والتقت عيناها السوداء القاتمة بعينيه الرمادية لتدقق هي بملامحه بتوهان. لم يستطع حسين الصمود أمام نظراتها وأنـفاسها الحارة واقترب أكثر من اللازم في لحظة لم يقدر فيها السيطرة على نفسه. كان يرغب في الاقتراب أكثر، رفع يده ليتحسس وجهها. وسرعان ما التقطت قبـلة رقيقة من شفتيها الناعمتين، فتذوب هي بإنسيابية بين يديه وتتشبث بقميصه بيديها الاثنتين وكأنها تقول له: لا تتركني أبداً. والتقطت القبلة الثانية والثالثة.
فاق حسين، فتحت أزرار قميصه بلهفة، ليمسك يديها بسرعة وهو يلتقط أنفاسه. ثم وقف وتوجه إلى الحمام وهو يضع يديه فوق رأسه، ليدخل ويضرب الحائط بقبضته. أما إيناس فقد كانت في حالة بين الحلم والحقيقة. لماذا أفاقها من الحلم فجأة؟ لماذا؟ إيناس لنفسها: لحظة لإدراك الواقع. أنا إيه اللي عملته دا؟ سامحني يا رب، بس هو اللي قربلي مش أنا. أعمل إيه أنا دلوقتي؟ يا ترى بيقول عليا إيه؟ ثم دخلت الغرفة والأفكار تأكل رأسها، وأغلقت الباب.
حسين لنفسه: هوريها وشي إزاي دلوقتي؟ يا ترى بتقول عليا إيه؟ هروح بقي واللي يحصل يحصل. حسين وقف عند الباب لحظة ووضع يده على مقبض الغرفة. ويفتح الباب بدون سابق إنذار، ليراها تجلس وتبكي بشدة. فخجل من نفسه على فعلته ودخل يجلس أمامها وترك الباب مفتوح. ثم وضع يده على كتفها لتهدأ. فصمتت ولم تستطع النظر إليه.
حسين: إيناس، أنا آسف. أنا عارف إن ما كانش لازم يحصل كدا، بس إحنا ما عملناش حاجة حرام، إنتي ناسيه إننا متجوزين. أنا موافقك إني غلطت ومش هينفع نكون لبعض في يوم من الأيام، فمش هكررها تاني. بس مش بإيدي، معرفش إزاي عملت كدا. إيناس بنظرة كلها حزن: أنا اللي آسفة يا دكتور. ما كانش لازم أوافق على وضع زي دا. وكملت بحدة: وعلى فكرة أنا اللي مش معترفة بالورقة دي عشان غصب عني وعني. أوعى تكون مفكر إني هوافق أبقى مراتك.
ولفت وأدته ضهرها. حسين حس بالإهانة من كلامها وانفجر فيها. حسين بصوت مخيف: جرا إيه يا إيناس؟ ما تحترمي نفسك. وكمل باستخفاف: ولا إنتي هتجيبي الاحترام منين؟ ما إنتي تربية عالمه، ولا الحجاب والمصلية نسوكي؟ إيناس بعياط خانق صوتها: تصدق عندك حق. أنا اللي أستاهل. وقربت منه وعينيها في عينيه وكملت: لو آخر واحد في الدنيا مش هبصلك يا دكتور. حسين بنظرة استغراب: الله الله! دا إيه الجرأة دي؟
ما أه طبعاً لازم تبقي كدا. وبعدين أنا اللي ما أقبلش واحدة زيك تشيل اسمي. قاطعته بوضع يدها على فمه لتصمته. إيناس: كفاية لحد كدا يا دكتور. أنا أيوه ممكن أكون عملت حاجات كتير غلط، بس ربنا غفرلي وأنا عارفة إنه سامحني. وما طلبتش من حد إنه يسامحني غيره. والغلطة اللي أنا غلطتها في بيت الست غالية، إنت غلطت زيها. نبقى متعادلين. وشالت إيديها ونزلتها على قلبه وقالت
بدموع بتنزل من غير حساب: قلوبنا ضعيفة يا دكتور، بتخلينا نعمل اللي ما ينفعش يتعمل ونقبل اللي ما ينفعش يتقبل. ولفت الناحية التانية. ممكن تسيبني لوحدي؟ حسين خرج من عندها وهو حاسس إنه لسه سامع صوتها ودخل أوضته بيلف حوالين نفسه. حسين لنفسه: ما كانش لازم أقولها كدا. أنا...
