دلف “عاصم” إلى الغرفة مساءً قلقًا، خصوصًا بعد اختفاء زوجته طيلة اليوم بعد حضور والدتها. رآها جالسة على الفراش صامتة، فجلس جوارها وهو يقول بخفة: -مساء الخير. لم تجب عليه، بل ظلت صامتة وهادئة تمامًا كأنها لم تشعر بوجوده ولم تستمع لكلمته. دُهش “عاصم” من صمتها، فهز كتفها بلطف وهو يقول: -حلا. نظرت “حلا” له باندهاش، وكأنها فاقت من شرودها أخيرًا لتراه جالسًا بقربها. سأل “عاصم” بقلق شديد: -مالك؟
هزت رأسها بلا بضيق شديد وترجلت من الفراش بتعب وهي تقول: -مفيش حاجة. خرجت من الغرفة هاربة من أسئلته الكثيرة وفضوله، بنفس اللحظة خائفة من ضعفها واحتوائه لها، وعقلها لم يكف عن التفكير نهائيًا فيما قالته والدتها، كونها ليست ابنة هذه العائلة، وابتزازها بهذا الطفل الموجود في أحشائها. لم يستوعب عقلها كل هذه الأحداث التي سقطت عليها اليوم، لتقف بشرفة الغرفة وهي لا تملك مخرجًا لهذا الأمر نهائيًا. ***
استيقظت “مُفيدة” من نومها على صوت “سارة” ابنتها تقول: -يا ماما الفطار جاهز. ظلت في مكانها لم تتحرك وقالت بضيق شديد: -مش هاكلة. ربتت “سارة” على كتف والدتها بضيق شديد ثم قالت: -وبعدين يا أمي، بقالك يومين حابسة نفسك كده في الأوضة. صاحت بنبرة منفعلة جدًا وهي تقول:
-هو مش عاصم بيه جعدها ويايا أهنا في نفس الدار، مهموش كسرتي وجهرتي وكل اللي فكر فيه هو مرته، وتفضل أمها جارها أهنا متتفرجش. مش كفاية عليا إني متحملة مرته بنت جوزي، لا كمان جعدلي ضرتي أهنا. ربتت “سارة” على كتفها بحنان وهي تقول: -متهتميش بها ولا كأنها موجودة أهنا، شوية تراب في البيت وخلاص. أنا لو مكانك وخلاص الراجل اللي بتتخانجوا عليه راح، أقوم ألبس وأتزوج كده وأبقى هانم وأخرج أكيدها وأفرسها.
نظرت “مفيدة” إلى ابنتها بصمت، لتشير “سارة” لها بنعم بخبث شديد. *** كانت “جوليا” جالسة على الوسادة في الأرض في القاعدة العربية وتضع أمامها طبقًا من الفاكهة وفي يدها سكينًا صغيرًا للفاكهة. فسمعت صوت “مُفيدة” تقول: -يا ناجية، اعمليلي فنجان قهوة يظبط دماغي.
رفعت “جوليا” نظرها إلى “مُفيدة” فرأتها تسير نحو الصالون المقابل لها مرتدية عباءة استقبال زرقاء اللون، غالية الثمن من جمالها، وكأنها عباءة صُنعت للملوك والأثرياء. فضفاضة وتشبه بأكمامها أجنحة الفراشات، مطرزة من منطقة الصدر بفصوص فضية وخيوطًا بيضاء. وأصوات الأساور الذهبية التي تحتضن معصميها تخترق أذن “جوليا”. رفعت “جوليا” حاجبيها بغرور وهي تتحاشي النظر لها من الضيق.
