بهاء خد الموبايل وحرزه ورجع بص في الشقة تاني. لاحظ أن الأب كان واضح عليه الصدمة والانهيار، لكن أخته كانت دموعها نازلة بس انفعالاتها مش طبيعية أبداً. قرب منهم وبدأ يستجوبهم على ما مؤمن يوصل. "مين اللي اكتشف الجريمة الأول؟ ردت أخته وسط دموعها: "أنا، أنا اللي دخلت عليه ولاقيته غرقان في دمه." "ممم، كان في حد عنده النهاردة؟ في خلاف بينه وبين حد؟ المفتاح بتاع الشقة مع حد تاني غيركم؟ بسنت (أخت محمد)
"كان عنده يوسف صاحبه، كانوا سهرانين سوا وأنا دخلت أنام وهما كانوا لسه سهرانين." رد الأب بحيرة: "بس أنا لما دخلت أنام كان محمد قاعد لوحده معوش حد. يا بسنت انتي متأكدة يا بنتي؟ "أيوة متأكدة طبعاً، هو أنا هتوه عن يوسف ولا إيه؟ هو جه بعد ما حضرتك نمت وأنا لما لاقيتهم مطولين في السهر دخلت أنام." بهاء وهو بيولع سيجارة: "وإيه اللي خلاكي تدخلي تاني على أخوكي لما انتي دخلتي ونمتي؟
"أنا قلقت بالليل ودخلت الحمام وقلت أشوف يوسف لسه معاه ومحتاجين حاجة أعملها ليهم ولا لأ." "تمام يا آنسة... بكر" "باشا أمرك" "خد من الآنسة بيانات اللي اسمه يوسف ده، وقبل ما أرجع القسم الاقيه هناك." "حصل يا باشا." "أنا هروح مشوار وأرجع على القسم، لما مؤمن يوصل خليه يكلمني بعد ما يعاين الجثة." "حاضر يا باشا." نزل بهاء وفضل بكر ينفذ تعليماته.
في شقة بكر وبدور كانت قاعدة في المطبخ بتحضر الأكل للطلبيات اللي جتلها. تليفونها رن برقم غريب. بصتله باستغراب وقفلت الصوت وكملت اللي بتعمله. لكن التليفون رن تاني. وتالت. ورابع بنفس الرقم. قلقت بدور وفتحت الخط لكن متكلمتش. "الو؟ كانت مجرد كلمة من تلت حروف كفيلة أنها تخليها تنتفض من مكانها برعب وخوف. صوت نفسها بقى عالي جداً والطبق اللي كان في إيديها وقع منها. "بركات." "لسه بتخافي مني يا بدور؟
طيب أنا مش هطول عليكي، أنا عايزك بس." قفلت السكة قبل ما يكمل كلامه. وكأن قفل السكة مش كافي، قفلت التليفون كله وهي لسه بتنتفض ودموعها نازلة. ومجرد ما سمعت صوته رجعت لنقطة الصفر تاني، وكأن السنين اللي فاتت دي مكنتش. ورجعت لليوم الأسود اللي دمى حياتها كلها. فلاش باك... أمجد: "بردو مصرة على حوار الشغل ده يا بدور؟ هو أنا كنت قصرت معاكم في حاجة يا حبيبتي بس؟ بدور بحب:
"مين قال بس إنك مقصر في حاجة يا حبيبي أنا. بزهق من القاعدة طول اليوم، وهو حاجة تساعد شوية عشان الأقساط اللي علينا تخلص بقى." أمجد: "بس كده كتير عليكي يا بدور. تاليا محتاجة مراعية، دي لسه صغيرة. أنا مش هأمن عليها في حضانة دلوقتي، وانتي هتروحي إمتي وترجعي إمتي؟ بدور:
"أنا محضرة كل حاجة، متقلقش. لو على تاليا، أنا أكيد مش هكون مرتاحة وهي في حضانة. أنا هسيبها مع بابا في البيت الصبح، وآخدها منه بعد الظهر بشوية. الشغل ده لقطة يا أمجد، المكتب قريب أوي من البيت، وأنا كل اللي هعمله هدخل بيانات خمس ساعات بس قصاد مبلغ كويس." أمجد كشر: "بس من غير ما تزعلي مني، أنا مش هكون مطمن عليها بردو عند أبوكي." قاطعته بدور:
"أنا عارفة اللي قالقك، بس اطمن. بابا وعدني إنه هياخد باله منها ومحدش من صحابه هيجيله بالنهار أبداً." أمجد: "يا بدور، أنا مش عايز أضايقك والله، بس أنا وانتي عارفين أبوكي. كل يوم بالليل بيكون في دنيا تانية من السهر مع صحابه والحاجات اللي بيشربها. فرضا إنه هيوفّي بوعده ليكي ومش هيجيله حد طول ما تاليا معاه... تضمني منين إنه هيكون فايق؟ ده بينام بعد الفجر، هيصحى إزاي ويراعي طفلة تلت سنين بس؟ بدور:
"أنا عارفة والله كل ده، وأنا مظبوطة معاه. كل حاجة. هاخد له تاليا الصبح نايمة ومعاها حاجتها كلها وغدا لبابا كمان. هو وعدني إن هيراعيها، والله أنت عارف هو بيحبها قد إيه. متقلقش. أقولك، خلينا نجرب أسبوع بس ونشوف إيه هيحصل. اتفقنا؟ رد بقله حيلة قدام إصرارها رغم عدم اقتناعه: "اتفقنا يا حبيبتي. ربنا يستر... أنا هنزل بقى ورايا الحصة التانية وعندي تلت دروس النهارده." بدور:
"ربنا معاك يا حبيبي ويوفقك ويرجعك لينا بالسلامة يارب." عدى أربع أيام، كانت بدور بتنزل الصبح بدري تعدي تاليا على بركات وترجع تاخدها وتروح تجهز الغدا وتشوف طلبات البيت على ما يجي أمجد آخر اليوم. اليوم الرابع تاليا كانت تعبانة جداً من أول ما رجعت بدور من الشغل. بركات قالها يمكن برد في معدتها. بس البنت فضلت ترجع كتير وحرارتها عليت. الوقت ده كان بكر مسافر أسبوع مصيف مع أصحابه.
بدور في اليوم الخامس مقدرتش تسيب تاليا وتروح الشغل، وأمجد كان قلقان. بس هي طمنته إن ده طبيعي وبيحصل للأطفال في السن ده. بس اللي مش طبيعي واللي مرضيتش تقوله لأمجد هو الآثار اللي في جسم بنتها، واللي زود شكوكها اتصال بركات ليها. بركات بتوتر: "إيه يا دودو مجبتيش تاليا ليه زي كل يوم؟ راحت عليكي نومة مش كده؟ بدور بشك: "لا يا بابا مرحتش علينا نومة. تاليا تعبانة جداً، التعب زاد عليها من امبارح ومقدرتش أسيبها." بركات:
"تعبانة لسه؟ يعني أنا أجلك طيب أطمن عليها بنفسي." بدور: "ملوش لزوم تتعب نفسك، هي بقت أحسن خلاص، وكمان شوية كده وهنزل أنا وهي نجيب طلبات للبيت." بركات: "ماشي يا حبيبتي، هبقى أتصل أطمن عليها تاني. انتي هتجيبها بكرة تاني بقا مش كده؟ بدور بشرود: "إن شاء الله يا بابا. مع السلامة." "مع السلامة."
بعد ما قفلت معاه فضلت سرحانة وكل شكوكها إن بركات استقبل صحابه في وجود بنتها ومهتمش بيها. لكن كان جواها قلق غريب ونغزة في قلبها جامدة. متقدرتش تصبر خصوصاً أن تاليا مكنتش بتوقف ترجيع. اتصلت بأمجد وطلبت منه يقابلها بسرعة في طوارئ المستشفى اللي جنبهم. ولحسن الحظ أو سوءه، أمجد كان بيدي درس في مكان جنب المستشفى ووصل هناك قبلها ودخل معاها كشف الطوارئ. ووقتها اكتشفت الكارثة اللي دمرت حياتها كلها.
