ظلت حنان تفكر في الأمر، لكنها لم تعرف ماذا تفعل. وبعد بعض الوقت عاد طارق. فكرت أكثر من مرة أن تسأله، لكنها تراجعت. في اليوم التالي، ذهبت إلى هيام وجلست معها. ظلت صامتة، فقالت هيام: "أول مرة تيجي تقعدي ساكتة كده، مالك؟ فكرت حنان قائلة: "مش عارفة أقولك ولا لأ. أنا عارفة إن اللي فيكي مكفيكي، بس مليش غيرك أحكيله." هيام: "احكي على طول من غير مقدمات، في إيه؟ نفخت قائلة:
"طارق اتطرد من الشغل بقاله فترة ومخبي عليا، وأنا مش فاهمة ليه؟ وكمان جايله عرض من واحد صاحبه بشغل في كوريا وهو رافض. وأنا اللي كنت مستغربة ليه بقاله فترة مش بيطلب مني أترجم له الرسايل. هو طلب منه يبعتها بالإنجليزي بدل الكوري عشان معرفش حاجة. عقلي هيقف، مش عارفة أفكر." هيام: "يعني انتي قلتي السؤال والإجابة." حنان بعدم فهم: "تقصدي إيه؟ نظرت لها هيام وأشارت بيدها ورفعت حاجبيها. تعجبت حنان وفتحت فمها ووضعت يدها على رأسها
فقد فهمت ما تقصده قائلة: "تقصدي إنه مش راضي عشاني ومش عايز يقولي عشان ما ألحش عليه وأخليه يروح." هزت هيام رأسها: "يا سلام على الذكاء! وكان لازم أقولك عشان تفهمي! نفخت بضجر: "ياريتني ما فهمت. أنا كده لازم أخليه فعلاً يسافر، مش هكون عقبة في طريق مستقبله." هيام: "طب وإيه اللي مضيقك من ده؟ حنان: "يا نصحة! منا كده يبقى لازم أسيبك وأسافر. أنا كده أكيد هسافر معاه." ابتسمت: "وإيه يعني؟
في نت هنتكلم كل يوم ونشوف بعض كمان. وأنا هبدأ كتابة تاني وانشر. ولو إني مش قادرة، جوايا وجع مش عارفة أخرج منه." نظرت إليها حنان بثقة: "هيام صاحبتي اللي أعرفه، مفيش وجع يقف قدامها. هيام اللي قتلت واحد وفقعت عين التاني عشان محدش يلمسها. متقوليش كده، انتي قوية ولازم تتخطي الوجع اللي جواكي ده." نظرت لها متعجبة: "أنا إزاي مشوفتهاش كده؟
حاسة إني مش مصدقة لحد دلوقتي أصلاً إني قتلت حد أو عملت الحاجات دي. حاسة إنه كان كابوس مش حقيقة." حنان: "هيام لحد امتى هتفضلي كده؟ اخرجي بره الأوضة، عيشي حياتك. ارجعي تاني هيام صاحبتي اللي جت خرجتني من حزني بعد موت أمي، أعرفها." ابتسمت هيام: "أيوه أعرفها، بس... قاطعتها: "حبسها جواكي من ساعة ما علي مات. خرجيها من الحبس، كفايا كده." أغمضت عينيها وفتحتهم وتنهدت:
"علي خد قلبي وروحي معاها. هو كان كل دنيتي، مش عارفة أنساه، مش عايزة." ابتسمت حنان: "ومين قالك انسيه؟ بالعكس، علي هيفضل جواكي، معاكي جوه قلبك، ذكرى جميلة لإنسان حبيتيه. لكن لازم تعيشي حياتك، الدنيا مبتوقفش على حد، مش ده كلامك ولا نسيتيه؟ هزت رأسها بالموافقة قائلة: "لأ منستيش وهحاول. إنما قولولي هتعملي إيه مع طارق؟ حنان: "هواجه وأقنعه إنه ميضيعش الفرصة دي من إيده، وأنا معاه في كل قرار هياخده." أمسكت يدها:
"وأنا كمان معاكي." ابتسمت حنان: "إيه رأيك نقوم ندخل المطبخ نعمل حلويات، وحشتني حلوياتك." هيام: "مليش نفس أعمل حاجة خالص." جذبتها من ذراعها قائلة: "قومي انت بس وسبيها على الله، قومي يلا."