دق باب المنزل لتفتح “ناحية” وكانت امرأة من الغجر. فور رؤيتها لـ “مُفيدة” هرعت نحوها بحماس حتى وصلت إليها تقبل يدها وجلست بالأرض قرب قدميها وهي تقول: -والله كل مرة بشوفك يا ست الناس بلاقيكي صغرت 20 سنة. تبسمت “مُفيدة” بعفوية، بينما قهقهت “جوليا” ضاحكة بقوة، لتنظر “مُفيدة” لها هي وهذه المرأة باغتيظ شديد. تمتمت المرأة قائلة: -وا مالها دي؟ تأففت “مُفيدة” بضيق شديد قائلة: -مجنونة، مالناش صالح بيها.
بدأت المرأة بضرب الحجارة معًا على الأرض وهي تحاول قراءة الطالع لـ “مُفيدة” وقالت: -عقربة... لا دي حرباية... حرباية سامة واقفة في طريقك يا ست الناس. نظرت “مُفيدة” بسخرية نحو “جوليا” وقالت: -دي عارفاها من قبل ما تقوليها، أصلي شفتها حرباية مش بس سامة. كزت على اسمها وهي ترمق “جوليا” بغضب كامن بداخلها: -دي نجسة بنت كلاب. كلمي يمكن تلاقي شعرها أصفر وعينيها خضراء.
نظرت المرأة على “جوليا” بسخرية وتبسمت، مما أثار غضب “جوليا” وتركت طبق الفاكهة من يدها وظلت تحدق بها. تابعت المرأة بنبرة مخيفة حزينة قائلة: -مهتمتلكيش في حالك يا ست الناس، احذري منها ومتأمنلهاش، أوعاكِ تدخليها دارك لأحسن تحرجك بسمها. رفعت “مفيدة” نظرها عن هذه المرأة وقالت بضيق بينما ترمق “جوليا”: -متخافيش، هي بس تفكر تجرب مني ومهلاقيش عندي غير الشبشب نازل على دماغها.
جاءت “ناجية” بفنجان القهوة وقبل أن تتابع هذه المرأة حديثها، أتاها صوت “جوليا” من الخلف وهي تقول: -احترمي حالك يا مفيدة، أنا ساكتة بس نظرًا لسنك. وقفت “مفيدة” من مكانها غيظًا من كلمات هذه المرأة وقالت: -سن مين يا سن، دا أنا أصغر منك يا عرة النسوة. أنا طبيعي وربنا يا عيني مش كل شهر عند دكتور أنفخ وأشخ. ما تبصي يا بت زين قبل ما تتكلمي، دا أنا ستك وست ناسك وبلدك كلها.
قهقهت “جوليا” ضاحكة بطريقة مستفزة وساخرة بعد أن وقفت الغجرية من مكانها ووضعت “ناجية” الفنجان من يدها ثم قالت: -ست مين يا مفيدة؟ لو كنتِ ستي صحيح مكنش تركك واختارني. حاولت “مفيدة” أن تنقض عليها تبرحها ضربًا، لكن مسكتها الغجرية و”ناجية” لتنفعل بضيق شديد قائلة:
-لا هو ركني لأني حب يجرب النوع الرخيص، لما لعب الجمار وبعد عن ربه. ما هو على رأي المثل الطيور على أشكالها تقع، كان ويايا شيخ البلد رجل محترم يتحلف بأسمه، لكن أول ما لفتي عليه كيف الحية بجى بتاع جمار وحشاش. كيفك بالظبط، عديمة الأخلاق والتربية، واللي زيك كتير أنزل أتفرج عليهم في الكباريهات، نسوة رخيصة تبيعوا نفسكم عشان ليلة، لكن أنا هانم طرف عبايتي ميلمحهوش راجل يا رخيصة.
