ظل مراد يقود بلا هوادة حتى وجد سيارة أمامه ظهرت من العدم. حاول تفاديها فانقلبت سيارته عدة مرات حتى توقفت وتجمهر الناس حوله. سارع الحرس لديه لإخراجه، ولكن المفاجأة أنه خرج من السيارة وكأنه خرج من العدم. لم يُصب بأي شيء سوى بضع خدوش في ذراعيه ووجهه.
لم يتوقف، فبمجرد خروجه من السيارة أمر الحرس لديه بالتكفل بحالها، ثم أخذ سيارة الحرس وانطلق إلى ريم. فقد أقسم أن يخبرها بعشقه وأن يدعها تنتقم منه كيفما تشاء، ولكن يجب أن تعود كما كانت قوية مستقلة.
أما ريم، فظلت تبكي وتشهق وتتذكر حالها لفترة طويلة. ولكن توقف الزمن أمام عينيها وتذكرت والدها ووالدتها، وشعرت بحاجتها إليهما. فكفت دموعها ولملمت شتات نفسها الممزقة. وقفت، ولأول مرة منذ الحادثة، أمام المرآة تنظر لنفسها، ولكنها لم تتعرف على تلك الفتاة الضعيفة المكسورة، عينيها المتورمة من كثرة البكاء، جسدها الهزيل، وجهها الذي صار كالوردة التي ذبلت على غصنها. نظرت ولم تعد تصدق.
كانت الكلمات تتردد في عقلها وهي تنظر بقوة لانعكاسها في المرآة. قالت في نفسها:
"أنا الريم ابنة أبي. أنا المدللة الغانجة. أنا الريم. أنا الخمر الذي يسكر من تذوقه. أنا القوة التي تبطش بمن حاول كسرها. أنا الوردة التي لا تأخذ من غير أشواكها. أنا الريم. أنا الأنثى التي ترفض أن تكون حطام. أنا الريم. أنا المسك المعطر لرجل ظل يعشقها. أنا الدخان الخنقة لرجل هدم عزتها. أنا الريم. أنا الشوك الذي يجرح اليد التي تمزقها. أنا الضعف في أحضان رجل عشقته لا ليعشقها. أنا الجبروت لمن حاول تحطيم أسوارها. أنا الريم.
لن يهزمني وإن حاول. لن يدخل قلعتي ويحطم أسواري بدون إرادتي. كاذب من يعتقد أن المرأة جسد ليملكها. غبي من يظن أن اغتصابها يكسر بعزتها. فهي وإن كانت مغتصبة، لكنها أنثى بروح متمردة وقيود تمزقها وقلوب تتحطم تحت قدميها. فهي أنثى لن يفهمها الرجل حتى وإن عكف على دراستها. كيف سلمت أنه قد ملك أمري وهو لا يستطيع مجاراة كيدي؟
أنا الريم. أنا الأنثى. أنا من استعظم الله كيدي واستضعف كيد الشيطان. فمن أنت أيها الرجل الضعيف لتكسرني لتهزمني؟ فأنا العالم قد خلق لأجلي. فمن أنت لتكون من غيري؟ فأنا الأم والأخت والزوجة والابنة. فمن أنت أيها الضعيف لتملكني؟ أنا الريم. أنا الأنثى. أنا المرأة التي ترعى، تربي، تعلم، تدرس، وتنجب. تعمل وتحمل فوق أكتافها، ويصفوني بنقصان عقلي. حقاً، فأحمد الله. فما بالك لو امتلكت كل عقلي؟
مسكين أنت. تخطئ وتبكي، تطلب سماحاً من أنثى تمزقها. وتنسى كيف يمكن لأنثى أن تسامح من أهدر كرامتها. فأنا الريم. أنا الأنثى. وإن كنت مغتصبة." ظلت تلك الكلمات تتردد في عقلها حتى تغيرت صورتها في المرآة لامرأة قد كفت دموعها وتوقف دوائها واستقام ظهرها ورفعت وجهها وأقسمت أن تدافع عما تبقى من كرامتها.
