العلاقات بتتغير دايمًا، مفيهاش حاجة ثابتة. مش طول الوقت هنكون مبسوطين مع غيرنا، ولا طول الوقت هنكون تعبانين. بس اللي بيطول في عمر علاقة أو بيقصرها هو التبادل في كل شيء. مش في الاهتمام بس، لا. تبادل في اهتمام، وقت، جهد، حب، تضحية، إنصات، تشجيع، وتحمل.
تبادلوا في العلاقات اللي نفسكم عمرها يطول معاكم، هتنبهرو بالنتيجة. مينفعش تكوني محتاجة الطرف الآخر يقدرك ويستحملك ويسمعك وووو، وإنتي بتعملي جزء صغير أوي من كل اللي بتطلبيه. تبادلوا. *** بهاء عرض على بكر إنه يشتغل في الشركة مع أخته وعمته. ده كان رد بكر: "مدير! وشركة! لا طبعًا يا باشا، أنا أخدمك طبعًا، متأخرش أبدًا، لكن شغل زي ده مقدرش، وأصلًا ممنوع، وحضرتك عارف."
"عارف يا بكر، بس لو دنيتك في الشركة مشيت، سيب هنا وكمل هناك. بصراحة كده، دماغك حلوة، خسارة تضيع في وظيفة صغيرة كده في قسم شرطة، فهماني؟ "أولًا دي شهادة أعتز بيها." قاطعه بهاء: "أنا لسه مخلصتش كلامي...
أنا فاهم كويس أوي إنك لو من زمان كنت بدأت في التجارة، كان زمانك ليك اسم وشركة أو مصنع باسمك، لأنك شاطر وفاهم. إنك اخترت المجال ده حماية ليك ولأختك بسبب مشاكل والدك من صغرك، بس خلاص كل ده انتهى. والدك اتوفى، الشقة هتتباع أهي، أختك وحياتها بدأت تستقر، يبقى إيه بقى؟ تبدأ في الحاجة اللي واثق إنك بتحبها وهتبقى شاطر جدًا فيها. ولو مش عايز تشتغل عند حد، بفلوس الشقة يا سيدي، أنا هكلم عمتو تبقي شريك بنسبة في الشركة، ها؟
إيه رأيك كده؟ بكر تخبط: "يا باشا، براحة عليا كده عشان أنت لخبطتني." "طيب، براحة أهو... أنت كنت هتعمل إيه بفلوس الشقة؟ "كنت هحطهم وديعة باسم بدور عشان أأمن لها مستقبلها هي وتوتي." "ماشي، مع إن ركنة الفلوس مش مستقبل. بس هسألك سؤال تاني، الكلام اللي قولته ده اللي حصل ولا لأ؟ مش لولا مشاكل والدك كان زمانك صاحب شركة أو مصنع أو أقل تقدير كان ليك شغل خاص بيك؟ صح؟
"صح، لأني فعلًا بحب التجارة والحمد لله بفهم في حاجات كتير. بس ده كان بقى هييجي بعد السنين دي كلها وبعد ما بقيت ٣٧ سنة وأبدأ في حياة جديدة ووظيفة جديدة، صعب يا باشا. أنا طول عمري مسؤول عن أختي وأمي، وبعدها بقى أختي وبنتها. مقدرش أخاطر، لازم أأمن لهم مستقبلهم." "ومين قال لك إن تأمين المستقبل في شيل الفلوس؟
إيه يا بكر، ده أنا بضرب بذكائك المثل في كل مكان. أختك وبنتها حمايتهم في وجودك جنبهم، وكل ما تكبر في مجال بتحبه وشاطر فيه، طول ما هتقدر تأمنهم ماديًا كمان. الفلوس المتشالة دي مع أي ظرف هتخلص، هتخلص. المثل بيقول لك: خد من التل يختل." "مش عارف أقولك إيه بصراحة."
"أنت كده كده تلت أيام وطالع إجازة، فكر في الإجازة دي كويس أوي. وممكن تاخد إجازة بدون مرتب سنة ولا اتنين لو خايف تسيب الميري مرة واحدة. فكر يا بكر، وبما ترجع من الإجازة بلغني قرارك." "تمام يا باشا، هفكر حاضر." "يلا بقى روح هات من مكتب أحمد ملف مكتوب عليه... (بص في نوته قدامه) "ملف رحمة عبد التواب اللي جات من يومين دي، خلينا نشوف قصتها." "تمام يا باشا، عن إذنك." "اتفضل."