لم تبالي “جوليا” لحديثها عن الأخلاق والقيم، فهي لم تنكر نهائيًا حقيقتها لتقول بسخرية ولهجة باردة:
-الرخيصة دي قدرت تاخده منك وتتركك هنا تموتي من غيظ. اليوم يمر عليكي سنة لحد ما كبرتي وعجزتي حتى لو سنك صغير. الرخيصة دي قدرت تحرق قلبك يا ست الهوانم، بس لو عايزة الحق، تستاهلي لأن الست اللي ما تحافظ على جوزها تستاهل يخونها، وأنا ست تعجب الكل، عمري ما قابلت رجل وما عجبته أصلًا إمكانياتي يا طنط، أصل الست اللي ما تعرف تعجب جوزها ما تبقي… لا مؤاخذة ست.
لم تتمالك “مُفيدة” أعصابها أكثر من ذلك ودفعت الغجرية بعيدًا وصعدت الخمس درجات نحو القاعدة العربية وانقضت على “جوليا” تمسكها من شعرها حتى أسقطتها أرضًا وجلست فوقها وهي تقول: -وديني لأربيكي. بدأت الغجرية و”ناجية” في الصراخ بهلع وهم يحاولون إبعاد “مُفيدة” عنها، لتدفع “مُفيدة” الغجرية مما جعل “جوليا” تنتهز الفرصة وتمسك شعرها لتقلب الوضعية وتبقى “مفيدة” أسفلها. ***
فتح “حلا” عينيها على صوت الصراخ، وبعد أن تأكدت من أنه بالخارج ترجلت من الفراش وهي تأخذ الروب في يدها وترتديه، ثم خرجت من باب الغرفة وهلعت عندما رأت والدتها فوق “مُفيدة” ويتعاركون. لم تصدق ما تراه وأسرعت نحوهما لتحاول إبعاد والدتها عن “مفيدة” وهي تصرخ بخوف قائلة: -جوليا… ابعدي عنها يا جوليا.
دفعتها “جوليا” بقوة بعيدًا لتسقط عن الدرجات للأسفل، ومع صرختها توقف الجميع عن الصراخ وهرعت “جوليا” للأسفل نحو “حلا” بخوف من أن يكون أصابها شيء هي أو طفلها. أسرعت “مُفيدة” نحوها خوفًا من “عاصم” وغضبه إذا أصاب ابنه شيئًا. حاولت “جوليا” مساعدة “حلا” لكنها كرهت وأشمأزت أن تلمسها “جوليا” خصوصًا بعد أن أدركت أن كل هذا الخوف ليس عليها بل على طفلها الذي بمثابة ثمرة جمع المال لها.
تشبثت بيدي “ناجية” بألم شديد وأخذوها إلى الأريكة. جلست “مُفيدة” جوارها بقلق وهي تقول: -أنتِ زينة؟ حاسة بحاجة؟ تنفست “حلا” بهدوء وهي تتألم، وتعابير وجهها الشاحب من الألم واضحة. أومأت إليها بنعم وهي تعود بظهرها للخلف. مسحت “مٌفيدة” على جبينها بلطف وهي تقول: -اتنفسي براحة؟ لمست “جوليا” يدها بلطف لتسحب “حلا” يدها سريعًا منها وهي تصرخ بضيق لم تتحمله: -ما تلمسيني إياكِ. نظرت “مُفيدة” لها باندهاش ثم إلى “جوليا” ثم قالت:
-اهدئي يا حلا، بلاش العصبية. أغمضت عينيها بإرهاق وبدأت تنظم أنفاسها بلطف. وقفت “جوليا” من مكانها بعد أن شعرت بالإحراج وغادرت من أمامهم. *** استعارت “هيام” بعض الكتب من المكتبة وبدأت تسجلهم مع الأمينة. لتضع أمينة المكتبة كتابًا آخر فقالت “هيام” بهدوء: -أنا مختارتش ده. تبسمت الأمينة وهي تسجله دون أن تعطي اهتمامًا لرأيها وتقول: -دكتور أدهمملهولك. تحنحت “هيام” بخجل من هذه الفتاة وأخذت الكتب ثم خرجت.