ابتسمت هيام وقامت معها ودخلتا المطبخ وأعدتا بعض الحلوى. شعرت سامية بالراحة عندما رأت هيام تعد الحلوى مع حنان، ولكنها كانت خائفة من أن تعود لحالتها مرة أخرى بعد ذهاب حنان. ولكنها تركت الأمر لله. ظلت معها حنان لبعض الوقت وعادت إلى منزلها. وظلت تفكر كيف تبدأ الحوار مع طارق، حتى عاد من الخارج. وبعد أن تناولا الطعام، نظرت إليه قائلة: "طارق ممكن أسألك سؤال؟ نظر إليها قائلاً: "أكيد طبعاً اسألي." أخذت نفس وزفرته قائلة:
"انت اتفصلت من شغلك ليه؟ تفاجأ من سؤالها، ولكنه وجدها فرصة ليخبرها الحقيقة، فقد تعب من الخروج كل يوم في الصباح للتظاهر أنه مازال في العمل، وقد يأس من إيجاد عمل. أخذ نفس وزفره قائلاً: "هقولك كل اللي حصل." (تحمحم) "فاكرة لما حكيتلك على الخناقة اللي حصلت بين اتنين عندنا في الشغل وإني كنت الشاهد الوحيد على اللي حصل؟ قالت بتذكر:
"آه فاكرة، حتى انت وقتها كنت متضايق جداً عشان واحد منهم واصل جداً وكان عايزك تشهد لصالحه، وانت وقتها رفضت." أكمل:
"لأني عمري ما هأشهد زور. المشكلة إنه واصل والخناقة كبرت جداً، وكان لازم الغلطان منهم يتجزى، والبيه مش عايز الجزاء يتحط في دوسيه. انتي عارفة الجزاء عندنا قطم وسط، وهو أصلاً الغلطان، لكن محدش يعرف غيري. يعني شهادتي هي اللي هتبرئه. وطبعاً لما رفضت أشهد معاه زور، هو ما عجبوش. وشاف حد من معارفه التقال واتلككولي ورفدوني. رغم إنه بنفوذه شال الجزاء، بس مضايق قوي إني وقفت قدامه ومرضختش لتهديده. حاولت بكل الطرق إني أثبت حقي، وجبت أكتر من واحد من زمايلي شهد معايا، إني مليش ذنب في المشكلة اللي اتلككوا بيها، بس محدش ساعدني.
وقالولي بالصريح كده: انت متوصي عليك، وخلاص الأمر خرج من تحت إيديهم، وإنهم عارفين الحقيقة، لكن خلاص الأمر انتهى. حاولت حتى إني أشوف أي طريقة عشان متحطش في البلاك لست، لكن هو موصي إن محدش يتهاون معايا، عشان محدش يفكر يرفع عينه فيه تاني." تنهدت قائلة: "وإيه موضوع البلاك لست ده؟ انت كنت حكيتلي عنه بس مش فاكرة قوي؟ نفخ قائلاً:
"أي حد شغال في شركة ليها علاقة بقطاع البترول، لو اتطرد منها بيتحط في البلاك لست. يعني مينفعش يشتغل في أي شركة تانية في مجال البترول. وأي شركة خاصة هتخاف تشغله عندها." وضعت يدها على فمها قائلة: "يعني خلاص مبقاش لك شغل هنا في أي شركة في تخصصك." نفخ وابتلع ريقه قائلاً: "للأسف أيوه. ولفيت الفترة اللي فاتت إني ألاقي أي شغل ملقتش إلا حاجات متفتحش بيت حتى." ربتت على كتفه قائلة:
"الحمد لله إن ربنا ثبتك على الحق، ومشهدتش زور، وده هو الأهم. أما الرزق ده بتاع ربنا ومتزعلش، أكيد ربنا يشيلك عنده الخير." أخذ نفس وزفره قائلاً: "الحمد لله." أراد أن يخبرها بأمر صديقه الكوري، لكنه صمت. ففهمت هي الأمر وابتسمت قائلة في خجل: "أنا آسفة، اللاب كان مفتوح وشوفت رسالة صاحبك، وعرفت إنه عارض عليك شغل في كوريا." ابتسم ابتسامة هزيلة قائلاً: "آه منا نسيت أقفل قبل ما أمشي، وهو كان قايل إنه هيبعت رسالة واتأخر." سكتت