من أول ما الدكتور كشف على تاليا وهو ملامح وشه اتغيرت. ومهما حاولوا يفهموا منه حالتها إلا أنه كان متحفظ جداً في الكلام وطلب تحاليل وأشعة. وخرج أمجد وبدور خارج أوضة الكشف. وبعد انتظار تلت ساعات وهما على أعصابهم، جالهم الخبر اليقين. الدكتور بغضب: "أنا اتأكدت من شكوكي وهبلغ الشرطة عشان أخلي مسؤوليتي." أمجد بدهشة: "شرطة!! هو في إيه؟ بنتي عندها إيه بالظبط؟ ما تنطق بقا." الدكتور:
"محاولة اعتداء جنسي وجسدي وتسمم في المعدة نتيجة القرف ده. وأنا عملت تقرير طبي بحالتها هسلمه للشرطة أول ما توصل. عن إذنكم، أدخل أشوف الحالة وصلت لإيه."
بدور صدمتها كانت فوق الاحتمال. وقبل ما أمجد ياخد أي رد فعل، كانت وقعت على الأرض فاقدة الوعي. ولما فاقت اتصدمت أكتر إن أمجد اتفاهم مع الدكتور إنه ميبلغش، وخد تاليا وسابها في المستشفى ومشي. ملحقتش تستوعب صدمة اللي حصل لبنتها من أبوها عشان تتصدم إن أمجد مش بس خد تاليا ومشي من المستشفى، لا أمجد اختفى تماماً. ومتعرفش راح فين بالبنت. مش موجود في البيت، تليفونه مغلق، أهله بيقولوا ميعرفوش عنه حاجة. هدوم كتير من بتاعة وبتاعة تاليا ناقصة من الشقة.
كانت هتتجن. لا لحقت تطمن على بنتها، ولا لحقت تستوعب اللي أبوها عمله، ولا عارفة تتصرف إزاي في اختفاء جوزها وبنتها. الصدمة كانت شديدة عليها. ولتاني مرة تقع من طولها وتتنقل على المستشفى. في الوقت ده جه تليفون لبكر من أبوه إن بدور تعبانة وفي المستشفى ولازم ييجي بسرعة. ولما وصل بكر: "إيه اللي حصل؟ مالها بدور؟
"معرفش، الدكتور بيقول صدمة عصبية وفقدت النطق. وجوزها تليفونه مقفول مش عارف أوصله. روح ادفع مصاريف المستشفى وتعالى خليك جنبها بقى. أنا مروح." "مروح!؟ بنتك في الحالة دي وجوزها مختفي وانت بكل سهولة كده مروح؟ "لا بقولك إيه متوجعش دماغي. أنا معاها من بدري في المستشفى محتاج أرتاح شوية. وفي ناس جيالي بالليل مينفعش أعتذر. وبعدين أنا قعدتي هتعملها إيه يعني مش فاهم؟ ما انت موجود أهو."
"اتكل على الله يلا. وانت من إمتى كان ليك لازمة في حياتنا؟ اتكل على الله." "مش هحاسبك على كلامك ده وهقدر قلقك على أختك. يلا سلام عليكم." ومشي بركات. بس اللي ميعرفوش بكر إنه دخل لبدور بعد ما خمن إنها عرفت اللي عمله في بنتها وهددها إن لو بكر عرف، أكيد هيعتدي عليه بالضرب أو مش بعيد يقتله. وفي الحالتين هيتحبس. وبدل ما تكون خسرت جوزها وبنتها بس، هتكون خسرت آخر حد فضلها وهو أخوها. باك...
