ذهبت إلى الجامعة بابتسامة وأمل جديد يرفرف أمام عينيها وقلبها. ولكن قبل أن تصل إلى الرصيف، كادت ترتطم بأحدهم، لكنه تراجع سريعًا للخلف وهو يرفع يديه باستسلام: "آسف، آسف." التفتت شهد باستغراب: "مروان؟! نظر إليها مروان بعدم فهم: "حضرتك تعرفيني؟ شهد بسرعة: "لا لا، آسفة.. بعد إذنك." تحركت من أمامه سريعًا ولعنت غباءها. في حين نظر في أثرها بعدم فهم، وكاد يذهب، إلا أنه رأى مريم تدلف من بوابة الجامعة وهي تمسك بهاتفها.
مرت من جانبه وهي تتمتم: "إنتي فين يا شهد؟ .. تعاليلنا عند آداب، هنروح المكتبة وهنستناكي قدام حوض الورد الأبيض." وكان يقف مروان بجانب هذا الحوض تمامًا، وهي وأروي على الجانب الآخر. أخرج هاتفه وكأنه يعبث به، حتى أتت شهد. وقد تعجب لكونها نفس الفتاة التي كادت ترتطم به. أفاق على صوت مريم التي تتحدث بإعجاب: "واااااو، إيه الجمال ده كله! شهد وهي تدور حول نفسها: "بجد حلو؟
.. أنا خلاص مش هلبس بنطلون تاني ولا هلبس الطرحة قصيرة.. أنا طولتها شوية آه.. بس إن شاء الله واحدة واحدة وتبقى خمار زي بتاعك كده." أروي بحب: "واحنا ياحبيبتي أسعدنا أوي إن الخطوة دي خدتيها بنفسك.. وأنا كمان إن شاء الله ناوية آخد خطوة الخمار.. بس هعملها مفاجأة لإسلام في الفرح." شهد وهي تضم يديها لقلبها: "واااو، إنتي هتتجوزي قريب؟ أروي: "أيون يا أوختي، بعد السنة دي إن شاء الله."
شهد: "مبروك ياحبيبتي، ألف مبروك. ربنا يسعد قلبك." مريم: "طب إيه، هنفضل نرغي كتير ولا إيه؟ .. في محاضرات يا آنسات، عايزين نلحق المكتبة." أروي وهي تضرب كتفها بخفة وتغمز لها: "المكتبة برضه اللي عايزة تلحقيها؟ مريم: "أروي بس بقى." شهد: "إيه ده، في إيه؟ أروي: "الآنسة مريوم جايلها عريس النهارده واسمه نفس اسم البيه اللي كانت بتتابعه على الفيس بوك.. يرضي ربنا ده يا شهد؟ شهد بعدم فهم: "لحظة بس.. أنا مش فاهمة حاجة."
مريم بهدوء: "أنا هقولك، وأمري لله.. بصي يا ستي.. من فترة طويلة أوي كنت بتصفح فيس عادي، وبعدين في بوست في جروب لفت انتباهي، ولا إراديًا دخلت على صفحة صاحب البوست.. معرفش إزاي عملت كده، بس فضلت أقلب فيها وأنا معجبة جداً بيها وبشخصيته.. وفجأة دوست لايك.. قمت جري حذفته وقفلت الجهاز وكنت هموت فيها من الرعب.. عارفة إنه كان تصرف غبي وغلط.. وأنا محرمش منه.. لا، قمت دخلت بروفايله تاني وتالت، وكل مرة أقول مش هعمل كده تاني، ولا
إرادياً ألاقي نفسي جواها.. وآخر مرة نويت آخد على نفسي عهد مدخلهاش.. إسلام أخويا خبط عليا قبلها على طول.. ودخل وقالي إن في واحد عايز يتقدملي، واتكلم عنه شوية.. وفي آخر كلامه قال إن اسمه جود.. وده كان نفس اسم الشخص اللي بتابعه.. بس كده."