دَلفت ريم إلى الحمام، أخذت دشاً بارداً ليجدد نشاط جسدها. ثم خرجت وارتدت ثياباً لتخرج. رفعت شعرها عالياً كذيل حصان وتركت بعض الخصلات تقع بغنج وغرور فوق جبهتها. ثم همت لتخرج من الغرفة لتجد مراد يدلف من باب الشقة إلى الداخل. ولكنها تجاهلته، وتجاهلت أيضاً الرجفة التي صارت في جسدها عندما وقعت عيناها على ثيابه المشعثة وكدمات وجهه ويديه. مراد: ريم. أنا... ريم: (سريعاً) أنا هروح أجيب لبسي والكتب بتاعتي من عند نهى. مراد:
(بحزن شديد) بس ياريم، لو ينفع نتكلم شوية. ريم: (بهدوء وقد جلست على الكرسي) اتفضل، سامعاك. مراد، وقد استغرب من حالها، ولكنه سرعان ما تذكر ريم خاصته كالبحر يغضب سريعاً ويهدأ سريعاً. فابتسم في داخله، فقد علم أن ريم قد عادت لقوتها. مراد: ريم، أنا بحبك. ريم: تمام. إيه بقى المطلوب مني؟ مراد: (بصدمة) مش مطلوب منك حاجة. أنا بس حابب أعرفك إني اتجوزتك لإني بحبك، مش لأي سبب تاني. ريم: (بهدوء)
تمام. وأنا فهمت. وهمت لتقوم. في حاجة تانية؟ مراد: (بدهشة من هدوئها، فهي كل مرة تفاجئه) لا ياريم. ريم: تمام. مش شرط يا دكتور إنك عشان تحب حد مطلوب منك إنه يحبك زي ما قلبك ملكك، فقلبي ملكي. ثم استدارت. ولكنها دلفت إلى المطبخ وجلبت عدة الإسعافات وعادت إليه. ريم: (بهدوء) من فضلك اتفضل اقعد عشان أطهر الجروح دي. فرح مراد سريعاً وجلس وهو متعجب، فقد اعتقد أن ريم سامحته.
سرعان ما طهرت ريم الجروح وانتهت. نعم، لقد كانت خائفة من قربها منه، نعم إنها تخشاه، تخشى شكله وقوة جسده، فقد اختبرت تلك القوة من قبل، تخشى عطره وأنفاسه، ولكنها لن تستسلم، ستذيقه الويل مثل ما أذاقها. انتهت ريم وكان مراد يشعر بخوفها وارتجاف يديها كلما لمسته، لكنه علم أنها لن تظهر ضعفها مرة أخرى. انتهت ريم وهمت لتذهب. مراد: (برجاء وأمل) تسامحيني يا ريم. ريم: (بهدوء) لا. مراد: (بدهشة) ليه ياريم؟ ريم: (بهدوء) مش هتفهم.
مراد: (طب ليه ياريم؟ ريم: (وهي تعطيه ظهرها) ليه إيه؟ مراد: (وكان يأمل أن تسامحه) عالجتي جروحي بعد اللي عملته فيكي. ريم: (بهدوء بالغ وقد التفتت لتنظر له) هو لو كلب عضك في الشارع في يوم وأنا اتعالجت، هل هتروح تموته لأنه عضك؟ لا طبعاً. طب لو شفت الكلب ده مجروح، يتري هتعالجه؟ أكيد عارف ليه؟ لأنك بتبص له إنه في الأول والآخر كلب، مش أكتر من كده.
ثم تركته وذهبت من أمامه سريعاً، وعلى وجهها ابتسامة بعد أن رأت وجهه قد تحول للون الدموي من شدة الغضب. فلو بقيت أمامه ثانية أخرى لفكت به جزاء هذا التشبيه. ولكن بمجرد أن رحلت، ابتسم مراد في نفسه. فهو من حاول معاكسة القطة فلا يلومها إذا خربشته بأظافرها. مراد: (بابتسامة وصوت مسموع) أنا اللي جبته لنفسي. استحمل يا حلو.
