ظلّت هيام واقفة لبعض الوقت حتى تهدأ. أتت إليها نانا فقد لاحظت عليها الارتباك. اقتربت منها قائلة: "إيه؟ هربتي منا ليه؟ ابتسمت: "مهربتش ولا حاجة، بس قلة النوم تاعبانى." ربّتت على كتفها: "أنا عارفة إن الموقف صعب، لأنك مش متعودة على كده." أخذت نفس وزفرته: "يعني أهو كله مع بعضه، المهم خلصتِه؟ -الحمد لله، المشهد تم بأحسن ما كنت متوقعة كمان." أتى هيون واقترب منهم. نظر إلى هيام قائلاً:
"آسف لو كنت أزعجتك بتجربة المشهد معاكِ، لكنه نفعتني جدًا." تنهّدت وهزّت رأسها بالموافقة مع ابتسامة مصطنعة: "مفيش مشكلة." ابتسم: "جيد، لأنّي قد أكرر هذا كثيرًا، فهذا يزيد تركيزي." ونظر إلى عينيها، فتهرّبت منه وتحركت قائلة: "يلا بينا عشان نلحق نخلص، لسه في مشاهد كتير."
وتركتهم ودخلت مسرعة. نظر عليها وتنهّد ودخل هو ونانا التي لاحظت نظراته وفهمت سبب ارتباكها. بدأت تلاحظ ملاحقته لها في كل تصرف. مرّ اليوم وقاموا بتصوير العديد من المشاهد، وبقي مشهد لهذا اليوم. بدأت البطلة تفقد تركيزها. وقفت هيام تشرح لها قائلة: "ارجوكي ركزي معايا شوية. هو هيبقى نايم هنا بس مدروخ، انت مش هتلمسيه، فاهمني؟ يعني يا دوب بطرف صبعك كده بتلمسي جبينه." (وضعت هيام أطراف أصابعها على جبين الفتاة)
"كده، لكن هو بيرفض حتى ده وبيقولك ابعدي، فاهمة." هيون وهو ينظر لها وكأنه يقصدها بكلامه: "ولكن أليس هذا بزائد عن الحد نوعًا ما؟ فهو يعشقها ويتمنى لمسها." نظرت إليه بثبات: "لا، المشهد هنا لا يوجد به عشق، بل طمع. فهو شخص طامع بها ليس أكثر." هيون: "لكن آخر مشهد، وهو يوصلها، قلتي سينظر لها بامتنان وشكر." هيام: "هذا صحيح، لأنها داوته، كانت تستطيع الهرب وتركه، لكنها بقيت معه حتى تحسنت حالته رغم ما فعله معها.
(نظرت إلى البطلة) تمام كده؟ فاهمة." البطلة: "تمام، متقلقيش." ابتعدت هيام وبدأوا التصوير. انتهى اليوم وخرج الجميع. أشارت نانا لهم ليتوقفوا قائلة: "يا جماعة، معلش الكرفانات جت بس بعدد أقل من المطلوب، فمعلش نتحمل بعض الليلة وخلاص. ما بقاش غير بكرة ونخلص بإذن الله." وافق الجميع كلامها وتحركوا إلى الكرفانات. نظرت لها هيام قائلة: "هو إيه اللي حصل؟ ليه مجوش؟ نفخت قائلة:
"مدير الإنتاج راح لهم واتخانق وعمل مشكلة، وراح للمسؤول عنا في السفارة بس محدش عبرنا وبيعملونا كأننا درجة تانية. وبعد كل اللي عمله بالعافية بعتوا لنا كرفنات جاهزة، وعدد أقل من المطلوب كمان." ربّتت هيام على كتفها: "ولا يهمك، كلنا معاكي. ويا ستي الكاست كلهم يناموا فيها وإحنا خلينا في العربية زي ما إحنا." جزّت نانا على أسنانها: "للأسف مفيش حل غير كده." ابتسمت هيام لتخفف عنها:
"خلاص يا ستي، أهي ليلة وتعدي، متشغليش بالك إنت بس. إنما قول لي، أمّال أستاذ بدر فين؟ ابتسمت نانا: "راح شغل من الصبح وهيجي بعد شوية. كلمني وقال لي إنه على وصول." هيام: "خلاص خليكي معانا في العربية لحد ما يرجع." مصطفى: "إحنا ركبنا في عربية هيون امبارح، مريحة." هيام مازحة: "هي طبعًا مش زي العربية اللي جايبها لك بدر، بس أهو يلا." ضحكت نانا: "ماشي يا ستي، وبعدين يعني إن مكنش يجب لي هيجيب لمين؟ ضحكت هيام:
"ربنا ما يحرمنهم من بعض أبدًا." أتى بدر بسيارته. فنظرت إلى هيام: "طب أهو بدر جه، عن إذنكم أنا بقى، وناموا إنتوا كمان عشان نخلص بكرة." تركتهم وذهبت إلى السيارة وركبت بها. نظر مصطفى إلى هيام قائلاً: "إيه رأيك نركب إحنا ورا؟ قال هيون قبل أن تنطق هيام: "الأفضل إن تبقوا في الأمام لترتاح هيام، فالمقعد الأمامي أريح من الخلفي." مصطفى: "تمام، معلش بقى مستغلين عربيتك، بس محدش كان يعرف اللي حصل ده." هيام:
"أنا ونانا لفّينا عشان نلاقي حتى سكن صغير زي اللي إحنا قاعدين فيه يكون قريب، مفيش. وكان الحل الكرفانات." ابتسم هيون: "بالعكس، أنا سعيد بوجودكم معايا بالسيارة."
