واخيراً التقينا يا "لوسيانو". اتسعت عين أفيلا من الصدمة والخوف مما سمعته للتو. أخرج حاتم القيود بينما كان كاسبر واقفاً بثبات. قال وجيد: ما الأمر؟ قال حاتم: سنأخذ رجل المافيا معنا ونذهب. قال كريم بتعجب: مافيا ماذا تقول؟ قالت بيرى: كانت مجرد لعبة. قال حاتم: عن أي لعبة تتحدثون؟ أنتم لا تعلمون بالتأكيد أن من يجلس معكم مافيا. تبدلت تعابير وجوههم لصدمة كبيرة. تدخلت أفيلا وقالت: ما الذي تهذي به؟ نظر حاتم إلى كاسبر،
واقترب منه وقال: لتتعاون معنا. ليرد عليه بهدوء: سأفعل ذلك بالفعل، لكنك تخطئ كثيراً بما تفعله. نظر له من تهديده، لكن لم يعره اهتماماً فهو ليس خائفاً منه. مد كاسبر يده إليه، وضع بها القيد وأخذه تحت أنظار الجميع. كانت أفيلا متصنمة مما يحدث، وكأن الأرض لا تحملها. هل انتهى أمره؟ هل علم الشرطة من يكون؟ ماذا سيفعلون به؟ أسئلة كثيرة تعج رأسها وتخشاها.
خرج كاسبر مع رجال الشركة. شاهدوا رجاله يقتربون منه على الفور، لكنه رمقهم بنظرة كتحذير ألا يتدخلوا أو يقتربوا خطوة واحدة. فوقفوا مكانهم، شاهدوه بصمت وهم يأخذونه ويذهبون. تحت صدمة الجميع، نطق وليد برجفة من خوفه وقال: م.. مافيا؟ أكنا جالسين مع مافيا؟ نظرت أفيلا إليه بشدة ثم ذهبت بضيق وتركتهم. نظروا لها وهي تغادر، فقالت بيرى بغضب: كيف تقول عن "علي" هكذا أمامها؟ قال كريم: لكن ألم تسمعي ما قاله حاتم بشأنه؟
قال وجيد: إنه سوء فهم. قال وليد: أبي، رأيت كيف كان يحل ألغاز المجرمين بسهولة ليأخذ تفكيراً بتفكيكها كما فعلنا نحن. رمقه نظرة أصمته وقال بحده: لا تهزأ بهذا الهراء، كانت مجرد لعبة متعلقة بالذكاء ليس إلا. أومأ بتفهم، فكان كلام والده محقاً. ***
في غرفة سوداء، كان كاسبر جالساً ومقابله حاتم، وأحد شرطيين يقفان خلف الحائط في غرفة أخرى بجانبهم وينظرون لهما من نافذة زجاجية سوداء لا يراهم أحد غيرهم. يشاهدون كاسبر وتعبيرات وحركاته بتدقيق، وإلى حاتم وما سيقوله، لينهش ردود فعل الآخر. نظر حاتم في عين كاسبر، يريد أن يرى أي خوف أو توتر أو حتى ارتباك من وجوده بين الشرطة لشخص مثله، لكن لم يجد سوى قوة ثباته والبرود الذي يجتاح وجهه. قال حاتم: من أين لك بهذا الهدوء؟
أنك بالفعل قوي كما سمعت عنك. لم يرد عليه، فشعر بالضيق، لكنه هدأ من روعه. مثله وضع صوراً أمامه وقال: أظنك تعلم هذه الصور جيداً. نظر كاسبر قربهم منهم وأردف: لتتطلع بهم وتعيد ذاكرتك. كانت لجرائم الذي افتعلها، لكن لم يبالي بالأمر وقال بكل هدوء: لا أعلم عما تتحدث وسبب وجودي هنا حتى الآن. ليرفع عينه إليه مجدداً مما جعله يغضب، وبدأ يظهر الضيق على وجهه. لكن قاطعهم فتح الباب فجأة ودخول أفيلا، وكان الشرطي يمنعها.