جلست على مقعد خشبي بحماس وحدها قبل أن تذهب لأصدقائها ووضعت حقيبة ظهرها بجوارها ثم فتحتها سريعًا وأخرجت الكتاب وهي تمرر صفحاته بسرعة باحثة عن الورقة التي تحتوي رسالته، لكنها لم تجد. فأغلقت الكتاب بضيق شديد وهي تقول: -أنا حتى مبقرأش إنجليزي وهو… توقفت عن الحديث وفتحت الكتاب مرة أخرى ومررت الصفحات ببطء أكثر.
وبعد أن انتبهت لدوائر محاطة ببعض الحروف الإنجليزية بطريقة عشوائية وأخرجت ورقة صغيرة من حقيبتها ثم بدأت تدون الحروف بالترتيب مع ترتيب صفحاتها. ثم أغلقت الكتاب باندهاش وهي تنظر للورقة بضربات قلب متسارعة وهو لا يتوقف عن الخفقان بداخل ضلوعها الصلبة بعد أن رأت رسالته: (I love you, will you marry me?) أزدردت لعابها بتوتر شديد وهي تنظر لهذه الورقة ولم تشعر بشيء حولها كأن العالم توقف الآن وتجمد الوقت بها للتو.
شعرت بارتباك شديد ولم تستطع التفكير جيدًا، ثم ذهبت للمكتبة وأنتهزت فرصة انشغال الأمينة مع طالب آخر وألقت بالكتاب جوارها ثم أسرعت للخارج. لتستوقفها الأمينة قائلة: -هيام. التفت إليها بتوتر شديد ثم قالت: -نعم. سألتها عن سبب عودتها لتشير لها بالهاتف وهي تهرب من أمامها كأنها عادت لجلب هاتفها. غادرت “هيام” مسرعة. جلست الأمينة على مكتبها لترى الكتاب أرضًا فتمتمت بخفوت: -أنا مدتهوش الكتاب… لما تيجي المرة الجاية. ***
بنهاية اليوم الدراسي مر “أدهم” إلى المكتبة مبتسمًا ثم قدم عبوة من المشروب الغازي للأمينة. لتنظر الأمينة لعبوة المشروب ثم قالت بعفوية: -أنا هاخدها مع إني معملتش اللي طلبته مني. عقد حاجبيه باندهاش لتقول: -والله طلعته عشان أدهولها بس نسيت هي تحطه في الشنطة والمكتبة النهاردة كانت زحمة جدًا. رأت اليأس والحزن على وجه “أدهم” بعد أن علم بأن رسالته لم تصل لها بعد لتقول بحماس شديد:
-متقلقش يا دكتور، أول ما تيجي آخر الأسبوع ترجع الكتب هديهولها. تأفف بضيق شديد من انتظاره لأسبوع كامل وغادر بضيق شديد. *** كان “عاصم” جالسًا مع “مازن” وأمامهما “فايق الصديق” غاضبًا جدًا من موافقتهم على زواج “فريدة” من ابنه الأكبر “مصطفى” ثم سحبه كلمتهم وتزوجها “مازن” الآن. ليقول “فايق” بضيق شديد: -إحنا مش قليلين في البلد عشان تلعبوا بينا كده. تأفف “عاصم” بضيق من طريقة حديثه ليقول باغتياظ:
-يا حج فايق، البنت ميتريدهاش وبتحب، هتتجوز ولد لواحدة جلبها وياه غيره، دا بقى اللي يدوس على كرامتكم. تأفف “فايق” بضيق شديد هو ينظر إلى “مصطفى” ولده ثم قال: -إحنا معندناش حاجة اسمها حب وكلام فارغ، وإلا كنت هجوزها له. كاد “مازن” أن يفقد أعصابه وهو يتحدث عن زوجته ليقول بضيق: -أنت عايز إيه دلوقتي يا حج فايق؟ فريدة بقت مرتي على سنة الله ورسوله والفرح أول الشهر، ابقى هات ولدك وتعالى، أنا بعزمك.
