وشها بهت والرعب ظهر عليها ورجعت خطوتين لورا. ضحك بانتصار لما شاف حالتها وكمل: "عبيطة أوي انتي يا شهد... فاكرة إنك كدة كنتي بتحميه من مرض عمر؟ إحنا كنا عارفين من زمان بس بصراحة اللعبة عجبتنا، لأن مش في آخر الزمن حفيد اللواء عبد الرحمن يبقى من بنت حرام متربية في ملاجئ وجاي عن جواز عرفي وقدرتي تحوليه لرسمي عشان شهادة الميلاد، مش كدة؟ اتكلمت بصعوبة من وسط دموعها: "أنا مش عايزة أي حاجة غير إني أبعد بيه...
والله ما عايزة حاجة يا نصر بيه." "دلوقتي مش عايزة حاجة وهو حتة لحمة حمراء، لكن لما يكبر ووعوده يشد نبص نلاقيه جاي بقا وعايز حقه، مش كدا؟ "لا لا والله ما هيحصل، طب أقولك؟ غير شهادة ميلاده، خليها باسم أبويا وأنا هتنازل رسمي عن نصيبي في ورث عمر، كدة إحنا هنبعد وحضرتك مطمن إني مش هظهر لا أنا ولا ابني تاني أبداً، والله ما هتشوفني تاني أبداً، بس سيبهولي الله يخليك، أبوس إيديك يا باشا سيبلي ابني متأذيهوش." "عرض حلو...
بس لو... قاطعته: "مفيش لو، والله ما هظهر تاني أبداً، هاخده ونختفي." وقاطعها هو المرة دي: "استني بس، مش سلق بيض هو. أبوكي ميت من سنة ونص، هنسجله باسمه إزاي؟ متعرفيش يا شهد إن أهم من الشغل تظبيط الشغل، ولا إيه؟
بص يا حلوة، شهادة الميلاد الأصلية هتختفي من السجل المدني كله، هو وقسيمة جوازك من عمر، كأن لم تكن هي كمان. وهنعمل عقد جواز بتاريخ من سنة مثلاً باسمك انتي وعبد الفتاح الراجل بتاعي، وبعدها نعمل شهادة ميلاد للمحروس ما الصغير. لو كل ده تم على خير هخلي عبد الفتاح يطلقك وتروحي مكان ما تروحي في ستين داهية. أما بقا لو حبيتي تعملي أي حركة كدة ولا كدة، هخليه يوريكي النجوم في عز الظهر ويلبسِك قضية زنا وياخد الواد ويحسرك عليه، تمام يا حلوة؟
برعب شديد هزت رأسها كذا مرة ورا بعض ودموعها نازلة، مش قادرة تنطق. زعق نصر لما لاقاها ساكتة: "ما تردي يا روح أمك، أي القطم كل لسانك دلوقتي؟ "حاضر حاضر، والله حاضر. موافقة على كل حاجة، موافقة والله." "غوري دلوقتي لحد ما أيام العزاء تخلص، وبعدين هبقى أكلمك وننفذ، غوري يلا." طلعت تجري من قدامه برا الأوضة وبرا الفيلا كلها. كلمة مرعوبة حاجة بسيطة أوي على اللي هي حاسة بيه. دموعها كانت نازلة وبتردد جملة واحدة بهمس لنفسها:
"سامحني يا ابني، سامحني، بس لازم أحافظ على حياتك. حقك عليا أنا، حقك عليا." بكر خرج من عند بهاء، كان المفروض يروح على البيت بس حس إنه مخنوق، مش قادر يشوف بدور دلوقتي خايف يأذيها بكلامه أكتر من كده. راح على الكورنيش وقعد سرح في اللي حصل. وكل ما يفتكر كلام بركات وبدور يحس إنه دمه بيغلي من تاني. قاطع سرحانه تليفونه اللي رن برقم الراجل اللي مكلفه يراقب بركات. رد بسرعة: "إيه الأخبار؟ طمني."
"في العناية المركزة بس حالته مستقرة عشان اتلحق بسرعة. هيفضل في العناية ليلة ولو الدنيا تمام هيطلع أوضة عادي بكرة." نفخ بضيق: "زي القطط... طيب خليك متابع عشان مش عايز أظهر في الصورة، وقولي لو في جديد." "إزاي يا باشا مش هتظهر في الصورة؟ ما هما هنا من البطاقة عرفوا بياناته والناس هتقول إنه أبو حضرتك يعني، كده وكده. سواء البوليس أو المستشفى، الاتنين هيكلموك."
