قال "عمر" بابتسامة: أشكرك لأنك طلقتها. فلقد كان العائق لرغباته أنها امرأة متزوجة، ويشكره الآن أنه جعلها حرة. نظر له "كاسبر" مما قاله، وجده ينظر لـ"أفيلا" بتمعن واهتمام، وكأنه غير موجود. هنا قد استشاط غضبًا ولم يستطع التحمل. وقف، اقترب منه، أمسكه من ملابسه ودفعه بقوة للخارج، وتبعه. وقفوا بصدمة وهو ينظرون لـ"عمر"، وكان ريح قوية أطارته. ثم نظروا لـ"كاسبر" وهو يخرج، أقفل الباب وكأنما يمنع الإزعاج الذي سيتسبب فيه.
نظر إلى "عمر" وقال بتحذير: إياك وأن تطأ قدماك هذه الغرفة مجدداً. ابتسم وقال: لماذا؟ هل تشعر بالغيرة؟ نظر "مازن" لـ"عمر" وإلى ابتسامته، وكأنه ينوي موته الليلة. سار "كاسبر" تجاهه ببرود شديد، اقترب منه، وقف أمامه مباشرة. نظر له "عمر" وإلى هدوئه المخيم الذي يحل وجعه. سرعان ما تلقى لكمة قوية أطرحته أرضاً. صدم الجميع. اقترب "وجيد" و"مازن" من "كاسبر". أمسك "عمر" وجنته بتألم يتحسسها، كانت شفتاه قد جرحت وفمه ينزف. ابتسم.
استغربوا كثيراً منه. وجوده ينظر إليه ويقول: لا داعي أن تغضب لهذا الحد، فما عاد رباط بها. لكمه "كاسبر" مجدداً، وكانت أقوى عن زي القبل. تألم كثيراً ونزفت أنفه، كان فقد الإحساس في وجهه ولم يعد يشعر به. أمسكه من ملابسه بقوة وقال بحظه: أتركك على قيد الحياة من أجلها، غير ذلك لكنت ميت منذ زمن. هل تظنني خائف منك؟ نظر "مازن" لهم ونظرات أخيه التي لا تبشر خيراً. هتف بقول: "عمر" يكفي. اتركه يا "علي".
كانت "ريلا" رأت "عمر" من بعيد وهو يتعرض للضرب، ركضت إليه بخوف. كان "كاسبر" ينظر له ولا يريد أن يتقدم بفعل شيء يندم عليه، ويضع في الاعتبار أنه من أنقذه. دفعه بقوة وهو يتركه. اقتربت "ريلا" من "عمر"، جلست بجانبه بخوف وقالت: أنت بخير؟ نظر لها. قربت يدها من وجهه برفق إلى العلامة التي على وجهه بسبب الكلمات التي تعرض لها وشفتاه التي جرحت. نظر "مازن" و"وجيد" لـ"ريلا". اقترب منه وأسنده معها على الوقوف.
نظر "عمر" إلى "كاسبر" الذي يشتعل غضباً وينظر له وكأنه يريد القضاء عليه. نظر "مازن" إليه وهو ينظر لأخاه قال: أنفك ينزف ولتضع شيئاً على وجهك. كان ما زال واقفاً ينظر له. قالت "ريلا": لنذهب، هيا. أخذوه وذهبوا من أمامه. نظر "مازن" لـ"كاسبر" قال: ماذا دهاك؟ لما فعلت ذلك؟
لم يرد عليه وذهب هو الآخر، فكان غاضباً بشدة من كلام "عمر" وعن ذكره أنه طلاقه، ونظرته لها وكأنه يخبره أنه وضع له فرصة أن يقترب منها وليس هناك ما يمنعه بعد الآن. في غرفة كان "عمر" جالس بعدما أوقفه له الطبيب النزيف، كانت "ريلا" بجانبه و"وجيد" واقف ينظر له بضيق قال: لماذا كنت تتحدث معه هكذا؟ أردت إغضابه. لكنك كنت تنوي على ما أصابك من البداية؟ أجل، إغضابه ما كنت أريده.. أردت أن أستمتع مثلما فعل هو. وماذا فعل؟ لم يرد عليه.
جاءت الممرضة وفي يدها كيس طبي مثلج. أخذته "ريلا"، أمسكت وجهه برفق حتى لا يتألم، وضعته على الجانب الذي تعرض للضرب وهي حزينة من رؤيته وتتذكر كيف ضربه "كاسبر" بقسوة. نظر "عمر" إليها وهي تمسك وجهه بيدها الناعمة ويدها الأخرى تمسك الكيس وتضعه على وجهه. نظر إلى ملامحها وكانت تنظر له بحزن، وقد شعر بذلك. نظر وجيد لـ"ريلا" وكيف تهتم بأمره وقلقه عليه.
