المشهد اللي واقف قدامه زين كان أصعب من إنه يتخيله. بقى واقف مكانه بيتنفس بصعوبة من شدة الصرخات اللي صرخها ومحدش حاسس بيه ولا سامعه. ثابت في مكانه وكأن رجليه رافضة تتحرك. شايف جثة مرمية على سرير حديد قصاد عينيه في أوضته، بينه وبينها خطوات مش أمْتار، ومش قادر يهرب من المنظر أو إنه حتى يستوعب اللي شايفه. وعلشان المشهد يكمل قدام عينيه والرعب يتخطى كل الحدود جواه، ظهر جنب السرير شخص غريب. كان أول مرة زين يشوف الشخص ده.
لكن هو هيبقى الراجل بس اللي غريب؟ ده شكله مريب جدا، وطويل بدرجة غريبة. وبغض النظر عن كل الغرابة دي، إلا إنه برضه مين ده علشان يكون موجود في أوضة زين؟ طيب جاد وارد وجوده يكون بسبب تفكير زين بشكل مستمر فيه؟ آه طبعًا مش مبرر يخليه يشوفه في أوضته بالشكل ده، بس ده حتى لو طلعنا مبرر لوجود جاد وقولنا تخيل، لكن بالنسبة للشخص ده؟! ياترى يبقى مين؟
التفت الشخص اللي كان واقف جنب السرير وباصص لجاد اللي ثابت في مكانه ومغمض عينيه. وفجأة التفت وبص ناحية زين اللي اترعب واتخض من نظرته الغريبة دي. تجاهل الشخص ده خوف زين واتحرك في الأوضة وكأنها بتاعته أو كأنه عارفها ومتعود عليها. راح ناحية الدولاب بتاع زين وفتح الدولاب ووطى، كأنه كان بيدور على حاجة في أرضية الدولاب.
وفي نفس الوقت اتخطف قلب زين لما شاف جاد بيقوم من نومته دي ويقعد على السرير الحديد. وشه أزرق، بيتحرك وكأنه إنسان آلي. حس زين إنه عايز يرجع يصرخ من تاني، لكن صوته مش طالع. رجليه مش مطاوعاه إنه يخرج من الأوضة. مشغول الشخص ده ولسه بيدور على اللي هو عايزه.
لكن جاد قام ونزل من على السرير. المنظر مرعب، غريب، مخيف لأقصى درجة. اتحرك جاد بخطوات بطيئة ناحية زين اللي كان صوت قلبه مسموع وكأنه صوت طبلة. وقف جاد قصاد زين وجسمه منحني ونظرته لزين غريبة. كان بيرتعش زين. لكن جاد اتكلم وقال: –كده أنا نفذت آخر طلب.
وفي أقل من لحظة اختفى جاد من المكان كله. رجل زين بترتعش. وفي اللحظة دي وقف الشخص بعد ما لقى اللي كان بيدور عليه. بص ناحية زين اللي واقف في حالة صدمة ورفع إيديه قدام زين من عند الدولاب وهو ماسك... كفن أبيض. واتكلم وقال بصوت واطي ومريب: –ده دورك يا قادوس. وفي نفس اللحظة اختفى الشخص ده. وقع منه الكفن على الأرض. لكن واقف زين في مكانه دموعه نازلة وصوته محبوس وحركة رجليه مش مساعداه. الموقف كله كأنه مشهد اتصور قدام
عينيه وفجأة المخرج قال: –فركش. وهنا ابتدوا كل واحد في اللوكيشن يجمع المعدات اللي موجودة. الدولاب مقفول زي ما كان. السرير الحديد مالهوش أثر. حتى جرد المياه البلاستيك اللي كان تحت رجل السرير من عند رأس جاد... مبقاش له أثر. ورغم إن كل ده كأنه محصلش إلا إن الكفن هو الحاجة الوحيدة اللي موجودة في الأرض قدام عيون زين.