بكر خرج من عند بهاء وهو دماغه مشغولة بالكلام اللي اتقال. آه، ده حلمه من صغره، بس هو ردم حلمه ده تحت التراب واختار الميري عشان يعرف يخرج من بيت بركات ويكون سند وحماية لأخته من الأشكال اللي بركات كان بيدخلها البيت. هييجي دلوقتي بعد العمر ده يبدأ من جديد؟ إزاي؟ ولو فشل يعمل إيه؟ ده لما صدق يحس بشوية استقرار في حياته هو وأخته. نفض كل الأفكار دي من دماغه وجاب الملف لبهاء ورجع ع المكتب عشان يبدأوا شغل.
بهاء حط الملف قدامه وبدأ يقرأ اللي فيه. "رحمة عبد التواب، ١٨ سنة. اتجوزت مرة عرفي في سن ١٦ سنة، ومرة رسمي ١٨ سنة. أب متوفى وأم متزوجة. التهمة... قتل رضيعها خنقًا، يبلغ من العمر ٦ شهور، وقامت بتسليم نفسها والاعتراف بارتكاب جريمتها." (رفع رأسه وبص لبكر) "إيه ده؟
أنا معرفش المعلومات دي إلا دلوقتي. أحمد كل اللي قاله وهو ماشي إن في قضيتين عايزين شغل إجراءات وتسليم للنيابة والحوارات دي، وقضية صاحبتها معترفة على نفسها يعني خلصانة. لكن إيه ده، مقالش إن المتهمة صغيرة كده وقتلت ابنها وعمره ٦ شهور؟ معقول؟ فيه حاجة غلط."
"رحمة دي يا باشا حكايتها حكاية. لأول مرة من يوم شغلي مع حضرتك، أتعاطف مع متهم بالشكل ده. لو كنت قاضي والحكم في إيدي، ادي إعدام للي وصلها لكده، وأدخلها هي دار رعاية تتأهل نفسيًا وجسديًا بعد اللي حصل فيها والله." "للدرجة دي!! احكي لي يا بكر، بالتحريات هه، مش بكلامها هي وبس." "أكيد يا باشا." *** مؤمن كان في شغله ومندمج فيه أوي، بس قاطعه اندماجه رنة تليفونه بنغمة خصصها لعلا. ساب اللي في إيديه ورد عليها على طول. "حبيبتي."
"لا، مش مصدقة نفسي. دي تاني مرة تعمليها وتردي من أول رنة. إيه التغيير ده كله؟ "الله! هو لا كده عاجب ولا كده عاجب، ولا إيه؟ "يا عم عاجبني، في إيه؟ أنا مبسوطة والله بالتغيير ده، وديما بدعي ربنا إنه يدوم، ميبقاش يومين وخلاص." "يا ربنا! صحيح، ستات تموت في النكد. ما تفرحي يا ستي من غير ما تفكري في القديم، ولا هو أي نكد وخلاص؟ "أنا نكدية يا مؤمن؟ اخس عليك! طب مش هقولك كنت متصلة ليه، يلا بقى روح كمل شغلك."
"إيه إيه، استنى بس، أنا بهزر بهزرررر. بلاش أهزر مع مراتي حبيبتي، ولا إيه؟ الله! "جيب ورا أوي، ماشي." "إيه جيب ورا دي؟ لا، لو سمحتي، أنا راجل أوي في بيتي." "ههههههههههه، أكيد يا روحي، وسيد الرجالة كلهم كمان." "طيب، قولي بقى كنتي متصلة تقوليلي إيه؟ الفضول مش هيسيبني."
"كنت هقولك متتأخرش النهارده عشان أنا عملتلك حمام محشي فريك وممبار، ووديت نيجار عند ماما ميادة النهارده عشان جوزي حبيبي وحشني أوي وعايزة أقعد معاه كتير كتير كتير." "بجد!! ده إيه الأخبار الحلوة دي؟ حمام محشي وممبار، الله! "بجد إنت؟ يعني بعد كل اللي قولته ده تقولي الحمام والممبار؟
"ههههههههههه، والله برخم عليكي ومبسوط أوي بالمفاجأة دي. وكويس إنك اتصلتي بيا عشان أعمل حسابي وأجي بدري. لو مكنتيش اتصلتي كنت اندمجت في الشغل وجيت متأخر وضيعت عليا سهرة مع حبيبي اللي وحشني." "طيب يلا بقى خلص بسرعة وتعالي." "إنتي خلصتي الأكل يعني؟ الساعة لسه ٤." "أنا على ٦ هيكون خلصت كل حاجة إن شاء الله." "تمام، أنا هعمل حسابي إني أكون عندك ٦، حلو كده؟ "شطور يا قلبي، باي مؤقتًا بقى." "سلام حبيبي."