فاقت من ذكرياتها وهي منهارة من العياط. طلعت صورة قديمة لبنتها وحضنتها. "حقك عليا أنا يا حبيبتي، أنا اللي غلطانة والله. أنا آسفة يا روح ماما، آسفة يا عمري كله. حقك عليا. يارب تكوني بخير يارب. أنا راضية بعقابك ليا إني أتحرم منها بس تكون بخير وكويسة يارب. ياررررب." بهاء وصل بسمة المطار واطمنت عليها ورجع تاني على القسم. ولاقي بكر جايب يوسف صاحب محمد ومنتظرينه في مكتبه. بهاء:
"أهلاً أهلاً، نورت يا يوسف. إيه الأخبار يا بكر؟ بكر: "يوسف الوقت ده يا باشا كان سهران في كافيه في وسط البلد. وحالياً مستنيين تفريغ الكاميرات عشان نتأكد من صدق كلامه." بهاء: "طب روح انت يا بكر، استعجل تقرير مؤمن وتفريغ الكاميرات." بكر: "أوامرك يا باشا، عن إذنك." خرج بكر. وكمل بهاء استجواب ليوسف. "احكيلي يا يوسف آخر مرة شفت محمد امتى بالظبط؟ يوسف بصوت مخنوق:
"امبارح الصبح في الشغل يا باشا. إحنا صحاب طول عمرنا وبنشتغل كمان في مكان واحد. (دموعه نزلت) أنا والله ما قتلته. محمد ده كان أكتر من أخويا. أنا مش مصدق لحد دلوقتي والله العظيم مش مصدق." "كان ليه أي خلافات مع حد؟ "أبداً. محمد شخص مسالم جداً مش بيحب المشاكل ودمه خفيف وكل الناس بتحبه." "محكاش معاك عن أي حاجة مضايقاه الفترة اللي فاتت؟ "لأ...
آه آه، كان مشغول بحاجة خاصة بأخته بسنت والمعهد بتاعها. ديما كان ييجي متأخر الصبح ولما أسأله يقولي كنت بوصل بسنت عشان في حوار معاها. ولأني عارف محمد وعارف إن أي حاجة خاصة بأهل بيته مش بيحكيها، مسألتش إيه الحوار ده وكنت بسكت." استقطع استجواب بهاء دخول بكر ومعاه فلاشة في إيديه.
"باشا، الكاميرات أثبتت صحة كلامه. هو فضل اليوم ده على الكافيه لحد قرب الفجر. الكافيه من جوة في أماكن البلايستيشن وكان سهران مع تلاته كمان وخرجوا في نفس الوقت سوا." "تمام، اقفل معاه المحضر وسيبه يروح. وساعة ويكون قدامي تقرير مؤمن وبسنت أخت محمد وأبوهم كمان. يلا يا بكر." "حاضر يا باشا."
مؤمن كان مركز في تشريح جثة محمد بس كان مشوش. تركيزه تليفونه اللي عمال يرن برقم علا أكتر من مرة، وكل مرة كان يكنسل عليها لحد ما زهق ورمى المشرط من إيديه ورد بعصبية. "في إيه يا علا؟ زن زن زن ورايا. شغل شغل مش بلعب أنا. الله، متتصليش تاني. لما أخلص هكلمك." وقبل ما يسمع أي حاجة قفل السكة في وشها ورجع يكمل باقي شغله.
الوقت مش لازم في كل مرة يكون كفيل عشان ينسينا اللي وجعنا. ساعات كتير بيكون الوجع أكبر من أي وقت وبيفضل ملازمنا العمر كله لحد ما ندفن في التراب. الأذية موجعة، لكنها مغلفة بالخذلان والقهر لما تيجي من أقرب الناس لينا. لما بنتأذي من شغل واثقين فيه ثقة عمياء، قلبنا مش بس بيوجعنا، لا قلبنا بينكسر وعمر الكسر ده ما بيتصلح أبداً.
بركات وبدور وبكر، المواجهة بينهم لسه محصلتش رغم مرور كل السنين دي. لكن خوف بدور على بكر منعها إنها تطلع الوجع والغضب اللي جواها تجاه بركات. وإحساسها بالذنب من ناحية بنتها أقنعها إن أنسب عقاب ليها إنها تحرم منها بس. يا ترى لما الغضب اللي جواها يطلع هتقدر تتحكم في توابعه؟ مين قتل محمد؟ يتبع ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!