للحظات ونظرت إليه قائلة: "أنا شايفة إنها فرصة حلوة وأكيد ده عوض ربنا ليك." نظر لها رافضاً: "لأ طبعاً، انتي بتقولي إيه؟ مينفعش. لا ينفع أسيبك ولا آخدك معايا، أبقى بظلمك." "تظلمني في إيه بس؟ مفيش ظلم ولا حاجة. ولا انت مش عايز تاخدني معاك أصلاً؟ نظر إليها معاتباً: "انتي عارفة كويس أنا أقصد إيه. ملوش لزوم الكلام ده." ربتت على يده: "يبقى توافق. أنا بعرف كوري كويس، وهيفيدك وجودي معاك يعني... قاطعها قائلاً:
"حنان أنا مش ممكن أبني مستقبلي على حساب مستقبلك. إحنا لو سافرنا هناك أبقى بحكم عليكي تعيشي الوحدة طول عمرك، وأنا مقدرش أتحمل ده." أخذت نفس وزفرته: "بقولك إيه؟ وهو كان جالي عريس كويس أصلاً؟ ما انت شايف من ساعة ما خلصت، محدش جه مناسب أصلاً. للأسف كل اللي جه مينفعش حتى يبقى راجل. يعني مضيعتش عليا فرص كتير ولا حاجة. وبعدين رب هنا رب هناك، وربنا قال: اسعى يا عبد وأنا أسعى معاك. وأنا عمري ما هبقى عقبة في طريق مستقبلك."
نفخ بزهق ونظر إلى الجهة الأخرى ولم يجيب. فكرت قائلة: "اسمع، إحنا مش ديما لما نحتار نعمل استخارة؟ إيه رأيك نعمل استخارة ونشوف." فكر قائلاً: "ماشي. وأنا هكلم جون صاحبي وأشترط عليها عشان أشتغل هناك، ويوفر سكن ليا انا وانتي، ويخلص لكِ موضوع الإقامة والحاجات دي." أكملت: "لو عرف يخلص ده فعلاً يبقى ده توفيق ربنا ونسافر على بركة الله." تردد قائلاً:
"يبقى اتفقنا. هنعمل استخارة من انهارده واللي عايزه ربنا هو اللي هيكون. تعالي افتحي اللاب واكتبي انتي الرسالة."
قام الاثنان وجلسا بجوار الحاسب، وكتبت الرسالة باللغة الكورية وأرسلتها. وكان كلامنهم بداخله خوف من كلا الاختيارين، فهو لا يعلم ما سيكون حال أخته هناك، ولا يعرف هل سيسطيع التأقلم مع الحياة هناك أم لا. وهي الأخرى كانت رأسها مليئة بالأفكار، فبقدر سعادتها أنها ستسافر وترى بلد جديدة، فهي خائفة فقد لا تتزوج أبداً، لكنها لن تكن عقبة في حياة أخيها، حتى لو كان ذلك على حساب حياتها.
وفي اليوم التالي، ذهبت إلى هيام وأخبرتها بكل ما حدث. هزت رأسها قائلة: "اللي عملتيه ده هو الصح، وأكيد كل اللي هيجي من عند ربنا خير." حنان: "الحمد لله. وانت بقا قولولي عاملة إيه دلوقتي." هيام: "عملت حلويات كتير قوي امبارح. استني هجبلك شوية." حنان: "يعني بدأتي تخرجي من أوضتك أهو." ابتسمت هيام: "البركة فيكي. يلا تعالي نروح نقعد مع ماما ونرغي معاها عشان شكلها تعبانة شوية." حنان: "حبيبتي طنط، ألف سلامة عليها. يلا بينا."
قامتا ودخلتا جلستا معها لبعض الوقت. ذهبت حنان، لكن هيام لم تعد إلى غرفتها، بل دخلت إلى المطبخ وأعدت الكثير من الحلوى. ومر أسبوعان وهي على نفس الحال. أتى عادل وجلس مع مصطفى قائلاً: "إحنا خلصنا من عزلة هيام ودخلنا في موضوع الحلويات." مصطفى مازحاً: "آه فعلاً أختك دي أصلاً غريبة، الناس بتزعل تاكل، ودي تعمل حلويات وتخترع فيهم كمان." ابتسم عادل مازحاً: "عندك حق. أحسن حاجة إننا نقف على الناصية بالحلويات دي نبيعها."