تعجّب مصطفى من رده، لكنه لم يعطِ الأمر بالاً. ركبوا جميعاً السيارة. أغمضت هيام عينيها محاولة النوم، لكنها تذكرت ما حدث وامتلاء عقلها بالمخاوف، ولم تستطع النوم. فتحت عينيها. نظرت على مصطفى وجدته نائم. نفخت وأغمضت عينها مرة أخرى. ظلت لبعض الوقت تحاول النوم لكن دون جدوى. فتحت عينيها مرة أخرى وظلت مكانها صامتة تحاول إسكات عقلها لتستطيع النوم. تنحنح هيون قائلاً: "ألا تستطيعي النوم؟
تفاجأت ولم تعرف ماذا تفعل. تصنّعت أنها لم تفهم. فقال: "ألم تفهمي ما قلته؟ أغمضت عينيها وابتلعت ريقها قائلة: "فهمت، ولكن تفاجأت من استيقاظك." ابتسم وتنهّد: "لا أعرف، لم تهو عيني النوم. يمكن أن نتحدث قليلاً إن كنتِ لا تستطيعين النوم." تنحنحت: "لا، أنا كنت نائمة وقلقت فقط. شكرًا لك، سأكمل نوم. نام أنت أيضًا، لدينا الكثير من العمل غدًا."
فهم أنها تتهرب من الحديث معه، ففضّل السكوت. وظلت لبعض الوقت حتى غلبها النوم. وفي الصباح بدأوا العمل وكان يبدو عليها الإرهاق. وبعد عدة ساعات، أثناء تصوير أحد المشاهد، شعرت هيام ببعض الدوار لكنها لم تعطِ الأمر اهتمامًا. انتهى تصوير المشهد وقامت لتشرح للبطله بعض الأشياء عن المشهد. وفجأة فقدت توازنها وكادت تقع. كان هيون يلاحظها وأسرع ليلحق بها، لكن سبقه مصطفى وحملها وخرج بها إلى الخارج. وضعها على مقعد أحضره هيون من الداخل. اقتربت منها نانا وقربت منها بعض العطر،
فأفاقت ونظرت حولها قائلة: "هو إيه اللي حصل؟ وليه حاسة الدنيا بتلف؟ نانا: "يظهر إنك حملتي على نفسك زيادة ودوختي وكنتي هتقعي لولا مصطفى لحقك في آخر لحظة." أخذت نفس وزفرته: "يظهر فعلاً إني مرهقة شوية. خلاص أنا بقيت كويسة، كملوا إنتوا شغل عشان منتأخرش." نانا: "شغل إيه؟ مش مهم أي حاجة، المهم صحتك." هيام: "لأ، أنا كويسة. هرتاح بس شوية وكملوا إنتوا." استسلمت نانا قائلة: "طب ماشي، هندخل نكمل، بس خليكي إنت هنا في الهوا."