: اخرجي وإلا احتجزتك. قال حاتم: دعها. أومأ الشرطي برأسه وذهب وأقفل الباب. نظرت أفيلا إلى كاسبر، فهي قلقة عليه، لكنه كان بخير. أشار لها حاتم أن تجلس، اقتربت وجلست بجانبه. طالعته بتعجب من جلسته بهذا الهدوء والثقة. كيف يمكن أن يكون بهذه القوة بعدما كشف أمره، وممكن أن يسجن أو يعدم؟ وهذا ما يجعل قلبها في اضطراب من الخوف. هل تخشى عليه أكثر من نفسها؟ : أتيتِ لهنا خصيصاً له. قال حاتم ذلك، نظرت إليه،
فاكمل: أظنك لا تعلمين بحقيقته، وإلا ما لتكوني خائفة عليه هكذا. بل ستكونين خائفة منه. : وأظنك ليس من حقك أن تتحدث عن متهم مادام لم تثبت عليه التهمة. هذا سيكلفك الكثير. : أقدر موقفك يا أفيلا، فهو زوجك. : ها أنت قلت الجواب. تعجبت من ما تقصده، فاردفت: منذ يومين قلت إن من يدعى "لوسيانو" هو من أرسل لي رجل يقتلني. فهل تظن أن زوجي يريد قتلي؟ رد بكل ثقة وتأكيد: ولما لا؟ يفعلها. نظرت له بصدمة، فكيف يؤكد لها ذلك؟
هل هو خطر عليها لذلك الحد ويتوقع أن يقتلها كغيرها؟ : أريدك أن تطلعي على هذه الصور. نظرت له أفيلا بعدم فهم، وضع الصور أمامها وقال: لعلك تغيري فكرتك عنه وترى حقيقته الخفية.
أمسكتها ونظرت فيهم. كانت الصورة الأولى مخيفة جداً، من رجل مقتلعة عيناه وتغزو منها دماء. قشعر بدنها، تتسرب الرعب لقلبها. قلبت الصورة بخوف، وجدت صورة أخرى لرجل مستلقٍ على الأرض مفتح عينيه وطلقات بمنتصف رأسه فكت بأحشائه. قلبت لصورة أخرى، وجدت رجلاً مقيداً في كرسي وقميصه مليء بالدماء من كثرة الطلقات التي أصابت جسده. شعر كاسبر بالضيق، فهو لا يريدها أن ترى هذه الصور ويعلم أنها ستكره وتخاف منه حتماً.
لم تعلم أن بعد رؤيتها لوهلة شعرت بالخوف الشديد وغير قادرة على رؤية صور أخرى، وأحست بالرعب من الذي تجلس بجانبه. كأن كلامه تلاعب برأسها والصور حركت عقلها، وترى الحقيقة بعينها الأخرى وليس بقلبها. لكن لماذا هي مرتعبه منه؟ فهي تعلم حقيقته وأنه من المافيا، وتعلم ما يفعلونه، وأيضاً هؤلاء المقتولين في الصور، بتأكيد هم أيضاً من المافيا. إنه لم يقتل أحداً بريئاً، كان هذا عالمهم من البداية، ويعلمون أنه خطر ولا يوجد به رحمة.
كانت تحاول أن تبرر له بأي شكل، تحسن صورته داخلها وتتذكر حبه وألا تضعف لتلك الصور، على الرغم من رعبها. تذكرته عندما وعدها أنه لن يقتل مجدداً، وهي أيضاً وعدت نفسها أنه سيتغير. لكن هل تستطيع بعد رؤية تلك الصور التماسك منه ومن رؤيته؟ هل ستعود له كما كانت وكأنها لم ترها، أم ستخاف منه؟
تذكرته عندما كانت نائمة بجانبه ويحتضنها وتخبره أن يتغير. "في الحالتين مكاني النار، لا تقبل توبة من رجل مثلي، أنتِ لا تعلمين من أنا يا أفيلا". أكان يقصد بذلك بما كان يفعله؟ قال حاتم: إنه ليس مجرد رجل من المافيا العادية. سمعت كلامه، وكانت تمسك الصور ولا تريد ليدها أن ترتجف. : إنه من أكبر وأخطر رجال المافيا العالمية وليس في ألمانيا فقط.