فكر مصطفى قائلاً: "تعرف إنها فكرة حلوة؟ ليه لأ." عادل مستنكراً: "هي إيه اللي فكرة حلوة؟! مصطفى: "هيام تفتح محل حلويات، وبكده هتخرج من البيت وده هيغير حالتها." فكر عادل: "ممكن برضه. عموماً نفكر في الموضوع. أخاف عليها من الخروج والبهدلة." مصطفى: "أنا كمان أخاف عليها زيك، بس ده الأفضل لها. فكر فيه تاني ورد عليا، ومتقلقش أنا هبقى معاها مش هسبها لوحدها." هز عادل رأسه قائلاً:
"تمام، طالما هتبقى معاها يبقى تمام. نكلمها ونشوف رأيها." دخلا لها وأخبراها بالأمر، لكنها طلبت بعض الوقت للتفكير. أتت حنان وجلست معها، فقصت عليها الأمر. فكرت حنان وقالت: "والله أنا شيفاها فكرة كويسة. الفلوس موجودة، ومشروع زي ده هيخرجك من العزلة اللي انتي فيها." هيام: "هما كمان بيقولوا كده، بس أنا خايفة مش عارفة هقدر ولا لأ." حنان: "بلاش كلام خايب، خدي القرار الصح ومتضيعيش وقت." نفخت: "مش عارفة، عموماً هفكر." حنان:
"طب يلا تعالي نقعد شوية مع طنط عشان أروح بسرعة، مش عايزة أتأخر على طارق عشان ميتضايقش من القعدة لوحده." ضحكت هيام وقامت معها ودخلتا إلى والدتها وجلستا معها لبعض الوقت. وبعدها عادت حنان إلى منزلها. أحضرت كوبين من الشاي باللبن وجلست إلى جوار طارق في الصالة قائلة: "دوق بقا الحلويات اللي عملاها هيام. طنط أصرت تديني علبة كبيرة وأنا ماشية."
كان طبق به بعض المعجنات موضوع على الطاولة أمامه بجوار الحاسب. أخذ منه قطعة وقطم منها قطمة وتذوقها قائلاً: "جميلة. صاحبتك شاطرة قوي في الحلويات." ابتسمت: "آه فعلاً هي شاطرة قوي." تنحنح قائلاً: "بقولك إيه؟ جون اتأخر في الرد، يظهر إن ده جواب الاستخارة. بفكر أقبل شغلانة القهوة وخلاص." تنهدت ونظرت إلى الأسفل دون كلام، وإذا برسالة تأتي للحاسب. نظرت عليها حنان قائلة: "ده بيجي على السيرة. واضح إنها رسالة منه." فتحت
الرسالة وبدأت تترجمتها: "بيعتذرلك عن تأخره في الرد، بس أخد وقت على ما خلص الإجراءات اللازمة لسفر أختك معاك. وخلاص معاك شهر انت وهي عشان تيجي تستلم الشغل. وهتلاقي كل الأوراق جاهزة في السفارة تروح تستلمها خلال يومين." ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجه حنان قائلة: "آهى اتحلت أهيه يا عم! يالا بقا نجهز الورق عشان منتأخرش." أخذ نفس وزفره قائلاً: "على بركة الله. يبقى ده جواب الاستخارة. ردي عليه قوليله تمام." كتبت
الرد وقامت وهي ترقص وتقول: "هاه هنسافر! هنشوف الدنيا! افرح يا عم! هنسافر بلاد جديدة! أووووو." ضحك على طريقتها في الرقص، فهو يعلم أنها تفعل ذلك لتطمئنه أنها سعيدة بالسفر، لتداري ما بداخلها من قلق. ربت على كتفها قائلاً: "من بكرة إن شاء الله نبدأ تجهيز الورق." ابتسمت: "بأمر الله. آهى جاتلك الفرصة عشان تحقق حلمك." تعجب قائلاً: "حلم إيه؟ ضحكت: "نسيت؟
فاكر لما قولتلي مرة إنك نفسك تبقى سفير للإسلام، وإن كل مسلم لازم يبقى سفير للإسلام بأفعاله." ابتسم: "ياااه لسه فاكرة." (اتسعت ابتسامته) "فعلاً ده كان حلمي، وإن شاء الله نكون صورة جميلة لديننا في كل مكان نروحوه. بكرة هروح السفارة وأجيب الورق اللي قال عليه، ونبدأ في تجهيز أوراقنا بأمر الله." فكرت قائلة: "ابقى انزل معاك. أروح أقعد مع هيام وانت راجع تاخدني."