شهد: "اممم.. معقولة يكون هو نفسه." أروي: "أنا واثقة إن هو نفسه." شهد: "لي واثقة؟ أروي: "عشان بعد ما مريم حكتلي الحوار ده كله امبارح بليل، وعرفت منها اسم إيميل جود ده.. دخلت على بروفايله واكتشفت إنه صديق مع إسلام.. وكمان اسم شركته اللي موجودة في أول بروفايله نفس اسم الشركة اللي إسلام بيشتغل فيها."
شهد وهي تصفق بيديها وتقفز: "واااو.. مش مصدقة نفسي.. يعني الشخص اللي أعجبتي بحروفه وكلماته هو نفس الشخص اللي هيتقدملك.. الله بجد.. الله.. يا رب أوعدني بحب زي ده يا رب." مريم وهي تضربها: "حب إيه يا بت إنتي.. قال حب قال." شهد: "لا لا، بقولك إيه.. إنتي هتعترفي حالا إنه حب.. والحب هيولع في الدرة كمان." مريم: "يلا يا بنات، امشوا.. ما إنتوا عالم فاضية بصحيح." تحركت من أمامهم، في حين اقتربت
شهد من أروي وهي تتمتم: "أقطع دراعي إن مكنش حب." أروي بضحكة: "لا متقطعهوش، هتحتاجيه عشان تمسكيلها الفستان بعدين، لأني هكون شايلة بوكيه الورد ليها." ضحكت الفتاتان معاً وذهبتا خلفها. في حين بقي مروان مكانه، يُنعي قلبه الذي أعلن عن وفاة حب وُلد عفيفاً بداخله. الآن أصبح عليه أن يسعى أكثر من ذي قبل في أن يجمعهما. كلاهما يحبان بعضهما، وهو سيفعل كل ما يمليه عليه حبه لأخيه كي يجعله سعيداً. *** طرقات على الباب،
دلف بعدها إسلام وهو يتمتم: "أدخل ولا مشغول؟ جود: "ولو مشغول أفضي طبعاً." إسلام: "حبيبي، متحرمش منك.. إيه الدنيا معاك؟ جود: "تمام الحمد لله.. بقولك إيه يا إسلام.. اعتبر نفسك مش أخو البنت اللي أنا رايح أخطبها.. إحنا أصحاب، ماشي؟ إسلام: "عايز تقول إيه؟ جود: "قولي هعمل إيه؟ .. يعني إيه اللي هيحصل؟ .. أقول إيه؟ .. هكلمها إزاي وأقولها إيه؟ .. كده يعني."
إسلام: "كل دي حاجات بتيجي بتلقائية.. يعني أنا مثلاً هقولك عملت إيه لما رحت أتقدم لأروي." جود بابتسامة: "ايوووه.. عملت إيه بقا؟ ابتسم إسلام بهدوء وبدأ يتحدث عن تفاصيل اليوم الذي تقدم فيه لطلب يد أروي. في حين زاد توتر جود. إسلام بهدوء: "بس ياسيدي، واتفقنا بقى على كل حاجة وقرينا فاتحة." جود بيأس: "طب إنت وعارفهم بقالك كام سنة.. وكنت قاعد قدامها متوتر وكلامك هرب منك ومعرفتش تسأل ولا سؤال.. أمال أنا هعمل إيه؟
إسلام بضحكة: "لا، إنت ربنا يعينك.. أصلاً إنت داخل على مرحلة صعبة، وأنا بدعيلك من قلبي." جود: "إنت هتوترني أكتر ما أنا متوتر ليه بس؟! إسلام: "لا يا عم، ولا تتوتر ولا حاجة.. لما تقعد مع مريم بنفسك هتعرف قصدي.. المهم، كنت عايز أسألك في حاجة كده.. بس.. متفهمنيش غلط.. يعني أنا بس.." جود: "إيه ياعم المقدمات دي كلها.. اسأل على طول."