لا أعلم لماذا تذكرته حين سألته أنه إذا ابتعد عن المافيا ممكن أن يتأذى. أخبرها بكل الثقة أن لا أحد يستطيع فعل ذلك. هل كان ثقته بسبب مكانته بينهم وخوفهم منه؟ فكما قال من أخطر رجال المافيا العالمية. مع من وقعت؟ إنها لم تتوقع ذلك.
: لقب "لوسيانو" لقب كتعظيم له يعني المحظوظ. لا أحد يستطيع الإيقاع به أو الإمساك عليه أي غلطة واحدة من جرائمه العديدة، غير سجله في ألمانيا نظيف بالكامل. لكن مقدر أن يأتي لمصر ويكشف هنا، يكشف أكبر رجال المافيا. تنهدت أفيلا، وضعت الصور على المنضدة، نظرت له وقالت: لا يوجد دليل. نظر كاسبر إليها، من تحدثها؟ قال حاتم باستغراب شديد: ماذا؟ : أين دليلك على أنه من فعل ذلك؟ : الصور أمامك، ألم ترَ حقيقته بعد؟
أنك وقعت مع وحش لا يعرف الرحمة، الدماء تحوم حوله وسيغرقك معه. تضايق كاسبر لأنه يدفعها نحوه لتكرهه، فقال: انتبه لكلامك جيداً وركز على عملك فقط. نظر له حاتم من تحدثه ونبرته المخيفة وكأنه يحذره، قال: هذا هو عملي. : أنك تخلطه بدوافعك الشخصية.
وكان يقصد مشاعره تجاه أفيلا. كاد أن يتحدث، لكن رن الهاتف الذي بالغرفة، فصمت. أمسك السماعة ورد، وتبدلت ملامحه. نظر إلى كاسبر، أغلق ثم فتح الباب ودخل رجل يعلو شأنه. فوقف بثبات فور رؤيته وأعطاه تحية خاصة لأهميته. : أهلاً سيدي، لم أبدي تقريري لزيارتك بعد. تحدث الرجل بصيغة الأمر: أين المفتاح؟
نظره له بعدم فهم، ثم علم ما يقصده رئيسه. أخرجه وأعطاه له، فأخذه منه وذهب إلى كاسبر الذي كان لا يزال جالساً. نظرت أفيلا إليه وانصدمت عندما وجدته يفك قيده ويقول: نعتذر عن سوء الفهم. لم يرد عليه، بينما كان بارداً. قال حاتم بصدمة: سيدي ماذا يحدث؟ التفت وقال: أصلح الخطأ الذي تسببت فيه. : ليس خطأ، إنه لوسيانو. : أعطني دليلاً بأنه هو. : الدليل موجود.
ذهب. نظرت أفيلا إلى كاسبر وإلى قوته في جلوسه، حتى أنه لم يقف عندما اقترب الرجل منه مثلها هي وحاتم. جلست وهي تتطلع به، ثم عاد حاتم وخلفه شرطيان يمسكون الرجل الذي حاول قتلها. اتصدمت. أجلسوه أمامه، لكن الرجل عندما رأه ارتعب وارتجفت أطراف جسده. : من هذا؟ قال حاتم: هذا الدليل، إنه منهم ويعلمه جيداً. انظر. قام بإظهار رقبته، فظهر وشم غريب.