هز رأسه بالموافقة. كان بداخله قلق شديد عليها، ولكن لم يجد باباً آخر فتح له. وفي اليوم التالي، أوصلها إلى منزل هيام وذهب إلى السفارة. جلست هي مع هيام وقصت عليها ما حدث. نظرت إليها قائلة: "يعني خلاص هتسبيني وتسافري؟ هتوحشيني قوي." ربتت حنان على كتفها ومازحتها: "هو حشتني إيه؟ وأنا هسيبك أصلاً؟ هنتكلم كل يوم على النت أصلاً. ومن هنا لحد ما أسافر هتلاقيني كل يوم عندك." امتلأت عيونها بالدموع وابتلعت ريقها قائلة:
"وأنا كمان هبقى أجي أساعدك في لم الحاجة." عبست قائلة: "بقولك إيه؟ متقلبيهاش نكد بقا. كفايا علينا قصصك." ضحكت وخبطتها على كتفها بخفة قائلة: "بقا كده قصصي كلها نكد." ضحكت قائلة: "آه يا مفترية، ده أنا بقعد أعيط كل يوم مع الأبطال بتوعك." ضحكت: "ماشي، ماشي يا ستي، بس خليكي فاكرة." حنان بتذكر: "آه صحيح، هبعتلك لينك مسابقة للنشر الورقي. لازم تبعتي لها." نفخت هيام: "أنا مش عايزة الكتابة هواية مش أكتر." نظرت إليها بتحدي:
"لأ طبعاً. محدش يستحق الفوز بيها غيرك، وبكرة تقولي حنان قالت. بكرة تبقي أكبر كاتبة فيكي يا مصر وتحققي حلمك بتاع زمان، فاكرة." ضحكت هيام: "ياااه! انت لسه فاكرة. عموماً يا ستي حاضر هبعتلهم، واللي عايزه ربنا هو اللي هيكون." ظلت معها لبعض الوقت حتى رن عليها طارق، فنزلت إليه. جلست هيام في غرفتها حزينة، فرغم مزاحها معها إلا أنها لا تريدها أن تسافر، فهي صديقتها الوحيدة. دخل مصطفى إليها الغرفة وجدها تجلس حزينة. تنحنح قائلاً:
"إيه سرحانة في إيه؟ تنهدت قائلة: "زعلانة عشان حنان هتسبني وتسافر، هي صاحبتي الوحيدة." ربت على كتفها قائلاً: "مستقبلها هي وأخوها أهم، مش كده ولا إيه؟ نظرت إليه بحزن ونظرت إلى الأسفل دون كلام. قدم إليها بعض الأوراق في يده قائلاً: "شوفي دراسة الجدوى بتاعت المشروع كده وقوليلي رأيك." أخذت الورق ونظرت به وقلبت فيه قائلة: "إيه ده؟ دراسة بجد؟ انت طلعت شاطر قوي." متفاخراً: "آه طبعاً، امال انتي فاكرة إيه؟ ضحكت مازحة:
"تباً لتواضعك يا أخي." ضحك وهو يشير لها بيده: "تباً مرة واحدة! آه يا ستي ما انتي بقيتي كاتبة بقا ومحدش قدك." ابتسمت: "ماشي يا عم نعديهالك." (نظرت بالورق) "طب أنا شايفه إنه سهل ومبسط كمان. هقرأه وارد عليك." فكر: "امممم ماشي، بس بصي المحل اللي شوفته ده محل كويس جداً وأنا شايفه فرصة كويسة. حاولي تسرعي ومتتأخريش تمام." هزت رأسها بالموافقة: "تمام."
تركه وخرج. وأمسكت هي الورق وبدأت تقرأه. نظر عليها من بعيد وتأكد أنه استطاع إخراجها من الدخول في الحزن مرة أخرى. وفي اليوم التالي، أتت إلى غرفته قائلة: "أنا قرأت الدراسة كلها وشايفة إنه فرصة حلوة جداً لنا، بس نشتري المحل مش نأجره." فكر: "والله القرار ليكي. بالليل نقعد مع عادل ونتفق على كل حاجة، وخلال أيام نبدأ المشروع." ترددت قائلة: "تمام."