إسلام بتنهيدة: "من فترة كده إنت.. إنت يعني كنت جيت قلتلي إنك.. يعني معجب بواحدة من كلماتها وهتدور عليها وكده.. اا.. يعني هو... جود مقاطعاً إياه: "هي نفسها يا إسلام." إسلام بعدم فهم: "يعني.. إنت وقتها كنت بتكلمني عن أختي؟ جود: "مكنتش أعرف.. صدقني.. حتى مش أنا اللي عرفت.. مروان فضل يزن عليا وهو اللي عرف إنها أختك." إسلام: "مريم عاملة إيميلها مريم الشوادفي.. وأنا قدامك طول الوقت ومربطتش بيني وبينها أبداً!! جود
وهو يحك مؤخرة رأسه بحرج: "شفت بقى." إسلام بتنهيدة: "طب هو إنت عرفت إيميلها إزاي؟ فكر جود لثوانٍ قبل أن يقول بهدوء: "ااه.. كنت منزل بوست في جروب 'اترك أثر'.. فاكره؟ .. إنت كنت قلتلي عليه ودخلتني فيه ده." إسلام بتذكر: "آه.. أيوه أيوه فاكر." جود: "المهم، هي علقتلي عليه.. هو يعني كان سؤال وهي جاوبت عليه.. وما شاء الله عليها." إسلام: "آه.. على بركة الله.. المهم، هقوم بقى أشوف شغلي، وإن شاء الله في انتظارك الليلادي."
جود: "إن شاء الله." تحرك إسلام إلى مكتبه، في حين زفر جود بهدوء وهو يعود إلى الخلف بمقعده في ارتياح تام. وأخيراً سيرى تلك التي تتمناها. محمدي، ولا ينسى حبها للأكل. ضحك بخفة حينما وصل بتفكيره لتلك النقطة. *** كان يسير على غير هدي، يفكر في كل ما حدث وفي مصيره. كيف سيُهدِّئ من ثوران قلبه وهو يطلب حبيبته لأخيه؟
أغمض عينيه بقوة في محاولة لكبت مشاعره. هي أيضاً تحبه، ويا إلهي، لقد أحبته كما أحبها. كلاهما أحبا بعضهما من مجرد كتابات قرأاها. أخذ زفيراً طويلاً أخرجه ببطء، وقد نوى على أن يكون بجانب أخيه ويدعمه ويقويه. مريم حبيبة أخيه، وعليه أن يذكر نفسه بهذا دائماً.
وبينما هو في أفكاره، إذا به يرفع رأسه ليجد نفسه أمام بوتيك خاص بالرجال. نظر إليه من الخارج وابتسم بخفة، ثم دلفه بهدوء. جذب انتباهه العديد من البدل الكحلية. يعلم مدى حب أخيه للون الكحلي. لكن جود لا يحب الرسميات. دار لبعض الوقت في المكان حتى استقر على ملابس له ولجود، وعاد للمنزل كي يرتب كل شيء حتى عودة أخيه. ***
عادت للمنزل لتجده يقف على قدم وساق. وقفت مكانها تنظر لوالدتها التي تتحرك من مكان لآخر في خفة، وسفيان الذي يركض هنا وهناك مساعداً إياها. مريم: "إيه ياماما ده، في إيه؟ والدتها بحب: "حمد الله على السلامة.. ادخلي ادخلي، إنتي على أوضتك على طول شوفي هتلبسي إيه بسرعة.. أنا خلاص قربت أخلص أهو." مريم: "طب بس أهدي ياماما، ده لسه مجرد هيتقدم." والدتها وهي تدفعها للغرفة: "بت انتي متتعبيش قلبي معاكي.. ادخلي انتي ملكيش دعوة."
مريم بضحكة: "طب جعانة طيب." والدتها: "ما إنتي كل يوم بتاكلي." مريم: "يا وليه، أهدي يختاااي." دفعتها والدتها للغرفة وأغلقت الباب، في حين ضحكت مريم على ما تفعله والدتها. إن والدتها سعيدة أكثر منها. جلست إلى فراشها بتنهيدة مريحة، وابتسامة واسعة اعتلت ثغرها وهي تتذكر حينما تحدثت إلى أروي وأخبرتها أروي بكونه نفس صاحب الشركة التي يعمل بها إسلام. يا إلهي.. هل تحلم أم ماذا!
