-هل كان ذلك اسمه؟ اومأت إيجاباً بتوتر. فقال: هل اطلعك على السر؟ نظرت له حين قال ذلك بتلك النظرة. لتجده ينظر لها ويقول: أسمي علي أيضاً. ازدرت ريقها بصعوبة من خوفها وتوترها. بينما ينظر إلى تعبيراتها المتوترة وحبيبات العرق التي بدأت في التسرب. "لماذا أشعر أن وراءك أمر كبير يا أفيلا؟ كان يخاطب نفسه. وقفت وأخبرته أنها قد شبعت، ثم ذهبت تهرب من نظراته لها. غسلت يدها وخرجت لتجده ينظر لها. قالت: سوف أعد القهوة.
وذهبت على الفور دون أن تنتظر منه أي رد. لا تعلم أن هكذا تزيد الشك بها. دخلت المطبخ، أخذت أنفاسها، وضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بسرعة. التفتت وانفزعت حين وجدته في وجهها. ارتبكت من وجوده. قالت: هل تريد شيئاً من هنا؟ اقترب منها. نظرت له وعادت للخلف بتوتر حتى التصقت بالحائط. ليضع يده بجانبها. نظر لها وإلى وجهها الذي يحومه التوتر وتسعى جاهدة أن تظهر عكس ذلك. لكن دقات قلبها المرتفعة كان يسمعها وعيناها تظهر خوفها.
لا يعلم إن كانت خائفة منه أم من آخر. "هل تخبئين شيئاً؟ "لا يوجد شيء حتى أخبئه." ردت عليه بهدوء. اقترب ونظر في عينيها مباشرة وقال: "أتمنى ذلك." ابتعد عنها وذهب. نظرت له وهو يذهب، وخشيت أن يكون قد علم شيئاً. تنهدت بضيق. فهي إن تهربت اليوم منه، كيف ستتهرب منه غداً؟ لا شك أنه سيعلم الحقيقة الآن أم بعد.. لأنها الحقيقة التي عليها ألا تنساها. شعرت بالحزن لتسيل دمعة من عينيها. مسحتها بكف يدها وأخذت نفساً ثم ذهبت.
أحضرت القهوة. كانت تلقي أنظارها بحثاً عنه حتى وجدته واقفاً في الشرفة الداخلية. ابتسمت ثم تقدمت. دخلت. اقتربت منه ليشعر بوجودها. مدت يدها بالفنجان وهي تقول: "تقف مع أصدقائي." نظر لها بعدم فهم. فابتسمت، أشارت على النباتات والزهر الذي كان في الشرفة. "هؤلاء هم أصدقائي." صمتت قليلاً ثم أردفت وهي تقول:
"كانوا خير أصدقاء لي. حين انقطعت عن الجميع وانعزلت عن الحياة، كدت أصل لحالة الجنون. لم يكن بجانبي غيرهم. لقد سمعوا ما لا يسمعه أحد مني. كنت أجدهم في كل وقت ينتظرونني لأسرد عليهم قصصي المؤلمة." كان كاسبر يصغي إليها وشعر بالأسى حيالها. وجدت تبتسم ابتسامة مريرة وتقول: "تحملوني كثيراً. كنت أدعو الله أن يمد لهم العون مني." "لماذا؟ قال ذلك بتساؤل. نظرت له بعدم فهم فأكمل: "لماذا انقطعتِ عن الجميع؟ نظرت أمامها ولم ترد عليه.
فكيف يسأل المرء سؤالاً وهو إجابته؟ كيف تقول له أنها أرادت البقاء لنفسها حتى تهلكها؟ أم بسبب حزنها عليه ما فعلته به؟ فكأنها تشبه الموتى بدونه. قرب يده من يدها لمسها. تفاجأت، نظرت له. كان يرسم ابتسامة هادئة أبعثت لقلبها الطمأنينة. فه ها هي ذا لم تعد بمفردها، إنه بجانبها من جديد. "لما القهوة؟ "إنها مشروبي المفضل. تفعمني ببعض الطاقة." قالت آخر جملة بمزاح. ابتسم ثم قال: "أتعلمين، لا أحب القهوة مثلك، لكن سأجر...
صمت ولم يكمل ما كان مقدم على قوله. ليقتحم مشهداً ذاكرته يحجب عيناه عن الواقع. ليرى هالة ضبابية غير موضحة لذات المرأة واقفة مع رجل يعطيها قهوة. "أتعلمين لا أحب القهوة مثلك.. لكن سأجرب." أقفل عينيه بضيق وأبعد يده عن أفيلا الذي كانت تنظر. عاد للخلف يحاول أن يتذكر أي شيء آخر أو شكل هذه المرأة الذي يراها كثيراً. "أأنت بخير؟ قالت ذلك بتساؤل وهي تطالعه وتجد عروقه قد برزت من الجهد الذي يفتعله في اعتصار ذاكرته.
فأتى مشهداً وهما يقفان. "ألا تبتعد؟ "لن أبتعد، إذاً سأكون معك دوماً." ليطبع قبلة على وجنتها ويذهب. ليأتيه مشهد آخر وهما معاً يتعانقان. ومشهد آخر كانت تمسك بمسدس وتشير عليه. ومشهد آخر كانا جالسين عند شاطئ ويلبسها جاكته وقريبين من بعضهما. أصوات كثيرة بدأت تعج برأسه حواراتهم ولا تزال المشاهد تمر أمامه كشريط فيلم يعرض له. يسمع أصواتهم وصوت المرأة ليس غريباً عليه.
حاول أن يوضح الرؤية قدر استطاعته يزيل هذا الضباب وتتحسن الصورة. وبالفعل بدأت له بالاتضاح شيئاً فشيئاً. ليقاطعه صوت صفير أول برأسه. شعر بألم شديد ليقع الفنجان من يده وينكسر. فزعت أفيلا. عاد للخلف صرخ وامسك رأسه بقوة يحاول كتم ذلك الصفير. يوقف ذلك الألم الذي يفتك به ولا يقدر على تحمله وكأن خلاياه على وشك الانفجار. اقتربت أفيلا منه بخوف شديد. "ماذا بك؟ قالت ذلك وهي تنظر له لعضلاته التي برزت.