قفل معاها واتنهد بحب. أخيرًا مراته بدأت ترجع زي ما كانت وأحسن كمان. أخيرًا بدأت تتكلم معاه ومتسكتش. وأخيرًا هو رجع حس إنه مرتاح ومبسوط بعد فترة كلها ضغط ومشاكل. آه، مش حابب موقفها من أهلها، بس كبرت جدًا في نظره بعد ما شرحتله هي بتعمل كده ليه. وإصرارها على بر أهلها وودهم خلاه مش بس يحبها أكتر، ده بيعشقها أكتر وأكتر. ***
بدور كانت قاعدة زهقانة. فكرت ترجع للمشروع بتاعها وتعمل أكل وتسوقه على صفحتها اللي كل ما تفتحها بكر يقفلها. لكن تراجعت، هي مش عايزة صدام تاني مع بكر. بس هي زهقانة فعلًا، محتاجة تشغل نفسها، محتاجة تبطل تفكير فيه، محتاجة تفوق. لأن استحالة يحصل اللي قلبها ساعات بيسرح فيه. لازم تشغل نفسها. أيوه، حتى لو هتنزل شغل.
مجرد ما فكرة نزول الشغل جات في دماغها، افتكرت اللي حصل أول مرة ودموعها لمعت في عيونها. نفضت كل الأفكار دي من دماغها وقررت إنها لما تسافر مع بكر، هتتكلم معاه. يمكن المرة دي يقتنع ويسيبها تشتغل من البيت بدل التفكير اللي تاعبها ده. *** نرجع للقسم. "التحريات أثبتت إن البنت دي وحيدة أبوها وأمها. أبوها مات وهي ١٥ سنة، وأمها خلاص ٨ شهور بس. كانت مقعدة البنت من التعليم ومتجوزة ورامية بره الشقة عشان تتجوز فيها...
أهل أبوها رفضوا يشيلوا مسؤوليتها. البنت، ولاد الحلال في المنطقة لموا من بعض فلوس وأجروا لها أوضة في سطوح في نفس الشارع، وواحد ابن حلال شغلها عنده في محل الملابس بتاعه. وبعدها بكام شهر، كان بيتردد على المحل الميكانيكي اللي في نفس الشارع، ويبقى صاحب الراجل صاحب المحل. وكان ديما يفتح كلام مع رحمة. ولما صاحب المحل خد باله، قاله يتقابلوا بعد كده على القهوة وإنه يبعد عن البنت. بس الميكانيكي، واللي اسمه فتحي، معجبوش الكلام
وراح في مرة وصاحب المحل مش هناك، وقال للبنت إن مراته عايزة حد يعملها الشقة ويغسلها السجاد، كانت داخلة عيد وكده، وإنه هيديها في الليلة دي ٤٠٠ ج. البنت وافقت لأنها كانت عايزة تصرف على نفسها من غير ما أهل الحتة يساعدوها. وراحت معاه، وفعلاً عملت الشقة لمراته وغسلت السجاد، واتفقت معاها إنها كل خميس تروح لها تغسل لها مواعين وتروق وتمسح مع الوش كده وتاخد اللي فيه النصيب، لأن الست كانت تعبانة وبتاخد علاج كتير بيخلي حركتها
قليلة. فرحت البنت ووافقت. وعدى العيد وبعده عدي عليها فتحي وقالها إن مراته مستنياها، وراحت رحمة بعد الشغل بس ملقتش مراته."
(بكر سكت عشان يشرب) "وبعدين يا بكر؟ "حاضر يا باشا، بشرب بس... المهم، هي كانت هتنزل بس هو قالها دي في الصيدلية اللي على أول الشارع بتاخد الحقنة وطالعة، واداها عصير. والبت شربته من هنا، وصحيت كان اللي حصل حصل من هنا." "اللي هو إيه؟ مش فاهم." "مالك يا باشا... اعتدي عليها. حط لها منوم واعتدي عليها." "آه، طيب كمل." "بس البنت انهارت طبعًا، وهو كان بارد.