وقفت بخفة أمام خزانتها لتري ماذا سترتدي. وفي خلال ساعة ونصف سمعت طرقات على الباب، فعلمت على الفور بقدوم أروي. ركضت وفتحت لها وأمسكت بيدها وهي تتمتم: "اخطفيلي سندوتشين من المطبخ.. أمي مش راضية تأكلني." ضحكت أروي عليها وهي تتمتم: "طب ادخلي أوضتك بس وأنا هظبطلك الدنيا."
لم يمر الكثير من الوقت حتى دلفت أروي بصينية صغيرة فوقها ثلاث ساندويتشات جبن وبطاطس عليها، وكوبين من الشاي مع زجاجة مياه صغيرة. قفزت إليها مريم في مرح وجلستا يتناولان طعامهما بهدوء حتى انتهى. وقفت أروي لترى ما اختارته مريم لترتديه اليوم، وقد أعجبها كثيراً ما اختارته. بقيت الفتاتان معاً حتى وصل لمسامعهما صوت طرقات الباب، فخرجت أروي تستقبل إسلام. ***
أنهى جميع أعماله وصعد لمكتب جود الذي أخبره بأنه سيغادر بعد دقائق فقط. عاد لمنزله وطرق على الباب بخفة لتفتح له مليكته. وقف لثوانٍ ينظر لها بابتسامة مشرقة. أروي بخجل: "هتفضل واقف كده كتير؟! إسلام بحب: "لو هفضل باصصلك كده معنديش مانع." أروي وهي تنظر للأرض بخجل كي تهرب من عينيه: "إسلام." إسلام بابتسامة: "عيون وقلب إسلام."
أروي وقد قررت الذهاب من أمامه، فهو يهدم جميع حصونها بكلمة. لكنه كان أسرع فأمسكها من ذراعها قبل أن تهرب، ودلف وأغلق الباب وجعلها تقف بظهرها للحائط ووضع ذراعيه بجانبها، فأصبحت محاصرة تماماً منه. أروي وهي تدفعه بخفة وخجل: "إسلام بقى، اعقل." إسلام: "ما أنا فضلت سبع سنين عاقل.. سيبني أتججنن بقى." أروي: "إسلام بالله عليك، طنط في المطبخ ومريم في الأوضة وسفيان في أي لحظة ممكن يصحى.. ميصحش كده."
إسلام بابتسامة: "مراتي وبراحتي.. متحاوليش." أروي: "إسلام عشان خاطري، متكسفنيش." إسلام: "بس إنت وحشتيني." أروي بخجل ووجنتان متوهجتان: "إسلااام." إسلام: "طب إيه؟ .. موحشتكيش طيب؟ أروي وهي تنظر حولها: "لا.. ووحشتني." إسلام بضحكة: "طب إيه؟ ومن دون سابق إنذار، وجد إسلام وسادة ترتطم برأسه، فالتفت للخلف ليجدها مريم تقف واضعة يديها في خصرها: "بتعمل إيه يا منحرف يا قليل الأدب ها.. يوم خطوبتي يا إسلام، يوم خطوبتي."
أروي: "إنتي كل اعتراضك إنه يوم خطوبتك." مريم: "أيوه طبعاً.. اتنحنحوا في أي يوم غير يومي." إسلام وهو يلتقط الوسادة ويلقيها عليها: "إنتي بني آدمة هادمة للذات.. منك للي أكلت دراع جوزها يا بعيدة." مريم بضحكة: "إيه قطعت عليك حاجة مهمة ولا إيه؟ خرجت والدتهما من المطبخ: "وبعدين معاكم.. إسلام ادخل اجهز، مبقاش غير ساعة والناس ييجوا يا حبيبي.. وإنتي يا أروي ادخلي مع الزفتة دي عشان هي لو طايلة هتخرج للعريس بعباية سمرة."