قربت يداه من وجهه الذي كان يتشكل من عروقه ظاهرة. قالت: "توقف. افتح عيناك." كانت خائفة عليك كثيراً لكنه لم يكن يسمع لها. كان يصارع الألم بكل قوته إلى أنه أقوى منه. ضمته إليها وهي تهمس بقول: "لماذا تحاول إعادتها بغير رضاك؟ لماذا تضغط على نفسك؟ ربتت عليه بحزن من حالته وتحاول منع بكائها من رؤيته يتألم هكذا إلى أن دموعها تتسابق على السيل. "اهدأ، أرجوك." شعر بها تلك المرة وقد سمع رجاءها. لف ذراعيه حول خصرها وقربها منه.
تشعر بألم شديد واختنقت أثر زجاجة قد دهست قدماها. حاولت أن تبتعد لتخرجها من قدمها لكنه احتضنها أكثر فلم تكن تستطيع التحرك. وإنما تشعر وكأنه على وشك كسر عظام ظهرها. على الرغم من ألمها إلى أنها لا تبالي غير بمعاناته. ربتت عليه ليهدأ ولم تبتعد عنه. ظلت تحاول تهدئته تدعي أن يكون بخير. بينما الألم عنده في ازدياد بخلاياه التي تجعله يتيقن بأنه سوف يفقد عقله. لا أدنى شك بما سيحدث.
لكن الألم بدأ يهدأ وصوت الصفير المرتفع يقل تدريجياً. فتح عينيه بضعف وكانت محمرتين من الصراع الذي كان يصارعه مع نفسه. وجده يحتضن أفيلا مشتد بذراعيه كثيراً. فخفف عليها لكن لم يكن يريد الابتعاد عنها. كان يشعر بشعور كالأطمئنان بهذا العناق وقربها منه. شعرت بأنه قد هدأ من ارتخاء ذراعيه وجسده. ابتعد عنها. نظرت له وإلى وجهه الذي كانت ملامحه مرهقة وشعيراته عند جبهته المتصببة. عرفت أزاحتهم بيدها. نظر لها. قالت: "أصبحت بخير."
أومأ برأسه إيجاباً. ابتسمت ابتسامة خفيفة لكن داخلها مهمومة بأحزانها. فلم تنسَ كيف كان يبدو منذ قليل. أجلسته على الأريكة لينظر إليها واهتمامها به. فلم ينسَ كيف وجدها تضمه وتسعى لأن يهدأ. "سأعود بعد قليل." قالت ذاك وهي تذهب. كانت تحاول أن تسير بانتظام أمامه حتى دخلت غرفتها. تنهدت أسندت على الجدار ورفعت قدميها اليسرى من على الأرض تتجنب أن تضغط عليها. ذهبت وهي تستند حتى جلست على السرير. وضعت قدمها اليسرى على اليمنى.
وجدت قطعة زجاجة عالقة بها. كان كاسبر جالس ثم لفت انتباهه دماء مكانه هو وأفيلا ناحية الزجاج. فتذكر حين وقع الفنجان من يده. نظر إلى الأرض لتقع عيناه على آثار دماء. كان يعلم أن هذه الدماء ليست منه. نظر إلى الغرفة ذهب إليها. وقف عندها طرق الباب وهو يقول: "أفيلا." سمعت ندائه لها ليردف بقول: "هل يمكنني الدخول؟ "انتظر لحظة." قالت ذلك تمنعه. فلم يعلم هل يدخل أم لا. لكن لم يجد غير يده تسبقه بإمساك مقبض الباب تفتحه.
ليجدها جالسة على السرير ودماء على يدها وقدمها. نظرت له من دخوله. أقترب سريعاً لينظر إلى جرحها. قرب يده من قدمها ثم نظر لها. "ستؤلمك قليلاً." نظرت له ليقوم بسحب الزجاجة من قدمها على الفور. جزت على شفتيها بتألم وامسكت ذراعه بشدة. سألها أين صندوق الإسعافات. أشارت له فأحضره وقام بمسح الدماء وضع عليها مطهر ثم لف حولها القماش الطبي.
وكأنها تنظر له تتابعه وهي منغرسه في ذاكرتها عندما جرحت يده وأخذته وقامت بإخراج الزجاج وفعلت كما يفعل الآن. انتهى وضع الصندوق جانباً ليجدها تتطلع إليه. أغلقت وأبعدت أنظارها عنه. "كيف علقت في قدمك هكذا؟ ألم تريها؟ لم ترد عليه. استغرب ليقول بإستدراك: "هل كان أنا؟ نظرت له وصمتت. أردف بأسف: "اعتذر.. هل تؤلمك؟ ابتسمت من قلقه عليها قالت: "لا." نظر لها وإلى ابتسامتها ليتدفق بها ويشعر بذات الشعور الذي يشعر به مؤخراً.
