احضر لها هذا الدواء. نظر عمر إليه، أخذ الورقة ونظر، وصُدم من اسم الدواء الذي كتبه أحمد. نظر له. "أجل، أفيلا مريضة سكر." قال عمر بحزن: "هل أنت متأكد؟ كيف أتى لها؟ هل هو وراثي أو ما شابه ذلك؟
"لا أظن ذلك، فإن كان وراثيًا لكان مرضًا مزمنًا. من الممكن أنه جاء إليها بسبب الحزن أو الكتمان. لدى البعض قد يصيبهم داء السكري الذي يرتبط بالحالة النفسية ارتباطًا وثيقًا في ظل الضغوطات اليومية، ما يعرض لنوبات مستمرة من القلق، التوتر، أو العصبية، والحزن والاكتئاب. أظنك تعلم كل ذلك، وتعلم أيضًا أن العلاقة بين السكري والصحة النفسية مزدوجة، فأعراض السكر بسبب اضطرابات نفسية والعكس صحيح." صمت قليلًا، وألقى نظرة على أفيلا،
وأضاف: "لا أعلم إذا كانت أفيلا تعرف أم لا، لكن حالتها سيئة للغاية، والسكري غير منتظم عندها. لذلك يجب عليها الانتظام في أدويتها وأخذ قسط من الراحة والصفاء الذهني وعدم التوتر والاكتئاب الملازم." أردف قائلًا: "لا أريد أن أذكرك بالأخطار إن لم تسِر على نظام لتستقر على حالتها. فأخطار السكر ممكن أن تفقد بصرها أو تدخل في غيبوبة وأشياء أكثر بسبب هذا الإهمال." "لن يحدث لها شيء."
قال عمر ذلك بصوت ضعيف يكبح حزنه وخفقان قلبه القلق بشأنها. رفعت أنظاره إلى صديقه، ثم قال: "أشكرك يا أحمد." "لم أفعل شيئًا، فلا حاجة للشكر. طمئني عليها." أومأ برأسه إيجابًا بابتسامة خفيفة، ثم أوصله إلى الباب ودخل إلى الغرفة التي كانت نائمة بها ولم تفق بعد. كان واقفًا بجانبها ينظر لها بحزن شديد.
"كنت أعلم أن ما تفعلينه بنفسك سوف يضرك كثيرًا بك. هذا الحزن الشديد والاختناق وما تكتمينه بداخلك لن يدعك تسلمين إلى، وأنتِ هالكة." جلس على حافة السرير وهو ينظر لها نظرات حزن وندم وتأنيب ضمير. قرب يده من يدها بتردد، وأمسك بها برفق. "هل أنا السبب فيما أنتِ عليه الآن؟ كل ما عشته من الحزن كان لي يد به. ليتني أخبرتكِ باكرًا أنه لم يمت ولا يزال حيًا، لما كنتِ الآن مريضة." أخفض أنظاره وابتعد عنها وخرج. ***
في المساء، في إحدى صالات القمار، كان حالًا جالسين وكان باولو منتصفهم. سمعوا صوت ضجيج من الخارج. نظر إلى رجاله، قال: "ماذا يحدث بالخارج؟ ذهب رجلان ليلقيا نظرة، وحين خرجوا صُدموا من تلك المذبحة ورجالهم يتعاركون مع رجال آخرين. غضبوا كثيرًا، تساءلوا من هم ومن أين أتوا، ومن الذي غدر بهم لاقتحام مكان سيدهم. لكن اتسعت عيونهم واصطكت سيقانهم ببعضها مما يرونه.
كان باولو جالسًا، ملامح الضيق تعتري وجهه. يريد أن يرى ماذا يجري، لكن قلق أن يغدر أحد به ويفتله، فيبدو أن الوضع ليس على ما يرام في الخارج. "لما تأخر هذان الأحمقان؟ اذهبوا واعلموا ما يحدث."
قال ذلك بسخط لمن هم معه. أومأوا له وذهبوا، لكن وجدوا الصوت توقف وعم الهدوء في الأجواء عكس ذلك الضجيج الذي كان منذ قليل. نظروا لبعضهم باستغراب، بينما باولو خاف من ذلك الهدوء. ولم يكمل حتى ثبت يقينه بفتح الباب بقوة وجسد يرتمي عند قدميه. ليقف بفزع ويرجع للخلف. نظر للرجل الذي كانت الدماء تغزو منه، كان من الذين خرجوا ليعلموا ما يحدث. رفع أنظاره بصدمة ليجد كاسبر أمامه واقفًا بجموده وعينيه الباردتان التي تخيف من ينظر إليه. شعر بالخوف، وأين رجاله الأغبياء الذي بالخارج؟
ماذا حل بهم ليدخل عليه هكذا؟ استعاد رباط جأشه وهو يقول: "هل جئت لتعتذر؟ سار تجاهه ببرود. عاد للخلف. قال: "إذا أنت خائف، وهذا سبب مجيئك." "الخوف! الاعتذار! قال هذا ببرود ونبرة مخيفة. نظر له، قال: "هاتان الكلمتان لا أجدهما في قاموسي."
