكنها أقنعت نفسها بذلك كي لا تنجذب نحوه. بخطوات سريعة تحاول الهروب من أعين تراقبها وتتفحصها دلفت لمكتب شقيقها. جلست على الكرسي المقابل لشقيقها واستندت بساعدها على المكتب لتهدأ قليلاً من تأثير نظراته.
بحاجب مرفوع هتف بها يوسف باستغراب: «مالك.. ف إيه؟»
انتبهت على حالها: «هه.. مفيش بس برتاح شوية.. تعالي أقولك اللي حصل بسرعة عشان ورايا محاضرة»
أخذت تقص كل ما حدث بالمنزل دون أن تنسى أي شيء.
يوسف: «بعد أن تجهمت ملامحه واحتدت نبرته قليلاً» وإنتي متصلتيش بيا ليه في وقتها يا غبية؟ كنتي مستنياها أما تمشي.
هايدي: «انكمشت قليلاً من نبرته» لا والله يايوسف أنا كنت هكلمك بس لقيت ماما هديتها.. فقولت ملوش لازمة خلاص.
يوسف: «هي هتروح الكلية إمتى؟»
جابته هايدي وهي تهز كتفها بعدم معرفتها.
يوسف: «وقد اعتدل قليلاً بجلسته» عموماً لما تروح الكلية هتاخديها معاكي توصليها وتجيبها.. فاهمة؟
«طب افرض رفضت؟» قالتها هايدي.
عقد حاجبيه وتحدث ببرود: «دي مسؤوليتك.. لو هتعملي إيه.. المهم تروح معاكي وتيجي معاكي»
أومأت هايدي برأسها ثم قالت: «طب وإنت هترجع البيت إمتى؟»
حك بأصابعه طرف أنفه ثم هتف بلامبالاة: «مش وقته.. أهم حاجة تقوليلي وتعرفيني كل حاجة»
نظرت لساعة يدها وقالت بصدمة: «ياخبر.. المحاضرة.. دانا هأتأخر أوي»
انتفضت من مكانها بعجالة وألقت عليه السلام وغادرت المكتب بلحظات قليلة، وتركت يوسف يضحك على هيئتها المضحكة.
نهضت السكرتيرة من مكتبها لتدلف مكتب رئيسها بخطوات مستقيمة. وقفت أمام المكتب حاملة بكفها بعض الأوراق. رفع بصره من الأوراق الموضوعة أمامه رمقها بتساؤل مضيق عينيه.
«ف إيه؟!!»
مدام هيام: «تنحنحت قليلاً» آسفة يا فندم بس فيه ورق محتاج إمضا الأستاذ رضوان والشغل واقف عليه.
رفع حاجبيه وهتف ببرود: «طب ما توصلهوله!!»
مدام هيام: «أستاذ رضوان مجاش بقاله 3 أيام يا فندم!!»
زاغت نظراته قليلاً ثم هتف بثبات: «خلاص اتفضلي ع مكتبك وسيبلي الورق هنا وأنا هتصرف»
هيام بتهذيب: «حاضر يا فندم»
شرعت بالذهاب لمكتبها بعد أن أغلقت باب مكتب يوسف بلطف.
«أنا هو» فأراح بظهره على كرسيه وهو يفك أزرار قميصه العلوية بضيق. أخذ نفساً عميقاً وعاد إلى عمله والتدقيق في الورق الماثل أمامه.
عند باب منزل رضوان، وقف يوسف قبل أن يقرع الجرس. اعتدل في وقفته وأخذ بتظبيط قميصه قليلاً واضعاً معطفه على كتفه. أخذ نفساً عميقاً وضرب الجرس مرات متتالية. فتحت له أروي بعد أن ارتدت حجابها.
أروي: «بعد أن انفرجت ملامحها بفرحة» يوسف.. إزيك ياحبيبي تعالي ادخل.
ليدلف يوسف المنزل ثم يعانقها بحنو وهو يمسد على ظهرها بود.
«تعالي ادخل» قالتها أروي وهي تشير له بالدخول لبهو منزلها.
«خالو جه.. خالو جه» هتفت بها الأطفال وهم يهرولون عليه بعد أن تركوا والدهم الذي كان يلعب معهم أمام التلفاز. حملهم يوسف وأخذ يقبلهم بحب وتعالت ضحكاتهم سوياً. تحت نظرات ذهول من قبل رضوان والتي تبدلت سريعاً إلى غضب. أشاح رضوان وجهه عن يوسف. حاول تجاهله.