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم خرج، فكان ليس سعيداً بحب "عمر" الشديد لـ"أفيلا" وحزيناً عليه، فكان شبيهاً بالحب المميت حيث يكرث حياته لإسعادها فقط وهي لم تبادله صدق مشاركة. لكن عندما وجد "ريلا" وهي خائفة عليه وكأنها تحبه، ونظرت "عمر" لها وكأنه ينجذب إليها. كان يحل صمت بينهم. نظرت "ريلا" له، وجدته ينظر لها، توترت ثم عادت إلى ما تفعله. هل سعيد بما حدث لك؟ نظر "عمر" بعيداً ولم يرد عليها.
كان هذا ما يريده أو يرى غضبه عندما يتحدث عن "أفيلا" ويغضب وهو ينظر لها. أراد أن يعرف أن كانت تفرق معه أم لا. خاطب نفسه: ذلك الأحمق لا يزال يحبها. سمع صوت رنين هاتف، ابتعد عنها، وقف وذهب، أمسك هاتفه ونظر فيه. كان "أحمد" المتصل، رد عليه. مرحباً "عمر"، لماذا اتصلت بي؟ اعتذر لم أسمع الهاتف. لا بأس، كنت سوف أحضرك لمنزل "أفيلا" لتراها، لكنني أحضرتها للمشفى. مشفى؟ لماذا؟ هل حدث شيء لها؟ صمت قليلاً ثم قال: دخلت في غيبوبة.
أعطني اسم المشفى. دخل، وجد "ريلا" ما زالت جالسة، قال: أشكرك. وقفت، اقتربت منه، نظر لها. أمسكت يده ثم وضعت بها الكيس وقربته من وجهه ويدها فوق يده قالت: ضعه على وجهك لمدة. نظر لها وقد شرد في ملامحها. أبعدت يدها وذهبت وهو واقف ويده على الكيس عند وجهه. كان "كاسبر" واقف في الخارج عند باب المشفى. وقف "مازن" بجانبه، انتبه له لكن لم يهتم. هل طلقت "أفيلا"؟ أجل. أكان محقاً إذا؟ لماذا فعلت ذلك؟
أردف بتساؤل: بإمكانك أن تعيدها، أليس كذلك؟ نظر له "كاسبر" ببرود وذهب هو متضايق على تذكيره. ففور استيقاظ "أفيلا" سيبتعد عنها للأبد ولن يعود ثانياً إلى مصر. لم يتخيل يوماً أن ينطق هذه الجملة لها ويبعدها عنه مثل الآن. جاء "أحمد"، جلس مع "عمر". نظر لوجهه بفزع من العلامة التي عليه، وكان سيارة اصدمت به. مسك وجهه، تألم وأبعد يده بضيق قال: ماذا بك؟ اعتذر.. ماذا حدث لك؟ من فعل بك ذلك؟ لا تشغل بالك.
حسناً.. ماذا تعرضت "أفيلا" حتى تدخل في غيبوبة؟ أم بسبب أنها لا تأخذ أدويتها؟ تذكر "عمر" وهي خائفة والصدمة التي رآها بأعينها بعدما طلقها وحذرها أنه إذا رآها سيقتلها. "عمر"، أتسمعني؟ أفاق. نظر له قال: ماذا كنت تقول؟ فيما أنت شارد؟ هل ممكن أن تطول المدة؟ إن شاء الله لا، ممكن أن تفيق غداً أم بعد غد، لا تقلق. أتمنى ذلك. في اليوم التالي كان "كاسبر" بالغرفة ينظر لها ويتذكرها. وهي كانت بجانبه في المشفى واعتنت به. دخل "وجيد"
نظر له قال: هل ما زلت هنا؟ تستطيعون الذهاب، سوف أبقى معها. ألم تنم من البارحة؟ لم يرد عليه. نظر له "وجيد" وخرج. نظروا له، فكانوا مستيقظين، فلم ينم أحد جيداً من البارحة. لا داعي لوجودكم، اذهبوا. قال "مازن": هل "علي".. قال إنه سوف يبقى. قالت "ريلا": وأنا أيضاً لن أذهب. نظر "عمر" لها وأنها من البارحة هنا قال: هيا حتى أوصلك. نظرت له باستغراب، ألم يسمع ما قالته؟ نظر لها بعينيه وأشار أن تتبعه وذهب. نظرت لهم وذهبت خلفه.