ضاقت ملامحه، فمن نبرته أنه عنى، ولا يبشر بخير. فبالتأكيد لن يتركه وشأنه بسبب الحماقة التي ارتكبها في محاولة قتله. وسيسبب في موته الآن، برغم معرفة العواقب الوخيمة. ظن أنه سهل التلاعب مع الموت. نظر إلى رجاله، هتف بهم بغضب: "ماذا تنتظرون؟ اقضوا عليه!
أومأوا إليه، فتقدم رجال كاسبر الذين كانوا كثرة، وحل شجار بينهم. ركض باولو للفرار، لكن هناك من ركله بقوة فوقع فوق الطاولة. لكمه، لكن كاسبر تفاداها، وبحركة سريعة أمسك بكوعه ولواه بعنف لتُدوّي صرخة مدوية منه بتألم من كسر ذراعه. اقترب منه وقال: "ممكن أن ينفجر هذا المكان الآن في لحظة." نظر له، واتسعت عيناه بصدمة، قال: "ماذا؟
التفت وتتطلع حوله بخوف. وجد أحدًا يمسك جهازًا في يده ويشير عليه. تسرب الهلع إلى بدنه. عاد نظره إلى كاسبر الذي بارد الملامح. تأوه حين اشتد على ذراعه، ليجده يقول: "تعلم من أنا جيدًا يا باولو، فلا تعبث معي، لأنك هكذا تعبث بتعداد حياتك. اتقِ شرّي. في المرة القادمة لن يكون تحذير."
قال آخر جملة تأكيدًا له. سرعان ما انتشل عصا حديدية بجانبه وغرز بها في ذراعه لتتناثر دماؤه ويصرخ بعلو صوت وتهتز الجدران من صراخه تألمه. ابتعد عنه وذهب وتبعه رجاله، وتركوه بين صراخه المدوّي الذي يكمل لخمس دقائق. فهذه الضربة قد أصابت إحدى أوردته. كانوا يتخطون تلك الجثث ويكملون سيرهم للخارج ليفتحوا السيارة إليه، فدلف لداخل وانطلقوا بسيارتهم. *** "هل أحضرت معلومات عنها؟
قال كاسبر ذلك بجمود. أومأ الرجل برأسه إيجابًا وأعطاه جهازًا لوحيًا. أخذه كاسبر وألقى نظرة. "كان يقيني بمحله. إنها أنتِ، تلك الفتاة." *** في الليل، أفاقت أفيلا. فتحت عينيها بضعف. وجدت نفسها في غرفتها. تعجبت من أحضرها لهنا. كان عمر جالسًا بالخارج كي لا يكن معها بذات الغرفة. سمع صوتًا. ذهب ليرها، وحين دخل وجدها تعتدل في جلستها. نظرت له، قالت: "عمر." سار تجاهها وهو يقول: "أنتِ بخير." أومأت برأسها إيجابًا،
قالت: "ماذا حدث وكم الساعة؟ "الثانية صباحًا." تفاجأت كثيرًا. هل كانت نائمة كل ذلك الوقت؟ "هل كنتِ تعلمين؟ قال عمر ذلك بجدية وهو يقاطع شردوها. قالت: "أعلم ماذا؟! نظر لها ثم قال: "أنكِ مريضة سكري." صمتت ولم ترد عليه. إلى أن تعبيرات الدهشة لم تحتل وجهها. كانت صامتة لا تنظر له، بينما هو ينتظر ما تقوله. "أجل." نظر لها بشدة ليقول بإنفعال: "كيف هذا؟ اقترب وأردف قائلًا: "لماذا لم تخبريني مسبقًا؟ لما لا تهتمين بنفسك يا أفيلا؟
إن كنتِ تعلمين أنكِ مريضة به، فيتأكيد تعلمين أنه خطر وممك... "لا تخبر أحد." قالت أفيلا ذلك وهي تقاطعه. ليصمت وينظر لها بدهشة، وكأنما لم تعبر كلامه اهتمام أو ما يشغلها شيئًا آخر. أهذا الطلب هو ما يشغلها ولا تكترث غير به، أن لا يخبر أحد؟ "ماذا قلتي؟ نظرت له، قالت: "رجاءً يا عمر، ليبقى هذا بيننا." لم يفهم سبب طلبها، إلى أن نظرتها له لم يتحملها. زفر بضيق وهو يقول: "لن أخبر أحد، اطمئني."
نظر لها وأردف قائلًا: "لكن أمام ذلك، ستفعلين لي شيئًا." تعجبت من ما قاله، فماذا يريد؟ "اعتني بنفسك وبواجباتك وأدويتك." ابتسمت ابتسامة خفيفة، قالت: "حسنًا." كانت ابتسامتها كفيلة أن تريحه وهي تأيده. "علي الذهاب." قال ذلك إليها. كان يريد أن يبقى بجانبها ويهتم بها، لكن ليس صحيحًا أن يكون في شقتها بمفردهما أكثر من ذلك. سمع صوت جرس الباب. تعجب. نظر إلى أفيلا، قال: "تنتظرين أحدًا؟ "لا."