أروي: «أحست بالحرج من تصرف زوجها» إيه يارضوان.. مش هتسلم على يوسف!!
رمقه رضوان بغيظ ثم توجه بجانب وجهه صوب يوسف وهز برأسه تحية له بملامح معقدة وفم ملتوي. هو يوسف رأسه وهو يضحك بجانب فمه على تصرفات رضوان الطفولية.
«أروي ممكن تاخدي العيال وتسيبيني مع رضوان شوية؟» قالها يوسف لأروي. حاولت الاعتراض ولكن يوسف أشار بعينيه أن تنفذ طلبه. وافقت وأخذت أولادها وولجت لغرفتهم.
لحظات من الصمت قطعها يوسف وهو يتنهد تعباً.
«وبعدين؟»
اكتفى رضوان بالنظر إليه بازدراء دون التفوه بحرف. أذبلت عيناه بوهن وهو يتقدم منه حتى يصير بجانبه.
«أول مرة يارضوان تطول في زعلك معايا»
رضوان: «وقد كسر صمته وأخرجه عن شعوره» عشان أول مرة أشوفك كده.
يوسف: «وهو يشيح بيده» أنا بحبها يارضوان.. بحبها اتكوّيت بنار حبها.. وإنت عارف يعني إيه حب بالنسبالي. ثم تابع بانكسار: فكرة إنها كرهاني ومفضلة عليا الـ.. ده كانت حرقاني كنت عايزها بأي شكل وأديك شايف هو أصلاً ميستحقهاش.
رضوان: «وقد لوى ثغره بتهكم» وإنت بقي اللي تستحقها.
بعصبية: «أيوه أنا أستحقها ومحدش يستحقها غيري»
رضوان: «لا يايوسف.. اللي عملته أنا مش هنساه ولا هي هتنساه.. اللي إنت فيه ده مش حب ده تملك»
زفر ضيقاً من حديث رضوان الذي لم يأت على هواه. صمت قليلاً واللمعت عيناه بخبث. أردف بمكر: «غريبة يارضوان مع إن إنت ساعة مشكلتك مع أروي لما خونتها أنا وقفت معاك مع إن المفروض كنت أقاطعك»
رضوان: «وقد تعرق قليلاً» هتف وهو يمسح العرق من جبينه: «أنا مخنتهاش»
يوسف: «بمكر» لا أنا أنده لأروي وأسألها. ارتفعت نبرته قليلاً بشقاوة وعند: «أروي.. يا أروى»
تمتم بخفوت وهو يضع كفه على فم يوسف في محاولة لإسكانه: «اسكت متندهش عليها.. أنا ما صدقت نسيت»
استمر يوسف بمناداة شقيقته بمرح وهو ينظر بتشفي لهيئة رضوان المرتعبة.
حضرت أروي على نداء شقيقها: «أيوه يايوسف.. ف إيه؟»
هتف رضوان بسرعة: «لأ..»
أروى: «باستغراب» هو إيه اللي لأ؟ مال يوسف على كتفه وهمس: «ها.. هتقفي جمبي؟»
رضوان: «يتمتم من بين أسنانه بغيظ» يابن الـ..
يوسف: «بتحذر مصطنع» هااا!!
رضوان: «بسرعة» خلاص خلاص.
عقدت حاجبيها وعبست بوجهها: «إنتو ندهينلي عشان تتوشوشو سوا؟»
يوسف: «معلش ياحبيبتي ممكن تحضريلنا العشا»
أروى: «بس كده.. من عيني.. أساساً كنت هحضره لما إنتو تخلصوا كلام وتتصالحوا»
يوسف وهو يحيط بذراعه على كتف رضوان هتف بمكر: «أنا ورضوان مينفعش نزعل من بعض» ثم تابع غامزاً: «مش كده يا بو نسب»
نظرات وعيد مضحكة من رضوان هتف من بين أسنانه: «حبيبي»
بأعين مسلطة على سقف غرفته يتوسط أحمد الدالي فراشه، يضع سماعة الأذن الموصلة بالهاتف بأذنه يستمع لإحدى الأغنيات الرومانسية. الخصلات الليلية وهي منسدلة على ظهرها، توترها، إحراجها، نظراتها الجانبية بأعينها السوداء اللامعة، كل هذا كان يشغل تفكيره. أغمض عينيه لحظة، يتذكر يوم انفصاله عن زوجته السابقة، إنجي، بعد علاقة دامت 7 سنوات. استنزفته كلياً، مشاعره، أحاسيسه، ماله، وقته، اهتمامه، كل هذا ذهب للشخص الخطأ. لم يخطر بباله أن يقع ثانية بحب أحداهن. لكن.. هايدي كسرت كل القيود. بملامحها الشبيهة لأمه، حبيبته الفقيدة، وروحها وتذمرها من وجوده. تعلق بها ويسير بخطى ثابتة وأريحية لحبها دون اعتراض منه.