: ذلك الوشم لمتبعي المافيا الخاص، وهذا واحد من يتبعهم وهو من أخبرنا أنه بمصر ودلنا عليه. نظر كاسبر له، ثم نظر للرجل لقوله ذلك الكلام، بينما خاف كثيراً عندما ذكر حاتم الكلام الذي تقوم به له أمامه. : أخبرهم أن هذا هو "لوسيانو" الذي حدثتني عنه. صمت الرجل ولم يتحدث. نظر رئيسه إليه، اقترب منه قال: تكلم.
لم يكن يفتح فمه كالمقيد وهو يجلس أمام كاسبر، وأعينهما تثقب الآخر. تتمنى أفيلا ألا يتحدث، أن يتوقف الزمن من الخوف الذي يحل عليها. شعر حاتم بخوفه، فقال: لقد قطعت لك وعداً أن أحميك. لا تخف، أنت في عهدتي. نظر رئيسه إليه من ما يحاول فعله ولماذا لا يتحدث، وكان يضغط عليه والرجل لا فمه مطبق وكأن شريط لاصق يمنعه التحدث.
صمت الجميع ينتظرون كلمة ذلك الرجل، وهو كان مرعباً، وفي لحظة خرج من جيبه كبسولة، وضعه في فمه. ركض حاتم إليه سريعاً، فتح فمه، لكن قد ابتلعها بالفعل. وصل المفعول لجسده. لم تكن أفيلا تفهم، وجدت جسد الرجل يرتعش ولون بشرته يتغير. يهتم برعشات غريبة ووجهه يشحب وشفتاه تتحول للبنفسجي الخافت، لتجده شيئاً يسيل من فمه. أمسك كاسبر يده، سريعا أخذها، وقف بعيداً وضمها إليه وهو يعطي ظهره لهم كي لا ترى شيئاً.
صرخ حاتم بغضب بإحضار طبيب، يمسك الرجل ويفهمه بقوة. : لا تمت.. أسمعتني؟ فهذا أمله الوحيد. وقع الرجل على الأرض وجسمه يهتز ومادة بيضاء تخرج من فمه حتى ارتخى جسده. *** جاء رجال الشرطة ركضوا ورأوا الرجل مستلقياً على الأرض ومتثمم، وحاتم بجانبه يجس نبضه بأصبعيه، فاحتّل وجهه الضيق، وضع يده على عينيه وأقفلهم، معلناً موته.
كانت أفيلا خائفة بشدة، تريد أن ترى ما يحدث خلفها. تريد إرضاء فضولها الذي ينهشها. لكن كاسبر يمنعها باحتضانه لها. يضع يده على خلف رأسها، وهو يضمها يمنعها من الالتفات. : "علي" ماذا يجري؟ تحركت، لكنه منعها وقال: لا يوجد داعٍ لأن تري يا أفيلا، انتظري لنخرج من هنا. ثبتت ولم تتحرك. نظر حاتم إلى كاسبر بحنق، وكيف جعل شخصاً يقتل نفسه لمجرد رؤيته. نظر لرئيسه الذي كان يطالعه بغضب من الموقف الذي وضعه بهم.
اقترب من كاسبر وقال بأسف: نعتذر لك بشدة، أتمنى أن تقبل اعتذاري. قال حاتم: لكن سيدي.. نظر له بحدة ليصمت مطيعاً لأمره. عاد إليه وقال: يمكنك الرحيل، سنوصلك بأنفسنا. : لا داعي. قال كاسبر ذلك، أخذ أفيلا وخرج، ولا يزال يمنعها الرؤية، فكانوا يحملون جثة الرجل. خرجوا من المخفر، وجدوا العائلة واقفة في انتظارهم. قال وجيد: ماذا حدث؟ صمتت أفيلا قليلاً ثم قالت: كان سوء فهم. قال كريم بتساؤل: كيف خرجت بهذه السرعة؟ نظروا إليه،
فأردف بتوضيح: أقصد أنك لم تبقَ حتى ليوم واحد، بل خرجت في ذات الوقت. قال وليد: معارف "علي" كثيرة، لا تستهين به. كانت أفيلا تعلم صدق كلامهم، فهي أيضاً لم تكن تعلم أن نفوذه عالية هكذا، ولم تنسَ كيف رئيس حاتم يحترمه واعتذره منه مرتين، حتى أنها لوهلة شعرت... شعر بأنه خائف منه. قال وجيد: "لما تقفون؟ هيا، كل منكم لنعد لأدراجنا."