قالها: كل اللي هعمله إني هتجوزك عرفي، لكن رسمي مينفعش لأنك لسه صغيرة. لما تتمي ١٨ سنة هتجوزك رسمي. والبت صدقت ونزلت من عنده. طلعت على أمها، حكتلها اللي حصل. وأمها قالتلها: احمدي ربنا إنه هيستر عليكي وعيشي وخلاص، أنا هعملك إيه... "وبعدين؟ "وبعد كام شهر كده، البنت عرفت إنها حامل. وفتحي لما عرف قطع الورقة اللي معاه وقالها: مليش دعوة، ومشي وسابها. تاني يوم، وقفته في الشارع وفضلت تعيط وتصوت. ومرات فتحي نزلت
وعرفت وصدقت البنت وقالتله: لازم تكتب عليها عشان العيل. لكن فتحي قدام الناس كلها قال: محصلش. البنت طلعت الورقة اللي معاها، حاول وقتها هي يشده منها ويقطعها، بس الناس منعوه وحاولوا معاه كتير، بس هو رفض. حتى مراته غضبت عشان تضغط عليه، لما صعبت عليها البنت اللي لسه ١٧ سنة، بس هو رفض. ظهر وقتها بقى في الصورة المعلم تحسين، جزار في المنطقة، عنده ٦٠ سنة.
وقال لرحمة: أنا هتجوزك رسمي وأكتب الواد باسمي، وإنتي تخدميني وتشوفي طلباتي. أمها فرحت طبعًا وأقنعتها توافق وتسيبها من فتحي. وللأسف كذا حد من الحارة قالولها إن ده هو الحل لكل مشاكلها طالما فتحي رافض يتجوزها رسمي. بس البنت وافقت. وأول ما تمت ١٨ سنة اتجوزت تحسين. وبعد أربع شهور خلفت ابنها، بس تحسين بقى رفض يسجل الواد باسمه." "نعم! "آه والله رفض. ولما قالتله ده مكنش كلامك،
قالها: أبوه يكتبه باسمه، أنا لا، مليش دعوة. راحت الصحة تطعم الواد، رفضوا يتطعموه من غير شهادة ميلاد. رجعت على فتحي، طردها وقالها: مشفش وشك تاني. راحت لامها،
قالتلها: سيبه قدام أي جامع وعيشي مع المعلم ومتخربيش بيتك. رجعت للمعلم تاني وقعدت أسبوعين تتحايل عليها، بس آخر ما زهق من زنها هددها، هيطلقها وتبقي هي والواد في الشارع. كانت هتعمل زي ما أمها قالتلها، بس بتقول إنها حلمت بيه. رمته في الشارع وبقى من عيال الشوارع اللي نايمين تحت الكباري وملهمش مأوى. قامت حضنته." "وايه يا بكر؟ كمل."
"قالت: حسيت إنه ملوش مكان بين البشر، وإنه ملاك ولازم يطلع الملائكة اللي زيه فوق. دخلت عليه الأوضة بعد ما تحسين نزل الشغل وخنقته. ولما اتأكدت إنه مات، نزلت فضلت ست ساعات ماشية في الشوارع بلا هدف، وبعدين دخلت القسم هنا واعترفت على نفسها. وهنا ظهرت مشكلة جديدة." "مشكلة إيه؟
"لما القوة طلعت على العنوان اللي قالت عليه، ملوش طفل مقتول ولا أي أطفال. وجوزها قال إنهم معندهمش أطفال أصلًا. بس تحريات أثبتت صدق كلامها. البنت ساكنة في حتة شعبية وشارع كل اللي فيه عارفين بعض، والناس كلها شاهدة على حكايتها. وكل حرف قالته الناس هناك أكدته. ولما ضغطنا على جوزها، اعترف إن هو رجع ولاقي الطفل ميت. اتصل على أمها وقالها تيجي تتصرف. هي والست خافت تخسره، راحت جري هي وجوزها خدوا الطفل وطلعوا على مقابر الصدقة بتاعة القناطر دفنوه فيها. وحاليًا مفروض سعادتك تكمل من أول النقطة دي، هنعمل إيه بالظبط في اللي جاي."