وقفوا بالخارج، توقفت قالت: لن أذهب. سوف تبقين هنا كثيراً؟ وما الفرق بيني وبينك؟ إنها صديقتي، لا يجب أن أتركها. لا أقول أن تتركيها، لكن اذهبي لمنزلك من ثم تأتي لرؤيتها ثانياً. نظرت له وأنه يهتم بها، ذهب لسيارته وفتح الباب قال: هيا. عادت "بهيرة" للمنزل مع "وجيد". نظروا لهم، اقتربوا منه قال "وليد": خير يا أبي؟ أخبرتني "بيري" عن "أفيلا" حين عدنا من العمل، اتصلت بك، لما ترد علي؟ قالت "بيري": هل هي بخير؟
نحن قلقين منذ البارحة بسبب اتصال "عمر" المفاجئ في ذلك الوقت. نظر لهم "وجيد" وذهب. تعجبوا منهم، نظروا لوالدتهم قال: إنها بخير، ادعوا لها بالشفاء وأن تفيق، إنها في غيبوبة. قال "وليد": غيبوبة؟ كيف؟ كان لديها داء السكري. نظروا لها بصدمة واتسعت أعينهم، فكيف أتاها؟ فهي مهتمة بصحتها ولياقتها، كيف جاءها هذا المرض؟ دخلت "بهيرة" وجدت زوجها جالس يضع يده على وجهه بضيق. جلست بجانبه قالت: ستكون بخير، ادعُ الله أن يشفيها.
يارب.. كنت لا أهتم بها ولا أعلم أي شيء عنها. لو لم يتصل "عمر" بي لما كان لدي علم بما هي فيه الآن. هذه هي الأمانة التي سلمها لي أخي يا "بهيرة". هذا العهد الذي قطعته عند قبره. هذه ابنتي كما اعتبرتها منذ صغرها. تركتها هكذا وهي تحتاجني. لا تحزن، سوف تفيق ونجتمع مجدداً ولن نتركها، أليس كذلك؟ تفيق فقط وسأفعل لها ما تطلبه، لن أبتعد عنها مجدداً. وصلت "ريلا" لمنزلها. نظرت إلى "عمر" قالت: أشكرك. لم أفعل شيئاً.
ابتسمت له ابتسامة خفيفة. نظر إلى ابتسامتها، لكنها اختفت حين نظرت لوجهه قالت: تشوه وجهك. قال ببساطة: لا بأس، سوف يعود كما كان ليومين. ابتسمت قالت: أليس قليل يومين عليه يا "عمر"؟ قربت يدها من وجهه، نظر لها وهي تنظر إليه وأناملها التي تلامس وجهه. نظرت له، وجدته ينظر لها قالت: أراك غداً. التفت، فتحت السيارة ونزلت. نظرت له وهي عند الباب، ابتسمت له ثم ذهبت. و"عمر" يتابعها حتى دخلت. نظر أمامه وقاد.
في مساء اليوم كان "كاسبر" جالس بجانب "أفيلا". سمع صوت هاتفه، أمسكه ونظر فيه، كان رقم غريب. قام بالرد. ..... لم يسمع أي صوت غير الصمت المعيب. تعجب حتى جاءه صوت طلقة نارية. نظر إلى الهاتف بعدم فهم، وهل أحد يمزح معه؟ بالتأكيد لا، فليس هناك من يتجرأ أن يفعل ذلك. من يتصل به يرتجف قبل اتصاله. دخل "مازن" ولم ينتبه "كاسبر" لوجوده قال: "علي"، ألن تذهب؟ أخبرتك أن تعود لمنزلك.
جئت لأطمئن عليك، فأنت لم تنم من البارحة ويبدو عليك الإرهاق. أنا بخير. نظر له "مازن" وخرج. وقف قليلاً، ألقى أنظاره عليه وهو لم يعد يفهم أن كان يحبها أو يبقى هنا، تحملت المسؤولية فيما عليه لا غير، أي مجرد إنسانية. تنهد ثم ذهب. في اليوم التالي جاءت "ريلا" إلى المشفى. وجدت "عمر" جالس على المقعد. اقتربت منه، وجدته يغمض عينيه وكان نائم. ابتسمت على شكله، جلست بجانبه. لما تغفو هنا؟
كان نائم بالفعل، فمال قليلاً حتى أسند بجسده عليها ويميل برأسه على كتفها. تفاجأت كثيراً، نظرت له وهو قريب منها ويميل عليها هكذا. وجدت نفسها تبتسم وهي تنظر إليه. فكان يجب أن يعود للمنزل وينام هناك، فيبدو أنه متعب. قربت يدها منه وهي توقظه قالت: "عمر". فتح عينيه. ابتسمت قالت: إن نومك خفيف، أُفقت بسهولة. نظر، وجد نفسه مائل عليها وقريب منها. ابتعد عنها وهو يعتدل قال: منذ متى وأنت هنا؟ منذ قليل.. اذهب لمنزلك، إنك متعب.