كان رجال كاسبر واقفين في انتظاره. فتحوا له السيارة. نظر إلى أفيلا، لا يعلم هل ستأتي معه أم خائفة منه ككل الجميع. لم يجبرها على الذهاب معه خصيصًا بعد ما حدث. خيرها بين العودة معه أو أن تعود بمفردها. لكن وجدها تدخل دون النظر إليه. صعد ليغلقوا الباب ويغادروا. نظر إليها من صمتها. كانت محقة في ذلك، فما رأته لا يُنسى. كان ينوي أن يأخذها معه للمنزل، لكن يجب أن تبقى بعيدة عنه تلك الفترة.
كانت أفيلا في عالم آخر. تذكرت الرجل والشئ الذي وضعه في فمه، من ثم تحول لونه وسار يرتجف. لم ترَ ما حدث بسببه، وكأنه لم يُرِد أن يُريها شيئًا سيُغلق في ذاكرتها. فأخذها بعيدًا بسرعة وأعطى ظهرها لذلك المشهد منعًا لها أن تراه. في مكتب حاتم، كان واقفًا بثبات ورئيسه أمامه في أوج غضبه. "ارتكبت خطأ شنيعًا بهذه الفعلة... خذلتني بك يا حاتم. إن ملفك يثبت كونك رجلًا كفؤًا." كان صامتًا احتراما له ولا يقاطعه.
"لكن اليوم الثقة أخذتك... أرجو أن يكون الرجل تقبل اعتذاري ولم يتخذ موقفًا بسبب ما حدث اليوم. ماذا كنت تفكر؟ أتريد أن يحدث أزمة دبلوماسية؟ ألا تعلم من يكون هذا؟ إنه إحدى أكبر رجال المانيا. شركاته يعلمها الجميع وتتميز بالسمعة الجيدة، كيف تتهمه بأنه رجل مثل لوسيانو؟ "لو لم يقتل ذلك الرجل نفسه لعلمت يا سيدي ما أعلمه. أنا متأكد أنه هو." "أين بقيت شهودك؟
"حين جاءت الفرصة له بأن يخبرنا طلب مني أن أكون بمفردي. لم يكن هناك أحد معي وأخبرني بكل ما فعلته عن المافيا الألمانية. إنهم الآن داخل مصر." "يكفي، لا أريد سماع هذه الخرافات. ستقل رتبك عقابًا لك." "حسنا سيدي." ذهب وتركه في بحر أفكاره. جلس بضيق شديد. "إنك لست سهلا حقًا. لقد كنت أحمق أمامك. تعلم أنك ستخرج منها وأنت جالس بارتياحية."
في الصباح عند الشروق بألمانيا، نزلت ريلا باكرًا من العمارة وهي ترتدي ملابس رياضية. تضم شعرها لفوق بطوق وتركض بالجوار وتسمع موسيقى. أثناء ركضها، تفاجأت كثيرًا عندما وجدت عمر يركض بجانبها يرتدي جاكت أسود ويفتحه قليلا وبنطال رياضي أسود. نظرت إليه بشدة، خلعت السماعة من أذنها وهي تطالعه. نظر لها، قال: "أتركضين باكرًا هكذا كل يوم؟ "كيف أنت هنا؟!