هيون: "سأفتح لك السيارة لترتاحي بها. هيا يا مصطفى معي." نظر لها مصطفى فأومأت بالموافقة. هم ليحملها فرفضت قائلة: "لأ، أنا هقدر أمشي، بس سندني." استند عليه وتحركت ببطء. كان هيون يسير إلى جوارها من الجهة الأخرى، وهو يضع يده في الهواء كأنه يسندها، فهو لم يتحمل رؤيتها متعبة. أسرع وفتح لها باب السيارة الخلفي قائلاً: "تعالي هنا لترتاحي أكثر." وقفت للحظات وقالت: "لا، سأجلس في الأمام، أرتاح به أكثر."
تعجّب هيون من رفضها، لكنه فكّر أنها تعرف ما يريحها. تعجّب مصطفى هو الآخر، لكنه أرجأ السؤال لوقت آخر. أجلسها بالكرسي الأمامي وقامت بإرجاعه إلى الخلف، فأصبح مريحًا أكثر. أغمضت عينيها. أغلق مصطفى الباب ولف وجلس بالكرسي الآخر. كانت نانا تتابعهم بترقب. وعندما اطمأنت عليها، أشارت للجميع بالدخول لاستكمال العمل. ظل مصطفى يجلس إلى جوارها دون كلام. رن هاتفه، فأخذه وخرج من السيارة وابتعد ليجيب. خرج هيون ليطمئن على هيام، وجدها وحدها بالسيارة، فجلس إلى جوارها. ظل ينظر لها لبعض الوقت ومد يده ليلمس وجنتها، فشعرت بحرارة يده. ففتحت عينيها، ففزعت عندما رأته
وأبعدت يده عن وجهها قائلة: "ماذا هناك؟ ابتسم: "لا شيء، كنت أريد التأكد من حرارتك." ابتلعت ريقها قائلة: "أنا بخير. الأمر أني لم أنم جيدًا فقط." نظر لها: "لماذا لم تستطيعي النوم؟ أغمضت عينيها وفتحتهم وقالت: "المكان غير مريح، لم أستطع النوم لهذا السبب." نظر إلى عينيها: "حقًا هذا هو السبب، أم أنك كنتِ تفكرين في كلامي؟ تصنّعت النسيان ونظرت بعيدًا قائلة: "أي كلام؟ أنا لا أذكر." اتسعت ابتسامته:
"كلامي الذي تهربين منه الآن وتنظري بعيدًا لكي لا أرى إجابته في عينيك." ارتبكت وشعرت أن جسدها يخرج دخانًا، ففتحت باب السيارة ونزلت. وقفت بالخارج، فنزل هو الآخر ووقف أمامها قائلاً: "لما تهربين مني؟ أخبرتك بمشاعري... قاطعته: "سيد هيون، ألا ترى أنك تسرعت قليلاً؟ أنت لم تعرفني إلا من فترة قليلة، وهذا لا يكفي لأن تحبني؟ عبس قائلاً: "الحب لا يحتاج إلى وقت، إنه شعور قد يولد من النظرة الأولى، وهذا ما شعرت به."
أغمضت عينيها ونفخت قائلة: "لا، أظنك تسرعت قليلاً، وما هذا إلا إعجاب بفتاة مختلفة بعض الشيء. والأفضل لي ولك أن نؤجل الأمر قليلاً." أشاح وجهه عنها وأعاد شعره بيده إلى الخلف ونفخ في غضب. والتف ونظر لها قائلاً: "لكني متأكد من مشاعري ولا أحتاج إلى الوقت." زاد ارتباكها وزمتت شفتيها وقالت: "لكني أحتاج إلى الوقت. أنا لم أفكر في الأمر من الأساس، فرجاءً أجل الكلام به قليلاً." فكر قائلاً:
"سأؤجله قليلاً فقط، لأني أراكِ متعبة ولا أريد أن أزيد الأمر عليكِ. هيا ادخلي إلى السيارة لترتاحي." هزت رأسها بارتباك: "أشكرك، ولكن لا تركب إلى جواري مرة أخرى." ابتسم وهز رأسه: "لن أركب. هيا اركبي أنتِ لترتاحي، وسأقف هنا فقط لأطمئن عليكِ." هزت رأسها بالموافقة وعادت إلى السيارة وظلت بها تحاول أن تهدأ. خافت أن تغلق عينيها فيأتي إلى السيارة. حتى رأت مصطفى قد عاد، فهدأت وأغلقت عينها. اقترب منه مصطفى قائلاً: "في حاجة حصلت؟
فهو يرى هيام بالسيارة كما تركها. تنبّه هيون قائلاً: "ماذا؟ لم أفهم ما قلت؟ انتظر سأضع السماعات." مصطفى: "بأسألك في حاجة؟ خرجت ليه من جوه؟ هيون: "أنهيت مشاهدي، فخرجت لأطمئن على هيام." هز رأسه بالموافقة وتحرك نحو السيارة فلحقه هيون قائلاً: "هل يمكن أن أجلس معكم في السيارة؟ ابتسم مصطفى: "انت بتستأذن؟ دي عربيتك يا ابني." ابتسم هيون وهز رأسه بالموافقة، وركبا الاثنان السيارة. فتحت هيام عينيها ونظرت إلى مصطفى: "ده طارق؟
ابتسم: "أيوه، كان بيطمني على المشروع وكيم." هيام: "عامل إيه دلوقتي؟ مصطفى مازحاً: "انت أكيد تقصد المشروع مش كيم، صح؟ فابتسمت: "بطل رخامة." ابتسم: "يعني لازم أرخم عليكِ عشان تبتسمي. عمومًا يا ستي، هو بخير وخرج من المستشفى، بس... قاطعته: "هحاول أنام شوية."