وتركته وعادت إلى غرفتها. كانت قلقة على حنان فاتصلت بها وأخبرتها بأمر المحل. فرحت جداً قائلة: "ألف مبروك! كان نفسي أكون معاكي في الافتتاح بس معاد السفر كده مش هلحق." تنهدت: "ولا يهمك، كأنك معايا. وبعدين انتي مش قولتي هتبقي معايا بالنت؟ ولا ده كان كلام." ابتسمت: "لأ طبعاً مش كلام." رن جرس الباب، فتعجبت لم يرن طارق الجرس. فقالت: "هقفل معاكي عشان الجرس بيرن، هشوف مين وأبقى أكلمك." أنهت معها المكالمة وإذا بصوت طارق يقول:
"حنان معايا ضيف، ادخلي جوه لو سمحتي." أسرعت حنان إلى المطبخ. دخل طارق ومعه شاب في أواخر العشرينات، طويل القامة، معتدل القوام، ذو شعر أسود ناعم. وجلسا معاً. نظر طارق إليه قائلاً: "أهلاً وسهلاً يا مازن، خير؟ إيه الموضوع اللي عايزينيني فيه؟ أخذ نفس وزفره وبدا عليه التوتر قائلاً:
"الحقيقة أنا من زمان وأنا معجب جداً بأختك الآنسة حنان، بس كنت مؤجل أي كلام لحد لما أشتغل شغلانة ثابتة. والحمد لله ربنا أكرمني واشتغلت في شركة بمرتب كويس وبدأت أحوش عشان آجر شقة وأفرشها. بس طبعاً يعني تصبروا عليا شوية. ده طبعاً لو الآنسة حنان وافقت على الجواز. أنا عارف إنك بتجهز للسفر انت وهي، بس أنا مش مستعجل. لو وافقت نعمل خطوبة، وفي أول زيارة ليكم أكون جهزت الشقة ونتمم الجواز بإذن الله."
فرح طارق جداً بطلبه هذا، فهو شاب جيد، جار لهم منذ زمن وأهله إناس محترمون. ولكن لم يبدِ له فرحته حتى يتحدث مع حنان. ابتسم قائلاً: "طبعاً انت شاب كويس جداً، واللي قولته ده شيء جميل. إن شاء الله أسألها وأرد عليك." زاد توتر مازن وقام واقفاً: "طب أستأذن أنا وأبقى أتصل أسألك عن رأيك." ارتبك طارق هو الآخر، تنحنح قائلاً: "معقول هتمشي كده من غير ما تشرب حاجة؟ ابتسم قائلاً بأحراج:
"هشرب إن شاء الله لما العروسة توافق وأجي أنا وأهلي نخطبها رسمي. عن إذنك." وتركه وخرج مسرعاً. أوصله طارق وعاد إلى حنان وهو سعيد. أخبرها بالأمر، ولكن بدا عليها القلق والتوتر الشديد. ونظرت إليه قائلة: "بس يعني مش غريبة إنه يجي دلوقتي؟ أخذ نفس وزفره قائلاً: "لأ مش غريب؛ ماهو قال كان مستني لما يشتغل، وهو ده الصح، مش كده ولا إيه؟ ابتسمت: "تمام، خلاص يبقى هنعمل استخارة النهارده." أكمل:
"لمدة تلات أيام، واللي عايزه ربنا هو اللي هيكون. بس متقوليش لحد حاجة لحد ما ناخد القرار." عبست: "كنت عايزة أقول لهيام بس." ربت على كتفها قائلاً: "لما ناخد قرار أحسن." فابتسمت وهزت رأسها ودخل كل منهم غرفته. وفي اليوم التالي بعد الظهر، دق جرس الباب. نظر طارق من عدسة الباب (العين السحرية) فرأ والدة مازن، فأسرع ونادى إلى حنان لتفتح لها. رحبت بها وأدخلتها وجلست معها في الصالة. كانت متعجبة من زيارتها. ابتسمت والدته قائلة:
"أنا عارفة إنك مستغربة الزيارة، بس مازن قالي إنه جه وكلم أخوكي، وأنا قولت أحط النقط على الحروف." ابتسمت قائلة: "وهستغرب ليه؟ حضرتك جارتنا من زمان وتيجي في أي وقت." ابتسمت: "قد القول يا بنتي." قامت قائلة: "عن إذنك لحظة." وتركتها دخلت أحضرت كوب عصير وضعته أمامها. أخذته وشربت منه ووضعت الكوب قائلة: "عقبال شربات الفرح إن شاء الله." ابتسمت حنان في خجل ونظرت إلى الأسفل. فضحكت والدته وأكملت:
"بسم الله ما شاء الله، أدب وأخلاق، ربنا يزيدك. وسمعت إنك هتسافري انتي وأخوكي؟ نظرت إليها قائلة: "آه إن شاء الله، شغل طارق الجديد." فكرت قائلة: "طب يا بنتي، طالما انتوا هتسافروا يبقى لزومه إيه ابني يأجر شقة؟ ماهي الشقة أهيه موجودة، تقعدوا فيها على الأقل تحافظوا عليها، وهو ده توفري له. انتي عارفة الإيجارات دلوقتي غالية وهو هيلاحق على إيه ولا إيه." تضايقت حنان من الكلام، لكنها تصنعت الابتسامة وهزت رأسها، وتنحنت قائلة:
"حاضر يا طنط، هبلغ كلامك لطارق وهو هيرد عليكو." ربتت على كتفها وقامت قائلة: "طب يا بنتي أنا ماشية بقا عشان ألحق أعمل الأكل." أوصلتها حتى الباب وتلاشت البسمة من على وجهها وأخذت نفس وزفرته. خرج طارق وقد ظهر على وجهه الغضب قائلاً: "أعتقد ده جواب الاستخارة." هزت رأسها قائلة: "نكمل بقا التجهيز للسفر وننسى الموضوع." ابتسم قائلاً: "كتر خيرها إنها قالت ده من بدري بدل ما كنا اتدبسنا."