"شعرت بك فوجدت قدماي تأخذني لهنا. كنت في مصر أكتفي بالنادي الرياضي ولم يكن باكرًا كالآن." ابتسمت وقالت: "أنا السبب إذا." "أجل، لكن لا بأس، أحببت الأمر وأنا معك." "حقًا؟ لتعود حيث ما جئت. ما زلت لا أصدق أنك في ألمانيا بعد." قال بجدية: "لن أتركك." نظرت إليه وتقابلت أعينهما لتشرد قليلا. أفاقت عندما سحبها عمر بقوة واصطدمت بجسده. نظرت له ثم نظرت لمكانها. وجدت شاحنة مرت، فكانت قد خرجت على الطريق. "أنتِ بخير؟
أومأت إيجابا إليه. أدرك قربها منه، يضمها بذراعيه ويقول: "الجو بارد هنا." نظرت إليه بشدة، قالت: "عمر." همهم بمعنى نعم. ابتعدت عنه، وجدته يبتسم. قالت: "ماذا؟ "لا شيء." "علي الذهاب." "لا أعلم شيئًا هنا، كيف تتركينني هكذا؟ توقفت، نظرت له، فهي تعلم أنه يستطيع العودة، فهو ليس طفلًا. قالت: "كيف جئت للعمارة إذا؟ "بالسيارة، أخبرت السائق عن المكان فيقلني إليه." ابتسمت، قالت: "حقًا؟ أتساءل عن معرفتك بمكان سكني."
"لا يهم، كيف عرفت." "دعني أخمن، أفيلا، أليس كذلك؟ "امم، ليس بالتحديد. استعنت بها وجئت لأراكِ." "ولماذا تأتي وتراني؟ ليقول بجدية: "اشتقت لك يا ريلا."
نظرت في عينيه، دمعت عيناها من جملته. تماسكت. نظر عمر إليها وكأنها ستبكي. ابتعدت عنه وذهبت في خيبتها. تمنت لو أخبرها بذلك باكرًا. كم كانت تتشوق لسماع كلمة واحدة فقط منه عند رحيلها. أن يخبرها أن تبقى، ألا ترحل. لكنه لم يفعل ذلك. ولم تنسَ انكسارها وما شعرت به في يوم رحيلها. لقد عادت إلى وطنها محطمة. تضايق عمر من نفسه. لا يعلم ماذا يفعل، لكنه لن يمل وسيحاول معها إلى أن تنسى حزنها منه. فهو علم أنها ما زالت تحبه.
في مصر، توقفت السيارة عند عمارة أفيلا. نظر كاسبر إليها، فكانت صامتة طول الطريق. كانت تنزل، لكن توقفت وهي تفتح الباب، عادت لمكانها. "لم يحدث شيء اليوم، لذلك لا داعي بأن تدعي أفكارك تحوم بأنني مغتربة عنك. ما زلت كما أنا." نظر إليها، كانت تعطيه ظهرها. قال: "ألستِ خائفة مني؟ صمتت قليلا، ثم قالت: "بلى. لكنك ستتغير، أليس كذلك؟ صمت ولم يرد عليها. اعتدلت، نظرت له بشدة، إنه لم يعطها ردًا يطمئنها. "لماذا لم ترد؟
لن تكون كذلك يا علي. أريدك أن تتغير." "فكرت في أن أتغير منذ أن أحببتك." نظرت له لوهلة، تبسمت، وقال: "لتأخذ الخطوة إذا." تذكرت الكلام الذي قالته له وغضب منها بسببه. نظرت بعيد بحزن، وقالت: "أعتذر على ذلك اليوم. كنت غبية عندما طلبت منك أن تبتعد عني، واليوم علمت أني لا أستطيع الابتعاد عنك حتى إذا... نظرت له وأردفت: "حتى إذا كنت قاتل هذا العالم بأكمله. لذلك لتنسَ كلامي ولا تتركني كما قلت لك."