فضل على الحال ده أكتر من عشر دقايق. مش حاسس بالوقت ولا حاسس بالزمن. كل اللي حاسس بيه إنه خايف. ميعرفش زين إيه اللي حصل بالظبط خلاه يبقى قاعد على سريره وماسك في إيديه الكفن الأبيض. بص للي في إيديه. وفي النهاية صوته كان لازم يخرج، لكن كان مبحوح وهادي وقال لنفسه: –طيب إيه المطلوب مني وأنا أعمله؟ أنا مبحبش حد يلعب بأعصابي، أنا إيه علاقتي بكل اللي بيحصل ده؟
كان بيتكلم بصوت هادي لكن الخوف باين فيه. مستني حد يجاوبه، لكن مفيش إجابة. مفيش رد. اتكلم زين تاني وقال: –مش الطبيعي بتاعي إني أخاف، أنا عايز أفهم، ولما أفهم هقدر أقبل كل اللي بيحصل، لكن الشد والجذب ده أنا مبحبش أتعامل معاه. فهموني ووضحولي إيه المطلوب مني، أنا قد أي حاجة، وأقدر أكون في أي مكان وأي موقف يتطلب مني أكون فيه. برضو مفيش رد. محدش بيجاوب. لكن باللون الأحمر اتكتب على حيطان الأوضة: –هتكون أنت الوسيط، لكن...
استعد لاستقبال السبعة. قرأ زين الكلام اللي على الحيط وكرره أكتر من مرة، مركز مع الكلام ومستغرب: –وسيط؟! ماشي، يعني هبقى حلقة وصل بينكم وبين حاجة تانية أكيد هتفهموني إيه هي!! لكن اللي عايز أعرفه بقى.. إيه استعد لاستقبال السبعة دي؟ مين السبعة أصلًا؟ واستقبلهم فين؟ اتمسحت الجملة اللي على الحيط واتكتب جملة تانية غيرها زودت استغراب وصدمات زين: –في جسدك... رفقاء لروحك.
برق زين للجملة. اتكلم وقال بنفس الصوت وهو متأكد إن فيه حد معاه في الأوضة سامعه وبيرد عليه من غير صوت ومكتفي بالكتابة بس: –يعني إيه جسدي؟ هما مين دول رفقاء الروح؟ استقبلهم في جسدي إزاي؟ اتمسحت الجملة واتكتب من تاني إجابة لسؤاله: –السبع أمراء، هيكونوا شركاء ليك في نفس الجسد، روحك مرافقة ليهم جواك. لسه هيستفسر زين من تاني، لكن اتمسحت الجملة واتكتب جملة جديد منعته من إنه يسأل:
–مش مسموح أكتر من كده، هتعرف كل حاجة في وقتها، لكن في النهاية اسمك قادوس. فهم زين إنه ميسألش تاني. لكن بقى يكلم نفسه بعد ما الكتابة اختفت من على الحيط: –قادوس إيه؟ أمراء إيه اللي استقبلهم؟ أعمل إيه يعني؟ واستقبلهم في جسمي إزاي؟ هو إيه اللي جابني هنا؟ أنا كنت مرتاح هناك، من يوم ما رجعت هنا وأنا تايه.
كلامه مع نفسه كتير. اللي بيحصل معاه رغم مدى اطلاعه إلا إنه أكبر من إنه يستوعبه ويتحمله. رغم قوة شخصيته وثقته إلا إن الرعب والخوف مفيش إنسان كبير عليهم. فضل على الحال ده لحد ما نام على سريره بنفس الهدوم اللي كان بيها برة البيت. ومش عارف فات وقت قد إيه نايم. لكن فتح عينيه على صوت زينة وهي بتقوله: –قوم يا زين، قوم يا حبيبي بابا عايزك معاه في مشوار. فتح زين عينيه بتعب. شال من عليه الغطا. استغربت زينة وقالت:
–أنت نايم بالهدوم اللي كنت بيها برة يا زين؟ أنت تعبان ولا إيه يا حبيبي؟ زين بيبص لهدومه وعينيه وارمة من كُتر النوم. رد على زينة وقال: –محسيتش بنفسي، نمت وأنا مستني السخان يتملي. زينة: –يا روحي، خلاص هخلي بابا يجيبلك في أوضتك سخان غاز أفضل من الكهربا اللي بيفضى ده، يلا بقى قوم علشان تلحقوا تروحوا المشوار اللي عايزك معاه فيه. زين قام من مكانه واتحرك ناحية الحمام وهو بيقول لزينة: –مشوار إيه ده يا ماما؟ زينة بحزن:
–حالة وفاة في العيلة عند باباك، وأنت دلوقتي مش صغي... زين بتوتر: –وفاة؟ مين يا ماما اللي اتوفى؟ زينة: –أستاذ جاد قريب بابا، اللي أنت كنت بتسأل على الكتب ال... قاطعها زين بخوف وهو بيبص على مكان السرير اللي كان نايم عليه جاد في أوضته وقال: –مات؟ فين؟ إمتى؟ إزاي؟ زينة: –مش عارفة تفاصيل يا زين صدقني، بابا بقى يقولك، غريبة أول مرة أشوفك تتخض على حد بالشكل ده! زين: –هاخد دش وأغير هدومي وأنزل بسرعة.