ذهب ليرى من الذي أتى بتلك الساعة. فتح الباب وتوقف مكانه بدهشة وتفاجأ عندما وجده أمامه، وكان كاسبر. نظر له باستغراب وعدم فهم من وجوده هنا، فهو يعلم أن تلك تكون شقة أفيلا وتعيش فيها بمفردها، فماذا يفعل هنا وفي ذلك الوقت المتأخر؟ شعر بالضيق. لتقع عيناه على أفيلا تخرج من إحدى الغرف، وكان شكلها غريبًا، يبدو عليها الأرق. نظرت له وتفاجأت من رؤيته. نظر لها وإلى عمر ليقول: "هل جئت في وقت غير مناسب؟
كانت نبرته باردة، ولم يفهم عمر نظرتة والمقصد بما قاله. "لا تفضل بالدخول." قالت أفيلا ذلك إليه. نظر لها عمر، قال: "هل تريدين شيئًا مني؟ "أشكرك يا عمر." أومأ لها بابتسامة وذهب. دخل كاسبر، ولا ما زال ينظر له حتى بعدما غادر. "ماذا يفعل هنا وأنتِ بمفردك؟ لم يعلم لما قال هذا، وبال صفة يسألها. تضايقت أفيلا من المعنى لسؤاله، إلى أنها قالت: "كنت مريضة، وقد كان هنا لذلك."
نظر لها وقد لاحظ وجهها، شحوب وجهها وملابسها الذي لا تزال عليها من الصباح ولم تبدلها. اقترب منها، نظر لها، قال: "أنتِ بخير." نظرت له، وزال ضيقها، بل احتلتها سعادة لقلقه. لا تعلم أن كان قلقًا أم مجرد سؤال، إلى أنها ابتسمت وهي تقول: "أنا بخير." نظرت له وأضافت باستغراب: "لكن ماذا تفعل هنا؟ صمت قليلًا، ثم قال: "أنكِ من قتلتِ روبرت." لم تكن تعي لذلك الاسم الذي سمعته، إلى أنها صدمت من ما قاله وطالعته بذهول.
"لما أشعر وكأنكِ تفاجأتِ؟ أردف وهو ينظر لها: "فأنتِ من قلتي بلسانك أني أستطيع أن أعلم عنكِ كل شيء عنكِ." كانت صامتة تصغي له، وبرود يحتل ملامحها. "أجل، أنا من قتلته." قالت ذلك. نظرت له وأردفت بغضب: "أنا قاتلة؟ ألم تكن تعلم ذلك أم لم تتوقع مني؟ صدقني، أنا أيضًا لم أتوقع أن أكون هنا كالآن بتلك الحياة السوداء. لكن ما الفرق أن كنت قاتلة؟ ألا يحق لي أن أكون أشبههم في شيء؟ لكن لم يكن قتلت كاملًا، كان قصاص."
كان ينظر لها باستغراب بهدوء ويتابع تعبيراتها. اقتربت منه، قالت: "أتريد أن تعلم كيف وما سبب فعلي لذلك؟ السبب الأول أنت تعرفه جيدًا." اقتربت منه وأردفت: "لأنه من قتل والدي." كان متعجبًا. ماذا تعني أنه يعرف السبب الأول؟ من أين لها أن تعرف بذلك؟ وجد عينها تغرق في دمعها وتقول: "السبب الثاني، أنه جعل مني وغدة تشبه."
أكملت بصوت يجهش بالبكاء: "جعلني أقتل أقرب شخص إلي بخداعه لي. جعلني أفقد من وجدت الأمان معه. ولا أعلم إذا كان سوف يعود إلي مجددًا أم لا." لتصمت وتضيف بغضب ممتزج بالبكاء: "بسبب ذلك الوغد خسرت أقرب الناس إلي وخسرني معهم نفسي. لست نادمة على قتله، نذل مثله. إذا رجع الزمن بي إلى الوراء لقتلته مجددًا." لا يعلم ماذا يقول، لكن لماذا حزن من نبرة صوتها وبكائها؟ لماذا تألم من سماع كلامها؟ هل هذا سبب شعوره بالريبة ناحيتها؟
هذا الحزن الذي كان يراه بها. *** "هل تعلمين من أكون؟ قال ذلك بتساؤل. نظرت له بعدم فهم، فأردف: "أنا ابن ذات الرجل الذي قمتِ باختراق حسابه. فكيف عرفتِ أن روبرت هو من فعل ذلك وليس أنا؟ نظر لها وأضاف: من ضمنهم أمر اختراقك، إنه وكلني أن أتكلّف به. كانت تصغي إليه بصمت. اقتربت ووقفت أمامه. نظرت في عينيه وكان ينظر لها ولدموعها التي أغرقت وجهها. "لست أنت."