"ياساتر يارب عليك، امشي امشي تابع من بعيد لبعيد وخلاص، اقفل يلا." "حاضر يا باشا، مع السلامة." "سلام." قفل معاه وخنقته زادت أكتر. كان عنده أمل الأمور تمشي زي ما خطط لها ويخلص من بركات من غير ما يلوث إيديه بدمه. تنهد وحاول يهدي نفسه. وتليفونه رن للمرة الثانية، بس المرة دي برقم بدور. كنسل عليها، ولكنها اتصلت تاني وتالت ورابع مرة. قلق ل تكون تعبت تاني ورد عليها. سمع صوتها وهي بتعيط: "ارجع يا بكر...
أنا تعبانة. ارجع متسبنيش لوحدي كدة. أنا مقدرش أعيش من غير ولا أبعد عنك أبدا... رد عليا يا بكر والنبي... يا بكر." أخيراً صوته طلع: "أنا مسافر في شغل. خروج من البيت ممنوع. أي رقم غريب يكلمك مترديش. وهبعتلك بكرة واحدة اسمها أم إسلام، دي حد ثقة، هتقعد معاكي من 11 الصبح لحد 11 بالليل." "أنا مش عايزة حد أنا... قاطعها بصوت حازم: "أنا قلت اللي عندي. وابقي متسمعيش الكلام يا بدور عشان تبقي النهاية بينا. سلام."
وقفل قبل ما ترد بأي كلمة. كلم العسكري اللي شغال تحته واللي الست دي تبقي أمه، وأكد عليه إنها تراعي بدور وهو هيبقى يطمن عليها منها. وقفل واتحرك على بنسيون جنب القسم وسعره حنين، حجز أوضة وطلع رمى نفسه على السرير وهرب من كل حاجة بالنوم. الليل عدى ببطء على الناس اللي عقلها شغال والفكر. خلي النوم جفا عيونهم. وجه نهار جديد شايل معاه مفاجآت كتير.
في شقة مؤمن، صحي بدري جداً. كان بيجهز بهدوء عشان ميقلقش علا وينزل من غير ما حد يحس بيه. بس قبل ما يخرج من الأوضة قلقت علا وحست بيه: "صباح الخير يا حبيبي." "صباح النور يا قلبي. آسف قلقتك، معلش." "انت نازل بدري أوي ولا أنا بيتهيألي؟ "لا نازل بدري فعلاً، عندي مشاوير كتير وشغل مهم لازم يخلص النهاردة إن شاء الله." "طيب استنى خمس دقايق بس، هقوم أعمل فطار سريع، متنزلش كده." "يا بنتي خليكي مرتاحة، أنا هجيب أي حاجة لما أنزل."
قامت علا من على السرير: "لا طبعاً، الفطار اللي هتاكله دلوقتي أنا عارفة إنك هتفضل عليه اليوم كله. أوعى كده على ما تكمل لبسك وتلملم ورقك اللي في كل حتة، هكون جهزتلك أحلى فطار." وقفها قبل ما تخرج ومسك إيديها باسها: "ربنا يخليكي ليا يا حبيبي وميحرمنيش منك أبداً." ابتسمتله بحب: "ويخليك ليا حبيبي، يلا مش هتأخر عليك." خرجت وهو لم ورقه وجهز. وفعلاً على ما خلص وخرج كانت علا بتحط الأطباق على ترابيزة صغيرة في المطبخ:
"الله الله، إيه الشطارة دي كلها." "إيه خدمة يا دكتور." "قلب الدكتور... كملي جميلك بقى واقعدي افطري معايا وافتحي نفسي." "مش هينفع يا روحي، أنا هشرب معاك شاي بلبن بس عشان لما ماما تصحي نفطر سوا، ميصحش تفطر لوحدها يعني." "ماشي يا ستي، عفونا عنك." خلص فطاره ونزل، وهي قامت تعمل تروق في البيت شوية عشان ميادة متعملش حاجة وتتعب نفسها. وبعد شوية وقت صحيت ميادة ونيجار وبدأ يوم جديد ليهم.
على بعد العصر كانو سوا في المطبخ بيجهزوا للغدا. لما تليفون علا رن برقم مامتها. سابت اللي في إيديها واستأذنت من ميادة وراحت تتكلم في أوضتها: "السلام عليكم، إزيك يا ماما." "الحمد لله يا حبيبتي، انتي عاملة إيه دلوقتي؟ طمنيني عليكي." "الحمد لله أحسن كتير والله." "ومؤمن بقى قاعد معاكي زي ما اتفق مع أبوكي ولا سابك تعبانة وراح شغله؟ "لا والله قعد معايا ولما نزل مامته جت وقاعدة معايا." "قاعدة معاكي!!