تقلب حتى صار على جانبه الأيمن. ذبلت عيناه بوله وهو يتخيلها معه.. وبحضنه!!
اشتاق.. وما أدراك ما الاشتياق. فالاشتياق وجع يمزق عظام الصدر وبالذات مع شخص ك يوسف. جامد المشاعر، متحجر القلب. كم فتاة جرحها بإهماله وتجاهله وكلماته الوقحة. حالته هذا المساء توضح جيداً مبدأ كما تدين تدان. فالقلب ليس عليه سلطان. وقعت بحب فتاة من الصعب أن توقعها بك.
ممدد على الأريكة الجانبية بغرفته لم يخلع قميصه ولكن أزراره مفتوحة لآخرها. جفاه النوم. يحسب كم ليلة وكم ساعة وثانية لم يراها. اشتاق لزرقة عينيها، نعومة صوتها، شفتيها وهي تعض عليها. أقسم بأن أتزوجها وحينها سألتهمها بقبلة تعبر عن غيرتي وغضبي.. وعشقي!!
«دعيني أتشتت بك.. واجمعيني بقبلة»
رواية ابن عمي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم وحيدة كالقمر
رواية ابن عمي الفصل التاسع عشر 19
ترتشف هايدي من كوب الشاي خاصتها بعجاله من أمرها كعادتها متأخره استدارت بسرعه لصوت خطوات تنزل عن الدرج لترفع حاجببها بذهول وهي تنظر لسارة
هتفت بتساؤل”ايه ياسو ..انتي هتروحي الكليه انهارده ولا اي؟!
سارة:ايووة ..كفايه الأيام اللي غيبتها..
أميمه “وهي تخرج عليهم من المطبخ “طب اقعدي افطري قبل ماتروحي..
سارة”مليش نفس دلوقتي ..هفطر مع رغد في الكليه ..
هايدي”بدهاء”طب كويس عشان اخدك في سكتي بالعربيه ..
ساره”لا ..ملوش لزوم ..انا هر..
قاطعتها أميمه “باصرار”روحي معاها ياسارة ..انتي غاويه تتبهدلي في التكسيات ..
هايدي”تطبق علي حديث والدتها”ايووة يالا ..وانا كمان خلصت اهوو ..
حملت حقيبتها الملقاه علي الطاوله وامسكت بذراع سارة وشرعا بالذهاب سريعا تحت دعوات من أميمه بالتوفيق لهم ..
……
ترجلت سارة من السيارة تبعتها هايدي وهي تعدل من ثيابها وتتأكد من مظهرها من خلال زجاج السيارة ..تشير بيدها للسائق بالمغادرة ..
هايدي:هدخل انا عشان الحق المحاضرة الأولي ..دكتورة الماده رخمه وبتسجل غياب ..
لتبتسم سارة “طيب طيري انتي بقي..
هايدي “اول ماتخلصي محاضراتك ..كلميني علطول عشان نروح سوا ..
اومأت سارة براسها ..ثم ودعا بعضهما كلا منهما بطريق كليتها ..
استدارت هايدى برأسها للتأكد من مغادرة سارة ..تخرج هاتفها من حقيبتها وتضغط عده لمسات ثم تضع الهاتف علي اذنها لتخبر شقيقها برجوع سارة الكليه ..وأمرها يوسف ان تنهي محاضرتها وتذهب اليها ولا تغيب عن ناظريها ..
عند مدهل كلية التجارة ..تقف رغد ممسكه بهاتفها تتصفح الانترنت غير مكترثه بأي شئ اخر..تنتفض اثر خبطه خفيفه علي كتفها من سارة
رغد”بفرحه ولهفه”سو ..وحشتيني وقامت بعناقها ..
سارة وهي تلف ذراعيها علي ظهرها “وانتي كمان ..
بعد ان تبادلو العناق ..ذهبو للمقهي الخاص بالكليه ..طلبت سارة قهوتها المظبوطه ورغد شاي ..
رغد:أمير جه سألني عليكي الأيام اللي فاتت..