لم يرد عليها، فكان لا يريد أن يذهب لمنزله إلا وأن الطبيب يخبره بأنها أفاقت، وقتها يذهب باطمئنان وعدم شعور بالذنب. "هيا، كفاك جلوسًا هنا." قالت "ريلا" ذلك وهي تقف وتقول: "سوف أدخل لها، ولا أريد أن أخرج وأراك هنا." نظر لها عمر، فذهب ودخلت. كانت "بهيرة" في الغرفة، نظرت لـ "ريلا" وابتسمت لها، فبادلتها الابتسامة. ألقت عليها السلام. بعد مرور الوقت، دخل ثلاث فتيات. نظرت لهم، كانت تعرفهم،
إنهم أصدقاء أفيلا: "أفيلا" وهي "نيرا" و"أميرة". وكانت الفتاة الأخرى هي "هدير" التي قالت بتساؤل: "ما حدث لها؟ قالت "أميرة": "منذ متى وهي هنا؟ ولماذا لم يخبرنا أحد باكرًا؟ لقد عرفنا للتو." قالت "نيرا": "يكفي أنها مريضة، نتحدث بالخارج، ليس هنا." نظروا لها وصمتوا، فكان محقًا. ينظرون إلى حزنهم من رؤية "أفيلا" وهي مريضة ولا يعلمون ما أصابها، فكانت منذ يومين بأحسن حال، كيف أصبحت هكذا فجأة.
في المساء، كان الطبيب بغرفة "أفيلا" يرى إذا كان بها أي شيء، كما أخبره "كاسبر"، وأن يخبرهم لماذا تأخرت في الاستيقاظ. "هي بخير، لا داعي للقلق، فتلك غيبوبة وليست نائمة، يعني ممكن أن تكون هكذا كثيرًا. المهم تفيق. هناك من يبقى للأبد." أنصدم "كاسبر" من الكلمة الأخيرة التي سمعها. قال الطبيب: "عن إذنك." التف الطبيب وخرج. نظروا له وكأنه ينتظرونه أن يطمئنهم أيضًا.
نظر "كاسبر" إليها، وينفي أن يحدث ما سمعه، وأنها سوف تفيق وتكون بخير. فهو يعلم أنها قوية، هذا هو ما كان قد أحبه فيها... كان! ألم يعد يحبها بعد الآن؟ مرت أيام ثم أسابيع، و"أفيلا" غارقة في نومتها. كان يأتي أصدقاؤها لرؤيتها ويدعون لها بالشفاء. كانت "ريلا" لا تترك "أفيلا"، وكذلك عمر. تبقى بجانبه، الذي بدأت تدرك أنها معجبة به، بل تحبه. لا تعلم، لكن عندما تراه مهمومًا، تحزن من رؤيته هكذا وتواسيه.
كانت الأيام تمر يومًا بدون أن تفيق أو تتحرك حتى. كانوا يحزنون ويخافون عليها أكثر، والقلق ينتابهم، حيث مرت أربعة شهور دون أن يحدث أي جديد. في صباح اليوم، في الغرفة، كانت "أفيلا" مستلقية، تحرك جفنها، يعلم عودتها للواقع.
فتحت عيناها ببطء شديد. نظرت، لم تكن الرؤية واضحة بسبب قفل عينيها طوال هذه المدة، لكن لمحت طيف شخص جالس بجانبها وممسك بيدها ويرفع وجهه ينظر لها. لم تستطع رؤيته، إلا أنها علمت من يكون. أغمضت عينيها بإستسلام وعادت حيث ما كانت. بعد مرور ساعتين، عادت لفتح عينيها مجددًا ببطء. نظرت، وجدت ناس حولها. لم تستطع رؤية وجوههم. أغمضت عينيها وفتحتهم مرة أخرى ونظرت لهم، فبدأت الرؤية تتوضح. كانت عائلتها وأصدقاؤها. "أين أنا؟
ابتسموا لها وسعدوا عندما سمعوا صوتها. و"وجيد" الذي اشتاق إليها. ابتسمت "هدير". "مرحباً بعودتك لنا." قالت "ريلا": "أنتِ بخير؟ تشعرين بأي شيء؟ "بخير." قالت "أميرة": "الحمد لله." "علي." نظروا لها، من نطق هذا الاسم؟ أردفت: "أين هو؟ نظروا إلى بعضهم ولم يردوا عليها، فتضايقت من صمتهم، لكن لم تكن قادرة على إعادة سؤالها. قال "وجيد": "لنخرج حتى تستريح."