هزت رأسها مع ابتسامة هزيلة. ومرت الأيام واتصل طارق بمازن أخبرهم برفضه لطلبه، واستعدا للسفر. وقبل الموعد بعدة أيام، ذهبت حنان لتودع هيام. جلست معها في غرفتها ونظرت لها قائلة: "قوليلي إمتى افتتاح المحل بتاعك؟ تنهدت قائلة: "الخميس الجاي، وأكيد هتبقي معايا." عبست قائلة: "إيه؟ ليه كده؟ ده نفس يوم سفري، يا خسارة. كان نفسي أحضر معاكي." أخذت نفس وزفرته:
"وأنا كنت عايزة آجي أوصلك للمطار، لكن كده مش هينفع. هكون في المحل بجهز للافتتاح." صمتت الاثنتان للحظات. نفخت هيام قائلة: "هي إيه اللي اتقفلت كده؟ مش هينفع أغير معاد الافتتاح عشان مدحت جاي وعمل ليا دعاية للمعاد في أماكن كتير." نفخت حنان: "وأنا كمان مش هينفع نأجل السفر عشان صاحب طارق قاله الشركة لو اتأخرت هتلغي العقد." امتلأت عيونهم بالدموع، فكل منهم لا تعرف متى سيكون لقاؤهم مرة أخرى. ابتلعت حنان ريقها قائلة:
"بقولك إيه؟ مش عايزين نعيط. لازم نكون مبسوطين. وبعدين إحنا هنكون مع بعض ديما على النت." هزت هيام رأسها: "آه صح. يالا نعمل حلويات مع بعض عشان ناكلها ديما ونفكر في بعض." ابتسمت وهزت رأسها بالموافقة ودخلتا الاثنتان معاً إلى المطبخ وأعدتا بعض المعجنات وظلتا معاً إلى نهاية اليوم. جلست هيام في غرفتها حزينة على فراق صديقتها، لكنها وعدتها بأنها لن تبكي. جلس مصطفى إلى جوارها وتنحنح قائلاً: "عارف إنك زعلانة." تنهدت قائلة:
"حنان صاحبة عمري والوحيدة اللي معايا من أيام إعدادي." (ابتسمت) "عارف اللي بينا مش صداقة عادية، لأ كل واحدة فينا بتعتبر التانية أختها اللي ربنا بعتها لها." ربت على كتفها: "وهتفضلوا كده حتى بعد البعد، لأن قلوبكم مع بعض." نظرت إليه وابتسمت وهزت رأسها بالموافقة، فابتسم هو الآخر وقال: "قوليلي بقا خلصتوا المفاجأة بتاعت الافتتاح ولا لسه؟ كانت تفهم أنه يغير الحديث، فاتسعت ابتسامتها قائلة:
"متقلقش، دي هتكون مفاجأة ودعاية للمحل." متحمساً: "آهو كده الشغل! وامجد عامل شوية دعاية ملهاش حل." هزت رأسها: "جدع قوي الواد امجد ده، ربنا يرزقه ببنت الحلال." نظر لها عابساً: "إيه دور خالتي الحاجة اللي عايشة فيه ده." ضحكت: "إيه خالتي الحاجة دي؟ أنا بدعيله يا ابني." ضحك مازحاً: "كمان ابني؟ لاء كده كبرت قوي."