قالت ذلك فتعجب من ثقتها وعيناها التي ثقبت روحه، ولم يفهم معنى ما قالته. لما يشعر باضطراب حين يكون معها، هزّ رأسه من التفكير وفضوله يزداد حيالها. "هل أتيت من أجل ذلك حقًا؟ قالت ذلك بسخرية. تعجب، فهل كانت تريده أن يأتي لأمر آخر؟ شعرت "أفيلا" بحماقتها بما قالته. "سأسألك سؤالًا، ومن ثم سينتهي ذلك اللقاء." نظرت له، ومن نبرته لتجده يقول: "هل تقابلنا من قبل؟ خفق قلبها عند ذلك السؤال وتبدلت ملامحها، الذي
كان يتابع تعبيراتها ليضيف: "هل لي علاقة بك سابقًا؟ توترت كثيرًا. حاولت ألا تظهر ذلك قدر الإمكان، إلى أن صمتها أثار فضوله، بينما هي تبحث عن ما تقوله. "ماذا تعني؟ كيف تسألني عن ذلك؟ أظن أن لو كانت هناك علاقة بيننا سابقًا، لكانت تعلم مثلما أعلم، ولست أنا من يتذكر فقط. فلا أعتقد أن هناك شيئًا غير أول لقاء بيننا عبر الطريق." قالت "أفيلا" ذلك بهدوء. لينظر "كاسبر" إليها بشك. توترت، هل أخطأت بقول شيء؟
بينما هو لم يعلم هل يخبرها أنه حقًا لا يتذكر شيئًا، لذلك يسألها، وأن هناك سنة من عمره فقدها بأحداثها، الذي تبدو أحداثًا كثيرة وتزيد فضوله، بأنه يحب عليه أن يعرفها، لكن يتحكم بنفسه لتحذير الطبيب عن حالته. كانت مرتبكة، ثم شعرت بالدوار والغثيان وارتخاء قدميها. كانت ستقع، لكن "كاسبر" أمسكها. كانت تحاول أخذ أنفاسها بنبض قلبها غير المنتظم. "أنتِ بخير؟
أومأت برأسها إيجابًا، وهي تنظر له، إلا أنها تتكيء عليه بجسدها الضعيف. ذهب وأجلسها على الأريكة، وحين لامست يداها شعر بهما ساخنتين، وضع يده على جبهتها يتفحص حرارتها. نظرت "أفيلا" له بشدة وإلى يده. بينما هو ينظر إليها، رأى مشهدًا غير موضح يقتحم ذاكرته بنفس ذلك الوضع. أبعد يده عنها على الفور فور تلاشي ذلك المشهد. تساءل، ما ذلك الذي يراه؟ أنفض أفكاره. نظر لها، كانت تطالعه باستغراب من ردة فعله. قال: "سوف أحضر لكِ طبيبًا."
وقف ليذهب، لكن أمسكت يده تمنعه. "لا، بعد قليل سأكون بخير. أشكرك." نظر لها وإلى يدها، فتركها بإحراج. تنهد ثم قال: "هل أكلتِ؟ "ليس بعد." "سأحضر لكِ طعامًا إذا." أخرج هاتفه وقام باتصال بأحد، لكنها منعته وهي تقول: "لا، يجب أن آكل من الخارج. السعرات خطأ عليّ. لا ترهق نفسك. أشكرك." نظر لها باستغراب ثم أغلق المكالمة وهو لا يعلم ماذا يفعل، لكنه لا يريد تركها هكذا. صمتت قليلًا ثم قال: "هل أعد لكِ طعامًا؟
لم تصدق أفيلا ما قاله، وهل سمعت أذناها صحيحًا أم تتخيل؟ نظرت له قالت بلهفة: "أجل." تعجب كثيرًا من نبرته، قال: "ماذا إن لم يعجبكِ؟ "أتُمزح معي؟ أنك تستطيع الطهو بمهارة لم... صمتت ولم تكمل ما كانت ستقوله. نظرت له وجدته يتطلع فيها بشدة والاستغراب يحوم وجهه، لتدرك غباءها وأن عليها أن تحذر أكثر من ذلك. وجدته يقترب منها ويقول: "يزداد شعوري بالريبة تجاهك." ارتبكت، أمسكت أصابعها بتوتر، وقفت وقالت:
"لم أقصد شيئًا. لا بأس، سوف أعده بنفسي." قالت ذلك وهي تذهب، لكنه أمسك يدها منعها. نظرت له ولم تتوقع ما قاله. كانت واقفة في المطبخ تنظر له وترسم ابتسامة من تلقاء نفسها. تخشى أن يراها، تحاول أن تخبئ سعادتها ولا تعلم كيف تشعر. وكأن بتلك السعادة قد أصبحت بخير دون شيء آخر. اقتربت منه، أمسكت يداه. توقف، نظر لها، وجدها تقوم بطي أكمام قميصه. ازدادت ضربات قلبه ليرى مشهدًا كذلك لامرأة تطوي أكمامه. "٣٠ دقيقة." "ماذا تعني؟
هل تريد أن ننتهي في ذلك الوقت؟ "هل أنتِ خائفة؟ "أراك واثقًا بنفسك كثيرًا." كان يسمع تلك الأصوات تعج برأسه. أغمض عينيه بضعف وسحب يداه منها. نظرت له وجدته متعرقًا ويجمع قبضته يده. "ماذا بك؟ قالت هذا بقلق. قربت يدها من يده ليفتح عينيه. "ما هذا الذي أراه؟ قال هذا يخاطب نفسه، فقالت بتساؤل واهتمام: "ماذا رأيت؟ "أشياء تحدث لي، أراها في مخيلتي، وكأنها حدثت معي من قبل." شعرت بالخوف والقلق عليه. فهل رأى شيئًا لها؟
ذهبت، سكبت له كوبًا من الماء وأعطته له ليستريح قليلًا. تنهد. نظر لها. كانت تمسك بيده. ابتعدت حين لاحظت نظراته. وجدته يخرج هاتفه ويقيم مكالمة. "اذهبوا أنتم، سأعود لاحقًا."