أومأ الجميع وخرج. بقيت "أفيلا" في الغرفة على السرير تستعيد صحتها وقوة جسدها التي كان مرخيًا كل هذه الفترة ولن يتحرك أي حركة، لكن أيضًا تتساءل أين هو ولماذا لم تره معهم. سألت من عينها دمعة بصمت وهي تتذكر ما حدث معها، فهل ممكن أنه لم يكن موجودًا من البداية وتوهمت وأنه غادر وعاد إلى ألمانيا ولا يعلم أي شيء عنها أم يأتي لرؤيتها؟
أغمضت عينيها بحزن شديد. دخل "عمر"، فكان قد عاد من عمله. فعندما علم الآخرون أنها استيقظت، اقترب منها، لكن تبدلت ملامحه حين وجدها تبكي بصمت. قال: "أفيلا، ماذا بكِ؟ لماذا تبكين؟ نظرت له. قال: "هل غادر؟ نظر لها، علم من تقصده بكلامها. قال: "ما زلتِ مريضة، لنتحدث بعد قليل، تكوني قد استعدتي قوتك." نظرت له بحزن وتعلم أنه يتهرب منها، هذا يعني أنها محقة في أنه غادر وابتعد عنها. خرج "عمر" كي لا يراها حزينة هكذا.
كانت جالسة، عقلها شارد، وقلبها يؤلمها من فكرة أنه ذهب وتركها. دخل طبيب ومازن. نظرت له بشدة، فالكل يعرف أين هو، فهذا أخاه. قال الطبيب: "حمد الله على سلامتك، لديك ناس كثيرون كانوا قلقين عليك طيلة تلك المدة." "مدة؟ لماذا؟ أين كنت؟ "كنتِ في غيبوبة لأربعة شهور. ستخرجين، لكن بعد أن نطمئن عليك." أومأت برأسها بتفهم. ذهب الطبيب. نظرت "أفيلا" لـ "مازن" قالت: "انتظر." وقف، التفت، نظر لها. قالت: "أين علي؟ صمت ولم يرد عليها.
نظرت له قالت: "كان هنا، صحيح؟ لقد شعرت به. أفاق لخمس ثوانٍ، رأيت شخصًا بجانبي، كان هو، صحيح؟ لم يعلم ما يقوله. تضايقت "أفيلا" من صمته. قالت: "لماذا لا ترد؟ أين هو؟ تنهد، ثم نظر لها قال: "غادر." أنصدمت، فكما توقعت. قال: "هل سافر؟ "ليس بعد." ابتسمت وكان أساريرها قد انفرجت حتى أكمل: "طائرته ستقلع بعد نصف ساعة." اختفت ابتسامتها التي لم تحول. قالت: "ماذا؟ "سيكون بألمانيا بعد نص ساعة. أنكِ متعبة، يجب أن تستريحي."
قال آخر جملة وهو يذهب. "لا يمكنه فعل ذلك." نظر لها باستغراب. جلست بتعب، أنزلت قدميها، وقفت. كانت ستقع، لكنها أسندت على السرير، تعطي لقدميها القدرة على الوقوف من جديد. سارت وذهبت إلى الباب. وقف "مازن" أمامها قال: "إلى أين تذهبين؟ إنكِ مريضة." "ذاهبة له. لن أدعه يغادر." ذهبت، لكنه أمسكها وهتف بها: "لن يستمع لكِ يا أفيلا. حاولت معه، لكنه حاسم أمر سفره بالفعل. ستجهدين نفسك على لا شيء." صاحت في وجهه بغضب قالت:
"لن يذهب، اسمعت؟ لا يمكنه. فهل ذلك بي؟ ليس من حقه أن يفعل ذلك. لقد وعدني أنه لن يبتعد عني، أنه لا ينكث وعده لي." أكملت وهي تبعده عنها: "اتركني." سمعوا صوت "أفيلا" من الداخل. دخلو وجدو "مازن" يمسكها وهي غاضبة وتخبره أن يتركها. "إنه لا يريد أن يبقى حياته هناك." "ماذا عني؟ ألست من ضمن حياته؟ "ماذا سوف تفعلين له؟ لن يستمع لكِ." "ليس لك دخل، اتركني، أنت تضيع من وقتي." قال "وجيد": "ماذا يحدث؟
نظر "مازن" إليه. فدفعته "أفيلا" بعيدًا عنها وذهبت على الفور. خرجت من الغرفة، لكن توقفت حين وجدت "عمر" واقفًا أمامها. اقترب منها. نظرت له قالت: "لا تمنعني يا عمر، أرجوك. كان غاضبًا في ذلك اليوم، لذلك لم يعلم ما يفعله. إنه لم يقصد أن يخيفني." صمتت عندما وجدته يمد يده لها بهدوء. نظرت، وجدت مفتاح سيارة. نظرت له بإستغراب. "اذهبي." لم تدرك ما يحدث، هل يخبرها أن تذهب لـ "كاسبر"؟
إنه آخر شيء توقعته منه. لقد ظنت أنه سيمنعها أكثر من "مازن"، فهو رأى ما حدث في ذلك اليوم وبدا له خائفًا عليها منه وكرهه. "هيا، أسرعي." أفاقها من دهشتها. ابتسمت له ثم أخذت المفتاح وذهبت. نظر لها "عمر" وابتسم ابتسامة خافتة مليئة بالحزن. فهل كتب أن يعلق في ذلك الحب من طرف واحد؟ مم يؤلم ذلك الشعور. لكن يكفي رؤية ابتسامتها، وهذا هو ما يريده، أن تبتسم فقط. "ماذا فعلت؟ قال "مازن" ذلك بغضب. التفت "عمر" ونظر، وجدوا ينظرون له.