رفع “فايق” رأسه بغرور شديد وهو لا يهاب هذا الرجل ثم قال: -الفرح ده مهيتممش يا ولد الشرجاوى. ضرب “عاصم” نبوته بالأرض بضيق شديد ثم قال بانفعال: -فوق كده يا فايق بيه، أنا عاصم الشرجاوى، اختار كلام زين وأنت بتتحدث ويايا، وكلمة كمان ما تعجبنيش ولدك ده اللي عايز تجوزه هخليك تاخد جنازته، والفرح هيتم. كز “فايق” على أسنانه بضيق شديد ثم قال: -عشان يتم وتصف القلوب، أنا جيت النهارده.
نظر “مازن” إلى “عاصم” بحيرة وهو لا يفهم كلماته ليتابع “فايق” بجدية حازمة: -أنا طالب يد بنتكم هُيام لولدي مصطفى. وقف “مازن” بضيق شديد وهو يقول بصراخ: -جننت أنت لتطلب يد أختي؟ إيه هي أي واحدة وخلاص؟ وقف “فايق” من مكانه مع ابنه بضيق شديد ثم قال بنبرة تهديد واضحة: -أنا ميهمعنيش منكم رأي دلوقتي، فكروا زين بس خدوا بالكم، هُيام هتكون لولدي ده لمصلحتنا كلنا وإلا هتفتحوا بحور دم بينا ومهيكونش بينا تجارة ولا مصالح من بعدها.
غادر “فايق” غاضبًا من هذا الرفض الذي لحق به، وبدأت الآن البلد كلها تتحدث عنه خصوصًا بعد انتشار خبر اقتراب موعد زفاف “فريدة” و”مازن”. نظر “مازن” إلى “عاصم” وقال بقلق على أخته: -ناوي على إيه؟ وقف من مكانه وهو يهندم ملابسه ثم قال: -تعال نروح ولما أفكر هقولك. عادوا للمنزل وكانت “حلا” مختفية لتسرع “ناجية” إلى “عاصم” وأخبرته بما حدث من شجار النساء صباحًا. سألها بقلق شديد على زوجته: -هي فين حلا؟ ابتلعت “ناحية” ريقها بخوف
وقلق يلازمها من الصباح: -في أوضة الست مفيدة. اتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة ألجمته من مكانه وهرع إلى غرفة “مُفيدة” بقلق خصوصًا أن زوجته تركت جميع الغرف وبقيت في غرفة “مُفيدة” التي تكن لها كرهًا لا مثيل له يفيض من بحور العالم. فتح باب الغرفة ليرى “حلا” تبكي بانهيار شديد و”مُفيدة” جالسة أمامها على الفراش وتضمها لأول مرة منذ أن جاءت لهنا. قال بتلعثم من الصدمة: -حلا. ابتعدت عن “مُفيدة” بخوف من ظهوره فجأة ونظرت إليه فقال:
-أنتِ زينة؟ قالها وهو يسير نحوها فأومأت له بنعم وهي تجفف دموعها، قالت بصوت مبحوح: -كويسة، ما تقلق. نظر إلى “مفيدة” لتقول ببرود شديد: -خد مراتك وسيبوني، دوختيني من الصبح. أخذ “حلا” وهو يساندها بلطف وعيناه لا تفارق “مُفيدة” باندهاش وهدوء “حلا” فكل مرة تجتمع هاتان الاثنتان تتشاجران وتصاب زوجته شيئًا. نظرت “حلا” بقلق إلى “مُفيدة” لتشير لها بنعم وهي تغمض عينيها بمعنى أن تذهب باطمئنان لتغادر “حلا” مع زوجها. نظرت “مُفيدة”