كانت "أفيلا" واقفة تنظر له وهو يعد الطعام وتبتسم من تلقاء نفسها. تتابعه بتوجس لهيئته التي تحبها كثيرًا. كان "كاسبر" يلحظ نظراتها الثاقبة تجاهه. نظر لها. نظر لها. أخفت ابتسامتها وارتبكت ونظرت بعيدًا على الفور. ابتسم عليها ولا يدري كيف له من هذه الابتسامة. عادت أنظارها إليه وابتسامته لتتدفق بها. أرادت أن تساعده فأقتربت وأخبرته أنها ستقطع. وقفت بجانبه وقامت بتقطيع الخضروات. نظر لها من حركة يدها، كانت بطيئة. لم يعلم أن
قواها بجسدها باتت ضعيفة وليس بيدها. اقترب منها، وقف خلفها ومد ذراعيه وهى في المنتصف. تفاجأت "أفيلا" من تقربه منها وكانت تحدق في الفراغ ومتوترة. نظرت له، كان قريبًا منها كثيرًا، فنظر لها هو الآخر والتقت أعينهما. خفق قلبها بسرعة شديدة. ارتبكت، فنظرت أمامها بتوتر. وجدته يمسك يدها برفق التي تمسك السكين ويحركها على الخضروات ويقطعها، وكانت بين ذراعيه ومتوترة كثيرًا. إلى أن أنها تنظر إلى يديها، وجدتها تتحرك بخفة مثل يده،
كما يفعل. ابتسمت بسعادة ومرح ولا تصدق. نظرت له، بادلها ابتسامة خفيفة ثم ابتعد عنها لتعيد انتظارها وتكمل ما تفعله، والبهجة مرتسمة على وجهها. كان يشعر بالسعادة لرؤيتها تبتسم هكذا.
كانت "أفيلا" تساعده وهو يعلمها وتسعد كثيرًا عندما تفعل شيئًا بطريقة جديدة. جلست على المائدة لتتذوق الطعام، وصدر منها صوت تلذذ ودهشة: "مذاقه.." قالت هذا، ثم صمتت تعجبًا. كاسبر نظر لها: "أشكرك كثيرًا." كانت نبرتها متغيرة، عكس ما كانت قبل قليل. أخفضت رأسها لتجمع الدموع في عينيها، فذلك المذاق لم تتوقع أن تتذوقه من جديد.
بعد أن انتهوا من طعامهم، ذهبت أفيلا لأخذ أدويتها. نظر لها كاسبر بتعجب مما تفعله. وجدها تأخذ شيئًا، وكان كبسولات. تعجب من هذه الأدوية التي تأخذها، ثم شربت ماء. "أنتي مريضة؟ قال ذلك بتساؤل. التفتت ونظرت له. علمت ما يقصده، توترت ولم تعلم ما تجيب، إلا أنها قالت: "مجرد فيتامينات."
تعجب، لكنه لم يرد أن يجبه. وجدها تعيدها كما كانت. وقفت، اقترب منها. نظرت له، وجدته يقف أمامها مباشرة، يضع يده على جبهتها. لما حين يفعل ذلك يذكرها بوالدها. أشعر بالسعادة لمجرد حركة كهذه تثبت اهتمامه بها. ابتسمت أفيلا وهي تراه خائفًا عليها. قال: "انخفضت حرارتك ل.."
صمت حين نظر لها، وجدها تنظر له بتمعن. لم يفهم نظراتها. دقق في ملامحها وشعر بشيء يجذبه، شعور لم يفهمه من قبل. اقترب منها. نظرت أفيلا إليه، توترت. نظر إلى عينها وقربه الشديد منها. ابتعد عنها ويشعر بالحرج، لا يعلم ما هذا الذي كان سوف يفعله وكيف ضعف أمامها. "علي الذهاب."
قال ذلك دون أن ينظر إليها، وهم بالمغادرة. وكانت تتابعه بنظراتها وهو يذهب. ثم ابتسمت. دخلت غرفتها ونامت وهي تشعر بالسعادة التي تغمرها، ونامت بسلام لأول مرة. كانت تعمل في المشفى ببهجة تتضح على معالم وجهها وإشراقها التي لاحظها الجميع، عكس ما كانت معتادة عليه. سعد عمر من رؤيتها هكذا، رغم أنه لا يدري سبب هذه السعادة، إلا أنه يعلم مصدرها ومن له يد بأن تكون مفعمة بالحيوية كل اليوم.
