صدع رنين هاتفه ليوقظه من نومه. تململ بضيق ونهض ليطوي ملابسها التي تساعده على النوم، فهو لا يغفو إلا وهو يضم ملابسها فرائحتها لا تغادرها. فتح هاتفه ليهتف بصوته الرخيم الهادئ: -ألو؟ ليجيب الطرف الآخر: -أستاذ يوسف، أنا دكتورة رضوى، لازم حضرتك تيجي المستشفى دلوقتي، في موضوع مهم لازم تعرفه. انتفض ليهتف بلهفة وقلق: -ميرا! ميرا حصل لها حاجة؟! والله لو حصل لها حاجة ما هرحمكم، وهكسر المستشفى فوق دماغكم واحد واحد! هدر بها
بعنف أفزعها لتهتف مسرعة: -اهدى بس يا أستاذ يوسف، مدام ميرا كويسة والله، بس الموضوع حاجة تانية. تنفس الصعداء ليهتف: -طيب مسافة السكة وأكون عندك! ********** وصل إلى المشفى بعد عدة دقائق. دلف إلى مكتب الطبيبة ليجلس بهدوء قائلًا: -اعذريني على طريقتي معاكي الصبح، أنا بس كنت قلقان على ميرا. ابتسمت لتردف بهدوء: -أنا عارفة ومقدرة يا أستاذ يوسف، بس الموضوع ما كانش ينفع يتأجل. أرهف سمعه ليردف بقلق: -إيه الموضوع؟
قلقتيني يا دكتورة؟! تنهدت لتقول مباشرة: -الموضوع بصراحة إن مدام ميرا... حامل! اتسعت حدقتيه في دهشة لا يدري أيسعد أم يحزن، كان أن يصرخ فرحًا، ولكنه تذكر وضعهم ليهتف بقلق: -طب الموضوع ده هيأثر على ميرا وحالتها؟! -مش عارفة أقولك إيه بس... الحمل مش سهل، عايز اهتمام وصحة نفسية كويسة وغذا، وده اللي مش متوفر للأسف. ولو قدرنا نتخطى المرحلة دي، هنعمل إيه في الولادة والرضاعة؟ وميرا مش بتدي أي تجاوب مع العلاج إطلاقًا.
ليهتف بجمود وصرامة: -خلاص يبقى تجهضه! أجابته بعملية: -لا طبعًا، ما ينفعش. زي ما الموضوع له سلبيات، برضه له إيجابيات. يمكن الطفل ده يكون سبب في تحسنها، وبعدين حالتها ما تسمحش لأي عملية من النوع ده. ليسألها بحزن بائن: -طب والعمل؟! -للأسف احنا ما فيش في إيدنا غير إننا ندعي نعدي مرحلة الحمل دي على خير، وهنحاول نسرع شوية في علاجها. -وأنا معاكي في أي حاجة، بس المهم ميرا ترجع لي!
-طب يبقى لازم تكمل لي حكايتكم، إيه اللي حصل وصلها للحالة دي؟! ليسألها بصوت هادئ: -طب أنا وقفت لحد فين؟! نزعت نظاراتها لترهف السمع وهي تطالعه بفضول قائلة: -أنت قولت آخر حاجة إنك حاولت تضغط عليها عشان توافق تتجوزك، وأجرت ناس تضايقها عشان تبان بطل في نظرها، بعدين حصل إيه؟! ابتسم بحزن حين ذكرته بما فعله مسبقًا ليردف بصوت رخيم: -ميرا وافقت تتجوزني! قالت بتخمين: -بعد موضوع الشباب اللي أجرتهم؟!