فهم أنها لا تريد التحدث، فهيون يجلس بالخلف ويضع السماعات، وسيسمع ما يقول. هز رأسه بالموافقة دون كلام. أغمضت عينيها محاولة النوم. أمسك مصطفى هاتفه وراسل أحدًا عبر النت. أتت نانا، وقفت أمام السيارة. نظرت عليها من بعيد وأشارت إلى مصطفى، فنزل إليها. أعطته بعض الطعام قائلة: "لما هيام تصحى خليها تاكل عشان هي مأكلتش كويس في الفطار. وإحنا خلاص بنفنش، وإن شاء الله نخلص النهارده ونروح."
أخذ منها الطعام وعاد إلى السيارة. بعد بعض الوقت استيقظت ونظرت له قائلة: "هي الساعة كام؟ ابتسم: "في حد يصحى من النوم يسأل الساعة كام؟ إيه وراكِ معاد؟ ابتسمت: "لأ، بس كنت عايزة أعرف أنا نمت قد إيه؟ هز رأسه: "تقريبًا كده بتاع نص ساعة. ملحقتيش تنامي أصلًا." تنهّدت: "معتقدش إني هعرف أنام أصلًا. هنزل أكلم حنان أطمن عليها."
هز رأسه بالموافقة. نزلت وقفت بجوار السيارة. حزن هيون وشعر أنها لا تريد أن تتحدث بالسيارة لأنه بداخلها، فربّت على كتف مصطفى قائلاً: "ألن تنزل خلفها لتعتني بها؟ قد تفقد توازنها مرة أخرى." مصطفى مترددًا: "معك حق، سأنزل خلفها، ولكن أخاف أن أضايقها، فقد تكن تريد أن تتحدث إليها بشيء خاص." فكر هيون: "قد تكن محقًا. سأنزل لأدخل الحمام." وتركه ونزل. ذهب إلى الحمام. لحقه مصطفى. وقف بجوار هيام، فنظرت إليه قائلة: "في حاجة حصلت؟
-لأ، بس خوفت تدوخي تاني." ابتسمت: "لأ، متقلقش، أنا كويسة. ولو حسيت إني دايخة هدخل العربية." ابتسم: "برضه مش هيخسر إني أبقى جنبك، وإلا إذا كنتِ مش عايزة تتكلمي قدامي." ضحكت: "ماشي يا عم، خلينا واقف." وعادت إلى المكالمة قائلة: "آسفة يا حنان، بس حلت عليا الحنية شوية." حنان في عجلة: "معلش، هسيبك، في زبون جه. وبعد ما يمشي هكلمك تاني." أنهت معها المكالمة ونظرت إلى مصطفى قائلة: "مبسوطة؟ أهي قفلت المكالمة." مازحها:
"الله، وأنا مالي أنا؟ هي اللي قفلت مش أنا؟ هزت رأسها: "ماشي يا عم، خلينا بره العربية شوية، حاسة بخنقة." فكر قائلاً: "إيه اللي خانقك كده؟ تنهّدت: "صعبان عليا كيم، وخايفة أكون اديته أمل كداب." ربّت على كتفها: "لأ طبعًا، بالعكس. هو فهم إن حنان مش هتغير رأيها، وإن اللي هو كان بيعمله هو اللي غلط. إنتِ فوقتيه." أخذت نفس وزفرته: "ياريت فعلًا يكون فاق."