مر يومان في المشفى. دخلت أفيلا إلى إحدى الغرف، كان بها ولد ذو السبع سنوات، من ذاك الحادث. أخذت كرسيًا وقربته من سريره. نظرت له وقالت بابتسامة: "كيف حالك اليوم؟ "أنا بخير. أصدقائي كيف هم؟ صمتت حين تذكرت الولد الذي قد مات بين يديها. شعرت بالحزن، إلا أنها قالت: "حمدًا لله، بخير جميعًا." أرادت أن تطمئنه رغمًا عنها. ابتسم لها. دخل عمر في تلك اللحظة، قال: "أفيلا، هناك أحد يسأل عنك." قالت بتساؤل: "من؟
نظر لها وإلى الطفل. فهم ما يقصده. وقفت وذهبت معه. كانا يسيران، قالت: "لم يقل من."
لم يرد عليها. إلا أنها توقفت عندما رأت نيرة وأميرة، صديقاتها، التي لم ترهم منذ سنتين تقريبًا بسبب انقطاعها ونفر الجميع عنها. لكنهما كانا يطمئنان عليها من عمر، الذي يعلمون أنها ستكون بخير طالما معه. ابتسموا حين رأوها. اقتربوا منها وعانقوها. نظرت لهم بدهشة وتعجب من ذلك العناق. ابتسمت ابتسامة خفيفة وضمتهم برفق هي الأخرى، ليسعد عمر وهو يراها تبتسم. ابتعدت عنهم، قالت: "ماذا تفعلان هنا؟
"جئنا لنراكِ، فلم نرَ بعضنا منذ مدة طويلة." قالت نيرة هذا. وآخر جملة بتذمر، قالت أميرة: "أخبرينا كيف حالك." "بخير." قالت نيرة بتساؤل: "هل أنتِ حقًا مريضة سكر؟ نظرت أفيلا لهم بصدمة، ثم نظرت إلى عمر بحنق. خاف من نظرتها، قال سريعًا: "لم أخبر أحدًا، أقسم لكِ، ما زلت عند وعدي لك." "كيف عرفوا إذا؟ هل تخدعني؟ قالت نيرة لتهدأ من ثورتها: "ليس عمر من أخبرني، إنه أحمد." ضاقت ملامحه من صديقه، قال بضيق: "ذلك الوغد."
وجدها تنظر له وتقول: "وكيف علم؟ بتأكيد منك." "اهدئي قليلاً، إنه من فحصك." صمتت، فهي لم تسأل عمر عن ما قاله الطبيب له ومن أحضره. فهو طبيب جراحة مثلها، بالطبع لن يكون هو من فحصها. "إذا رأيته سوف أكسر رأسه." قالت ذلك بغضب وهي تتوعد له. ضحكت نيرة، قالت: "حزينة عليه كثيرًا." ابتسمت أميرة، ثم قالت باقتراح: "لما لا نتقابل جميعًا ونجتمع مجددًا؟ لتؤيدها نيرة بقول: "فكرة جيدة، سوف يسعد الجميع."
نظروا إلى عمر وأفيلا ينتظرون ردهم. فهو يراهم ويجتمع مع أصدقائه بأوقات، أما هي فلا يرونها. قال: "ليس لدي مانع." "لا." قالت أفيلا ذلك. نظروا إليها، ومن نبرتها، قالت نيرة: "لماذا؟ "لا يروق لي. اذهبوا أنتم." قالت ذلك إليهم وهي تذهب، تقفل مجرى المقاس وتحسم قرارها إليهم. نظروا لها وتعجبوا، فقد ظنوا أنها قد عادت كما كانت تمرح من رؤيتها تبتسم، لكنهم كانوا خاطئين. لم تكن سوى ابتسامة عابرة لرؤيتهم، لا تزال في جموحها.
"أتركوها لي." نظروا إلى عمر بدهشة. قالت أميرة: "حقًا تستطيع إقناعها؟ ابتسم بقله حيلة، قال بمزاح: "سأحاول، لكنه صعب بالنسبة لها." ضربته نيرة في كتفه وهي تقول: "خارت قواك عن السابق على ما يبدو." نظر لها بضيق من سخريتها، قال: "ليس الأمر كذلك، تعلمين أنها عنيدة." ابتسمت وهي تنظر له بمكر. تنهد، ثم قال: "تحدثوا معهم ونتقابل في موعدنا." "جيد. إلى اللقاء." قالت ذلك وهي تمسك بيد أميرة وذهبتا. وكان يتطلع بهما. تنهد،
ثم قال بضيق: "ما هذا الذي أوقعت نفسي به؟ كيف سوف أحضرها معي؟ في مساء اليوم، كانت أفيلا في مكتبها بعدما انتهت من دوامها. تخلع جاكتها الأبيض وهمت بالذهاب. وجدت عمر يدخل. نظر لها، قال: "أنتي ذاهبة؟ أومأت برأسها إيجابًا، ثم قالت: "ماذا عنك؟ "لدي وقت إضافي." نظر لها وأردف قائلاً: "لماذا لا تريدين أن تأتي معنا؟ سوف يجتمع الرفاق جميعًا، وهذه فرصة لكي تغيري أجوائك قليلاً." تبدلت ملامحها، فقد عرفت سبب مجيئه. "لا أريد."