ركضت أروي وجذبت مريم معها ودلفتا للغرفة وأغلقتها وهي تتشاهد. لكن ابتسامة سعيدة محبة ارتسمت فوق ثغرها وهي تتذكر همسته لها ومحاوطته لها بينه وبين الحائط. مريم: "يا عيني يا عيني.. بقا أخويا مبدلك بالشكل ده." أروي وهي تضم شفتيها للأمام: "إنتي فعلاً هادمة للذات." ضحكتا معاً، ثم بدأت أروي في مساعدة مريم. ***
كانت تجلس على الأرجوحة تقرأ في كتاب كليلة ودمنة. هي أصغر بكثير من أن تترك حياة الأطفال وكتبهم، وكذلك الكارتون. من يراها يظنها طفلة ولا يعطيها سنها أبداً. قاطعها صوته الذي يبث السعادة بقلبها: "الحلو بيعمل إيه؟ رقية: "بقرأ كتاب." معاذ بضحكة وهو يجلس إلى جانبها: "قصدك بتقرأي قصص أطفال." زمت شفتيها في اعتراض، فضحك على فعلتها وهو يتمتم: "يابت، بطلي حركات الأطفال دي.. دا إنتي داخلة على تلاتة وعشرين سنة."
رقية: "ياسيدي، أنا طفلة.. إيه تاعبك إنت.. خليك في حالك." معاذ: "طيب ياستي، هخليني في حالي.. بس قوليلي بقا في أكل ولا هنطلب من بره؟ رقية: "لا لا، أنا عملت أكل بنفسي النهارده." معاذ: "يا عيني.. وعملتي إيه؟ رقية: "والله يا معاذ، أنا عملت مكرونة محمرة وجنبها بانيه.. وعملتهم زي ما بشوف دادة سعاد بتعملهم." معاذ: "طب ما تقومي تأكلينا.. أنا واقع."
دلفا معاً وصعد معاذ لينادي شهد، في حين دلفت رقية للمطبخ وقامت بوضع لكل واحد طبقه الخاص. جلسوا معاً وبدأوا في الأكل. في حين كانت رقية تراقب معاذ لترى رأيه فيما طبخت. معاذ: "واو.. إيه الجمال ده.. حلو أوي." رقية بابتسامة واسعة: "بتتكلم جد؟ .. عجبك؟ معاذ: "أوي بجد.. تسلم إيدك." شهد: "تسلم إيدك يا رورو، بجد حلو أوي ياقمر.. بس هي فين دادة سعاد؟ رقية بهدوء: "ليها ناس قرايبها في المستشفى وراحتلهم." شهد: "يارب خير."
معاذ: "إيه أخبار يومك يا شهد؟ شهد بابتسامة: "جناااان يا ميزو، مقولكش.. أيامي الجاية كلها هتبقى جنان، أنا واثقة." معاذ: "طب إيه سر الفرحة دي؟ .. ولا مريم ابتسامتها بتهدى على اللي حواليها." انتبهت رقيه للحديث حينما ذكر معاذ اسم مريم، لتتابع شهد: "مريم دي إنسانة جميلة أوي، هي وأروي.. حبيتهم أوي بجد.. والنهاردة خطوبتها بالمناسبة." انتبه معاذ ونظر لها برجاء كي تنفي ما قالت: "خـ.. خطوبة مين؟
شهد: "مريم.. ومش هتصدق هتتخطب لمين." معاذ بغصة: "مين؟ شهد: "فضلت تحب واحد كام شهر في صمت، وعمر ما حصل بينهم اااااي كلام من أي نوع.. وحتى متعرفش شكله إيه.. بس حبت كلامه وقربه من ربنا.. والنهاردة رايح يتقدملها.. حبهم هيبقى حلو أوي أوي يا معاذ." ترك معاذ ملعقته بهدوء: "أنا شبعت.. هطلع أنام." غادر معاذ المكان، في حين نظرت رقيه في أثره بدموع تحبسها كي لا تفضح مشاعرها.
