بعد مرور وقت طويل، أحست ريم وهي تتململ في فراشها بثقل عليها. فتحت عينيها ببطء لتجد مراد ينام بجانبها ويحتضنها. ولأول مرة، لم تفزع، لم تخف. مرت أمام عينيها ذكريات أمس وما حدث لها مع مجدي وخالد. شعرت بغصة في صدرها، وكيف كانا سيبيعانها لولا مراد الذي أنقذها في كلتا المرتين، وهي التي كانت تهينه.
نظرت إلى وجهه، وترقّت دمعة على خدها. فقد ظلمته، واعتقدت أنه يساومها من أجل طفلها. ولأول مرة، ريم تشعر بالأمان والسلام في أحضانه. ظلت تنظر لوجهه وملامحه. لأول مرة، ترى مدى وسامته وجاذبيته. حقًا، لتلك الفتيات حق فيما يفعلنه، فجاذبيته لا تقاوم. "لو لم يكن مراد، إذاها هكذا؟ " ولكنها تراجعت عندما تذكرت كيف حماها من كل سوء، حتى شقيقها. "ولكن هل أسامحه؟ " صرخ صوت بداخلها. "يكفي هكذا، فهي تحبه."
قررت التراجع عن تركه وسفرها، ولكنها ستترك الموضوع معلقًا حتى يعترف بحبه لها. ولن تخسر شيئًا، فهي في الأول والآخر في أحضان حبيبها. ارتسمت على وجهها ابتسامة بهايام. ولكنها، عندما شعرت بحركته، أغمضت عينيها سريعًا، فهي تخجل منه للغاية، وما زال في قلبها بعض الخوف منه. كما أنه إذا رأى عينيها، ستفضحها نظراتها.
فتح مراد عينيه ليجد ريم مستكينة في أحضانه، ولكنه عرف سريعًا أنها متيقظة عندما رأى وجهها الذي يكسوه حمرة الخجل. ظل يتأملها لثوانٍ معدودة، وأنفاسه تلامح وجهها. وكلما لامست نفس من أنفاسه وجهها، اشتد وجهها احمرارًا. كان مراد يبتسم في نفسه على خجلها. فمعنى أنها لم تهرب منه وظلت قابعة في أحضانه، أنها بدأت تطمئن له.
قرر مراد المخاطرة، واقترب وجهه من وجهها ليطبع قبلة على شفتيها ليعلم مدى تقبلها له. ولكن ريم لم ترفض. عندما أحست باقتراب أنفاسه للغاية منها وأنه سيقبلها، أغمضت عينيها بعنف. رآها مراد وأيقن أنها متيقظة، كما أيقن أنها لا ترفضه، ولكنها ما زالت خجلة منه وتخشاه. فبدل أن يقبلها، اقترب من أذنها وهمس لها: "ما تخافيش ياريم، مش هاذيكي أبدًا."
ثم طبع قبلة حانية للغاية على جبينها. وعندما أحس برجفتها، ابتعد سريعًا، ثم قال في غضب مصطنع وبصوت عالٍ: "على العموم، اصحي ياللي، وبطلي تمثيل إنك نايمة. أنا هروح أجهز الفطار، وأمري لله. بس متفتكريش إنك مش هتتعاقبي." وهم ليخرج من الغرفة، ولكنه فوجئ بريم تقف بغضب على السرير، وشعرها مشعث، وتضع يدها في جانبها كالاطفال. "حساب إيه يا أبو حساب؟ ثم أضافت بارتباك: "وبعدين أصلًا همثل ليه إني نايمة؟ "همراد!
"لا، والله تقدري تقوليلي مشيتي ليه من الجامعة من غيري؟ مش قايلك متمشيش غير معايا؟ "ريم بغضب وما زالت على وقفتها: والله مش ذنبي إنك دكتور، لامؤاخذة، بتخلي البنات تبعتلك جوابات مش محترمة. قلت أمشي لوحدي، يمكن البنت اللي بعتت الجواب تكون عايزك في موضوع." مراد بصدمة، ولكنه سعيد من غيرتها. "أنا دكتور، لامؤاخذة؟ طب لما الدكتور اللي لامؤاخذة ده يجي، يوريكي دلوقتي." "ريم بعند: متقدرش."
"مراد وهو يبتسم، فهو يعلم أنها في أيام عادتها، ولكنه أراد معاكستها: ليه بقي مقدرش؟ "ريم وقد اصطبغ وجهها بالخجل: كدا كدا وخلاص." مراد وهو يحاول إغاظتها: "أنا أصلًا مليش نفس. شكلك وحش، بصي لنفسك كدا." "ريم بغضب: أنا دنا قمر. ده كله بيحلف بحلاوتي." ولم تكمل. "مراد بغضب مبين: اللي بيحلف إن شاء الله. ريم، أنا خارج أشوف الفطار بدل ما أُقَدّ أعصابي عليكي." وهم ليخرج، ولكنه سمع ريم. "ريم
بصوت خفيض: تِك نيلة في شكلك وانت صاروخ كدا. هييييح." مراد بابتسامة وهو مستغرب في داخله: "نعم؟ بتقولي إيه؟ سمعيني كدا." "ريم: مفيش، بقول على نفسي مزة وصاروخ في حاجة." "مراد: لا، مفيش ياختي. يلا تعالي برا." ثم خرج، وترك ريم تجلس على السرير حالمة. لو بيدها، لجرت عليه تعانقه وترمي كل شيء خلفها، ولكنها تخجل للغاية منه وما زالت تخافه.