-لا، قبلها، بعد الحادثة بتاعتي! -طب لما هي وافقت، كان إيه لازمتها الشباب اللي أجرتهم؟! ازدرد ريقه ليقول معللًا: -ميرا لما وافقت كانت شبه مجبرة، وأنا كنت عايز يكون برضاها. ما كنتش عايزها تحبني، لا تعشقني وتموت فيا كمان عشان أقدر أحقق اللي أنا عايزه! أشفقت بحق على تلك المسكينة، إذن يبدو أن "يوسف" له دور هام في حالتها تلك، لتقول بضيق: -للدرجادي الموضوع سهل إنك تكسر بني آدمة حبتك! ظهر الندم جليًا في عينيه قائلًا:
-أنا عمري ما اهتميت بالمشاعر ولا أي حاجة، هدفي في الحياة هو المتعة وإني آخد اللي أنا عايزه. مش ذنبي إني اتربيت على كده، إن الناس كلها ما لهاش قيمة قدام اللي أنا عايزه! لم ترغب في الخوض في ندمه أكثر من ذلك حتى لا يغضب ويقرر إنهاء الجلسة كعادته، لتقول بهدوء نسبي: -طب فهمني إيه اللي حصل؟ إزاي قبلت تتجوزك وإيه اللي أجبرها؟! تدفقت الأحداث على عقله ليبدأ في سرد ما قد كان... Flasback. بعد حادثته مباشرة
لم تزره مرة أخرى، وكلما فكرت في ذلك كانت تنهر نفسها بقوة. وصلت إلى مبنى الشركة لتجد هرج ومرج وأصوات عالية. التقت بـ"ندى" لتهتف بفضول: -ندى! هو فيه إيه؟! مالها الشركة مقلوبة كده على الصبح؟! أجابتها بلامبالاة: -ما فيش، بس بيقولوا يوسف بيه خرج من المستشفى... رغمًا عنها أحست بالفرح لخروجه من المشفى، لكن تنغصت ملامحها بالقلق فكيف ستواجهه وهي السبب في حادثته! عزمت أمرها على ألا تلتقي به، وربما نسي الأمر...
تنهدت بتوتر وهي تقف أمام باب مكتبه، فقد أرسل بطلبها. دخلت وهي ترسم ابتسامة بسيطة قائلة: -حمد لله على سلامتك يا مستر يوسف! رفع بصره لتقابلها عيناه الحادة وكأنه يلومها، ولكن ليس على الحادث بل على عدم زيارتها له، ليجيبها بسخرية حادة: -الله يسلمك يا آنسة ميرا، ما تقلقيش، عمر الشقي بقي! تنحنحت بحرج بعد نبرته الحادة، كادت أن تخرج لتصدم به. وقف بجانبها ويمسك برسغها. رمقته بحدة ليترك يدها ويهتف بهدوء وحزن استشعرته:
-ما كنتش أعرف إني مش فارق معاكي للدرجادي! توترت قليلًا لتهتف بنبرة مهزوزة: -لا طبعًا، أنت لازم تفرق معايا، مش حضرتك مديري و... قاطعها باقترابه المفاجئ حتى أصبح ما يفصلهم أنفاسهم. أردف بجمود: -أنتي عارفة كويس إنك مش بالنسبالي مجرد موظفة! وأعتقد أنا كمان مش مجرد مدير بالنسبالك، ولا إيه! تنهدت بتعب لتهتف: -أنت عايز مني إيه يا يوسف؟! تحولت نظراته للرفق والحب في لحظات. ليهتف بحب:
-قولتلك قبل كده، أنا بحبك وعايز أكمل حياتي معاكي! أجابته باضطراب: -وأنا ما أنفعكش... ضيق عينيه ليباغتها بسؤال أجفلها: -في حد تاني في حياتك؟! أجابته بحدة: -لو كان في، كنت هبقى واقفة معاك الوقفة دي! -يبقى رافضاني ليه؟! إيه اللي مش عاجبك فيا؟! -أنا مش رفضاك لشخصك، أنا رافضة لفكرة الجواز عمومًا... كلما اقترب خطوة كلما ابتعدت أضعافها. ليهمس بنعومة: -صدقيني بحبك! ومش مستني مقابل، أنا بس عايزك جنبي، ليه ترفضي؟
ما تجربى يمكن تقدري تحبيني! همست بخفوت وهي تغادر: -آسفة! أنا لسه على رأيي. أوقفها نداءه: -ميرا! هسيبك براحتك، بس لو غيرتي رأيك أنا هفضل مستنيكي! ********** أنهت دوامها لتقود بأقصى سرعتها. توقفت أمام إحدى الشواطئ المفتوحة. شردت بتفكيرها وهي تتطلع إلى أمواج البحر الهائجة. هل تعطي له فرصة؟! هل تخوض تجربة الحب؟! لا تنكر أن هناك مشاعر بدأت تنمو لأجله. قطع شرودها رنين هاتفها لتجيب: -أيوه يا سمر؟!