أمسكت شهد بيدها: "متقلقيش يا رقيه.. مريم مجرد وهم هو عايش فيه.. هو مبيحبهاش.. هو بس ضميره واجعه عشان كان أذاها قبل كده من غير ما تعمله حاجة." رقية ببحة خفيفة: "إنتي بتقوليلي أنا الكلام ده ليه؟ .. دي حياته، ربنا يسعده." أنهت جملتها وهي تقف ومعها طبقها وطبق معاذ. أفرغتهم ونظفتهم ووضعتهم في أماكنهم، ثم نظرت لشهد
بابتسامة كي لا تشعر بها: "الشاي أو النسكافيه عليكي.. شوفي هتعملي إيه واعمليلي معاكي.. هطلع أقعد على المرجيحة أكمل قراءة.. ومتتأخريش." ابتسمت لها شهد بخفة وهي تتمتم: "روحي يا أختي، مش هتأخر.. روحي." خرجت رقيه، في حين تنهدت شهد وهي تتمتم في نفسها: "ربنا يجمع طريقك إنتي ومعاذ يا رقيه يا رب." *** كانت تدور في الغرفة بتوتر. تجلس تارة وتقف تارة، تذهب لشرفتها تارة وتنظر للمرآة تارة. مريم بغيظ: "أروي، إنتي باردة كده ليه؟
.. قولي أي حاجة تطمنيني.. أنا متوترة أوي." أروي وهي تقلم أظافرها: "كل واحد وليه يومه.. والبادي أظلم." مريم بغيظ: "إنتي بتردهالي." أروي: "لا لا، بعيشك اللي عشته وبديكي راحتك ياقلبي." أنهت جملتها بضحكة مما أغاظ مريم أكثر، فألقت بالوسادة عليها وهي تتحدث في ضجر: "مش عاوزة من وشك حاـ.."
ابتلعت باقي حروفها حينما سمعت جرس المنزل. زاد ارتباكها وتوترها، فأشفقت عليها أروي، فتحركت بخفة وأجلستها إلى الفراش وجلست بجانبها تهدئ من حدة توترها. بينما في الخارج.. فقد وصل جود ومروان، واستقبلهم إسلام ووالده بالترحاب. وبعد التحية والتعارف، تحدث جود بهدوء: "أنا يشرفني ياعمي إني أطلب إيد بنت حضرتك." والد إسلام بابتسامة: "الشرف لينا يابني."
وبعد العديد من الحديث المتبادل، تحرك إسلام تجاه غرفة أخته. طرقها بخفة، فأتاه صوت أروي. دلف بهدوء وابتسم لأروي بحب، فتحركت بخفة من جانب مريم لتفسح له الطريق. وقف أمامها وأوقفها هي الأخرى لتواجهه، وقد لاحظ يديها التي ترتعش أسفل يديه ووجهها الشاحب من فرط التوتر. إسلام بضحكة: "هي أروي كانت كده لما رحت أتقدملها؟
نظرت له مريم لثوانٍ قبل أن تبتسم بخفة وهي تتحدث بحماس عما حدث بينها وبين أروي يوم أن تقدم إسلام لخطبتها. بينما ابتسم إسلام لقدرته على انتشالها من توترها، وكذلك على محبوبته التي كانت ترتجف في ذاك اليوم. إسلام بهدوء: "المفروض تطلعي دلوقتي." مريم وقد عادت لتوترها: "إسلام، مش.. مش عايزة لا." إسلام رافعاً إحدى حاجبيه: "مش أي ياقلب أمك!! .. هو لعب عيال ولا إيه؟ .. يلا يابت قدامي، الناس مستنية بره."
تحركت مريم بتوتر وهي ممسكة بيد إسلام بقوة تستمد منه قوتها.
دلت حيث يجلس جود ومروان وعيناها لم ترتفع عن الأرض. في حين رفع جود رأسه لا إرادياً ليرى تلك الـ "مريمية" التي أحب حروف تكتبها ورسم لها صورة في مخيلته. لكنه تسمر وهو يراها بهذا الفستان الطويل كشمير اللون والذي يأتي من الخصر للأسفل بعدة طبقات فوق بعضها البعض من التول الشفاف وضيق من الأعلى للخصر يفصل نصفيه بحزام كشمير ستان بفيونكة من الخلف، مع خمارها الكشمير بدرجة أهدأ من درجة الفستان وتتناسب مع لون الحزام الستان. ووجهها الخالي من أي مساحيق تجميل. نظر للأسف بسرعة حينما شعر بكونه قد أطال النظر إليها. في حين جلست مريم بجانب والدها ووجنتيها تضخان وهجاً وحرارة. بينما يجلس مروان ناظراً للأرض ولم يجرؤ على رفع عينيه حتى.