شعور بالضعف يجتاحه. اقترب منها. نظرت له وهو يقترب أكثر توترت لتسير الدماء بشرايينها تتصاعد لمعالم وجهها إلى أنها ساكنة. نظر إليها وإلى حمرة وجنتها بتوترها ليلعن نفسه من ما أصبح عليه وما تفعله تلك المرأة به. ابتعد عنها. نظرت له. "إذا احتجتِ شيئاً أخبريني." قال ذلك وهو يقف ليذهب. أوقفته وهي تقول: "هل ستغادر؟ أومأ برأسه ثم ذهب ويتركها وهو في حيرة من أمره. فماذا يحدث له بالتحديد لم يفهم مشاعره مؤخراً. هل بات له مشاعر؟
هل تحررت من قيده؟ "هل يعقل أني أحبك يا أفيلا؟ لا أجد جواب غير هذا." في مساء اليوم في منزل وجيد كانوا يتطلعون إلى التلفاز بصمت. بينما وجيد لا يتحدث مع أحد. اقتربت بيري من والدتها قالت بهمس: "أمي، ألن نرى أفيلا؟ "كانت لا تبدو على ما يرام قبل رحيلنا. أشعر أنها ليست بخير." قال وليد ذلك. نظرت لهم بهيرة لتتنهد وهي تقول: "لا أعلم، أريد الذهاب لها أيضاً لكن والدكم... نظر وليد إليه وقال: "أبي، ألا يجب أن نرى على أفيلا؟
أنك حتى لم تعد تتصل بعمر لتسأله عنها." لم يرد عليه ليجدوه يقف ويذهب. نظروا له ولم يتحدثوا ثانية. كان وجيد غاضب بخيبته من أفيلا كثيراً ولا يصدق حتى الآن أنها حاولت قتل شخص بل زوجها. لا يريد أن يقول كونها قاتلة لكن ما فعلته ماذا يسمى. يشعر أن هناك سبب لا يعلمه. فهي ابنته مثل بيري ومتاكد أنها لن تفعل شيئاً كهذا غير لسبب يستحق ذلك بشدة. فلما نفيت وقالت إنه لم يذهب بشيء. أتُعني أنها هي المذنبة؟
لكنها لا تقتل نفساً وأيضاً الذي تحبه. فقد كان يراها تهتم لأمره وحبهم لبعضهم. ماذا حدث لتفعل ذلك؟ في المشفى كان عمر في مكتبه وأحمد معه. ينظر له وهو يمسك بهاتفه قال: "ألم تهاتفها وتخبرك أنها بخير؟ ما حاجة لك بأن تتصل بها ثانية." "لم يكن يجدر بي أن أحضرها." "لا نعلم بعد ما الذي حدث. لما تشغل تفكيرك؟ إنه يوم وانتهى." "أنت لا تفهم شيئاً. لم ينتهِ الأمر. إذا كان مخدرات مثلما قالت هدير، فهذا ليس بشيء سهل." نظر له بشدة وقال:
"ماذا تقول؟ هل تظن أن أفيلا تأخذ... قاطعه وهو ينفي بقول: "بالطبع لا. لم أقصد قول لا. هناك أحد وضعه لها." "ولما ليفعل أحداً ذلك؟ من يكون؟ بالتاكيد ليس أحد منا." "أتمنى ذلك." وسط هدوء الليل في صمت مهيب كانت أفيلا تحاول النوم وتتقلب كثيراً في فراشها. جلست لتأخذ أنفاسها. أضاءت الأنوار. نظرت حولها وللنا فذة فهي تبعث لها هواء. لما تشعر بالحرارة؟ ضمت ذراعيها وهي تتحسهم بيدها. فكانت تشعر بأن شيئاً ما يسير فيها ويؤلمها.
أبعدت الغطاء أنزلت قدميها وقفت لتشعر بضعف ساقيها.
لم تشعر بهما. تتجدد صعوبة في السير وتشعر بثقل في جسدها. سارت ببطء، تناولت هاتفها، ولم تكن قادرة على الوقوف أكثر من هذا. جلست على الأرض، أمسكت هاتفها. كانت تتعرق كثيراً على الرغم أن الطقس ليس حاراً، وأيضاً ترتدي ملابس خفيفة، بلوزة نصف كم لونها سماوي وبنطال أسود قصير فوق الركبة، فلا داعي لتعرقها. قلبت في هاتفها وهي تشعر برعشة في جسدها، حتى أحضرت رقماً واتصلت به. مسحت وجهها بكف يدها وكأنما يمطر. لم تجد رداً. وقع الهاتف من يدها فلم تحضره. لكن سمعت رنيناً منه فالتقطته على الفور
لترد عليه وتقول بتقطيع: "هل بإمكانك المجيء إلى الآن؟ "أفيلا، ماذا بك؟ "لا.. لا ت..تأخر رجاءً." أنهت المكالمة وكان جسدها يزداد لا شعوراً بما هي فيه. ضمته إليها وضمت ذراعيها بشدة، تمسكهم بيديها وتمسح بيدها على جسدها. كانت تشعر بقشعريرة غريبة. توقفت سيارة أمام العمارة ليترجل "كاسبر" ويتقدم إلى المبنى. كان قلقاً عليها كثيراً حين سمع صوتها الذي لا يبشر بخير وطلبها له بالمجيء في هذا الوقت وكأنما تستنجد به.
فتح المصعد، ركض إلى شقتها، رن الجرس لم يجد رداً، رن مرة أخرى وأطرق على الباب ليجده يفتح وتطل منه "أفيلا" ليلحظ وجهها الغريب ومتعرقة بشدة، ولم تبدل حتى ملابس المنزل لأنه أتى إليها. دخل. "أنتِ بخير؟ قال ذلك ثم نظر إليها وأضاف: "لماذا تبدين هكذا؟ "أشعر بشيء غريب بجسدي."
قال ذلك بصوت ضعيف. نظر لها، أقفل الباب حتى لا يراها أحد بملابسها. أخذها من يدها وأجلسها على الأريكة. كانت يداها باردتين برغم شعورها بالحرارة وتعرقها. شعر بالقلق من أن يكون الذي في تفكيره صحيح. قال: "ماذا تشعرين؟ نظرت له أفيلا وهي تمسك ذراعيها وتضمهما وتقول: "لا أعلم ما الذي يحدث معي.. أتألم.. لكنه ألم غريب.. أشعر وكأنما هناك شيء يسير داخلي." أردفت قائلة: "الألم يزداد، لا أعلم ما يحدث لي."
تبدلت ملامحه ليخفض وجهه بضيق. نظرت إليه ثم قالت: "أوقف الألم.. أعطني أي شيء يوقف هذا الشيء." "آسف يا أفيلا، لا أستطيع." لتصيح بوجهه غاضبة بانفعال شديد: "أخبرك أن توقفه.. أنهِ الأمر بأي شيء، المهم أن ينتهي." "إذا أعطيتك لن ينتهي، بل سوف يزداد ويتعقد.. لا أستطيع فعل ذلك بك." قال آخر جملة بحزن للقرار. لتمسكه أفيلا من قميصه بغضب وتنظر له بحنق وتقول: "لماذا إذا اتصلت بك؟ جئت لتساعدني، أوقف ذلك، لا أقدر على التحمل."