"البنت فين؟ "في الحجز. منعوا الأكل والشرب. واللي طالع عليها لما أموت ادفنوني مع ابني في قبر واحد." "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إيه ده؟ الواحد كل ما يقول إنه جاب آخر قذارة الناس، يكتشف إن لأ، فيه أكتر... بنت ١٨ سنة تمر بكل ده، يحصلها كل ده." "ولو الحكم في إيدي كنت حاكمت أمها وفتحي وتحسين اللي عملوا فيها كده." "وأنت فاكر إني هسيبهم؟ أمها اللي دفنت طفل بدون ورق ولا ترخيص دفن...
أما بقى فتحي وتحسين، هخلي البنت تقدم بلاغ في فتحي، ومنه هنقدر ندين تحسين إنه اتجوزها وهي حامل، وده جواز باطل طبعًا، وهو كان عارف كده. مش هسيبهم يا بكر." "أكتر حاجة بحبها فيك يا باشا، في كل قضية، مجرد ما تشوف طرف مظلوم بتنسى أي حاجة ومبترتاحش إلا لما تجيب حقه. ربنا يجعلك نصرة لكل مظلوم ديما يارب." "حلوة أوي الدعوة دي يا بكر. اللهم آمين يارب...
طيب، حاليًا أنا عايز أشوف رحمة. وعايزة إذن نيابة باستخراج جثة الطفل من المقابر للتشريح. واستعجلي مؤمن في تقارير. هه، القضية دي هتتقفل قبل ما تاخد إجازة، يا مفيش إجازة." "الله! وأنا مالي طيب؟ يعني الباشا ياخد إجازة جواز، والمخبر اللي معاه ياخد أسبوع مرضي، أشيل أنا الليلة ليه؟ حرام كده." "لو بطلت ندب وقمت أنجزت شغلك، هتاخد إجازتك عادي. يلا أنجز." "حاضر يا باشا، حاضر."
تحرك بكر يجيب رحمة لبهاء، وبعدها يطلع ع النيابة عشان التصريح. بعد وقت بسيط، الباب خبط وسمح بهاء بالدخول. دخلت بنت باين عليها جدًا إنها صغيرة أوي، قصيرة ورفيعة، قمحاوية، ولابسة عباية سودا وحاطة على شعرها المفرود طرحة سودا. دموعها نازلة وفي رعشة خفيفة في إيديها. العسكري سابها وخرج، وبهاء اتكلم بهدوء: "اقعدي يا رحمة."
كانت تايهة وكأنها في دنيا تانية، مش سامعة ولا حاسة بحاجة. بص لها بهاء بشفقة وحزن. طفلة مفروض تكون يا دوب في بداية حياتها، تمر بكل ده. إزاي تتحول من طفلة لمجرمة وقاتلة؟ إزاي؟ صعبت عليه جدًا، وبدأ يفكر إزاي يقدر يجيب لها حقها من كل واحد خلاها في الوضع ده.
حس إن أي كلام دلوقتي معاها مش هيجيب نتيجة، لأنها تايهة ومش مركزة. نده للعسكري وقاله يخليها في أوضة الظابط النبطشي على مسؤوليته الشخصية، وقعد يستنى تصريح من النيابة عشان يقدر يتحرك. *** النهار عدى، وبكر اتأخر في النيابة على ما جاب التصريح. بهاء اطمن إن رحمة في أوضة الظابط، وخد بكر وروحوا. وأول ما وصلوا العمارة وهما على السلم، سمعوا صوت بدور وهي بتزعق. ومن غير تفكير، طلعوا يجرو هما الاتنين. "ده أنت إنسان ثقيل بقا!