-أنا لسه مكلمه من شوية وحسيت إنه فهم كويس. واتفقت مع طارق هنجيب له كتب عن الدين الإسلامي ونديهاله ونسيبه يختار، لأن طارق مش طايق إنه يسيبها معاه في المطعم بعد ما عرف إنه بيحبها." عبست: "ده أصلًا كان متوقع."
رن هاتفها، فنظرت به وأشارت له أنها حنان وبدأت تجيبها. كان هيون يقف بالقرب منهم دون أن يلاحظه وسمع كل ما قاله، لكنه لم يفهم لما طارق غاضب من وجود كيم معها. لكنه لم يرد أن يسأل مصطفى في هذا الوقت. جلس بالسيارة ينتظرهم. ظلت هيام تتحدث إلى حنان لبعض الوقت حتى أتت إحدى العاملات نادت على حنان، فأنهت معها المكالمة ودخلت لهم في المطبخ، ورأت ما الأمر وحلّته لهم. وخرجت مرة أخرى فوجدت كيم يقف في الخارج يتحدث مع مسؤول الحسابات
في المحل. وقفت مكانها تنظر عليه من بعيد، فهي تريد الاطمئنان عليه. ابتسمت وتنهّدت، عادت إلى المطبخ قبل أن ينتهي من حديثه. فور أن التفت نظر عليها، فهو كان يتصنّع عدم رؤيتها لكنه يتابعها، فهو يعلم أنها ستتجنب الحديث معه. ظل لبعض الوقت ثم ابتعد وقف بعيدًا دون أن يراه أحد. كان يريد أن يبقى معها لحمايتها، لكنه لم يستطع البقاء بالقرب منها. خرجت مرة أخرى بحثت عنه بعينيها في المكان، لكنها لم تجده. نفخت بخيبة أمل وعادت إلى
العمل في المطبخ. آخر النهار أتى طارق وظل معها حتى نهاية العمل. ظل كيم مكانه يراقبهم من بعيد. ركبا الاثنان سيارة تقلهم إلى المنزل بعد إغلاق المطعم. بعد أن تحركت، أخذ كيم سيارته التي كان يضعها بعيدًا كي لا يراها أحد ويعرف بوجوده. وفي اليوم التالي فعل كيم نفس الشيء وظل واقفًا بعيدًا، ينظر إليها ويراقبها وقلبه يألمه، فهو يتمنى أن يجري عليها ويضمها ويصرخ بكل ما به من عشق لها ويقول إنها حبيبته، لكنه يعلم ردة فعلها ويفهم
أنه قد يخسرها. في المساء، بعد أن أتى طارق، اتصل عليه واستأذن أن يأتي لزيارته. فأسرع وأخذ سيارته وعاد إلى منزله. أتى إليه طارق وظل معه لبعض الوقت. وقبل أن يذهب، قدم له فلاشة صغيرة وبعض الكتب قائلاً:
"هذه هدية صغيرة أتمنى أن تكون سببًا في هدايتك. كنت أود تقديمها لك منذ مدة، لكنني كنت خائفًا أن ترفضها." ابتسم كيم وأخذها: "وهل يمكن لأحد أن يرفض هدية صديق مثلك؟ أشكرك جدًا عليها." وقف طارق: "لا وجود للشكر بين الأصدقاء." وقف كيم هو الآخر: "أنت شخص جميل، وأتمنى أن نبقى أصدقاء إلى الأبد." اتسعت ابتسامة طارق: "مؤكد، حتى لو عدت مصر في يوم، لن أنسى صديقي الذي ساندني دائمًا منذ وصولي هنا."
ربّت كيم على كتفه وهز رأسه مبتسمًا: "ولا أنا. أعتذر من البقاء في المطعم الأيام القادمة، سآتي فقط لساعة وأذهب كل يوم." شعر طارق أن هذا أفضل، فهو قلق من وجوده طوال اليوم مع حنان، فهز رأسه بالموافقة: "كما تريد، هو مطعمك في الأساس."