قالت ذلك وهي تذهب، تتخطاه. لكنه أمسك يدها يمنعها. نظرت له، قال: "وعدتني أنكِ سوف تهتمين بنفسك." قالت بتعجب: "هل نكثت بوعدي أو ما شابه؟ "أجل." نظرت له بإستغراب، فأكمل: "ما زلتِ داخل هذه الدائرة المغلقة، لا تخرجين منها. حين قلت اعتني بنفسك، ليس لحالتك الجسدية فقط يا أفيلا. أتمنى أن تكوني فهمتِ متى ما رمقتُ له." تنهدت، ثم قالت: "ماذا تريد؟
"عودي كما كنتِ الآن. لا يوجد سبب لما تفعلينه، وسجنك هذا لن يضر أحدًا إلا سواك. كان سببك هو ذلك الذنب لـ علي، وهو الآن قد عاد، لكن أفيلا ما زلتِ تدفنينها بداخلك." كان صامتة، تصغي إلى ما قالته، لكن تعبيرات وجهها لم تتغير. نظرت إلى يدها، ثم نظرت له. قالت: "اترك يدي." نظر لها عمر، فهل هذا ردها؟ تنهد بضيق، ثم تركها. فذهبت لتخرج وتتركه، إلا أنها توقفت عند الباب.
"إن كنت قلقًا علي، فأريد أن أطمئنك أن المرض السكري لدي من سنة ونصف، أي أني تأقلمت عليه، وهو قد تأقلم على حالتي. حين غشيت عليّ، كان بسبب الأرق لا غير." نظر لها ولا يعلم هل تسخر منه حقًا بكلامها الهراء ذلك؟ أتظنه سيقتنع ولا يعرف عن حالتها؟ أتُبرر له أم تُبرر لنفسها؟ نظرت له، ثم قالت: "لم أمانع. سوف أفكر." نظر لها. ابتسم لأنها استمعت له، فذهبت.
في الفيلة، كان مازن يرى كاسبر قد جاء من الخارج، وملامح الجمود تعتري وجهه. تعجب. نظر إلى ساعته، قال بتعجب: "هل انتهى بهذا السرعة؟ دخل كاسبر إلى غرفته وتذكر حين كان في المشفى من أجل زراعة، لأن يحرره. بينما وهو مار من مكتب أفيلا، وجدها قريبة من عمر، وكان يمسك بيدها. ذلك المشهد أثار شعاعًا داخله، لا يعلم سببها. يشعر باضطرابات في الفترة الأخيرة ولا يتصرف على طبيعته، بل يجعل من نفسه أحمقًا. ماذا دهاه؟ هل جن؟
هل بدأ أن يفقد شخصيته التي بناها عقله؟ لنسنه ستنهار في لحظة. إن لم يكن قد فقد ذلك الجزء من ذاكرته الذي يؤثر عليه كليًا، فلما هو هنا الآن ويبغض نفسه؟
سنة قد مُحيت، لكن تلك السنة تؤثر على ماضيها وحاضرها، تؤثر على خلاياه وأعصابه التي تتلف. تذكر كلام الطبيب له أن لا يندهش بما يراه وتصرفاته إن كانت غريبة، فهذا جزء من العصب الذي يتحكم به، لكن عقله لا يزال سليمًا ويوافق باتزانه عليه أن يتحكم به فقط. تنهد، ثم ذهب لدورة المياه لأخذ حمام. جلس بالأسفل. نظر له مازن، وكان يريد أن يسأله إن كانت الأمور قد سارت على ما يرام. كانت ملامح وجهه باردة. ليسود الصمت قليلاً،
ويقطعه وهو يقول: "هل هناك ما يربط أفيلا بصديقك؟ "عن أي صديق تتحدث؟ قال ذلك بتعجب. لم يعلق. فنظر له وقال باستدراك: "تقصد عمر؟ نفى، وهو يضيف: "لا، إنهم أصدقاء." "فقط؟ نظر مازن إلى أخاه، ومن نبرته الباردة، صمت قليلاً. نظر له ولصمته، فقال: "لا أعلم جيدًا حول هذا الأمر. لكن، أوقات أشعر وكأن علاقتهم ليست تحت مسمى الصداقة. من الممكن أنهم يحبان بعضهم أو يتواعدا، لا أدري بالتحديد."
جمع قبضته بضيق، وأراح ظهره للخلف ببرود دون اكتراث لأي ما سمعه. نظر مازن إليه، يعلم أنه تضايق بما سمعه ويظهر العكس، وهذا سبب كذبه عليه بالباطل. "أعتذر يا أخي، يجب أن تبعد تفكيرك عنها. أعلم أنك بدأت تحبها من جديد. إن كان عقلك قد جعلك تنساها، فقلبك سيرجعك إليها."