"ما أفعله في مصلحتك." "أي مصلحة هذه أن تتركني أتوجع كالآن؟ لم يرد عليها، فليس بيده حيلة أن يفعلها لها شيئاً. هو هكذا يساعدها بالفعل. ليزول غضبها وانفعالها وتقول بصوت ضعيف: "أشعر وكأن هناك من يحتل جسدي." نظرت له وتجمعت في عينيها الدموع. "افعل أي شيء، أرجوك، لا أستطيع التحمل، صدقني."
ليطالعها بصمت إلى أن رجاؤها أصاب قلبه كخناجر تقم بتمزيقه. سالت الدموع من عينيها من الألم الذي يجتاح جسدها والضعف الذي هي عليه الآن، لتجده يضمها إليه برفق وهو يشعر بالضيق من عجزه، أنه لا يستطيع مساعدتها ويراها تتألم ولا يقدر على فعل أي شيء لها. بينما هي مالت برأسها على صدره ولا تزال قبضتها ممسكة بقميصه. "أريد أن يتوقف هذا الألم فقط.. أوقفه، أرجوك."
لم يعلق على كلامها، إلى أنه شعر ببرودة جسدها. فأفيلا في هذه الحالة بسبب المخدر الذي دخل جسدها وكان تأثيره قوياً، فتملك من جسدها ولن يتوقف الألم حتى تحصل على مخدرات مماثلة له، عندها سيتوقف وسيكون الأمر تعقد بكثير وقد تصل لحالة الإدمان وينتهي أمرها بمصحة عقلية. لا يعلم أن كان المخدر قوياً حقاً أم أنها هي من جسدها ضعيف واستوعبته أضر بها لهذا الحد. كان حزيناً وهو يراها تتجاهله من بين بكائها، إلى أنه لا يرد عليها، يلتزم الصمت فقط. فهو لن يوقف الألم ويعالجه بالأسوأ ويدخل السم إلى جسدها ويصبح علاجها في كل مرة تتألم فيها وتكون مدمنة بسببه. أنه يفعل الصواب، كانت معالم وجهه باردة بينما هو مشتعل غضباً.
"أوعدك أن من فعل بك ذلك سأجعله يدفع الثمن غالياً." مسح بيده على شعرها ويضمها إليه وهي تبكي، تحاول أن تتغلب على ما هي فيه وتتحلى ببعض القوة وأنها تقدر على ذلك الألم، لكن كلما يمر الوقت يزداد ألمها أكثر ورغبتها في إيقافه تلح. حتى قواها قد بدأت تخور وتتلاشى. "ابتعد." قالت ذلك لتردف وهي تحسم الأمر: "لم أعد قادرة، سوف أتصرف." دفعته بعيداً عنها. أمسكها يمنعها ويقول: "لا تفعلي ذلك، سينتهي ألمك قريباً، بقى القليل." هتفت
به بغضب شديد وهي تقول: "أنت لا تعلم شيئاً، ابتعد." أفلتت يدها وذهبت لتجده يقف أمامها. لم تغيره اهتمام وابتعدت عنه، لكنه أمسك يدها. "أتركني." ليشتد عليها ويسحبها معه. حاولت إبعاد يده لكن قبضته أقوى منها بكثير، وأدخلها إلى غرفتها. نظرت له لتجده يقفل الباب ويقف عنده. اقتربت لكي تفتحه، لكنه أمسك يدها ودفعها ببرود. اعتذرت ونظرت له قالت: "ابتعد من وجهي." "لن تذهبي إلى أي مكان." اقتربت منه تبعده لكن لم يتحرك من مكانه.
هتفت به بغضب وبكاء: "أيها الوغد دعني أذهب." كان واقفاً بثباته، فلا يريد أن يتركها تدمر نفسها، يشعر بأنها مسؤليته ولا يجب عليه أن يتركها. نظرت له بحنق، فعلم أنه لن يستمع إليها. سارت في الغرفة ذاهبة وإيابة تمسك رأسها. توقفت لتنظر له وتقول: "لماذا تمنعني؟ ألم تكن تتواعد لي على الكف؟ ألم تقل أنك ستندم؟ ها أنا أمامك الآن، اتركني أذهب."
لم تجد منه أي رد. ذهبت بعدما قد أصابها اليأس. جلست على الأرض، ضمت ركبتيها لصدرها وذراعيها تعقدهما وتتحسسهما. "كيف أصبحت هكذا من يوم واحد؟ لا فرق بيني وبين المدمنين منذ شهور. ما هذا الضعف؟ نظر لها "كاسبر" وهي جالسة على الأرض تتحدث إلى نفسها بتوهان وقهر. سار تجاهها، وقف عندها، جلس على ركبتيه مقابلها. نظرت له قالت: "قيدني." تعجب من طلبها له. لتردف: "لا تصغِ إلي وتدعني أذهب بحماقتي التي ستأخذني للجحيم."
"لم أكن لأفعل هذا." نظرت له بشدة، اقترب منها، مسح وجهها بحنان ثم ضمها وهو يقول: "ستكونين بخير." لتبادله العناق بقوة وكأنما تود اختراق أضلاعه، تدفن وجهها به وتقول: "لا تتركني أو تبتعد عني مجدداً." "سوف تندمين على هذا الكلام لاحقاً." قال ذلك بمزاح، لتنفي وهي تقول: "لم أندم على شيء في حياتي سوى خسارتك."
ابتسم ابتسامة خفيفة، فعلى الرغم أنه لا يفهم كلامها ومستغرب من ثقتها به، فهي لا تعلم شيئاً عنه وإلى حد ما ممكن أن تهلع لحقيقته. ظل يحتضنها حتى هدأت ولم يعد يسمع صوت بكائها أو برودة جسدها. نظر لها وجد عينيها مقفلتين، علم أنها نامت من الأرق، فقد أجهدت كثيراً. حملها ليجدها متشبتة به، وضعها على السرير. نظر إلى يدها التي تمسك ملابسه بشدة وكأنها لا تريده أن يبتعد عنها، وهو الآخر لم يكن يريد ذلك، لكن وجوده خطأ وخطر عليها.
في الصباح التالي، فتحت "أفيلا" عينيها. جلست، نظرت حولها وتذكرت البارحة وكيف كانت. لم تكن مصدقة أن الصباح طلع عليها بخير. وقفت، خرجت من غرفتها لتشرب بعض الماء، لتقع عيناها على "كاسبر" الذي كان نائماً على الأريكة مستلقياً ويضع ذراعه خلف رأسه، كوضعيته التي تعرفها وتزيده جاذبية.