إنتي وجوزك هتشلوني والله العظيم، بقا يا بنت الموكوسة تروحي من بيت أبوكي عشان حماتك تخدمك؟ انتي عايزة إيه بالظبط؟ عايزاها تقول إننا كلنا منك ومقدرناش نخدمك فمشيتي وجت هي تطاولك؟ عايزة تطلعينا قلايل الأصل يا بنت بطني؟ دي آخرتها؟ "يا ماما اديني فرصة أفهمك، الموضوع مش كده والله." "تفهمني إيه؟ هه؟ أنا تعبت منك، معرفش طالعة غبية وبروية كده لمين؟
محدش في عيلتنا كان كده. لا نافعة في بيت ولا مطبخ ولا أي حاجة. عيلة واحدة عارفة تراعيها لوحدك. وفي الآخر تطلعي من بيت أبوكي عشان حماتك تخدمك؟ يا بنت الأصول يا متربية، بتجيبي لنا الكلام من اللي يسوي واللي ما يسواش. منك لله." صوتها اتخنق بالدموع واتكلمت بحدة مقدرتش تداريها:
"أنا اللي مني لله، حرام عليكي بقى، حرام والله. مفيش حاجة بتعجبك أبداً مهما حاولت ومهما عملت مبيجبكش. عمرك ما رضيتي عني، عمرك ما حسستيني إنك خايفة عليا عشاني، مش عشان الناس هتقول إيه والناس هتعيد إيه. حرام عليكي، عقدتيني في حياتي وخلتيني إنسانة مهزوزة معنديش ثقة في نفسي ولا شايفه في نفسي ميزة عشان حد يحبها. ولما ربنا رزقني بـ راجل حبني وخدني بيته، برضه مش سيباني في حالي. عايزة مني إيه؟ بقا حرام عليكي." ردت بغضب:
"حرمت عليكي عيشتك يا قليلة الأدب، بتتكلمي أمك كده؟ دي آخرة تربيتي لكِ. ده آخره عمري اللي ضيعته عليكي. أنا عقدتك في حياتك؟ أنا؟ جوزك ده يا اختي اللي فرحانة بيه، بكرة يزهق منك ويطلقك، وقتها مش هيبقى لكِ غير بيت أبوكي بس. والله في سماه يا علا لو أبوكي دخلك بيته تاني، لأحرم عليا البيت وأبوكي نفسه. ارمي نفسك في حضن حماتك يا اختي أوي، خليها تنفعك، بكرة تعرف إنك خايبة ولا نافعة وترميكي. غوري، ربنا ياخدك."
قفلت السكة وعلا من الصدمة والوجع اللي جواها فضلت تصرخ وتصرخ. كان ده آخر صوت فيها، ومع آخر صرخة طلعت منها كانت بتقع على الأرض وتغيب عن الوعي. بكر من أول ما النهار طلع وهو ملازم بهاء مش بيفارقه. طلعوا الدفاتر القديمة على أكتر هاكر في مصر شاطرين، وتتبعهم مش سهل أبداً. وبدأوا يشوفوا مين لسه شغال وينفع يساعدهم ومين لأ.
ومؤمن كمان كان بيحاول يوصل للدكتور اللي كتب تقرير جثة عصام. لكن الدكتور كان مختفي. وكل ما يسأل عليه في مكان يسمع إجابة شكل. وده أكدله إن موت عصام ما كانش طبيعي أبداً. في البيت، والد الدكتور قال إنه خد إجازة أسبوع وسافر يغير جو مع أصحابه. في المشرحة، زمايله قالوا إنه بيحضر مؤتمر في إسكندرية. كان مصمم يوصله ويقف جنب بهاء لحد ما الحقيقة تظهر. عشان كده حس إن الحل عند أهله مش زمايله. فرجع ليهم تاني.
عند بكر وبهاء، كانو قاعدين في مكتب الظابط وتليفون بهاء كالعادة مبطلش رن. "مش هترد برضه يا باشا؟ "لو رديت يا بكر هيتقلي اقفل المحضر وارجع مكتبك." "وفيها إيه؟ ما إحنا عارفين هنعمل إيه. إيه لازم عدم ردك عليهم؟ "حاسس إني هبقى مقصر لأول مرة في حياتي يا بكر... حاسس إن أول ما أمرك يا أفندم في حتة جوايا من الوجع هتموت. فبحاول أأجل الإحساس ده على قد ما أقدر."
"تأجيلك ليه مش هيمنعه، بالعكس، تأجيلك ده هيخليهم يشكوا فيك لما الحاجة تنزل. لكن لو رديت واتعاملت طبيعي جداً وقلت أمرك يا فندم، العين مش هتبقى عليك لما الأخبار تنزل." "أنا فاهم كل ده بس... "متبسش يا باشا، اتكل على الله ورد وخلينا نطمنهم على الآخر ونركز إحنا في اللي ناويين عليه." "حاضر يا بكر، حاضر." ابتسمتله بكر. وفجأة اقتحم المكتب نصر وهو الغضب ماليِه. وبص ل بهاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!