ثم دلف إلى غرفته بعد أن أمر الحراس بالذهاب ورائها لحمايتها. دلف غرفته، أخذ حماماً دافئاً ليهدأ كدمات جسده، ثم ارتدى ثيابه وخرج ليذهب إلى الشركة. أما ريم، فقد خرجت من عنده وعلى وجهها ابتسامة نصر، فسوف تنتقم منه، ولكن بطريقتها هي. من قال إن الانتقام بالقتل أو الأذى أو العنف؟
فهم لا يفهمون أن أقوى انتقام هو الانتقام بالعشق والحرمان. ثم ذهبت إلى منزلها لتأخذ ثيابها وكتبها لتدرس، فقد أضاعت ما يكفي من الوقت وأصبحت الامتحانات على الأبواب، ولن تقبل أن تلبس شيئاً من الثياب التي جلبها لها. ويجب أيضاً أن تبحث عن عمل لتثبت ذاتها، فهي لن تعيش عالة عليه. ثم قررت الذهاب إلى نهى تجلس معها قليلاً لتطمئن عليها بعد أن تنتهي من ترتيب أشياءها. أما عند نهى وحسام.
استيقظت نهى على صوت حسام وهو يتحدث في الهاتف. حسام: ألو. أيوه يا مدام عليا. لا، يا ريت يكون المقاربة بين زوجك قليل الفترة دي، بس مرتين في الأسبوع لحد الحمل ما يثبت. المتصل: ... حسام: تمام يا فندم. لو عاوزة أي شيء تاني كلميني. نهى: (بغضب) حسام، بتكلم مين؟ حسام: (وقد أغلق الهاتف) ياما خضتيني يا نهى. نهى: (وهي تقف أمامه ونسيت أنها لا ترتدي أي شيء سوى قميص نوم قصير للغاية يظهر أكثر ما يخفي) بتكلم مين؟ حسام: إيه يا نهى؟
حالة عندي اتصلت تسأل على حاجة. نهى: (بغضب بالغ) دي حالة قليلة الأدب. إنت مالك؟ إنت تسألها ليه عن علاقتها بجوزها؟ حسام: (بضحك) يا حبيبتي، أنا دكتور نسا وهي في أول حملها. هتسألني على إيه يعني؟ أكيد مش هتسألني على أخبار البورصة مثلاً. اعقلي كده. نهى: ماليش دعوة، متكلمهاش تاني الست دي. حسام: (بمكر) ليه؟ نهى: (بارتباك) كده هوا كده وخلاص. متكلمهاش تاني. حسام: (وهو يقترب منها) إنتي بتغيري يا نهى؟ نهى: (وهي تتراجع) مين دي؟
أنا لا طبعاً. هغير ليه؟ أنا بس بقول ميصحش. حسام: (بخبث شديد وهو يقترب منها حتى التصقت بالحائط) إيه اللي ميصحش؟ نهى: (بخوف) إيه؟ في إيه؟ متبعد كده. ميصحش. حسام: (بقهقهة) إيه اللي ميصحش؟ شكلك نسيتي اللي حصل امبارح وأنا لازم أفكرك.
وقبل أن تنطق، طبق شفتيه على شفتيها يقبلها بشوق جارف ورقة بالغة، حتى ذهبت في عالم آخر، وهو أيضاً. ولكنهما أفاقا على رنين الهاتف. فهم حسام ليجيب، فاستغلت نهى الموقف وهربت من أمامه سريعاً ودلفت إلى الحمام وأغلقت الباب. صدرها يعلو ويهبط بعنف شديد. أما حسام، فبعد أن أغلق الهاتف ابتسم من خجلها ووقف أمام باب الحمام يستمع لتنفسها. حسام: (بخبث)
ماشي. عرفتي تهربي دلوقتي، بس أنا همشي عشان عندي حالة مستعجلة. بس مش هتعرفي تهربي بالليل ها. ثم ذهب إلى عمله. أما نهى، فقد حمدت الله أنه ذهب، ثم همت لتخرج حتى وقع نظرها على صورتها في المرآة. فشُهقت وأحست بخجل بالغ مما ترتدي، وسرعان ما جلبت ثياباً وأخذت دشاً وجلست تذاكر حتى أتت إليها ريم.
وصلت ريم لمنزل نهى وطرقت الباب. وسرعان ما فتحت نهى واحتضنت الفتاتان بعضهما وجلسا مع بعض وقت طويل. اطمأنت كل منهما على الأخرى وأخبرت ريم نهى على خطتها واتفقتا على الذهاب إلى الجامعة في اليوم التالي. ثم عادت ريم لمنزلها وتركت نهى تعد الغداء لحسام. وما إن وصلت ريم لمنزلها حتى وجدت رواية افقدني عذريتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!