الفصل 10 | من 11 فصل

رواية ابن الصعيدي الفصل العاشر 10 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
24
كلمة
1,935
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

كان آدم جالسا داخل سيارته يراقب باب بيت يمنى. لم يكن يدري كم من الوقت قد مر، لكنه كان على يقين أن الانتظار قد صار يحرق أعصابه أكثر مما يحتمل. فظل يطرق المقود بأصابعه بعصبية حتى لمحها أخيرا وهي تخرج من باب العمارة بخطوات مترددة تنكمش داخل نفسها وكأنها تهرب من العالم كله. فانتفض آدم في مكانه وفتح باب السيارة بسرعة وانطلق نحوها قبل أن تفلت منه وردد بلهفة: "يمنى.. استني لازم أتكلم معاكي."

توقفت يمنى مكانها دون أن تلتفت إليه. ظلت تحدق في الأرض وكأنها تخشى مواجهته أو مواجهة نفسها. فاقترب أكثر وردد بضيق: "أنا غلطت... ولازم أصلح غلطتي." رفعت يمنى عينيها نحوه أخيرا وفي نظرتها انكسار موجع، ثم تمتمت بمرارة: "الغلط غلطتي أنا... أنا اللي استسلمت... أنا اللي ضيعت شرفي واستاهل كل اللي بيحصلي دا." تجمد آدم في مكانه للحظة وكأن كلماتها صفعت وجهه قبل أن يهتف بعناد: "هتجوزك والله هتجوزك وأصلح كل حاجة." هزت رأسها

رفضا وأجابت بصوت مختنق: "انت هتتجوزني غصب عنك؟! أنا مش عايزة أكده... مش عايزة كل دا مش هتجوز واحد غصب عني." اشتعل الغضب في عينيه وصرخ وهو يشير بيده بعنف: "انتي بتهزري؟! إحنا غلطانين مع بعض... وانتي مش بنت. الموضوع مش بمزاجك أصلا هو إيه اللي انتي بتجوليه دا... انتي بتتكلمي كأننا كنا مرتبطين واتفصلنا. يمنى فووجي شوية من الغيبوبة اللي انتي فيها دي." ارتجفت شفتاها لكنها لم تجد ردا، فتابع بصوت أشبه بالتهديد:

"أنا هاجي أتقدم لأهلك بالليل... جهزي نفسك." ألقى آدم كلماته ثم تركها واقفة مكانها عاجزة عن الحراك وانطلق مبتعدا دون أن يلتفت خلفه. وبعد فترة في مكان آخر نزل خليل من عربيته بخطوات ثقيلة وعيناه تقدحان شرا من الغضب المكبوت. كان قد بلغه ما حدث وجاء بنفسه ليضع حدا لكل شيء. وما إن دخل إلى الساحة الخلفية حيث كان الحرس ينتظرون حتى وقعت عيناه على كريم مكبلا بين أيديهم ورأسه مطأطأ كالفأر المذعور.

فتقدم خليل نحوه ببطء وكل خطوة منه كانت تحمل وعيدا ثقيلا، حتى وقف أمامه مباشرة وقال بصوت جهوري متحشرج بالغضب: "كلب زيك يعمل أكده في حفيده الصعيدي." رفع كريم رأسه قليلًا لكن نظرته المرتجفة خانته. فاقترب خليل أكثر وصاح وهو يكاد يخنقه الغضب: "مين وراك؟ مين اللي باعتك أنا متأكد أن فيه حد ورا كل اللي عملته دا... اتكلم بدل ما جسما بالله العظيم هقتلك." هز كريم رأسه بعناد وقال بصوت متهدج: "مفيش حد ورايا...

وحفيدتك كانت موافقة على كل اللي حاصل." يكاد قلب خليل ينفجر من مكانه. فلوح بيده للحراس بأمر صارم: "اضربوه." وانهالت الضربات على كريم بينما خليل يصرخ: "اخرس يا كلب... حفيدتي أشرف واحدة في الدنيا ولو غلطت فده علشان أمنت لواحد حقير زيك ووافقت تتخطبلك وأنا مكنتش راضي بيك من الأول." تقدم خليل خطوة أخرى حتى صار وجهه قريبا جدا من وجه كريم وسأله بنبرة تحمل تهديدا صريحا: "جول... مين تبعه؟!