للمرأة بغضب شديد وهي تقول: -مكفكيش إنك لعبتي الجمار كمان لبستي بنت مش بنته ودلوقتي عايزة تنهبي تعب وشقى العائلة بجذرتك، وحياة ربنا لأوريكي كيف هي الجذرة وكيد النسا هتتعلمي على إيدي أنا. ساعدها “عاصم” في الجلوس على الفراش ثم جلس جوارها وقال: -أنتِ زينة بجد؟ أومأت إليه بنعم فرفع يده إلى وجنتها يجفف دموعها التي بللت وجهها وقال بفضول: -أمال بتبكي ليه؟ جوليا!! نظرت له بتوتر ثم قالت: -لا، عاصم ممكن أطلب طلب منك؟
أومأ إليها بنعم وهو ينزع عمامته ويقول: -اطلبي يا حلا، أنتِ هتستأذنيني. تحنحت بتردد شديد فنظر إليها بقلق من ترددها في الحديث لتقول: -ممكن تمشي جوليا من هنا؟ نظر لها بفضول شديد من طلبها ولم يستوعب لفظها لاسم والدتها هكذا، فرغم كل ما فعلته “جوليا” كانت تنعتها بأمها الآن تلفظ اسمها ولأول مرة ليقول: -عشان اللي حصل؟ أنا ممكن أمشيها من البلد كلها لو تحبي بس أفهم يا حلا نظرة الكره اللي في عينيك دي وانتِ بتحددي عنها ليه؟
وأوعاكي تقولي إن السبب خناقة الصبح، لأن إنك تتجعي غصب عنهم دي أبسط حاجة عملتها جوليا فيكي من كل اللي حكيتيه. جربك من مرت عمي وكرهك اللي شايفه في عينيك لأمك سببه حاجة أنتِ مخبية عليا يا حلا. هزت رأسها بلا بتوتر شديد وترجلت من الفراش ليمسك يدها بلطف قبل أن تهرب منه كعادتها في أيامها الأخيرة وجذبها نحوه لتجلس على قدميه ويحيطها بذراعه والأخر يرفعه حتى يضع خصلات شعرها خلف أذنها بدلال وقال بنبرة دافئة:
-احكي ليا يا حلوتي، إيه اللي بيحصل وياكي؟ مالك وإيه اللي مبكيكي ومخليكي حزينة كده، ومكنش عاصم الشرقاوي ولد عمك وجوزك لو ما حلتلك الموضوع. رفعت يدها إلى وجهه تلمس لحيته بحنان خائفة من فقده إذا علم بحقيقتها وكونهم لم تكن ابنة عمه وتجمعت الدموع في عينيها وهي ترمقه بنظرها ثم قالت بتلعثم: -ولا أنا يا حلوتي، أصل ما عرفت الحب إلا وياكِ، بس فهمني مالك؟
رفعت ذراعيها بضعف شديد ولفتهم حول عنقه بخوف وجسدها ينتفض رعبًا من المستقبل المجهول وعانقته رغم ارتجافها وهي تتمتم بحزن: -أنا حياتي كلها مشاكل، أصلًا أنا ولادتي كانت مشكلة، بس صدقني أنا أضعف من إني أعمل مشكلة ولا كنت أنا السبب والله القدر هو السبب يا عاصم، بعرف إن حياتي مستحيل تخلي من المصائب بس معلش خليك جنبي وما تسبنيش، بعرف إن ربنا رزقك بزوجة ضعيفة بس ارحم ضعف قلبي وما تسبنيش لحالي نهائيًا.
أبعدها قليلًا حتى يرى وجهها ودموعها المنهمرة بقلق شديد يزداد أكثر وأكثر ليقول: -جولتلك إني مهسيبكيش يا حلا، لكن قسمًا بربي لو ما جُلتِ اللي وصلك للمرحلة دي لهسيبك بجد. طلعت له بصدمة من إجباره لها ولم يتوقف جسدها عن الارتجاف. حدق بها بجدية صارمة عازمًا أمره على كشف ما تخفيه بالقوة إذا كانت ستلتزم الصمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!