سارت تجاهه، اقتربت، جلست على ركبتيها مقابله وهي تتذكر سبب وجوده هنا، فكيف كان يمنعها البارحة من إلقاء نفسها بالهاوية. فقد رأت قلقه واهتمامه لأمرها. قربت يدها برفق وحذر من شعره الأسود. ابتسمت وهي تنظر له. وقفت وذهبت إلى غرفتها. فتحت الخزانة، أخذت ملابس لكي تتحمم، لكن توقفت فجأة. نظرت إلى نفسها وإلى ملابسها لتنصدم. "هل كنت هكذا البارحة؟
قالت ذلك تخاطب نفسها. تدفقت الدماء لوجهها، أقفلت عينيها بضيق وخجل، أقفلت الخزانة وذهبت. خرجت من حمامها وهي تعقد شعرها بطوق. سمعت صوت "كاسبر" من الخارج: "اذهبوا أنتم، سألتحق بكم." خرجت وجدته واقفاً، وكان قد انتهى من مكالمته وذاهب. نظر لها. قالت: "هل ستذهب؟ أومأ لها إيجاباً. اقتربت منه ثم قالت: "ابق قليلاً.. ماذا إن حدث كالبارحة؟ لن أستطيع أن أهاتفك، سيأخذني ضعفي بارتكاب أكبر فعل غبي."
"لن يحدث شيء لكِ.. سأذهب أتمم أمراً وأعود." "سوف تتأخر." نفى ذلك بابتسامة هادئة ثم ذهب. وكانت عيناها تتابعه لتجده يتوقف وينظر لها يقول: "كيف معك رقم هاتفي؟ نظرت له بشدة ومن سؤاله قالت: "مازن.. أنه من أعطاه لي حين طلبته بسبب إصابتك." أومأ لها بتفهم ولم يعلق. ثم ذهب. لتطالعه وهو يغادر، فهي تشعر وكأنها في حلم لا تريد الاستيقاظ منه. فظنت أنها لن تحصل على السعادة من جديد. لكنه عاد وأعاد معه سعادتها.
في غرفة، كان "كاسبر" جالساً ورجاله حوله، وكان رجل يرتدي بدلة سوداء، وكان المدير والنادلين وكل من يعمل كان واقفين أمامه خافضين وهم في هالة من الخوف والارتباك من وضعهم ومن ذاك ومن هؤلاء الرجال منه، ولا يعلمون ماذا يحدث. ليتقدم المدير وهو يتحدث: "اعذرني أيها السيد، هل يمكنني أن أعلم ماذا يحدث ولماذا أردت جميع العاملين هنا؟ ليرمقه "كاسبر" نظرة آخرسته خوفاً ولم يتحدث ثانياً. ليعود بأنظاره إلى العاملين أمامه.
"من يومين جاءت امرأة لهنا وطلبت عصيراً... لكن اتضح أنه لم يكن عصير فقط." قال ذلك ببرود ثم وقف وأضاف ساخراً: "كان به مخدر، هل تفعلون ذلك عادة وتخلطون أشياء إضافية؟ نظر لهم وأردف قائلاً بجمود: "بإمكاني معرفة الفعل، لكني أعطيه عمراً جديداً بأن يعترف من تلقاء نفسه. من فعلها؟
كانوا خافضين رؤوسهم ولا يتفوهون بأي كلمة. وكان النادل التي كانت صاحب تلك الفعلة يختبئ بينهم ويلعن نفسه لأنه طاوعها وأخذ المال. فهل سيكون مالاً مقابل ثمن حياته؟ كان يحاول إظهار الثبات حتى لا يكشف. "بدأ صبري بالنفاذ، وقتها لست مسؤولاً عما سيجري لكم." لا يزالون في صمتهم مرتعين ولا يفهمون. "كما تريدون."
وفور انتهاء ما قاله، سمعوا صوت أسلحة. نظروا لتتسع أعينهم بصدمة حين وجدوا رجاله، كل منهم يمسك مسدساً ويشير عليهم، ليصيبهم الذعر مما هم فيه. قال المدير وهو مرتعب: "لحظة يا سيدي، بالتأكيد يوجد خطأ ما.. لماذا لا نرى الكاميرات؟ بالتأكيد سجلت كل شيء."
لم يعيره "كاسبر" أي اهتمام، وكأنما هوايته رؤية من يرتاعب منه. أنه لا يحب التساهل، فبإمكانه أن يفعل ذلك قبل أن يقف هنا الآن، لكنه يريد أن يراه يرتجف أمامه ويأخذ بثأر "أفيلا" فتذكر ما كانت عليه البارحة يشغله غضباً. "ثلاث ثوانٍ ثم تتصاعد أرواحكم لخالقكم." لتتسع مقلتا أعينهم ويرتجفون خوفاً، وينظرون لبعضهم، من الذي بينهم فعل تلك الفعلة؟ "واحد."
قال ذلك، فقام رجاله بتعمير أسلحتهم. ارتعبوا من ما يرونه، والرجل يتعرق بشدة ويرتجف. "اثنان." ليضع إصبعهم على الزناد يعلنون إطلاقهم، لكن صاح الرجل يوقفهم بقول: "أنا... أنه أنا من فعلت ذلك. نظر الرجال لـ "كاسبر"، فخفّضوا أسلحتهم طوعًا. زفر الجميع وأخذوا أنفاسهم بارتياح لأنهم نجوا. سار "كاسبر" تجاهه، فنظروا إليه وابتعدوا عنه بخوف ليجدوه يقترب منهم. كان الرجل ساقاه تصطكان ببعضهما خوفًا، ليتحرك لسانه أخيرًا وكأنه
في حالة من التشنج ويقول: "أعتذر سيدي، لم أكن أعلم أنه يكون مخدر سيضر بها. ظننته شيئًا عاديًا لـ... ولم يكمل كلامه حتى تلقى لكمة قوية على وجهه جعلته يترنح على قدميه أمامه. أمسك وجهه بتوجع ليجد دماء تسيل من فمه بغزارة. اقترب الرجال منه ليوقفوه رغماً عنه، فوقف وهو مطاطئ الرأس. قال "كاسبر" بهدوء مخيف: "من طلب منك ذلك؟ كان مرتعبًا ولا يستطيع التحدث، خائفًا من الذي يقف أمامه والذي أقحم نفسه به.