قلتلك مش من عندنا ولا من الشقة اللي قدامنا. هكذب عليك ليه يعني؟ اطلع شوف بقيت الشقق ولا اسأل البواب، أنا مالي أنا." وقبل ما الراجل اللي قدامها يرد، كان وصل بكر ووراه بهاء. بكر وهو بيمسك الراجل من دراعه: "فيه إيه يا بدور؟ أنت مين يا جدع أنت؟ الراجل بصوت عالي:
"أنا جاركم اللي في الأول يا سيدي، وفيه زبالة بتترمى من الدور بتاعكم على البلكونة بتاعتي. واخت حضرتك بتكدب وتقول مش من هنا، مع إن الواد ابني أكد عليا إن شاف شقة اللي في التالت هي اللي بترمي شنطة الزبالة علينا من البلكونة." بكر بصوت عالي زيه: "أولًا، لما تتكلم تتكلم بأدب وصوت واطي. ثانيًا، أنت اللي راجل مهزق وابنك بيضحك عليك. دي مش مشكلتنا، لا شقتنا ولا شقة الظابط بهاء. حد فيها هيرمي عليك زبالة في زفت؟
زبال بيجي يوم ويوم، هنرمي على أمك زبالة ليه؟ هه." بهاء وهو بيشد بكر من قدام الراجل: "بكر، براحة مش كده، مش أسلوب كلام ده." الراجل ببجاحة: "بقولك إيه؟ أنا ميهمنيش ظابط ولا مش ظابط، وابني مش كداب. اختك هي اللي كدابة. والزبالة دي زبالتكم أنتم، مش خدواهم بالصوت، هما." بهاء كان ضهره للراجل ووشه لبكر، لما سمع الراجل بيتكلم كده، لفه واتكلم بكل هدوء:
"أنت راجل مهزق فعلًا، وعشان ممدش إيدي عليك، هتخفي من وشي دلوقتي. وأعلى ما في خيلك اركبه. بس خد بالك، قبل ما تنزل، لو رجلك الحلوة دي عتبت الدور هنا تاني، أنت أو أي حد من شقتكم، ورحمة أمي لأكون شادك على القسم وعملك محضر إزعاج وتعدي زي الفل، وهوريك الزبالة وهي مش بس بتنحدف على بلكونتك، لا ده هدخلها لك جوه أوضتك وعلي سريرك. تمام؟ ولا مش تمام؟ بكر وهو بيحاول يضرب الراجل ويتخطى بهاء:
"اللي زي ده لازم يتوجب معاه قبل ما يتحرك يا باشا، سيبهولي بس." بهاء وهو بيحوشه: "خلاص يا بكر، اهدي بقى. (بص للراجل) أنت لسه واقف ليه؟ ما تنزل يا راجل أنت، ولا أسيبه عليك؟ والله." الراجل بص لهم بضيق ولف ومشي بمنتهى البرود. بكر: "بص الراجل بيبص لنا إزاي. تعالي هنا يا راجل أنت، تعالي بقولك." بهاء وهو بيدخله الشقة ويقفل الباب: "خلاص بقى، أنت عايز تتخانق وخلاص؟ ما هو نزل من غير كلام أهو. سيبه يبص زي ما يبص." بدور بعصبية:
"راجل مستفز وقليل الأدب." بكر: "كنت سيبني أضربه." بهاء: "ما خلاص يا وحش. فيه إيه؟ أهدي بقى." بدور: "خلاص يا بكر. لو طلع هنا تاني ابقي اطحنه بقى." بهاء وهو بيضحك: "هو أنت كده بتهديه ولا بتسخنيه؟ بكر: "لا، هي مبتعرفش تهدي. هي حسب حالتها. هي لو هادية، هدت اللي قدامها. لو هي متعصبة، ممكن تخلي اللي قدامها نار قايدة." بدور كشرت: "أنا يا بكر؟ تصدق إني غلطانة؟ أنا داخلة أحط الأكل، أنا بتكلم معاك ليه أصلًا؟ عن إذنكم." بهاء:
"أنا داخل أنام بقى. اليوم كان طويل وبكرة يوم أطول ومتعب." بدور بسرعة: "طب ما تتغدى معانا الأول. أقصد يعني، أنت جيت وأنا بحط الأكل، ميصحش ولا إيه يا بكر؟ بكر: "ادخلي حطي الأكل طيب، واقفة ترغي؟ ما هو هيمشي كده." بهاء: "أنت عارف إني مبحبش كده ومش بتعشى، فـ أوعى من قدامي عشان عايز أنام بجد." بدور: "ده أنا عاملة محشي ورق عنب باللحمة، ملوخية ولسان عصفور، والحلو أم علي." بكر: "أيوه بقى!