دَلَفت ريم للحمام، أخذت دشًا، وارتدت فستانًا رقيقًا للغاية، ثم دلفت للخارج لتفطر معه. لتجد مراد قد جهز الإفطار، وأبدل ثيابه، وحلق ذقنه، ووضع عطرًا مثيرًا للغاية، وأصبح وسيمًا بشدة زيادة على وسامته.
أما مراد، فبمجرد أن دلفت ريم للخارج، حتى غزى عطرها أنفه، وشعر أنه لا يستطيع المقاومة. ولم يتمالك نفسه حتى قام من على طاولة الإفطار وتوجه إليها، وفي عينيه نظرة أخجلت ريم، وظلت تتراجع للخلف وهو يقترب منها، حتى التصقت بالحائط. "ريم بخوف وخجل: إيه؟ من فضلك ابعد." "مراد وقد اقترب منها للغاية: ليه يا ريم؟ "ريم بخوف شديد وارتعاش جسدها: هو إيه اللي ليه؟ ابعد من فضلك."
ولكن مراد لم يستمع لها، وإنما لم يتمالك نفسه حتى اقترب منها يقبل فمها، ولكنه توقف سريعًا عندما رأى ارتعاشها ودموع عينيها المترجية أن يتركها. فبدل أن يقبلها، احتضنها بشدة، وظل جسدها ينتفض، ولم يتركها حتى هدأت واستكانت في أحضانه. ثم تركها، فلو بقيت ثانية واحدة في أحضانه، لن يتمالك نفسه. فابتعد ببطء. "مراد بنبرة ضاحكة: ريم، أنا رجلي وجعتني. أنا عاوز أفطر." "ريم وقد انتبهت أنها في أحضانه، فابتعدت سريعًا وهي تهندم فستانها
وتنظر للأرض من فرط خجلها: وأنا مالي أنا؟ هو أنا قلت لك متفطرش؟ أنا أصلًا جعانة." وتركته وذهبت، وهو يقف مصدومًا منها. جلست كلا من ريم ومراد للإفطار في صمت. فمراد ينظر لريم بطريقة أخجلتها وجعلتها تخفض نظرها ولا ترفعه. وظلوا على تلك الحالة حتى جاء اتصال هاتفي لمراد. "مراد: الو؟ أهلاً، أهلاً. خير يا فندم؟ "الظابط: إحنا عايزين مدام ريم تيجي تقدم إفادته." "مراد وهو ينظر لريم: يعني لازم هي بنفسها؟
"الظابط: أيوه حضرتك، لازم هي." "مراد: تمام، هشوف كدا وأرد عليك." ثم أغلق هاتفه ونظر لريم. "مراد: ريم، الظابط عاوزك تروحي تقدمي إفادتك في القسم." "ريم وهي تفرك في يديها: أنا مش عايزة أروح." "مراد بتفهم وحنية: خلاص يا ريم، براحتك. اللي انتي عايزاه." "ريم وعلى وجهها ابتسامة لم يرها مراد منذ زمن: بجد؟ يعني مش هروح؟ "مراد
وهو يهز رأسه: لأ، مش هتروحي. ومحدش هيكلمك في الموضوع ده تاني أبدًا. ومحدش يقدر يجبرك على أي حاجة انتي مش عايزاها أبدًا، حتى ولو كنت أنا." "ريم بفرحة: بجد؟ "مراد وهو ينظر لوجهها الذي تضيئه الابتسامة: بجد." لم تشعر ريم بنفسها إلا وهي تمسك يده. "ربنا يخليك ليا." فوجئ مراد برد فعلها، وفوجئت هي الأخرى، وهمت لتبعد يدها فقد خجلت بشدة من فعلتها. ولكنه وضع يده الأخرى على يدها، ثم اقترب منها وهمس في أذنها:
"وربنا يخليكي ليا يا حبيبة مراد." وأول ما سمعت ريم تلك الكلمة، حتى خجلت بشدة وقامت مسرعة لتدلف غرفتها. "مراد: رايحة فين ياريم؟ مش هتكملي فطار؟ "ريم بعند: لأ، هروح إذاكر." "مراد محاولًا إغاظتها: هتذاكري إيه؟ "ريم وقد همت لتغلق باب الغرفة، ولكنه توقفت عن غلق الباب ونظرت لمراد: هذاكر مادة دكتور لامؤاخذة." ثم أخرجت له لسانها وأغلقت الباب سريعًا.
أما مراد، فقد ابتسم من فعلتها وخجلها، وأنهى إفطاره، ثم أبدل ثيابه وذهب إلى شركته. وتوالت الأيام بعد ذلك. مراد يهتم جيدًا بريم ويحاول التقرب منها. وريم أيضًا تحضر محاضراتها، ويزيد في قلبها كل يوم عشق مراد بداخلها. وأخبرت نهى أن تخبر حسام ليوقف إجراءات نقلها مدة حتى تقرر. أما نهى وحسام، فكانوا يعيشون أجمل أيام عمرهما، حتى أن نهى قد أصبحت حاملًا. فحسام الآن يهتم بصحتها وصحة الجنين، ويزداد حبه لها كل يوم عن الآخر.
أما مراد، فقد كان يحاول بكل الطرق التخفيف عن ريم. فهو يعلم أنها، وإن كانت سعيدة لصديقتها، إلا أنها حزينة بداخلها. وظل مراد وريم يقتربون من بعضهما، حتى أتى يوم حدث به شيء لم يخطر على بال أحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!