سارة”ببرود”وقولتيله اي”
رغد”قولتله معرفش انتي هتيجي امته وكمان كلامنا قليل ف الموبايل..
سارة:كان بيرن عليا ف اليوم فوق ال100مرة .
رغد:طب كنتي ردي ..ع الاقل تطمنيه ..
سارة:اطمنه ع اي ..اساسا انا مش طيقاه هو كمان ..
رغد :عندك حق ..بس بردو هو معذور ..
سارة:لا ملوش عذر ..
ثم اشاحت بغضب”قفلي ع السيرة دي خلاص بقي”
رغد”بتساؤل “طب هتعملي ايه بعد.كده.
سارة”تنفست عميقا لتردف”هروح اعيش مع رضوان واخرج من قبضة يوسف ده بقي واشتغل..وابدأ من جديد
رغد:ربنا يعملك الخير كله ياحبيبتي ..ثم أكملت بقلق”احنا كده مش هنلحق المحاضرة..
ساره:مش مهم نحضرها نبقي نطلع ع المحاضرة التانيه ..
……..
في غرفة نوم رضوان ..
تقف أروى أمام الخزانه الخاصه بزوجها تخرج منها بعض الملابس لزوجها ..
ثم تسير صوب الفراش
أروي “وهي تضرب علي صدر رضوان بلطف “رضوان ..قوم بقي انت اتأخرت ع الشركه ..
تململ في نومته بتثاقل شديد..فتح نصف عين وهتف بنبرة متحشرجه”صباح الخير ..هي الساعه كام ..
أروي”بابتسامه عريضه”الساعه تقريبا 11ياحبيبي ..
تململ ثانيه ..ثم افاق قليلا ورمقها قليلا ..مرتديه قميص اسود قصير يصل لاعلي الركبه بدون أكمام عاري الصدر..
ضيق عينيه وهتف بقلق”اي اللي ع شعرك ده ..
اقتطعها بحده وهي ترفع يدها لتستكشف خصلاتها العسليه ..
“لا متحطيش ايدك ..قربي اشيلهالك ..
عقدت حاجبيها بخوف ومالت عليه بخصلاتها .. امسكها من ذراعيها بقوة وقربها منه ..ثم قبلها قبلات طويله متقطعه..ثم همس بوله “طب انا دلوقتي اروح الشغل ازاي ..
ضربته بقوة علي صدره تأوه بشقاوة علي اثرها “انا غلطانه اني بصدقك اصلا ..وبغضب مصطنع ولته ظهرها وهي تقوم بتنظيف المنضده الموضوعه بالغرفه ..
نهض عن مكانه بتثاقل ليردف”طب تعالي بس اقولك ..
أمسكت بمنشفته وقذفته بها “قوم ياللا عشان تاخدلك دش سريع ..ثم ازاحتت خصلاتها للخلف وهي تسير لخارج الغرفه وتابعت”واكون انا حضرت الفطار..
ليدلف الي المرخاض الخاص بغرفته بتململ ممسكا بمنشفته ..
……
استني ياسارة قالها أمير وهو يسير بخطي متعجله نحو ساره بعد ان انهت محاضرتها وقامت بالاتصال ب هايدي لتمر عليها
سارة “تتحدث ف الهاتف”خلاص ياهايدي انا مستنياكي عند البوابه ..متتأخريش عليا ..
اغلقت الخط واستدارت له بوجهها بملامح معقده ..
أمير”ينهج بشده “اخيرا لحقتك ..
ترمقه ساره بنظرات جافه دون التفوه بحرف ..
زفر سريعا”احنا لازم نتكلم!
بنبرة ثابته هتفت”اتكلم..
أمير “وهو يتلفت حوله “مينفعش هنا ..ثم اشار علي سيارته”انا راكن هناك تعالي نروح نقعد في المطعم اللي متعودين عليه نتغدا ونتكلم ..
سارة:معتقدش ان انا ينفع اخرج واتكلم معاك ..
شاهدت الموقف من بعيد هايدي ..هرولت نحو ابنه عمها بعجاله ..امسكت بذراع سارة وابعدتها عن امير وتوسطتهم ..اتجهت لسارة بالحديث”في حاجه ياسارة ولا اي..
سارة”مفيش ياحبيبتي ولا حاجه .
أمير بضيق”سارة بقولك عايز اتكلم معاكي!!
هايدي “انت بتزعق ليه ..عايز تكلم اتكلم وانا موجوده ..