لا أظن بعد ورق عنب دي الباشا مش هينام، لأنه أصلاً أنا عارف إنك بتحبه." بهاء ابتسم: "بحبه فعلًا." بكر: "يلا يا ستي حطي بقى، شوقتنا وجوعتنا." بدور بابتسامة: "هوا دقيقتين والسفرة تكون جاهزة." (وهي داخلة المطبخ) "ادخل هات توتي يا بكر، أنا سايباها في الأوضة لوحدها." دخل بكر جاب توتي، اللي أول ما شافت بهاء ضحكت وجريت عليه، وهو شالها ولف بيها. وبعدين قعد جنبها على الأرض وبدأ يلعب معاها. بكر: "ميصحش يا باشا، اتفضل اقعد فوق."
بصله بهاء بطرف عينيه: "إحنا برة القسم يا بكر، ومليون مرة أقولك إنطق اسمي عادي من غير باشا والكلام ده. قول بهاء، سهلة والله. بهاء." تاليا نطقت بكل براءة: "ا ا ء." بهاء وهو بيحضنها: "قلب اء أنتِ يا توتي. شوفت أهو، سهلة. معرفش أنت مصعبها ليه. بدأت أحس إني فرضت نفسي كصديق عليك يا بكر، ولو اتأكدت من الإحساس ده، هختفي من حياتك تمامًا." بكر: "لا لا والله أبدًا. هو بس حضرتك ليك هيبة كده، وبحكم التعود مش أكتر. والله." بدور:
"يلا يا جماعة، الأكل جاهز." قعدة على السفرة وبدأوا يأكلوا. تليفون بكر رن برقم الراجل اللي هيشتري الشقة. استأذن من بهاء وقام دخل البلكونة يرد. بهاء بص على بدور، لا مش، وشها في الطبق اللي قدامها مش بترفعها. عايز يفتح معاها كلام بس مش عارف يقول إيه. خاف الفرصة دي تروح منه لأنه مش عارف يتكلم معاها خالص. فـ اتكلم بأول حاجة جت في باله: "الأكل حلو أوي، تسلم إيديكي. مأكلتش ورق عنب حلو كده من وفاة أمي، الله يرحمها."
بدور ابتسمت: "شكرًا... تسلم يا رب... والله يرحم والدتك يارب." بهاء: "أنتِ شاطرة أوي في الطبخ على فكرة." بدور: "أنا بحب المطبخ أوي. وكنت فاتحة صفحة ببيع أكلات جاهزة وتحضيرات لعزومات، بس بكر بقى الله يسامحه، كل ما أفتح الصفحة وأبدأ أكبره، يقفلها ويقولي مفيش شغل، ارتاحي وأنا مش تعبانة في حاجة. كنت بسلي نفسي بدل الزهق والملل. وفي حاجة بحبها ومش بخرج خالص من البيت، بس برضه مش راضي." بهاء: "تحبي أكلمهولك؟ بدور بعيون بتلمع:
"بجد؟ ممكن تعمل كده؟ بهاء بدون وعي: "أعمل أي حاجة عشانك يا بدور." بدور اتكسفت جدًا ووطت وشها تاني في الطبق اللي قدامها. في الوقت ده خرج بكر من البلكونة ورجع يكمل أكله. وفضل يتكلم في مواضيع عامة هو وبهاء، وبدور ساكتة. بس من وقت للتاني تبتسم ابتسامة خفيفة من غير ما حد يحس... أو هي كانت فاكرة إن محدش حس بيها. ***
الليلة عدت هادية ورايقة على الكل. بداية من بهاء اللي اتأكد إن جواه مشاعر لبدور. واللي موقفه عن التعبير عن مشاعره إنه حاسس إن بكر مخبي عليه كتير في حكايتهم. وبدور اللي طول الليل وهي بتعيد في جملة بهاء: "أعمل أي حاجة عشانك يا بدور". طول الليل تفتكر الجملة وتبتسم. مؤمن وحبيبته اللي الليلة دي حسوا إنهم رجعوا عرسان تاني. اتكلموا كتير وفضفضوا لبعض كتير وعبروا عن حبهم كتير.
حتى بكر، الليلة دي كانت مختلفة عليه بسبب كلام بهاء اللي صحي جواه حلمه القديم إنه يبقى صاحب مشروع. فضل يحلم ويفكر في شكل حياته اللي ممكن تختلف في يوم وليلة. *** بس للأسف، الليلة الحلوة دي خلصت. وصحى بهاء على خبر خلاه حزين، حزين موجوع. وحس إنه لأول مرة يتأخر في إنه يجيب حق حد. صحي على خبر وفاة رحمة. يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!