رفض كريم أن ينطق فتطاير الشرر من عيني خليل وبحركة خاطفة انتزع السلاح من حارس بجانبه وصوبه إلى رأس كريم مباشرة، صائحا: "لو مجولتش دلوجتي... والله هقتلك." ارتجف كريم وتراجع قدر المستطاع قبل أن يصرخ أخيرا باستسلام: "رجوة... رجوة هي اللي ورا كل حاجة." تجمد خليل مكانه لثواني. لم تصدق أذناه ما سمعه. ثم أشار للحراس بإشارة حادة قائلا بجمود: "خلوه أكده من غير واكل ولا شرب."

أنهى خليل كلماته ثم استدار بعدها دون أن ينظر خلفه وغادر المكان وخطواته تضرب الأرض ضربا كمن يحمل فوق كتفيه نيرانا لا تنطفئ. وفي مساء يومٍ جديد كانت قدر تدخل إلى غرفتها مع صخر بعد قضاء بعض الوقت بالخارج. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى التفتت إليه وسألته وهي تخلع حجابها بتلقائية: "هو آدم ويمنى اتجوزوا أكده فجأة ليه عاد؟ توترت ملامح صخر للحظة لكنه أخفى ذلك بسرعة وأجاب بجفاء مقصود:

"أكيد حبوا بعض يعني علشان أكده اتجوزو بسرعه." رمقته قدر بنظرة مشككة وقالت بهدوء وكأنها تحلل الموقف: "بس أنا مش شايفة إن آدم حبها... دي حتى يمنى شكلها زعلانة ومكسورة وبعدين آدم كان بيحب ليلى... الله يرحمها... إيه اللي حصل فجأة أكده... هو فيه حاجة أنا معرفهاش ولا إيه؟ لم يرد صخر بشيء بل اكتفى بخلع قميصه ورماه على الكرسي القريب قبل أن يقترب منها بخطوات بطيئة وهو يقول بنبرة رخيمة: "ملناش صالخ بجا يا قدر...

المهم إنهم اتجوزوا وخلاص. مش هنجعد نفكر طول العمر كل واحد حر في حياته." جلس صخر على طرف السرير واضعا كفيه على ركبتيه بينما ظلت قدر تحدق فيه بتردد قبل أن تقترب منه وتسأله بصوت خفيض: "طب وانت؟ إيه حكايتك مع عنبر؟ أنا مش فاهمة... انتوا متجوزين ولا إيه بالظبط اللي بيحصل بينكم؟ رفع صخر رأسه نحوها وتلاشت الصرامة من ملامحه وهو يجيبها بهدوء: "أنا معاها بس علشان أمي...

وعنبر نفسها عارفة ده أنا مكدبتش عليها وإحنا هنطلق أصلا قريب جوي." عقدت قدر ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق: "بس ده غلط... انت لازم تعمل اللي يريح الحجة... كفاية عليك مشاكل بسببي لحد دلوقتي." ابتسم صخر ابتسامة خافتة ثم نهض واقترب منها أكثر ورفع يده بلطف ليلمس وجنتها بأطراف أصابعه وهو يهمس بعينين تلتمعان بالصدق: "أنا مستعد لأي مشاكل... لو هتيجي منك انتي فـ أنا موافق.. ياريت كل مشاكل الدنيا تبجي منك انتي يا قدر."

تورّدت وجنتاها لكنها لم تتراجع بل ظلت تحدق فيه بعينين مضطربتين ليقترب أكثر ويلمس شفتيها بقبلة دافئة مفعمة بكل المشاعر التي لم تعد بحاجة إلى كلمات.

وبعد فترة في بيت آدم كانت الأجواء مشحونة بالصمت والغضب. ووقف آدم في غرفته ينتزع قميصه بعصبية ويرميه أرضا بحركة حادة قبل أن يجلس على طرف السرير يدفن وجهه بين كفيه. ولم تمر لحظات حتى انفتح باب الغرفة ببطء ودخلت يمنى بتردد. وما إن وقعت عيناها عليه عاري الصدر حتى ارتبكت بشدة واستدارت بسرعة لتخرج، لكن يد آدم كانت أسرع وأمسك بمعصمها بقوة جعلتها تتجمد في مكانها وقال بصوت خشن مليء بالندم: "متخرجيش... مش هينفع النظام دا...

يمنى أنا آسف... والله آسف... لازم تسامحيني." ظلت يمنى تحدق في الأرض ثم تمتمت بصوت متهدج وهي تحاول سحب يدها: "أنا مش زعلانة منك... أنا زعلانة من نفسي... علشان ضيعت شرفي... علشان استسلمت ليك." زفر آدم بقوة واقترب منها أكثر وقال بنبرة حازمة: "خلاص يا يمنى... إحنا اتجوزنا... الموضوع انتهى." رفعت يمنى رأسها فجأة وعيناها تلمعان بالدموع ثم صرخت بألم: "إنت مش بتحبني.. أنا آسفة... آسفة إني حبيتك... علشان أكده رخصت نفسي...