واحتدت نبرته قليلا “موضوع ميخصكيش ..نتكلم اودامك ليه ..ثم مال بجسده لسارة متجاوزا هايدي وامسكها من رسغها “ياللا ياسارة.. وسحبها بخفه خلفه ..
اعترضت قليلا وهي تنظر لهايدي ..
بسرعه هايدي امسكت بهاتفها وهي تسير خلفهم باستعجال
وصلت سارة وامير الي السيارة ..نزعت يدها من قبضته بعنف ..قولتلك مش جايه معاك ..وما ان انهت حديثها حتي سمعت صوت هايدي وهي تتحدث ع الهاتف ..
هايدي”الحقني يايوسف ..أمير عاوز ياخد سارة وسحبها من ايدها ع عربيته ..
يوسف.”انتفض من مكانه بغضب”انتو فين.
هايدي”احنا عند الجامعه لسه .
سارة متدخله ف الحديث توجه كلامها لهايدي بغضب”انتي طلبتيه ليه؟!
يوسف “ع الطرف الأخر “اديهاني ياهايدي.”
هايدي وهي تمد يدها بالهاتف لسارة “خدي كلميه
هزت بكتفها بحده “لأ.
وضعت هايدي الهاتف علي اذنها ممسكه به ..
هتف يوسف “بصوت صادح يهز الارجاء”اقسم بديني لو روحتي معاه لاجيبك من شعرك ..بعدت عن هايدي بمسافه ..
بنبرة تحدي مرتفعه هتفت “انا موافقه ياأمير اننا نتكلم ..ياللا
سمع حديثها تعالت صرخاته في وجه اخته غضبا ..
واخيرا حضر السائق الخاص..
يوسف الأسطي سامح وصل
يوسف”بحده”اديهوني..
يوسف وهو يحدث سامح ع الهاتف”خليك ورا العربيه اللي هايدي هتشاورلك عليها ..اوعي تضيعها احسنلك ..قولي ع الطريق وانا هقابلك ..
سامح”أمرك ياباشا ”
.. ..
تتبع خط سيرهم من خلال السائق الخاص بهايدي علي الهاتف ..
يوسف”وهو يقود سيارته بسرعه جنونيه مدقق النظر امامه”وفي اذنه السماعه الخارجيه التابعه لهاتفه ليهتف بغضب ..”خلاص ياسامح ..شوفته ..هقطع عليه الطريق
..لحظات واستقطع بعرض سيارته سيارة أمير ..التي وقفت علي حين غرة ارتدت سارة للأمام من قوة الدفعه ..
ترجل بغضب من سيارته وملامحه لاتنم عن خير مطلقا ..خبط بكفه علي سيارة أمير وهو يستدير ناحيه سارة ..فتح الباب بعنف وسحبها من ساعدها بقوة وحده لتتأوه بين يديه ..ليهتف بنبرة غاضبه “بتعانديني ..حسابك معايا بعدين ..والقاها بعنف علي هايدي ..التي خرجت من السيارة لكي تلحق بالموقف ..أمسكتها هايدي وابعدتها قليلا عنه ..
تحرك بشياطينه نحو أمير الذي قابله هو الأخر بأقصي درجات الغضب ..
أمسكو بتلابيب بعضهم ..لتنزل صفعه من يوسف علي وجه أمير تتسع حدقتيه من الصدمه .. اشتد النزاع بينهم تحت صراخ الفتيات افظع الالفاظ نطق بها يوسف ..تهديدات وتحذيرات منه لأمير ومن أمير اليه ..لكمه من أمير علي لكمتين من يوسف ..ولكن موضع القوة هو يوسف ..نزف أمير الكثير من الدماء من جانب فمه ومن انفه ..اخذ يمسحها بكمه وهو ينظر بشرر ليوسف انقض عليه أمير كالأسد ليدفعه بكل قوته ليسقط علي صخرة كبيرة موضوعه علي الطريق باهمال مغشيا عليه ..ثوان قليله جدا وكان دم يوسف يخرج من اسفل رأسه مكان وقوعه ..
رواية ابن عمي الفصل العشرون 20 - بقلم وحيدة كالقمر
يدلف السكرتير الخاص برضوان ليخبره بأن أحدهم يريد رؤيته ولم يذكر اسمه حتى.
يأذن له رضوان بأن يدخله إليه.
رضوان بعيون متسعة وفم مشدوه: عمر... عودة الابن الضال. تقريبًا قرر السفر لكندا والعيش بها من ست سنوات. لم يحن أو يرجع عن قراره رغم إلحاح أخيه عليه بالبقاء ورغم كل إغراءاته. فعمر يشبه كثيراً خاله أيمن والد سارة.