قال: "فعلت الشيء الصحيح." اقترب منه هتف به: "أي صحيح هذا؟ أن تدعمها وتجعلها تذهب إليه؟ "وهل تظنها كانت بحاجة لي أو لدعمي؟ كانت سوف تذهب على أي حال. إنها تحبه ولن تقبل أن يتركها." "ماذا عنه؟ إنه قرر المغادرة. إن أراد البقاء، ابق. هل تظن أن إيقافه سوف يستمع لها؟ لقد حاولت، لم يوافق." "لتحاول هي الأخرى، ممكن أن يغير رأيه." تنهد "مازن" بضيق قال:
"أنك تعطيها فرصة لرؤيته قبل ذهابه حتى لا تنساه. أعطيتها أملًا لوهم، وعندما تراه وهو يغادر، ممكن أن تتأثر، فما زلت مريضة." "لن يحدث شيء." "ظننتك تهتم لأمرها." قال "مازن" ذلك بخيبة ثم ذهب سريعًا ليلحق بأفيلا. نظر "عمر" له ويتساءل هل أخطأ حقًا؟ وهل ممكن أنه حين يغادر لن يأتي مجددًا وقراره صارم حتى إذا منعته "أفيلا"؟ نظر لهم، كانوا يتطلعون فيه بعتاب. نظر أمامه وذهب هو الآخر. كانت أفيلا تقود السيارة بسرعة.
"لا يا علي، انتظرني، لا تغادر، أرجوك. إذا ما زلت غاضبًا مني، لماذا كنت بجانبي في المشفى؟ لماذا فور استيقاظي ذهبت وتركتني؟ لماذا تنهينا بهذه الطريقة؟ لماذا تبتعد عني للأبد؟ ضغط وزادت السرعة وقلبها يدق بسرعة خوفًا أن يغادر وهي لم تصل بعد. وصلت إلى المطار بسبب قيادتها بسرعة قصوى. ترجلت من السيارة على الفور وركضت للداخل.
نظرت حولها، كان ناس كثيرون. ذهبت يمينًا، وقفت، نظرت إلى الناس وفي وجوههم، لم تجده بينهم. ركضت ثانيًا وذهبت لمكان آخر تتطلع إلى الناس وحولها كالمجنونة. ظلت تركض ولم تمل حتى توقفت وهي لا تجده. وضعت يدها على رأسها بضيق وخوف أن يكون قد ذهب، فهي بحثت عنه تقريبًا بكل المطار. إذا فهو دخل الطائرة وهي لن تستطيع بالتأكيد أن تصل إليه إذا أصبح داخلها، وممكن أن يكون لم يأتِ بعد.
وفي لحظة صمت مهيب، تسارعت نبضات قلبها الذي على صوته، وشعرت بشعور تعلمه جيدًا. التفتت حتى وجدت "كاسبر" ورجاله يمرون ويتجهون للداخل. ذهبت إليه وكان يتقدم. "إلى أين ذاهب؟ قالت ذلك بصوت مرتفع جعلته يتوقف. كاسبر مكانه لسماع صوتها. التفت ونظر خلفه، وجدها واقفة وتنظر له. خلع نظارته السوداء التي كان يرتديها وهو يطالعها بإستغراب من ما تفعله هنا ومجيئها بتلك الهيئة، ولا يزال آثار مرضها. تنهد بضيق ثم قال ببرود:
"ألم أخبرك ألا تريني وجهك؟ لما لم تستجب لتحذيري؟ ألا تهتمين بحياتك؟ "إنك تسلبها مني بالفعل." صمت ولم يرد. أردفت: "لماذا تغادر الآن؟ تتعجب مما تقوله. نظرت له وأكملت: "لماذا لم تذهب في ذلك اليوم؟ لماذا بقيت حتى استيقظت من ثم تريد المغادرة؟ "ماذا تفعلين هنا؟ قالها بغير اهتمام لأي مما قالته. "ماذا ترى؟ بالتأكيد لن أسافر، جئت لأمنعك." تنهد بضيق ثم سمع صوت نداء لرحلته. "لا تذهب يا علي، أعلم أنك لا تريد ذلك."