والد مريم بهدوء: "تعالى يامروان يابني نقعد في البلكونة شوية." تحرك مروان سريعاً وكأنه قد أُطلق سراحه، ودلف معه إسلام ووالد مريم ووالدتها كذلك. بقي جود ينظر لكل شيء عداها ويبحث عن الكلمات، لكن لا شيء. تذكر قول إسلام له عن هروب حروفه بمجرد أن ظهرت أروي أمامه. ولا إرادياً خرجت منه ضحكة خفيفة جعلت مريم تنظر له في تساؤل. فضم شفتيه سريعاً وتحدث كي يبرر موقفه:
"هكون صريح معاكي.. أنا كلمت إسلام وسألته عن اللي ممكن يتم وكده، وهو حكالي لما كان رايح يتقدم لمراته ولما دخلت وقعدت معاه حروفه هربت ومكنش عارف يتكلم.. وأنا دلوقتي افتكرت كلامه عشان تقريباً أنا في نفس الورطة." شاركته مريم الضحك بخفة، ثم تحدثت بأريحية لا تعلم من أين أتتها: "حضرتك عايز تسألني عن إيه؟ جود بهدوء: "اممم.. أنا مش عارف، بس هنخلي الكلام يجيب بعضه.. عايز أسألك عن حاجة الأول." مريم بهدوء: "إيه هي؟
جود: "أنا عندي ثمانية وعشرين سنة وإنتي لسه اتنين وعشرين سنة.. فرق السن اا.." مريم: "مش بالسن.. ولو حصل نصيب هقولك السبب." جود بابتسامة: "تمام.. اا.. مش عارف بس مفيش أسئلة." مريم بهدوء: "تسمحيلي أنا أسأل؟ جود: "طبعاً اتفضلي." مريم بعد أن أخذت شهيقاً طويلاً تشجع نفسها به على الحديث: "حضرتك ملتزم لأي درجة؟ .. أو خليني أسأل حضرتك بشكل تاني.. إيه الروتين اليومي الخاص بيك؟
جود بابتسامة: "بلاش حضرتك الأول.. وياستي، روتيني اليومي كالتالي.. أنا بصحى بفضل الله لصلاة الفجر، بس للأسف بصليها في البيت مش في المسجد.. وده لإني بكون راجع متأخر من شغلي وبروح بدري، فالوقت تقريباً ضيق والمسجد بعيد شوية عن البيت.. وبعد الصلاة عندي ورد قراءة من القرآن.. هو مش كبير.. سورة في اليوم وجزء في يوم الجمعة.. بعد كده بنام لحد سبعة وأصحى أجهز وأروح شغلي.. وفي العادي مروان أخويا بييجيلي على عشرة كده ومعاه بسكوت
وبنطلب شاي وبناكلهم لحد الضهر.. بنصلي الضهر ونتغدى سوا لوحدي أو مع مروان.. بعد كده بفضل في شغلي لأني معنديش غيره.. والعصر بصليه وبأكل حاجة برضه سريعة وارجع تاني لشغلي.. ممكن ييجي إسلام ويقعد معايا شوية ويطلعني من جو الشغل وكده، أو مروان أو أي حد عموماً من الشركة، لأن الجميع عندي أصدقاء.. يومي بينتهي في الشغل بعد العشاء مباشرة، ويمكن دي الفرض الوحيد غير الجمعة اللي بصليها في المسجد يومياً.. برجع أتعشى أنا ومروان لو
موجود وبنقعد مع بعض شوية وبعدها بطلع أوضتي.. يا قاعد متصفح للمواقع الاجتماعية، يا بقرا دواوين.. والحقيقة موضوع الدواوين ده يدوب من شهرين بس."