هز كيم رأسه، فهو فعل ذلك لراحته هو، فهو كان يرى القلق بعينه، ويعلم جيدًا مدى غيرته عليها. خرج طارق من عنده وعاد إلى المطعم وأخبر حنان بما حدث. ابتسمت ولم تظهر أمامه ألمها، فهذا يعني أنه اختار نسيانها، وعليها أيضًا أن تنساه، فهو من اختار. شغلت نفسها بالعمل كي لا تفكر بالأمر. شعر بها طارق، لكنه لا يملك لها شيئًا سوى أن يدعو الله أن يخفف ألمها، ويهدئ وجع قلبها. انتهى العمل وعادا إلى المنزل. مازحها طارق طوال الوقت محاولًا التخفيف عنها، لكنها كانت تتصنع الضحك. وفي اليوم التالي، أتت هيام لها في الصباح. احتضنتها حنان بشوق شديد، فهي كانت تحتاج إلى التحدث إليها.
نظرت إليها هيام قائلة: "هدخل معاكي المطبخ أساعدك نخلص بسرعة ونخرج نتمشى شوية." هزت حنان رأسها بالموافقة ودخلتا معًا. وقف هيون ينظر في المكان يبحث عن كيم. اقترب منه مصطفى قائلاً: "بييجي يقعد ساعة واحدة ويمشي. طارق هو اللي قالي." هز هيون رأسه بالموافقة دون كلام، فهو لا يصدق ذلك. خرج طلبه في الهاتف لحظات وأجاب قائلاً: "أهلاً بك هيون، كيف حالك؟ ابتسم هيون: "كيف حالك أنت؟ أريد التحدث إليك ورؤيتك. أين أنت؟
فكر كيم وتردد للحظات، ثم أخبره بمكانه، فأسرع إليه ووقف إلى جواره قائلاً: "هل أنت مجنون؟ لما تقف هكذا؟ تنهّد قائلاً: "لا أستطيع تركها وحدها، ولا أستطيع البقاء معها، ففضلت مشاهدتها من بعيد." زادت دهشته: "لكن أنت تعذب نفسك هكذا." تنهّد:
"لا أتحمل رؤيتها قريبة مني دون ضمها إلي. أريد أن آخذها وأهرب بعيدًا، لكن حتى هذا لا يمكن. قلبي ينفطر ألمًا وأنا أراها أمامي ولا أستطع حتى التحدث إليها، ولن أرتاح لو ذهبت. فماذا سيحدث لو حاول أحد إيذاءها؟ من سيحميها وطارق في عمله؟ نظر له هيون ولم يجد ما يجيب به عليه. وفكر قائلاً: "لكن بقاء هنا سيكون تعبًا عليك ويسبب لك المرض. كيف ستحميها وأنت مريض؟ هز رأسه رافضًا:
"لا تقلق، أحضر معي طعام وماء، وأجلس على جذع الشجرة هذا وأرتدي ملابس ثقيلة." عبس قائلاً: "أنت أحمق. اذهب إليها أو اتركها وارحل، لكن ما تفعله هذا لا يفرق كثيرًا عن أن تترك للطعام والشراب." ابتسم ابتسامة هزيلة حزينة: "أنت لا تفهم لأنك لم تحب مثلي. الحب هو أن تحمي حبيبتك حتى منك أنت نفسك. حنان أخذت قلبي وروحي، وحمايتي لها لأجلي لا لأجلها فقط. مجرد التفكير أنها قد تصاب بأذى يثير جنوني." نظر إليه رافضًا:
"أنت عاشق أحمق. هل ستظل تراقبها هكذا حتى يأتي رجل آخر ويأخذها منك؟ نفخ وقبض على يده وجز على أسنانه: "لا أتحمل التفكير في هذا الأمر حتى." هيون غاضبًا: "إذا تحرك، لا تبقى هنا تراقب من بعيد." هز رأسه بالموافقة: "معك حق في ذلك، لكن هذه الفترة هي للتفكير وأخذ القرار. أفهمت." نفخ هيون وظل معه حتى خرجت هيام وحنان للتمشي قليلاً، فخرج هو وكيم خلفهم دون أن يروهم. جلستا في الحديقة التي جلسا بها المرة السابقة.