أنا مش فاهم في إيه. كل أما أقربلها ما أحسش بنفسي. ما تضحكش على نفسك يا حسين، دي مش هدى وانت كنت عارف إنها مش هدى. بس ليه كل أما أشوفها ببقى مغيب كأني خايف أبعد نظري عنها أحسن تهرب. آآآآه دماغي هتنفجر. أما عن الأخرى فقد كانت في حالة عدم وعي من شدة البكاء والصراخ الداخلي الذي يمزق أحشائها. فظلت تبكي حتى غلبها النوم. *** هدى خرجت من عند الدكتور هي ورامي وكانت حالتهم لا تطمئن بالخير. رامي يتذكر كلام الطبيب.
الدكتور: لازم تعرضها على دكتور نسا. هدى: هي في حاجة في الأشعة ولا إيه؟ الدكتور: إن شاء الله هيطمنكوا. شرفتو. عند الدكتور. رامي: ما تقلقيش أوي كدا، إن شاء الله خير. هدى بيأس: ولا مش خير... الدكتور: دورك يا مدام اتفضلي. الدكتور سألها شوية أسئلة وبعدها فحصها. الدكتور: تمام يا آنسة، اتفضلي اعدلي هدومك. رامي استغرب لما سمع آنسة. الدكتور: هو حضرتك تبقى لها إيه؟ رامي: أخوها. لي في حاجة ولا إيه؟
الدكتور: لا مافيش، بس الآنسة محتاجة تستريح الفترة الجاية. لو الوالدة صحتها مش هتساعدها، أنا أفضل تجيب واحدة تقوم بخدمتها. رامي: مش مهم يا دكتور، أنا هعمل كل حاجة. بس طمني. الدكتور: للأسف مش خير. هدى عدلت هدومها وخرجتلهم. الدكتور: إحنا هناخد العلاج دا وتجيلي بعد أسبوع. تمام؟ اعملي التحاليل دي قبل ما تيجي بيوم. هدى بتوتر: لي؟ هو أنا عندي إيه؟ رامي: خير، ما تقلقيش. إن شاء الله خير. استني بس إنتي برا.
الدكتور: لا يا أستاذ رامي، المريض لازم يعرف حالته عشان يستجيب للعلاج. هدى بخوف وصوت ضعيف نسبياً: هو أنا عندي إيه؟ الدكتور: للأسف دا ورم، بس ليه التحاليل هتأكد إذا كان حميد ولا خبيث. هدى الدنيا بتلف بيها ومش حاسة بأي حاجة، حتى كلامه. رامي بحزن: إيه عضو يا دكتور؟ الدكتور: الرحم. *** عودة للواقع. رامي بيفتح باب العربية لهدى وبيسندها بالراحة وركب ومشي. هدى في حالة يرثى لها.
رامي بمحاولة لإضحاكها: هو الباشا ما طلعش راجل ولا إيه؟ هدى: نعم؟ هو مين؟ رامي: عماد باشا. هدى بتوتر: لي بتسأل السؤال دا؟ رامي: أصله عمال يقول يا آنسة يا آنسة لما خرم طبله ودني. هدى بابتسامة: لا يا سيدي اتطمن، أنا اللي ما خليتوش يلمسني. ها، في حاجة تانية محيراك؟ رامي: آآآه قولتيلي. طيب لي؟ ما كنتيش بتحبيه يعني؟ هدى: أنا ما أعرفش يعني إيه حب. هو يعني إيه حب؟
اللي ممكن أشرحهولك الأنانية والحقد والكره. هو دا اللي أنا أعرفه من ساعة ما أبويا مات. رامي: هو والدك مات إزاي؟ هدى: ما أعرفش. كنا قاعدين في يوم، نزل الشغل زي كل يوم. وفجأة لقيت أمي داخلة تصوت وتقولي أبوكي مات. ولا شفته من ساعة ما نزل. رامي: آه فعلاً كان لازم يستأذن يقولك معلش هروح أموت واحتمال أتأخر. هدى ابتسمت غصب عنها. هدى في نفسها: الله يرحمك يا أحن قلب ويصبرني على الدنيا الغبية دي من بعدك. رامي: سرحتي في إيه؟
ممكن أعرف؟ هدى: ولا حاجة. أما نوصل صحيني. رامي: طيب، ريحي جسمك شوية. *** رامي وصل البيت بس صعبت عليه، خاف يصحيها. شالها وطلعها الشقة ونزل يجيب العلاج وطلع ودخل الأوضة. ساب العلاج جنبها. لقي التليفون بيرن. طلع يرد برا عشان ما تصحاش. رامي بتأفف: الووو. ولينا: إيه يا رومي؟ مش بترد لي؟ رامي: يا ست مش موضوعنا، انتهى وخلاص. لينا بدلع: لا طبعاً يا حبيبي، هو أنا أقدر أبعد عنك يا روحي؟
أنا بس سبتك تريح أعصابك شوية عشان الحادثة. رامي باستغراب: حادثة؟ وإنتي عرفتي منين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!