واستسلمت ليك بكل سهوله.. أنا حبيتك جوي معرفش ازاي وامتى وليه وأنا متأكده أنك بتحب واحدة تانية وجلبك متعلق بيها." صدمته كلماتها بشدة لكنه لم ينطق فقط مد يده يمسح دموعها بإبهامه بلطف شديد وهو يهمس بندم: "حقك عليا... والله حقك عليا بس غصب عني.. الحب مش بإيدي." أبعدت يمنى وجهها عنه وهي تهمس بمرارة: "متعتذرش... مفيش حاجة تتصلح... إحنا فترة... وهنطلق... وخلاص."

وبينما كانت تكمل كلماتها المرتجفة اقترب منها آدم فجأة وقبلها قبلة قصيرة تحمل كل الغضب والحزن في داخله. قبلة جعلت الدموع تتساقط بغزارة على خديها. ثم كأنه استفاق فجأة وابتعد عنها بعنف، ونظر لها بنظرة مشتعلة بالألم واستدار خارجا من الغرفة بخطوات ثقيلة وعصبية تاركا خلفه يمنى منهارة تبكي بصمت.

وفي صباح يوم جديد كانت الشمس بالكاد ترسل خيوطها الخجولة فوق أرض الصعيد حين وقفت قدر بعيدا خلف شجرة كثيفة تتوارى عن الأنظار وهي تراقب من بعيد خروج جدها خليل من المبنى القديم ذي الجدران المتآكلة.

كان الجد يسير بخطوات ثقيلة كأن هموما سوداء تكبل كتفيه، وقد بدا على ملامحه الغضب والوجوم. راقبته قدر بعينين مرتابتين وقلبها يضرب بين ضلوعها بعنف دون أن تدري لماذا. شيء ما كان يهمس لها أن أمرا خطيرا يحدث خلف تلك الجدران. وما إن ابتعد خليل تماما عن المكان حتى لم تتردد وركضت بخفة حتى وصلت إلى باب المبنى القديم ودفعته بحذر.

ودخلت، وعيونها تتلفت في الظلال الثقيلة ورائحة العطن والغبار تزكم أنفها. لكن شيئا آخر كان يسيطر على حواسها... صوت أنين خافت. فاتسعت عيناها بذهول حين اقتربت أكثر ولم تصدق ما رأته. كريم كان ممددا على الأرض وجسده ساكن والدم ينزف بغزارة من صدره. وشهقت قدر بقوة وتراجعت خطوة، الخوف يغمرها حتى ارتطمت بباب الغرفة.

وبعد فترة من الوقت هبط صخر من سيارته بخطوات متسارعة يكاد يقع من لهفته وصدره يعلو ويهبط بقوة كأن قلبه سبق خطواته. واندفع نحو الباب وكسره بعنف ودخل وهو يلهث وعيناه تجولان بارتباك حتى استقرتا على المشهد الذي جمد الدم في عروقه. كانت قدر ملقاة على الأرض، وجهها شاحب، عيناها غارقتان في دموع مذعورة، وكريم... لا حراك فيه. فصاح صخر بصوت مبحوح: "قــدر."

ألقى صخر كلماته وركض نحوها لكنها سبقته وألقت بنفسها بين ذراعيه تبكي بجنون وتتمسك به وكأنها تغرق وهي تشهق بكلمات متقطعة: "صخر... أنا ضربته... بالسكينة... شكله مات." شدها صخر إليه بقوة يكاد يسحقها بين ذراعيه وهمس قرب أذنها بنبرة غاضبة مرتعشة: "اهدي... اهدي يا جلبي... كلب وراح يلا.. خلينا نمشي من أهنيه."

كان صخر يحاول تهدئتها وهو يربت على ظهرها يخفي رجفته بينما رأسه يعمل بسرعة. لا وقت للندم الآن. وجذبها من يدها مستعدا للهروب. لكن فجأة... توقف كلاهما فجأة حين ارتفع صوت حركة بالخارج. فالتفت صخر يحدق نحو الباب وتجمد الدم في عروقه للمرة الثانية حين رأى شخصا يقف هناك، يصوب سلاحه نحوهما. وفجأة... انطلقت رصاصة اصابت هدفها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...