فعلاً خرجت زينة من أوضة ابنها، ودخل زين أخد الدش بتاعه وغير هدومه وفي دماغه مليون حاجة. نزل من أوضته دخل الريسيبشن لباباه اللي كان قاعد بيتفرج على التليفزيون وجاهز للخروج. اتكلم زين: –مساء الخير يا بابا، هو اتوفى إزاي؟ فهيم: –مساء النور يا زين، لسه مش عارف يا حبيبي، اتصل بيا عمك محيي وبلغني بأنه اتوفى، لازم نكون موجودين، كده كده هيتدفن بكرة مش النهاردة. زين بتوتر: –طيب ليه يستنى لبكرة ما يتدفن النهاردة. فهيم:
–الدفن بيكون لحد العصر، عندنا هنا مش بنحب ندفن بليل. كان لسه هيسأل لكن فهيم قال: –كفايا أسئلة بقى يا زين، خلينا نروح للناس، أنا مستنيك من بدري. فعلاً خرجوا فهيم وزين. بالنسبة لفهيم ابنه زين راجل مينفعش يبقى فيه أي مناسبة وابنه مش موجود فيها، دي عادات بالنسبالهم مش بيتنازلوا عنها. راجل ولازم يكون مع أبوه في أي مكان يستدعي وجودهم...
ووصلوا لبيت جاد، ناس كتير، زحمة، ناس من العيلة وناس غريبة ميعرفهاش زين ولا شافهم قبل كده. مراسم العزا بتحضر من بالليل، بينصبوا الصوان، كراسي كتير في كل مكان، سماعات كبيرة وقرأن شغال.
قرب زين وفهيم من باب البيت اللي كان قدامه جنينة كبيرة بيجهز فيها كل حاجة خاصة بالعزا. ابتدا فهيم يعزي اللي واقفين من العيلة في استقبال المعزين، وقلد زين اللي فهيم عمله بالظبط بنفس الجمل اللي قالها أبوه برضو. ودخلوا البيت وقعدوا مع الناس اللي قاعدة. لسه هيتكلم فهيم، لكن سبقه زين على غير العادة: –اتوفى إزاي؟ وامتى؟ رد عليه إبراهيم واحد من أولاد جاد وقال:
–اتوفى الساعة 8، كان قاعد في الجنينة برة وبقاله فترة مكانش خرج من باب البيت للجنينة. رجع دخل أوضته وقفل عليه. الساعة 9 دخلت أختي عليه علشان تديله الدوا بتاعه لقيته نايم في سريره ومتوفي. زين مصدوم، بيتكلم ويقول: –لسه... لسه كنا مع بعض، كنا قاعدين سوا... إبراهيم لأخوه كارم وسأله: –مقولتليش يعني إنه كان قاعد مع حد قبل ما يرجع أوضته. كارم باستغراب: –علشان محدش جاله أصلًا علشان أقولك يا إبراهيم. بص كارم لزين وسأله:
–كنت قاعد معاه إمتى؟ استغرب زين استغرابهم، لكن زود إبراهيم الذهول وقال: –أصل محدش بيتجمع في البيت هنا إلا لو فيه داعي، غير كده محدش بييجي، وبابا برضو مبيخرجش برة البيت أصلًا، مبيقدرش يتحرك لواحده كتير. اتفاجئ زين وسأل: –يعني هو خرج للجنينة بس؟ يعني مبيروحش القهوة مثلًا... قاطعه إبراهيم بحزن وقال: –لأ طبعًا... بابا مستحيل يخرج لواحده يقعد في مكان، بينسى مكان البيت ومبيعرفش يرجع، علشان كده اتعود على أوضته وعلى البيت...
في اللحظة دي زين كان مصدوم من اللي بيتقال، بيسأل نفسه: –اومال أنا كنت قاعد معاه إزاي؟ اومال أنا كنت متكلم مع مين؟ يعني أنا مجنون؟ في اللحظة دي سمع زين صوت بينادي باسمه: –زين. بص زين ناحية الصوت، واتصدم لما شاف جاد واقف بعيد شوية عند باب أوضة المكتب وبيشاورله وبيقوله: –تعالى، أنا عايزك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!