نظرت حنان لهيام قائلة: "مالك؟ وشك أصفر وشكلك باين عليه التعب جدًا." هيام: "الشغل كان متعب اليومين اللي فاتوا جدًا. ده من رحمة ربنا بينا إن الجامعة أجلت التصوير النهارده، فقعدنا نرتاح." حنان متعجبة: "انتوا مش كنتوا قاعدين امبارح بردو؟ ابتسمت هيام: "قصدك نايمين، الكل أخد نوبه نوم. جسمنا كان مكسر من قلة النوم هناك، بس الحمد لله خلصنا الشغل اللي هناك كله." ابتسمت متعجبة: "وإيه اللي وداكم المكان ده؟ من قلة الأماكن يعني؟
هزت رأسها قائلة: "أنا عارفة. أهو الريجستير هو اللي قال إن المكان ده مناسب. إنما سيبك بقى من الكلام ده وقولي لي إيه اللي حصل الأيام اللي فاتت وإنتِ عاملة إيه؟ تنهّدت حنان بألم: "أنا كويسة. هاخد وقت لحد لما أنساه، بس خلاص، هو اللي اختار." تنهّدت بحسرة عليها: "الوقت كفيل إنه يداوي أي جرح. ومتزعليش لأنه هو اللي خسرِك." ترددت حنان:
"تعرفي أنا زعلت عليه لأنه إنسان طيب وفعلاً كان نفسي يدخل الإسلام. خسارة إنسان يبقى بالقلب الجميل ويخسر في الآخر. تعرفي من يوم ما اعترفلي بحبه ليا وأنا بصلي وبدعي ربنا إنه يهدّي قلبه للإسلام. (امتلاءت عيناها بالدموع) مش لأني حبيبته بس لأ، لأنه فعلاً إنسان طيب وجميل." ضمّتها هيام وربّتت على ظهرها وتنهّدت وهي تقول في عقلها:
"لما كيم الشخص العادي اللي مش هيتنازل عن شهرته ولا معجبينه رفض يغير حاجة في حياته عشانها، أمال هيون هو اللي هسيب كل ده؟ يظهر إننا إحنا الاتنين كنا في حلم وصحينا اكتشفنا إنه كابوس. هنفضل نتعذب بسببه كتير قوي. مش عارفة أقول لك إيه يا صاحبتي ولا أواسيكِ إزاي، بس ربنا أكيد هو اللي قادر يخفف ألمك." أمسكتها هيام من ذراعيها وابتسمت ومسحت دموعها بيدها قائلة: "مفيش دموع تاني خلاص. حنان قوية ومش هتندم على حاجة عملتها صح."
ابتسمت بحزن وهزت رأسها: "صح. وطول ما صاحبتي ديما جنبي، عمري أبدًا ما هاخد خطوة غلط." عبست هيام: "طول ما ربنا معانا مساندنا وجعلنا ديما نسند لبعض، عمر ما حد منا هيضيع بإذن الله." حنان بثقة: "ونعم بالله. ربنا يديمك ديما نعمة في حياتي." ابتسمت هيام: "ولا يحرمني منك أبدًا. إيه رأيك بقى نعمل زي المرة اللي فاتت؟ أكملت حنان: "ونعمل حلويات جديدة." قامتا الاثنتان وذهبتا إلى المتجر. نظر هيون لكيم متعجبًا:
"لم أفهم أبدًا. هل هي حقًا تحبك أم لا؟ وهيام هذه هل تحبها أم لا؟ لقد شوّشت كل أفكاري بكلامها." أخذ كيم نفسًا وزفره: "لكني فهمت أنها تحبني أكثر مما أحبها وبكثير. اكتشفت أني لا أستحقها. أتعرف؟ أنت أيضًا لا تستحق هيام." نظر إليه هيون متعجبًا، فنظرته وطريقة كلامه تغيرت، لم تعد يائسة، ولكنها أصبحت غامضة محيرة، وكأنه كان تائهًا وفجأة وجد أمامه الطريق: "لا أفهمك تمام يا صديق، ولا أعرف ماذا تقصد." ابتسم كيم:
"لا يمكن شرح ما قلته هذا. عليك أن تكتشفه وحدك. وإن كنت تحب هيام حقًا، ستكتشفه. ولكن لا أعلم إن كنت وقتها ستفعل أم لا." زادت حيرة هيون: "أنت تتحدث بالألغاز ولا أفهم ما الذي سأفعل أو لا أفعله." ربّت كيم على كتفه: "ستفهم وحدك. الأيام كفيلة أن تفهمك، صدقني. مهما شرحت لك لم أستطع أن أوضح ما قصدت. عليك اكتشافه وحدك." فكر قليلاً وقال: "هل هذا يعني أنك اتخذت قرارك وستنفذه؟ هز رأسه بقلق شديد:
"نعم اتخذته، ولكن لا أعلم هل أستطيع تنفيذه أم لا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!