تنهدت حين أخرجت ما بجعبتها. فتحت الباب لتنزل، لكن وجدت من يمسكها ويسحبها. نظرت إليه، سرعان ما أمسك وجهها ودفن وجهه بها يقبلها. اتسعت عيناها. نظر الرجلان لسيدهم في المرآة. انصدموا، فهو رجل جامح وصارم بشدة، فأبعدوا أعينهم يتحاشون النظر. نظرت أفيلا إليه، مالت للخلف ليميل عليها ويقبلها حتى أسندت رأسها على النافذة. بادلته بمشاعر الحب والاشتياق شديد. ابتعد عنها ببطء، أسند جبهته على جبهتها وقال:
"أيًا كان ما سيحدث، لن أبتعد عنك." رفع عينيه إليها وأردف: "أخبرتك من قبل أن المافيا لا يتركون من ضعفوا أمامهم." نظرت له من قربه وما حدث للتو. تذكرت من جملته هذه قديمًا حين كان في المنزل معها قال: "تركت عليكِ علامة امتلاكي، لذلك احذري من الاقتراب من أي أحد، فالمافيا لا يتركون من ضعفوا أمامهم."
نظرت له وهي تعود للحظتها تلك ونبضات قلبها السريعة. ابتعد عنها، اعتدلت في جلستها بحيرة ونزلت على الفور. أخذت أنفاسها وتعيد حرارة جسدها الطبيعية. بينما كان يطالعها، ثم نظر أمامه وذهب. دخلت لشقتها، ركض ألبر إليها، لكنها توجهت إلى غرفتها. لتقف عند المرآة تنظر لنفسها. وضعت يدها على شفتيها وهي تتذكره، لترتسم ابتسامة خافتة نابعة من قلبها. نظرت إلى ألبر،
قالت: "أشعر أني سعيدة.. وأخشى من تلك السعادة أن تختفي بحدث أليم. فسعادتي دومًا لا تكتمل." تنهدت وذهبت، وضعت له الطعام وجلست تطالعه وهو يأكل. شاردة في أفكارها عن ما حدث والنتائج التي ستلحق بهم. ذلك الرجل الذي تفشى بحقيقة كاسبر للشرطة. أي معلومات سيعرفها حاتم ليتأكد أنه هو لذلك الحد. وبينما هو مرتعِب من كاسبر، لماذا تحدث؟ بتأكيد روبرت من هددّه.
"خطوة كبيرة منك أن تجعله يفشي معلومات خاصة بالمافيا لتقع به. فأنت أيضًا منهم، أي ستلحق به إن وقع. ومن يعلم، ممكن أن تغرق أنت بمفردك."
رغم قلقها، لكنها كانت تشعر بالسعادة. على الرغم من تضايقها من ما حدث اليوم، لكنها نسيت كل شيء. فقد أحست بحبه الشديد لها وأنه معها هي فقط. شخص آخر غير حقيقته التي لن تنكر أنها شعرت بالخوف منه. طريقة حديثه اليوم وبروده وقوته، جموده دون خوف من أحد جعلها تخاف. بالرغم من معاملته المختلفة معها، هي التي شفعت له وقررت أن تعطيه فرصة ليكسر ما رأته اليوم. فرصة أن يتغير لتبقى معه وتعلم أنه سوف يتغير ويكون "علي" فقط حقيقته التي تدركها. ليس "كاسبر" أو "لوسيانو". سيكون زوجها "علي".
في مساء اليوم بألمانيا، دخلت ريلا غرفتها. كانت عائدة للتو من الخارج. بدلت ملابسها، ثم جلست على السرير. تذكرت عمر وما قاله لها. حزنت وهي تتذكره، فلا تنسى كيف بكت يومها لأنه لم يهتم بها وندمت أنها أخبرته وأهانت نفسها. قاطع تفكيرها صوت جرس الباب. ذهبت لتفتح وتفاجأت عندما وجدته هو. "عمر؟ ماذا تفعل هنا؟ "لا أعلم. أتحجج لرؤيتك." قالت بتذمر: "هل قطعت تلك المسافة لتأتي لهنا وتمزح معي؟ تبسم على ما
قالته ورد عليها بتلقائية: "أنا متفرغ بالفعل لكِ.. لا يوجد ما يشغلني هنا." اقترب من عينيها وأردف: "لا شيء عندي غيرك." نظرت له والتقت عيناه. ابتعد وقال: "لكني لم أقطع أي مسافة، فأنا جالس بلا شيء." "أعلى؟! قالتها وهي تنظر فوقها بعدم فهم، ثم نظرت له وقالت: "مهلًا، هل تسكن في ذات المبنى؟ أومأ إيجابا. فعقدت حاجبيها وقالت: "لماذا؟ "أريد البقاء بقربك."