أخرج "كاسبر" مسدسه من بنطاله وسرعان ما قام بتعميره، ليمسك بالرجل بقوة ويده الأخرى التي بها المسدس عند رأسه، لترتجف عيناه وهو يطالعه بارتعباب. قال: "لا أعلم صدقني... كانت امرأة من بينهم هي من طلبت مني ذلك، لكنني لا أعرفها ولا لي علاقة بها." تعجب كاسبر، فهل قال امرأة هي من قدمت له؟ فهل ذلك بـ"أفيلا"؟ "أعطتني مالًا مقابل أن تضع لها في عصيرها شيئًا، لكن لم أكن أعرف أنه مخدرات."
تحولت ملامحه لبرود، ليركله بقوة. عاد للخلف وارتطمت بالجدار ووقع. شعر بألم شديد ليجده يقترب منه. ارتجف واعتدل على الفور، ومن شدة خوفه قام بتلويث ملابسه وهو لا يعي بنفسه. "إن كنت تكذب، ستكون الجاني على نفسك، وكل أحد قريب منك سيلقى مصيرك." أومأ برأسه بخوف، ومن شدة ارتعابه قام بتبليل ملابسه وهو لا يعي بنفسه. بينما "كاسبر" يطالعه، فهذا ما أراده، ولا يزال لم يشبع غليله. نظر إلى المدير الذي خاف من نظرته. "أين التسجيلات؟
"سأحضرها على الفور." قال ذلك بسرعة وهو يركض من أمامه، ينفذ بجلده لينفذ ما طلبه. جاء وهو معه الحاسوب المحمول به التسجيلات، قام بتشغيله له في اليوم التي كانت "أفيلا" فيه هنا بالتوقيت المحدد ورأى ما حدث. فكانت بالفعل تتصرف على طبيعتها وليس بسذاجة كما كانت عليه، ثم وقفت وكانت تدور ليجد "عمر" يقترب لكي يمسك بها كي لا تقع، فترتمى عليه. اشتعلت عيناه غضبًا من رؤيتها قريبة منه.
قام برجاع الفيديو للوراء ثم توقف عند النادل وهو يحمل المشروبات، وأوقفته فتاة كانت تعطي ظهرها للكاميرا. نظر بتدقيق، وجدها تضع كبسولة في عصيرها، ثم دعته يذهب. جمع قبضته بغضب، كونها امرأة فيكون اقتصاصه منها هينا. وقف وذهب بجمود ليلحق به رجاله. نظر له الجميع وهو يغادر، وهاله الخوف تزاح من عليهم، لنظروا إلى الرجل بغضب وقرف وهو على الأرض، فلقد سبب لهم في كل ذلك.
خرج، ليفتح الرجال له السيارة. دلف ليذهبوا وهم لا يعلمون ما يفكر بهم سيدهم. في المساء، كانت "أفيلا" لا تزال جالسة تنتظر "كاسبر" وهي متضايقة، فلقد تأخر كثيرًا. سمعت رنين هاتفها، فوجدته المتصل. ردت عليه وهي تقول: "أين أنت؟ لماذا تأخرت؟ "انزلي." تعجبت، قالت بتساؤل: "هل أنت بالأسفل؟ "أجل." "حسنًا." أقفلت الهاتف، دخلت لتبدل ملابسها. ارتدت فستانًا ورديًا وجاكيت جينز ثلجي وجمعت شعرها. بعدما انتهت، ذهبت.
كان ينتظرها بالأسفل، ومن ثم وجدها تخرج من العمارة. كانت جميلة. اقتربت منه، كانت سوف تتحدث، لكنه أشار لها على السيارة. نظرت له بتعجب، فدلفا الاثنان ثم ذهبا. "هل هناك شيء؟ قالت ذلك بتساؤل، فرد عليها وهو يقود: "لا." "إلى أين نحن ذاهبون إذا؟ "المخفر." نظرت له بشدة، قالت: "لماذا؟ "ألا تريدين معرفة من فعل بك هذا؟ "بالتأكيد أريد أن... صمتت لتقول بإستدراك: "لحظة، هل عرفت؟ لم يرد عليها، فعلمت أنها محقة.
"لم أتصرف بأساليب، بحكم أنها امرأة. لكنك لديك القدرة بالاقتصاص منها كيفما تريدين." قال ذلك ببرود، بينما هي انصدمت، فهل قال امرأة؟ فهل من فعلت بها ذلك من بني جنسها؟ نظرت له، فهو بحث عن الأمر من أجلها. ابتسمت، اقتربت لتقول بمكر: "لماذا علمت؟ هل يهمك هذا الأمر؟ نظر إليها من ابتسامتها واقترابها منه، فأوقف السيارة فجأة. انفزعت، لتجده يقترب منها. نظرت له بتوتر، وجدته يقترب أكثر. "ماذا هناك؟ "تبدين جميلة."
اتسعت عينها لتتدفق الدماء وتحمر وجنتها خجلًا مع عيناه التي تثقبها. ابتسم من شكلها، ابتعد عنها ليعود للقيادة، بينما "أفيلا" أدارت وجهها بتوتر لترتسم ابتسامة على وجهها. توقف عند المخفر، ليترجلوا ويدخلوا. كانت تنظر له باستيعاب، فكيف يدخل مخفر بين الشرطة دون أن يخاف؟ ألهذا الحد لا أحد يهاب من أحد ولا يستطيع الاقتراب منه ما يسمى القانون.