عمر وهو يفرد ذراعيه لاحتضان أخيه: واحشني يا كبير.
طال عناقهما كثيراً.
رضوان بسعادة عارمة: واحشني يا ض.
عمر: إيه الحلاوة دي.
رضوان بتباهي: طول عمري حلو يا كبير. مقلتليش إنك جاي ليه؟ على الأقل آجي أستقبلك.
عمر: حبيت أعملهالك مفاجأة وأشوف رد فعلك.
رضوان: قولي بقى هتستقر خلاص هنا ولا ناوي ترجع تاني؟
عمر: لا طبعاً هرجع تاني. أنا مرتاح هناك.
رضوان بضيق: وأما أنت مرتاح هناك راجع ليه؟
عمر: عشان إنتوا وحشتوني.
رضوان ضحك بسخرية ليردف: هحاول أصدقك.
فلندعهم يتحدثون مع بعض ويعبرون عن اشتياقهم لبعضهم.
ونذهب إلى مكان آخر.
بشارع ما، الشارع عبارة عن زحام لم تستطع أن تضع قدمك به.
يتوسط الشارع سيارة إسعاف وسيارتين، منهم سيارة أمير وسيارة يوسف. أما السيارة الخاصة بهايدي فكانت بعيدة قليلاً عن موقع الحادث.
يوسف ملقى على الأرض فاقد الوعي.
حالة هياج تجتاح هايدي وصرخاتها ترتفع مع كل نفس تخرجه.
أما الأخرى الواقفة جانباً بوجه شاحب تراقب المواقف بأعين تذرف الدموع. خوف، قلق.
منظر مرعب. بالأخير هو ابن عمها.
يخرج اثنان من رجال الإسعاف يحملون معهم ناقلة لحمل المريض. يتوجهون إلى يوسف ويحملونه بعناية فائقة إلى سيارة الإسعاف تحت نظرات أمير المرتعبة وهو يضع كفه على رأسه بجزع وخوف ويستند على سيارته.
وأخيراً انطلقت سيارة الإسعاف تبعها السائق سامح ومعه هايدي وسارة إلى المشفى.
***
بمكتب رضوان.
عمر: أنا حجزت في أوتيل أقعد فيه النهارده عقبال ما تبعت حد ينضف البيت القديم أقعد فيه.
رضوان: طب ما تقعد معانا.
عمر: لا عاوز أكون براحتي وانتوا كمان تكونوا براحتكم.
ونهض عن مكانه.
عمر: هه. أما أقوم أنا لأني هموت وأنام. سلم لي على أروى والعيال عقبال ما أجylهم.
تبادلا السلام وغادر مكتب شقيقه والتوجه صوب الفندق المقيم به.
***
تم دخوله إلى غرفة العمليات سريعاً لنظرًا لحالته.
والفتيات بالخارج.
أمسكت سارة بهاتفها وضغطت عدة مرات وهدرت لهايدي بذعر: أنا هتصل بأبيه رضوان.
لم تجبها هايدي. اكتفت برمقها بغضب وتركتها وجلست على إحدى الكراسي.
سارة بتوتر ونبرة مهتزة: الحقنا يا أبيه. يوسف في المستشفى.
رضوان: ...
سارة وبدأت بالبكاء: معرفش والله لسه الدكتور داخل أهو.
رضوان: ...
سارة: هسأل على عنوان المستشفى وأبعتهولك برسالة.
وأغلقت معه الخط. ثم توجهت لأحدي العاملين بالمشفى وسألت على اسم المشفى وعنوانها وأرسلتها برسالة نصية لرضوان.
"مالك يا رضوان بتجري كده ليه؟" قالها أحمد الدالي بقلق.
رضوان وهو يدلف للمصعد: تعالي معايا. يوسف وقع وفي المستشفى.
بلمح البصر كان أحمد بجواره بالمصعد بصدمة: إنت بتقول إيه؟ وقع إزاي؟
رضوان: معرفش. أما نروح نبقى نفهم.
أخذا سيارتهما وتوجها بسرعة للمشفى المقصود.
سألا الرجلين بالاستعلامات بعد أن دلفا إلى المشفى وعلموا برقم الغرفة والدور. وأخذوا المصعد ووصلوا للدور الموجود به غرفة العمليات.
سارة تجلس على كرسي بعيد عن هايدي.
رأت سارة رضوان يتقدم بخطاه صوبهم. هرولت نحوه.