"عودي يا أفيلا." قال بضيق. فنفت وهي تقول: "لتعود معي إذا. نعود كما كنا. سوف أحاول تكفير خطئي، لكن لا تتركني. لقد وعدتني." أردفت وهي تذكره: "في ذلك اليوم في سويسرا، أخبرتني أنك لن تبتعد عني، كيف تخلف بوعدك لي بهذه السهولة؟ صمت ولم يرد. تنهد ثم اقترب منها. نظرت له: "انسيني يا أفيلا." أنصدمت وأحست بوخزة أيسر صدرها. قالت: "ماذا؟ "الحب الذي بيننا لم يمت، لكن أصبح يؤلم لكلا الطرفين."
سالت الدموع من عينيها بما تسمعه منه. فهل حبها يؤلم لهذا الحد؟ أيندم على حبه لها الآن؟ "من الأفضل أن ينتهي كل شيء لهنا." "ماذا تقول؟ أنت تعي ما تقوله، أليس كذلك؟ كانت ترجوه بعينيها، لكن لم يظهر منه أي تعبير غير الجمود. قال: "سوف يكون لديكِ حياة هادئة، عيشيها مثل الباقيين. أنتِ لا تشبهيني." قال بصوت يجهش بالبكاء: "وهل تظن أن لي حياة من دونك؟ إنني لا أريد غيرك يا علي."
"سوف تقدرين أن ما أفعله هو الصواب لاحقًا حين نمضي كأية ذكرى في مخيلة الأخرى." كانت مصدومة، تصغي له وتذهب أكثر مع كل كلمة يخبرها به. "والآن عودي." قال ذلك وهو يبتعد عنها. استدار وذهب. نظرت له بشدة ودموعها تنهمر. كانت سوف تركض إليه، لكن رجاله وقفوا في وجهها يمنعونها. نظرت لهم بغضب وخنق، ثم نظرت له، وجدته يعبر الحاجز متجهًا للطائرة دون أن يتطلع بها.
أنصدمت حين أدركت أن الأوان قد فات. جثت على ركبتيها في حزنها. خفضت رأسها وتبكي بحرقة والناس يتطلعون إليها بشدة وهي تبكي. "لماذا؟ شعرت بأحد يقترب منها ويجلس بجانبها. نظرت، وجدته "عمر". قالت من بين بكائها وكأنما تشكو له: "لقد غادر... ذهب يا "عمر" وتركني. تنهد وهو يتألم، فهو الشخص الخطأ الذي يجب أن تشكو له. ألا ترى كم يتألم؟ لطالما كان يتألم من حبها له ويصمت. "إنه من اختار الرحيل، فعلتِ ما بوسعك."
"لا، إنه لا يريد ذلك، أنا أعلم." وقف "مازن" ونظر له بغضب، فهو من تسبب في ذلك. "هيا." قال "عمر" ذلك وهو يسندها، يساعدها على الوقوف. نظر لـ "مازن" وهو متضايق منه، نظر أمامه فهو يعلم أنه أخطأ. أخذ "أفيلا" وأدخلها السيارة ثم قفل الباب. قال "مازن": "أتُشعرين بالسعادة الآن؟ "لم أكن أعلم أن هذا ما سيحدث." "أخبرتك، انظري إلى ما سببته لها." "نتحدث لاحقًا." قال ذلك بضيق. فتح باب السيارة ودخل لداخل السيارة وذهب.
وهم في طريقهم، كانت "أفيلا" صامتة والدموع تسيل من عينها، الدموع بصمت بدون توقف. تتذكر لقاءهم الذي كان الأخير، وتتيقن لنفسها بأمل أن الله سوف يجمعهم مجددًا، لكن متى لا تعلم. فمستحيل أن يكون فراقهم ينتهي بهذا الشكل، بل هي لم تودعه حتى. "انسيني يا أفيلا... الحب الذي بيننا لم يمت، لكن أصبح يؤلم لكلا الطرفين. من الأفضل أن ينتهي كل شيء هنا. سوف يكون لديكِ حياة هادئة، عيشيها مثل الباقين. أنتِ لا تشبهيني."