دخلا إلى مكتب شرطي جالس، عندما رآهم وقف على الفور وأشار لهم بالجلوس بترحيب واحترام. تعجبت "أفيلا" من رد فعل الشرطي، لكن لم تتحدث. جلسا، ثم نادى الشرطي على أحدهم وقال بصيغة الأمر: "أحضرها لهنا." أومأ له برأسه بالطاعة وذهب. نظرت "أفيلا" لـ "كاسبر" بعدم فهم، ثم سمعت صوت أنثوي غاضب من الخارج يتقدم منهم، ليفتح الباب. نظرت وتفاجأت حين وجدته قد عاد ويمسك "هدير" وهي غاضبة وتهدد. ثم ابتعدت عنه وقالت: "كيف تمسكنى هكذا؟
ألا تعلم من أنا ومن يكون أبي؟ التفتت، نظرت إلى "أفيلا" و"كاسبر" والشرطي، لتتفاجأ من رؤيتها. قال الشرطي لها: "تعلمين من تكون؟ وكان يقصد "أفيلا". ردت بغير مبالاة وضيق: "أجل... هل أحضرتموني لهنا كي أتعرف عليها؟ "لا، إنك متهمة بقضية مخدرات." اتسعت عيناها بصدمة. سمعوا طرقات على الباب، ليسمح بالدخول، فدخل رجل في الأربعينات يرتدي زي رسمي. "أنا المحامي الحاضر عن موكلتي 'هدير إبراهيم'." "ابتعد من وجهي حتى لا أخسر عملك."
سمعوا ذلك الصوت في الخارج، ليفتح الباب ويدخل رجل يبدو عليه الوقار بشعره الأبيض. اقتربت منه "هدير" بحزن، قالت: "أبي، لما تأخرت؟ لقد وضعوني بالحبس مع المجرمين." ليتمغص وجهه، نظر إلى الشرطي، لكن وقعت عيناه على "كاسبر"، ذلك الرجل الجالس بوجه بارد بهيبته. نظر إلى الشرطي، قال: "هل يمكنني أن أعرف ما الذي يجري وكيف تأخذون ابنتي بهذه الطريقة؟ اقترب المحامي منه وقال: "سيد 'إبراهيم'، هل تركت الأمر لي؟ غضبك لن يفيد بشيء."
نظر له بضيق، ثم صمت. فتقدم المحامي الذي نظر إلى "كاسبر"، لتبدل معالم وجهه هو الآخر، ليقول: "السيد 'كاسبر إدوارد'." نظرت "هدير" إليه باستغراب، ومَن يقصد بهذا الاسم؟ بينما "أفيلا" استغربت كثيرًا، فمن يعرفه؟ خشيت عليه، فهم بمركز شرطة. نظر المحامي إلى "هدير" بضيق من ما أوقعته به، تنهد، ثم قال: "حضرت الشرطي، أريد أن أعرف سبب إحضار الآنسة 'هدير' لهنا."
"السبب المخدرات التي بحوزتها، وليس هذا فقط. أنها قامت بوضع مخدر لإحداهن وأوصلت لجسدها تأثير قوي عليها دون رضاها، أي أنها جريمة." لتنظر "أفيلا" إليها بصدمة وتقول: "أنتِ." نظر "إبراهيم" لابنته بشدة، التي ابتلعت ريقها بصعوبة. قالت: "لم أفعلها، هذا افتراء، لا تصدقها، إنها كاذبة." رمقها المحامي نظرة أصمتتها من الورطة التي وضعتها بهم. قال: "هل يوجد دليل على ذلك؟
"يوجد شاهد قد أعطيته مالًا ليفعل ذلك، وتسجيل بفعليتها. هذا ليس بشيء سهل، إنها جريمة كاملة كما تعلن. ما معنى أن تدخلي إلى جسدها سموم كهذه؟ والذي أدخلته كان قويًا، ممكن أن ينتهي أمرها من وراء ذلك. فبحكم القضية، أنها كمحاولة قتل." اتسعت عيناها بصدمة، قالت: "ق.. قتل." نظر والدها إليها وهو يشعر بالخيبة، ليقول: "هل فعلتي ذلك حقًا؟ صمتت ولم ترد، لتشير عليها وهي تقول: "لكنها بخير، لم أكن أعلم أن الأمر كبير." "هل فعلتي هذا؟
قال ذلك بحدة، فأومأت برأسها. قال الشرطي: "هذه مخدرات، هل تدركين؟ لا مزاح في ذلك." تركها والدها، ابتعد عنها ليقترب من "كاسبر" وهو مطأطئ الرأس خجلًا، قال: "أعتذر نيابة عنها." لتنصدم "هدير"، فهل ذلك والدها الذي يهابه الجميع؟ أنه يهاب الآن رجل يصغره بالكثير، ثم إنه عليه أن يعتذر لـ "أفيلا" صاحبة الشأن وليس هو. لتجده ينظر لها ويقول: "أتمنى أن تسامحيها." نظر "أفيلا" له، ومن نبرته اقترب المحامي وقال:
"السيد 'إبراهيم' سيعوض قدر الإمكان لنحل الأمر وديًا." "هل ترى ذلك؟ قال "كاسبر" ذلك ببرود، فتوتر بسبب ما قاله. "لم أقصد الإهانة البتة أو التقليل منك، أعتذر إن كان كلامي قد خرج بطريقة خاطئة. لكنها نادمة على ما فعلته وبالتأكيد لم تقصد." لم يعلق على أيًا من كلامه، فعن أي ندم يتحدث؟ إن لم تكن امرأة لطبق أساليبه بدون أدنى رحمة، لكن لا يريد فعل ذلك أو إخافة "أفيلا" منه. تدخلت "هدير"، اقترب منها وهي تقول: "أفيلا، اعتذر."
نظر لها من نبرته الراجية وغرورها الذي تحطم. "سامحيني على فعلتي الحمقاء بحقك. اعتذر صدقيني، لن أكررها، سأبتعد عنك، لكن مستقبلي سيتدمر، أرجوك." كانت تنظر إليها، ليقف "كاسبر" ويمسك بيدها. نظروا إليه، وجدوه يذهب. ضاقت ملامح المحامي بضيق، ونظر إلى هدير، فهي من فعلت بنفسها ذلك. نظرت "أفيلا" إليها، كانت خائفة بشدة وترجوها بعينيها وعلى وشك البكاء. خرجا من هناك وهي لا تزال تنظر خلفها. أبعدت يدها وذهبت. نظر لها باستغراب.