أمسك بكفها من أجل تهدئتها: اهدي يا سارة. اهدي شوية. واحكيلي اللي حصل.
قصت عليه ما حدث اليوم ببكائها وشهقاتها.
أما أحمد توجه لهايدي كي يطمئن عن حال يوسف: هو جوه من امتى؟
هايدي دون أن تنظر إليه: بقاله تقريباً ساعة.
خرج الطبيب من الغرفة وهو ينزع عن فمه الكمامة.
هرول الجميع صوبه وبخوف وقلق بنفس واحد: طمنا يا دكتور.
الطبيب بعملية: عنده كسر في الجمجمة. وللأسف المريض دخل في غيبوبة.
هايدي بصدمة: يعني إيه؟
رضوان بحزن: هيفوق يا دكتور.
الطبيب: بإذن الله. كله بإيد ربنا.
ثم تابع كلامه: بس اللي حصل فيه شبهة جنائية ولازم أبلغ الشرطة عشان يتم عمل محضر.
رضوان: أيوه يا دكتور اعمل اللازم.
تركهم الطبيب.
لتتوجه هايدي أصابع الاتهام لسارة بكامل غضبها: إنتي السبب. لو مكنتيش روحتي مكنش هيحصل كل ده. لو يوسف جراله حاجة مش هسامحك.
رضوان وهو يشيح لها بيده من أجل أن تهدأ قليلاً: هايدي. اهدي شوية. وبدل ما تتخانقي وتعيطي ادعيله يقوم بالسلامة.
وتوجه للجلوس على أحد الكراسي وتبعته سارة.
وضع أحمد كفيه على كتف هايدي وهو يضرب بخفة من أجل تهدئتها: متخافيش. يوسف قوي وهيقوم منها بإذن الله.
انتبهت له. نظرت لكفيه الموضوعة. رمقته بحدة. فأزاحهم عنها بحرج وهو يتجنب نظراتها.
***
هايدي وهي تقضم أظافرها بتوتر: رضوان مش المفروض نعرف مامت.
رضوان: رفع ذراعيه أمامه: شوفوا غيري. مرات خالي ابتدت تتشائم مني. بقولك إيه؟ كاتروكي تقوليلها إنتي يا هايدي.
هايدي: لأ أنا أخاف عليها. ومعرفش هجيب لها إزاي.
أحمد سريعاً: أنا ممكن أجي معاكي وأعرفها.
رضوان: تنفس بارتياح: يااه. تبقى عملت فينا جميلة.
حاولت هايدي الاعتراض ولكن استوقفها رضوان بأنه حل مناسب.
نزلت معه بالمصعد.
نظرات زائغة. نظرت لكل شيء وأي شيء عداه. وقد لاحظ ذلك.
توجهوا للخارج صوب سيارته.
فتح لها باب السيارة بحركة لطيفة من سيد لطيف. وكأن أحدهم يلعب لمصلحته.
استدار سريعاً وجلس بمقعده بارتياح وعدل المرآة باتجاهها. وانطلق بالسيارة.
أراد أن يقطع صمتها. رمقها بابتسامة وتكلم بتأكيد: بإذن الله يوسف هيبقي زي الفل.
اكتفت بالإيماء برأسها دون النظر إليه.
لوي ثغره بضيق. محاولة فاشلة.
بنفس الابتسامة السابقة: هو يوسف مكلمكيش عني؟ قصدي مكلمكوش عني قبل كده.
هزت رأسها بالنفي دون التفوه بحرف واحد.
زفر بضيق ثم هتف: إنتي خرسا؟
هايدي: نعم.
قالتها هايدي بانزعاج.
أحمد: طب ما إنتي بتكلمي وحلوة أهو. أمال في إيه؟
قالها أحمد بتعجب.
هايدي: كانت ستقول شيئاً ولكنها فضلت السكوت وأشاحت بوجهها للجهة الأخرى.
تحدث في نفسه: ده إيه اللي بهببه ده؟ صاحبي ف غيبوبة وأنا بظبط أخته. سامحني يا رب على حقارتي.
***
وأخيراً وصلا إلى منزل يوسف.
ترجلت هايدي من السيارة وصفقت خلفها الباب بقوة وهي ترمق أحمد بغيظ. حتى لم تدعوه للصعود. ولكن لحق بها كي يصعد معها.
دلفا إلى المنزل لتجد والدتها باستقبالها.
أميمة: اتأخرتي ليه؟
قاطعها رؤية أحمد: مين ده يا هايدي؟ تساءلت أميمة بقلق.