-ميرا، أبوكي كلمني من شوية ومش مريح نفسه، عايز يجوزك، وقالي إنه اتفق مع راجل مقتدر ومصمم عليه المرة دي. اشتعلت حدقتيها غضبًا لتصيح: -يعني إيه مصمم؟! هو فاكرني هسمع كلامه! ده على جثتي! أغلقت هاتفها بغضب لتتجه لسيارتها متجهة نحو منزله. وصلت بعد بضع وقت لتدق الباب بغضب حتى فتح ويظهر لها بوجهه الخبيث قائلًا: -كنت عارف إنك هتيجي، اتفضلي يا... وأردف بسخرية... يا بنتي! ما إن خطت بقدمها للداخل حتى التفتت قائلة بحدة:
-قولتلك ميت مرة سيبني في حالي! حياتي وأنا حرة فيها، وأنت مش جزء من حياتي! قاطعها بثقة ونظرات حاقدة: -لا أنا جزء منها، وجزء كبير كمان! ليستطرد ببراءة مصطنعة: -وبعدين ده أنا أبوكي وكل همي إني أطمن عليكي وأشوفك في بيتك... اقتربت بضع خطوات لتردف بسخرية: -ما بلاش الدور ده عشان مش لايق عليك، هحذرك لآخر مرة ابعد عني وعن حياتي يا محسن بيه! رمقته بنظرة أخيرة حاقدة غاضبة مشتعلة وغادرت وأنفاسها الغاضبة تسبقها... ********
في اليوم التالي جلست بتوتر تنتظره، لا تصدق فعلتها وأنها حادثته وطلبت مقابلته في أحد المقاهي. دلف بابتسامته الساحرة وجلس ليهتف بهدوء: -طلبتي تقابليني، حصل حاجة؟! أجابته مباشرة: -يوسف من غير لف ودوران، أنا موافقة نتجوز! قطب جبينه باستغراب قائلًا: -معقول؟ طب إيه اللي غير رأيك؟! عضت على شفتيها بتوتر قائلة: -مش هكدب عليك وأقول إني بحبك، بس يمكن مع الوقت ولما أتعرف عليك أكتر أقدر أحبك!
ليلتوي ثغره بابتسامة جانبية، فغرورها لا حد له، تعترف بحبها وهو على فراش الموت وتنفي وهو أمامها بكامل صحته: -هتحبيني يا ميرا وهتتعودي على وجودي في حياتك، عشان أنا مش هقبل بأقل من كده! كسي وجهها حمرة من الخجل، نادرًا ما تظهر، فهي دومًا جريئة قوية! علت ضحكاته حين رأى خجلها الواضح ليهتف بعدها بجدية طفيفة: -طب المفروض إني أقابل والدك إمتى؟! اختفت الحمرة ليشحب وجهها من مجرد ذكر والدها لتهتف بتردد: -وتقابله ليه؟!
ليرد باستنكار: -إيه أقابله ليه دي؟! ما هو أكيد عشان أطلب إيدك منه؟! لتقول بتلعثم: -بس... بس هو مسافر بره مصر ومش هينفع تقابله. ليرد بحيرة: -طب أطلبك من مين؟! أجابت بثقة: -جوز أختي هو شغال بره برضه، بس هخليهم يرجعوا عشان تقدر تتفق معاه. هاله توترها ورغبتها في وجود زوج أختها على أبيها، لكنه لم يهتم، فهذا ليس زواجًا حقيقيًا ليكترث لأمرها، فقط يهمه أن تكون ملكه. *********** مساءً في منزل "الحديدي"
جلس مع أسرته يتناولون العشاء بصمت، قطعه بهدوء: -أنا كنت عايز أبلغكم بحاجة! طالعه والداه بفضول ونظراتهم تحثه على الإكمال ليفجر قنبلته: -أنا هتجوز! اتسعت حدقتي "فريدة" لتهتف بدهشة: -معقول! أنا كنت فاكرة إن الموضوع ده مش في دماغك! -عادي، غيرت رأيي. -مين هي؟! بنت مين؟! -بنت محامي مشهور اسمه محسن السويفي! -واتعرفت عليها إزاي؟! أوعي تكون بنت من اللي بتسهر معاهم لوش الصبح؟! -لا اطمني، هي شغالة في الشركة بتاعتنا. -إزاي؟!