"ما هذا الذي فعلتيه؟ مخدرات.. بحوزتك تلك الأشياء." هتف والدها بوجهها بغضب، وهي نادمة. قال المحامي: "ما علاقته بها؟ "إنه زوجها." قالت ذلك وهي تبكي، لتتسع عيناه، يقول: "ولم تجدي غيرها من تتلاعبين بها كعادتك؟ تلك المرة ألقيت بحتفك بسبب غرورك وطيشك. أنتِ لا تعلمين من ذلك الرجل ومن يكون، إنه ممكن أن يقلب المخفر رأسًا على عقب ونحن لا نأتي شيئًا بالنسبة له ولنفوذه." انتي عالمة لا محالة، أتمنى أن يكون الوضع عند هذا الحد.
نظرت له بصدمة. قال: هل ممكن أن يسوء أكثر من ذلك؟ أنني سأسحن وسأتدمّر. لتسقين سجنك تدميراً. قال هذا بسخرية. بينما شعرت بالخوف من كلامه. فتح الباب. نظروا ووجدوا "أفيلا". دخلت إلى مكتب الشرطي. تعجبوا من عودتها. نظر إلى "هدير" وبكائها. تنهدت. فهي لا تعلم ما تفعله. قالت: أنا متنازلة عن القضية. ليندهشوا من ما قالته وما سمعوه. قالت "هدير" ببكاء: أفيلا. تنظر إليها لتقول بتوضيح: لا أريد أن تعقبها.
قال الشرطي: هل أنتِ متأكدة من ذلك؟ أنكِ تتنازلين عن حقك. صمتت قليلاً ثم أومأت برأسها إيجاباً. بينما "هدير" في دهشتها لا تفهم شيئاً. هي تعلم أن هذه الجريمة قادرة على إنهاءها وسوف تسجن. وعندما تخرج لن يقبلها أي أحد للعمل. سوف تقضي عليها. وهي لديها الفرصة أن تأخذ بثارها من ما فعلته بها قديماً. والآن اقترب والدها منها. ابتسم بامتنان. قال: أشكرك كثيراً، لن أوفي بشكرك حتى الغد. أومأت له.
لتلقي نظرة على "هدير" ثم التفتت وذهبت. لكن توقفت حين وجدت "كاسبر" عند الباب ينظر لها. اقتربت منه. أمسكت يده. قالت: لنذهب. نظر لها وإلى الشرطي الذي كان يبرئ نفسه أمامه وأنه فعل ما طلبه منه. ذهب معها وتركهم. جيد، يجب أن تحدي الله أنها تنازلت. أتمنى أن يتنازل هو الآخر عن حقها. قال المحامي ذلك. نظرت له لم تفهم لما يتحدث عنه هو ولا يتحدث عن "أفيلا". فكيف ستهتم به بينما صاحبة الأمر سامحتها.
بينما وهو يقود كان ينظر إلى "أفيلا" التي كانت طوال الطريق تلتزم الصمت. صمت. نظرت إليه ومن نظراته. قالت بضيق طفولي: ماذا؟ لا تنظر لي هكذا، أنا أيضاً مستغربة من نفسي. ابتسم ابتسامة خفيفة عليها. وجدت أنهم تأخروا على المنزل. نظرت من النافذة. لم تكن شوارع الحي خاصتها. كانت شوارع جميلة. ثم بدأت تتلاشى ويظهر شاطئ. نظرت إليه بعدم فهم. توقفت السيارة. نزل كل منهما. قالت: ماذا نفعل هنا؟ لم أكن أريد العودة بك الآن.
ابتسمت ثم قالت بمكر: لقد قرأت أفكاري. نظر لها. ابتسمت وتقدمت. ابتسم عليها ثم ذهب ووقفا أمام شاطئ تداعب الرياح وجوهم مع نسمات باردة بذرات ماء خفيفة. كانت تنظر إلى "كاسبر" وتتخيلهم قديماً حين كانا يجلسان معاً. نظر إليها. فردت أمامه بارتباك. قالت: لما يبدو وكأنهم يعرفونك؟ نظرت له. قالت: هل يعرفك أن رجل مافيا؟ لذلك كانوا خائفين. ابتسم عليها. نظرت له. قالت: ماذا؟ هذا ما ظننته، فقد لفظ المحامي اسمك، أي أنه يعرفك.
هل أنت مشهور؟ على ما يبدو. قال ذلك بابتسامة. تعجب منه. نظر لها ليقول بتساؤل: لماذا فعلتي ذلك؟ لم أفهم. فأردف بتوضيح: لماذا تنازلتي عن حقك وأخرجتيها؟ نظرت أمامها. ابتسمت ابتسامة خافتة. قالت: لقد اعتذرت وطلبت مني السماح. ماذا عن ما سببته لكِ؟ ألم تري كيف كنتِ البارحة؟ وممكن أن يتكرر الأمر ويضر بكِ لاحقاً. أنتِ لا أدرى معنى أن يدخل جسدك هذه الأشياء وتسير في دمائك. لقد علمت أنه خطأ وكانت نادمة حقاً. الندم!
قال هذا ساخراً. ليردف: هل هذا مهم؟ صمتت قليلاً. تنهدت ثم قالت: صدقني، أنا أيضاً لا أعلم كيف لي أن أسامحها. لكن لأكون صريحة. نظر لها وينتظر ما ستقوله. أنا أيضاً أريد السماح من أحد. لذلك عندما رأيتها تخيلت نفسي. تخيلتني وأنا واقفة أمامه نادمة وأعتذر له وأطلب منه السماح والمغفرة. لكن حرمة كبير. فممكن أن يشفع لي ما فعلته اليوم عند الله ويجعله يغفر لي. نظرت إليه. كان غير متأثر بأي ما سمعه.
قالت: ماذا عنك إذا ارتكب شخص ما خطأ بحقك ونادم عليه كثيراً ويريد السماح، ماذا ستفعل له؟ ستسامحه وتنسى أم؟ نظر لها. فصمتت ولم تفهم نظراته. إلى أن عيناه تشع قسوة. ليقول: لا أعتقد أن هناك من أخطأ معي. وإن حدث.. فأنا لن أتركه. أردف قائلاً بجمود: لأني لا أسامح أو أعفو عن أحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!