هايدي: ده. ثم سكتت قليلاً وهي تحك رأسها. اللعنة لم تتذكر اسمه. ثم توجهت إليه وبتساؤل: إنت قولتلي اسمك إيه؟
انعقد حاجباه وارتسم الضيق على قسماته. بنبرة خشنة: أحمد. أحمد الدالي.
أميمة: انفرجت أساريرها. أحمد. واقتربت منه. إزيك يا بني عامل إيه؟ اعذرني إن أنا معرفتكش. أصلك زمان كنت رفيع ومش بالحلاوة دي.
وضعت هايدي كفها على فمها كي لا تظهر ضحكتها.
حمحم بحرج واصر على أسنانه: شكراً يا طنط. مش للدرجادي يعني.
هتفت أميمة بتوجس: لما إنتي متعرفيش هو مين. أومال إنتوا جيتوا مع بعض إزاي؟
رمقته هايدي بمعني: تحدث أنت.
بكل لطف اقترب من أميمة وهو يحكي لها ما حدث. مطمئناً لها ويحاول أن يذيب خوفها وذعرها بدعواته وثقته بشفاء صديقه.
تحت نظرات هايدي المعجبة بلطفه وأسلوبه الهادئ.
تركتهم أميمة وصعدت للأعلى لترتدي ملابس للخروج وهي تندب حظها وحظ أبنائها.
انتبه لنظراتها المصوبة عليه هتف بتعجب: فيه حاجة ولا إيه؟
انتبهت على حالها: احم. لا مفيش.
وأشاحت بنظراتها بعيداً عنه.
قليلاً ونزلت أميمة. أخذوها وغادروا المنزل واتجهوا بالسيارة للمشفى.
دعوات، أمنيات. طلباً بنجاته.
يوم يمر ليأتي اليوم التالي. ليعتليهم الخوف والقلق أكثر وأكثر. حالته كما هي لا تتحسن ولكن الطبيب يطمئنهم. فلعله خير بإذن الله.
وجاء المحقق وأخذ إفادة الموجودين وقت الواقعة.
قصت هايدي عليه كل ما حدث وأكدت سارة كلامها لأنها كانت الأقرب.
***
بقسم الشرطة.
يجلس أمير على أحد المقاعد أمامه كوب من الشاي ومعه أحد المحامين المكلف بالدفاع عنه وأيضاً والده المستشار.
المستشار بغضب: اللي بيحصل ده أنا مش هسكت عليه. إنتو مش عارفين ده يبقى مين وابن مين.
أحد الضباط الجالسين أمامه: اهدي يا فندم. إحنا طبعاً عارفين سيادتك. بس للأسف الموضوع كبير. ده بردو يوسف الزيني أشهر من النار على العلم.
أمير بتوتر: صدقني أنا مكنش قصدي يحصل كده. ثم إن هو اللي بدأ بالخناق.
المستشار: اللي بيحصل ده أنا مش هعديه بالساهل.
المحامي: اهدي يا جناب المستشار. خير إن شاء الله. أهم حاجة الولد ده يفوق الأول وبعدين نبقى نتصرف.
***
وأخيراً استجاب الله لدعواتهم.
خرج الطبيب ضاحكاً مبشراً ببدء استفاقة من الغيبوبة.
الطبيب: الحمد لله يا جماعة المريض ابتدا يفوق. مؤشراته بتتحسن. بس هو بينادي على واحدة اسمها سارة. يا ريت تدخلوه.
الأعين كلها بثانية كانت موجهة عليها.
أميمة: مينفعش نشوفه كلنا يا دكتور.
الطبيب: طب اتفضلي ادخلي. وحاولي تتكلمي معاه.
مرت من أمامهم بحرج وهي تنزح العرق من على جبهتها بتوتر بالغ. دلفت للداخل. نائم. مغطى بملاءة زرقاء. محاط بأجهزة طبية لعينه. الغرفة مقبضة للقلب وباردة.
كان يتمتم بخفوت. اقتربت منه ومالت عليه لتستمع لما يقوله.
"قولتلك متروحيش معاه هقتلك يا سارة" تمتم بها بلا وعي وصوت منخفض متعب ولكن كلمات واضحة.
ضحكت من وسط بكائها: حتى وانت تعبان بتهددني.
تمتم بكلمة أخرى: بح. بـ. ك.
مسحت دموعها بكفيها ومالت ثانية وهي تستمع: بتقول إيه؟