وأنت بتقول أبوها محامي كبير؟! إيه اللي يجبرها تبقى مجرد موظفة؟! صُدم من سؤال والدته فلم يخطر على باله من قبل، بالفعل والدها رجل غني وقد علم أنها تعيش بمفردها، والدها غني فلمَ تحتاج للعمل؟! تنحنح ليهتف بلامبالاة: -عادي يا ديدا هي حابة كده... -طب مش هتعرفني عليها؟! غمغم ببرود: -أكيد هعرفك عليها طبعًا! بفكر أعزمها على الغدا في النادي بكرة! ابتسمت ابتسامة بسيطة قائلة بتعالٍ:
-فكرة كويسة تمام وأهو أتعرف عليها برضه وأشوف ذوقك! نفخ والده بضيق ليصيح بنفاذ صبر: -خلصتوا كلام فارغ؟! التفتوا على صياحه وكأنهم تفاجأوا بوجوده! حتى بعض الخدم انتبهوا لصراخه ليردف بهدوء نسبي: -مش مدياني فرصة أتكلم مع ابنك، المهم المفروض نروح نطلب أيديها، كلّم أبوها واتفق معاه على ميعاد عشان نروح نقابله... ليهتف "يوسف" بلامبالاة: -لا مهو أبوها مسافر لظروف كده ومش هيقدر يحضر الفرح أصلًا!
فهنطلب أيديها من جوز أختها الكبيرة. -تمام مفيش مشاكل. ************* في صباح اليوم التالي تأففت والدته بحنق من تأخرها عليهم حتى لو كان لبضع دقائق! كادت أن تصيح بذمٍّ إلى أن أشار لها بقدومها، التفتت لتجدها ساحرة بخصلاتها السوداء وجسدها الرشيق المنحوت وخطواتها الواثقة القوية! اقتربت لتهتف بابتسامة بسيطة: -أنا آسفة على التأخير بس دوخت عشان ألاقي ركنة! -ولا يهمك، أعرفك فريدة هانم الحديدي، ديدا أعرفك ميرا السويفي..
تجمدت بمحلها ما أن لُقبت والدته بذلك اللقب لتظهر لمحات أمام نظراتها وأصوات اخترقت أذنها بقوة لتفصلها عن العالم حتى لم تشعر باستئذان "يوسف" ليتركهم على راحتهم قائلًا: -طب أنا هروح مشوار صغير وراجع لكم، خدوا راحتكم! Flash back. دلفت إلى المنزل لتستنشق رائحة الطعام المميزة، اقتربت من المطبخ لتقفز على والدتها تحتضنها من الخلف وهي تهتف بابتسامة مشاكسة: -ليلي عملتي أكل إيه يا قمر؟! ضحكت بخفة لتردف بضيق زائف فهي
تعشق مناداتها لها باسمها: -بقي في واحدة تنادي أمها باسمها؟! قبلت وجنتيها بعمق وهي تهتف بحب وهي تغمز: -مهو عشان مفيش واحدة أمها صغيرة وحلوة زيك كده! فاقت من شرودها على صوت "فريدة" الحانق حتى لم تنتبه لمغادرة يوسف تاركًا لهم المجال للتعارف لتهتف بسرعة وأسف: -آه أنا آسفة جدًا يا طنط بس سرحت شوية... لتجيبها بابتسامة متكلفة: -ولا يهمك يا حبيبتي وبعدين بلاش طنط دي تقدري تقوليلي ماما!
اشتعلت عيناها لتهتف بقسوة وحِدة أخافت "فريدة": -مستحيل أناديلك كده!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!