انتبهت له مريم بكل حواسها وسألته بحماس: "بتقرأ لمين أو بتسمع لمين؟ جود بابتسامة، فهو يعلم مدى حبها للدواوين، وفي واقع الأمر لقد قرأ العديد والعديد منها للعديد منهم أيضاً: "بقرأ يا ستي لـ (محمد إبراهيم) (محمد عصام) وحبيت (الشوقيات) جداً، وبسمع أشعار لـ (هشام الجخ) وكده يعني." مريم وقد زاد حماسها: "سمعت إيه لهشام؟ جود بهدوء: "اممم.. قصيدة 'شيماء يامكة' و 'نعناع الجنينة' و 'نانا' و 'أيوه بغير' وكثير بقى."
مريم بابتسامة واسعة: "قرأت إيه لمحمد إبراهيم؟ جود: "كل دواوينه تقريباً.. عندك مثلاً 'واتقابلنا' و 'الحزن البعيد الهادي' و 'فلوماستر أبيض' و 'تفاصيل الوحدة والونس' و 'لما كنا' و 'زي الأفلام'." مريم بتنهيدة: "جميل أوي." جود: "هو إيه؟ مريم بتلقائية: "إن يكون في حد شبهي في كل حاجة بحبها." جود بابتسامة: "طب تسمحيلي أقولك مقطع من ديوان 'واتقابلنا'؟ مريم بترقب وقد عاد لها توترها: "ااه.. اتفضل، سمعاك." جود بابتسامة:
"أنا مش محتار.. ولا محتاج وقت أحسب قراراتي أنا آسف على مليون مره قولتلكم فيها "الناس فترات" دلوقتي أنا شايف عمري بحاله عشان شايفك بتهجي الدنيا كلام بتقوليهولي شفايفك وبشوفني العيل و الراجل.. وأنا وياك يلو جالي زهايمر هنسي أنا مين.. لكن مش ممكن هنساكي.. ولذلك جايلك بتمني.. تفتحي بشويش باب الجنة وتوافقي أعيش عمري معاكِ اللحظه دي.. ومن المكان اللي إحنا فيه بعلنها للناس كلها.. وبقولها وأنا واعي و تمام
مدرك بإن الكلمة وعد وعقد محتاج التزام فيه حاجات متتقالش بكلام وعشان كده.. لازم أقولها وإنتي بتبصي فـ عيني أنا هبقي أسعد شخص لو تتجوزيني! أنهى جود حديثه وهو ينظر لتوترها الذي ازداد ووجنتيها التي اشتعلت بحمرة الخجل ويديها التي تفركهما معاً. تحدثت أخيراً بخفوت: "أنا خلصت كل أسئلتي.. بعد إذنك."
ومن دون أن تستمع لحرف آخر، ركضت لغرفته بسرعة ووقفت خلف الباب وهي تضع يديها على وجنتها التي تشع حرارة وابتسامتها واسعة وقلبها يرفرف بعيداً.. بعيداً جداً. ولكن أجفلها وقوف أروي أمامها وهي تضحك بقوة متمتمة: "إيه اللي حصلك يامجنونة؟ جذبتها مريم من يدها وجلست معها إلى الفراش وبدأت تقص لها ما حدث. بينما دلف إسلام ووالده ومروان حينما رأوا مريم وهي تغادر. إسلام بهدوء: "في حاجة حصلت يا جود؟
جود بابتسامة سعيدة: "لا أبداً.. إحنا المفروض نمشي بقا.. وإن شاء الله هنتظر اتصال من حضرتك ياعمي تبلغني فيه قرار حضرتك وقرار بنتك." والد مريم: "ما لسه بدري يابني." جود: "معلشي ياعمي.. إن شاء الله ربنا يزيد الود قريب.. يلا يا مروان.. السلام عليكم." وبالفعل غادر جود وهو يشعر بسعادة غير طبيعية تجتاحه. والغريب هو رغم ألم قلب مروان، إلا أنه سعيد بدرجة كبيرة من أجل أخيه الذي يراه بهذه السعادة لأول مرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!