صدر صوت نشيجها وهي تبكي، فلم تصمد وهي تتذكره. نظر لها "عمر"، وجدها تأخذ أنفاسها وصوت بكائها يعلو، وتضم يديها لبعضهم وتجرح أصابعها بأظافرها. أوقف السيارة على الفور بجانب الطريق وهتف بها: "ماذا بكِ؟ لم ترد عليه أفيلا، كانت تبكي فقط. وصوت بكائها يؤلمه. وضع يده على يديها يمنعها أن تجرح نفسها. قال: "توقفي، ألا تشعرين بيدك؟ نظر لوجهها وأردف: "لا تبكي، لا أحد يستحق أن تبكي من أجله." "طلب مني أن أنساه."
قال ذلك بشرود. نظر لها بعدم فهم. "قال أنتِ لا تشبهيني." علم أنها تتحدث عنه. تعجب، فقد رأى كم يحبها ويغير عليها، وكيف اعتنى بها ولم يتركها ولو دقيقة بمفردها. لماذا عندما استيقظت ورآها وأخبر الطبيب وجدوه يذهب وكأن مهمته انتهت؟ أبقى جنبها شفقة حقًا. وماذا يعني بأنها لا تشبه؟ هل يقصد لأنه من المافيا؟ هل ممكن أنه ابتعد عنها من أجل حمايتها وألا يدخلها إلى هذه الأشياء؟ هل ابتعد عنها رغماً عنه؟
لماذا الآن إذاً، فل طالما كان رجل مافيا وبقي معها؟ هتفت "أفيلا" بغضب: "هل علم هذا الأمر الآن؟ نظر لها "عمر"، كان وجهها أرهق من كثرة البكاء. قالت: "هل اكتشف أني لا أشبه الآن؟ لماذا لم يعلم هذا الأمر قديمًا قبل أن أحبه؟ لماذا يعطيني السعادة وقت ما يشاء ثم يسلبها مني بكل سهولة؟ لماذا دخلت هذه التجربة؟ لماذا أحببت؟ لماذا وقعت في الحب؟
أظرفت بصوت ضعيف: "إنه يؤلم كثيرًا، لم أكن أعلم هذا الأمر. لو كان لدي علم بهذا أو تجربة سابقة لبقيت كما أنا ولا أهتم بأحد. كنت قوية، لست مثل الآن. لقد أضعفني هذا الحب كثيرًا. لكني لست نادمة أني أحببته، لم أندم سوى على خسارته. الحق كله عليّ، أنا من فعلت هذا بنا." أخرج منديلًا وقربه من وجهها ومسح دموعها بحنان وهو متضايق من نفسه لأنه السبب في بكائها، ليته لم يجعلها تذهب وتراه.
"لا أريد رؤيتك ضعيفة هكذا، بل أريدك كما كنتِ قوية دائمًا. أنتِ قادرة على إسعاد نفسك بنفسك. صدقيني أنكِ تأخذين الحكمة ممن ذاق الألم والوجع واعتاد عليه." كان يتحدث من داخله. تنهد ثم قال: "سيكون صعب التأقلم في البداية، لكن حاولي أن تعودي لنا. أعلم أنكِ ستقدرين على ذلك، لكن يجب أن يكون لديكِ الرغبة بداخلك."
أما داخله يعلم أن العجز كان عنده، وهو رغبته في التخلي عن حبها كانت محالة. كانت تنظر إليه وإلى كلامه وتشجيعه ولم تعد تبكي. ابتسم، قال بمزاح: "يصبح وجهكِ أنفكِ شديد الحمار عندما تبكين." ابتسمت ابتسامة خفيفة. نظر عمر ابتسامتها وسعد. "لنسرع ونعود إليهم، إنهم قلقون عليك." ابتعد عنها وأدار السيارة وذهب.
نظرت "أفيلا" من النافذة وتذكرت المسافة الذي أصبحت بينهم وأين هو وأين هي. لطالما لم تفرقهم المسافات، لكن الآن فرقتهم مع الحواجز الذي باتت بينهم. سالت دمعة من عينها لفرط حزنها. قربت يدها من وجهها ومسحتها. "لن أستطيع نسيانك يا 'علي'...
ولا أريد ذلك. بل أريد أن أبقى أحبك مهما حييت ولا أحب غيرك. سيكون حبك داخلي، لا داعي أن يراه أحد غيري. كما استطعت فعل هذا سابقًا سأحتفظ به لنفسي. لا أعلم أن كنت سعيدًا بقرارك الذي اخترته بمفردك دون أن تعود إلي. قرارك الذي اتخذته بشأننا وأنهيتنا كما أردت أنت. لا أصح الخطأ عليك، أنا أعاتبك على ألم قلبي فقط. لكني أتمنى أن تكون بخير أينما كنت."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!