كان يخاطب نفسه وهو يشعر بالضيق. لا يعلم إذا كان أخطأ عندما قال كلامًا كهذا، أم أنه فعل الصواب لخوفه على أخيه وأراد أن يبعده كي يتذكرها بسبب قربها منه. فلماذا يشعر أن أفيلا هي من ستجعله يتذكر وتعيد له ذاكرته، وهي ذاتها من ستلقي بحتفها لأنها لا تعلم عما ممكن أن يفعله بها لجريمتها؟ في اليوم التالي، وصلت أفيلا إلى المشفى. دخلت مكتبها، ارتدت جاكتها وخرجت ترى عملها. وجدت عمر يدخل للمشفى وقد وصل للتو. اقترب منها، قال:
"هل فكرتِ؟ لم تفهم، إلا أنها عرفت ما يقصده. فقال: "بربك، ما زال الوقت باكرًا، دع لي بعض الوقت." "سوف توافقي على كل حال. لقد حدد الرفاق وأخبروني أن أحضرك." "سوف أخيب ثقتك بنفسك كثيرًا." قالت ذلك بابتسامة عليه وهي تذهب. نظر لها عمر، ابتسم وذهب إلى مكتبه. في الفيلة، على المائدة، كان كاسبر يأكل، ومازن ينظر له بتعجب من ذلك الهدوء الشديد وأنه على طبيعته جدًا. "هل أخطأت عندما ظننت أنك تكن لها المشاعر وبدأت تحبها؟
ألم يجدر بي قول ذلك؟ فأراك غير مبالٍ." كان يخاطب نفسه باستغراب. لاحظ كاسبر نظرات مازن إليه، قال: "أتُريد قول شيء؟ أفاق من تفكيره، نظر له وارتبك، ثم قال: "ماذا فعلت البارحة في المشفى بشأن زراعتك؟ "لم أذهب." قال بدهشة وتساءل: "لماذا؟ "أصبحت بخير، ليس لدي وقت لذلك." "لكن يجب أن تذهب." رمقه كاسبر نظرة باردة، فصمت. انتهى من طعامه، وقف ليذهب. ليوقفه مازن وهو يقول: "إذا انفرغت قليلاً، اذهب. لن يأخذوا من وقتك الكثير."
نظر له، وكان يشعر لاهتمامه به. أوما برأسه إيجابًا وأنه سيرى ذلك الأمر، ثم ذهب. والتساؤلات تحوم حوله، فمن ضمن رغبته في عودة ذاكرته معرفة ذلك ما يدعى "مازن". فمن يكون ليهتم به هكذا ويعطيه كل هذا الاهتمام الذي لم يعهده من أحد؟ يبدو صادقًا معه، فمنذ ثلاث سنوات وهو يراقب يطمئن عليه ولا يتركه من بعد هذه الواقعة التي حدثت، حتى بعدما سافر لألمانيا كان على علم بأنه يتواصل مع رجاله لأني لا يرد عليه.
في منتصف اليوم، كانت أفيلا واقفة مع ياسر في الطابق بالأسفل، ويمسك أوراقاً ويشير عليها ويتحدثان. لتقع عيناها على كاسبر حين وجدته يدخل للمشفى. ابتسمت وسعدت، فهي لم تره منذ أن كان معها في شقتها. نظر لها، وقد رآها. وجدته يكمل سيره بجموح دون أن يبدي أي اهتمام لرؤيتها. تعجبت وحزنت. نظر ياسر إليها وإلى ما تنظر له. "أفيلا، هل سمعتيني؟ أفاقت، نظرت له، قالت: "ماذا... أجل. أردفت قائلة: هل يمكنني الذهاب قليلاً؟ حسناً.
ذهبت قابلة ممرضة، سألتها عنه، فأومأت إيجاباً وأشارت لها على الغرفة، فتركتها وتوجهت إليها. وحين وصلت، دخلت وجدت ممرضة تساعده في فك القماش من على ذراعه. نظروا لها وقد دخلت. اقتربت منها وقالت: تستطيعين الذهاب. نظرت الممرضة إليها باستغراب، نظرت إلى كاسبر ثم أومأت وذهبت. لتنظر إليها أفيلا بعدما رحلت، ثم تعود أنظارها إليه. اقتربت منه وأكملت هي. كان صامتاً، وقد لاحظت ذاك، بل غريباً، ليس بصمته العادي الذي تعرفه، إنه صمت آخر.
نظرت له وأنه لا يتطلع بها أو لا يبدي أي اهتمام. قررت أن تقطع هذا الصمت وهي تقول: كان موعدك البارحة، لماذا لم تأتي؟ قال باللامبالاة: لم يكن لدي وقت. لم يكن لديك وقت لصحتك؟ أردفت بتذمر بين نفسها: ما هذا الهراء. هل تهتمين بالجميع هكذا؟ قال هذا بنبرة ساخرة. تعجب كثيراً وقالت بعدم فهم: ماذا؟ نظر لها هذه المرة واقترب منها. نظرت له وتوترة من اقترابه منها ونظرته الجافة الذي يثقبها بها.
هل اعتدتِ تقتربين من الجميع وتمتد علاقاتك... فكيف كنتِ قريبة مني من يوم ويوم آخر.. مع غيري؟ شعرت بوخزة أيسر صدرها، تهاوت كثيراً بحجم كلماته ونظرته التي يوجهها نحوها. كانت لا تصدق ما سمعته منه وما يقوله لها، صدمتها كبيرة. تختار قواها: لوهلة قد شعرت باختلافك، لم أعلم أن الاختلاف سيكون عبر ذلك. نظر لها وأكمل بسخرية: لماذا تمثلين دور الزوجة الصالحة وأراكِ تبكين على زوجك الذي يبدو أنه ليس من اهتماماتك...
ولم يكمل، سرعان تلقى صفعة على وجهه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!