ظل معها لبعض الوقت يمازحها حتى اطمأن عليها وتركها. وأتى يوم الافتتاح واستعدت هيام للخروج للمحل. وقبل أن تخرج، أمسكت الهاتف لتطلب حنان لتسلم عليها قبل أن تركب الطائرة. لحظات وأجابتها قائلة: "كنت هزعل قوي لو ما اتصلتيش قبل ما أسافر." ابتسمت بحزن قائلة: "وهو أنا أقدر؟ ها، قوللي وصلتوا المطار؟ ابتسمت وأجابتها: "الحمد لله، خلاص قدامنا نص ساعة ونركب الطيارة." ابتلعت ريقها بحزن: "هتوحشيني قوي!
أول ما توصلي شغلي النت وكلميني، وأنا هصور الحفلة وأبعتهالك." تنهدت: "أكيد. انتي كمان هتوحشيني قوي." ظلت تتحدث معها لبعض الوقت وأنهت المكالمة. نظرت إلى طارق وابتسمت وأشاحت بوجهها كي لا يرى دموعها التي باغتتها ونزلت رغماً عنها. ربت طارق على كتفها قائلاً: "متقلقيش، جون قالي إنه مجهز البيت لنا من كل حاجة، حتى النت، يعني هتقدري تكلميها بسرعة." أخذت نفس وزفرته قائلة: "ربنا ما يحرمني منك أبداً."
ابتسم دون كلام وتذكر مازن ونفخ، فقد تمنى أن يتم الأمر، لكنه خذله بطلب والدته. في نفس الوقت، كان مازن يجلس في غرفته حزيناً على ضياع حبيبته، التي كان يحلم بها ولا يفهم سبب رفضهم له، فطното لم يخبره. دخلت عليه والدته وتنهدت قائلة: "خلاص يابني متزعلش نفسك، هي اللي خسرتك." نظر لها مستنكراً: "لأ يا أمي، أنا اللي خسرتها. بنت محترمة ومؤدبة، ولو لفيت الدنيا مش هلاقي زيها." حركت رأسها يميناً ويساراً قائلة: "من قلة البنات يعني؟
أنا مش عارفة على إيه النعرة دي." تعجب قائلاً: "نعرة إيه بس؟ أنا مش فاهم؟! أشاحت بيدها قائلة: "مش فاهمة إيه اللي زعلهم لما طلبت منهم إنك تقعد في الشقة بدل الإيجار؟ هو التوفير ده مش لهم هما كمان؟ صدم مازن ووقف قائلاً: "حرام عليكي يا أمي! إنتي إيه اللي خلاكي تعملي كده من غير ما تقوليلي؟ ليه كده؟ وأنا اللي كنت هتجنن مش فاهم ليه غير رأيه؟
كنت شايف الفرحة بتنط من عينه وكنت متأكد إنه هيوافق، لكن بعد كلامك حسوا إن طمعان وبستغل الظرف اللي هما فيه. حرام عليكي." خبط على قدمه عدة خبطات وهو غاضب جداً. أشاحت والدته بيدها وخرجت وتركته دون كلام. أمسك هاتفه وفكر أن يكلمه ويشرح له الأمر، فهو يعلم أنهم بالمطار، لكن قد يلحقهم ويخبرهم بالحقيقة. طلب الرقم وانتظر، لكن لم يأتِ أي شيء، فازداد غضبه وعاود الاتصال وهو في حالة قلق وتوتر شديد،
حتى سمع صوت الرد الآلي: "إنه خارج نطاق الخدمة". ففهم أن الوقت قد فات وأنهم قد ركبوا الطائرة. أغمض عينه وأخذ نفس وزفره بغضب وارتمى على سريره جالساً وهو حزين.
كانت بالفعل قد تحركت بهم الطائرة، لتأخذهم إلى مكان آخر وعالم جديد. كان كل منهم يمتلئ قلبه بالقلق والخوف، ولكن وجودهم معاً كان هو الشيء الذي يشعرهم بالأمان. كانت هيام هي الأخرى خائفة، فهي لا تعلم ماذا تخفي لها الأيام، فهي دخلت عالماً جديداً عليها لا تعرف ما نهايته. وكأن كلٍ منهم فُتحت أمامها أبواب لا تعلم ماذا ستواجه خلفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!