طالعته من نبرته المتغيرة، بل تحوله. فهي لم ترَ هذه اللطافة والحب منه. كانت هي من تتقرب إليه، إنه احتل مكانها الآن. قالت بتساؤل: "إلى أين تريد أن توصل؟ "إليكِ." تعجبت كثيرًا من صراحته. ذهب وتركها لتقفل الباب وتسند ظهرها عليه. رفعت عينيها للأعلى وهي تتخيله يمكث فوقها. قريب منها. تبسمت. لا تعلم ماذا يحاول أن يفعل بهذه الحركات، لكنها سعيدة.
في الصباح في مصر، كان رجلان مقيدين على كرسيان ومقيدين سويا، حيث أن الكرسيان مربوطتان ببعضهما، وظهر كل منهما ملتصق بالآخر. كانا فوق ارتفاع كبير لبناء لم يكتمل بعد. كانا الرجلان ذاتهما اللذين داخل السيارة التي لحقت أفيلا ويصوبون عليها. كانا غاضبين ويصرخون، ينادون على أي أحد في وسط ذلك الفراغ. يحاولون تحريك أنفسهم، فمنذ ذلك اليوم عندما أمسكوا بهم وهم على وضعهم هكذا.
سمعوا صوتًا، نظروا تجاهه، وأخيرًا ظهر أحد من بعيد. نادوا عليه بغضب ويأمرونه بأن يأتي لهنا ويخلصهم. وبالفعل كان يتقدم منهم، لكن لم يكن في حسبانهم ما ينتظرهم. ظهر من وراء ذلك الشخص أربعة أشخاص آخرين. نظروا، لتعتصرهم الصدمة وانقطع صياحهم وكأنهم فقدوا النطق بظهور وجه الشخص. كان كاسبر، ذلك الشخص الذي لم يتمنوا رؤيته يومًا. فهم يعلمون من يكون ذلك. وقف عندهم بهدوئه المعتاد وقال: "أين روبرت؟
ارتدى الاثنان قناع الجهل وأنهم ليسوا خائفين منه. وقال إحداهما: "لا نعلم." تنهد وهو يتقدم منهم ويقول: "أكره الكذب، لأنه يجعلني أدمر من حولي، وهذا ما لا أريده." خافوا منه، ليمد يده ويظهر رقبتهم ويردف: "بتأكيد تعلمون هذا الشيء عني، وتعلمون من أنا." رأى الوشم الذي توقع. ابتسم ساخرًا، قال: "ذلك الأحمق استخدمكم ليفشي أسرارنا."
تنهد وهو يبتعد عنهم وهم في صمتهم يتهربون بأعينهم منه. فلم يتخيلوا يومًا أن يقابلوا لوسيانو وجهًا لوجه. العمل معه عن طريق الجهل، لكن لم يستطع أحد مقابلته ورؤيته بسهولة. "للمرة الثانية، وهذا ليس بطبيعتي. أين روبرت؟ كانا يتمثلون القوة ليرد أحدهم: "في هاتين الحالتين سنموت، إما منك أو منه، لذلك نعلم مصيرنا." "أنت محق." نظر له الرجلان باستغراب.
أكمل: "على الرغم من ثقتك، لكن ما أن ترى الموت بأم أعينهم يتشبث بأي فرصة للنجاة." تقدم وهو يتخطاهم ويقف على حافة البناء ليرى مقدار المسافة للأسفل كم تساوي. نظر له الرجلان وهو واقف. كان يوجد حجر صغير على الأرض. أزاحه بقدمه فوقع الحجر. أنصت للصوت، فأخذ وقت حتى سمع صوت وقوعه. "سيكون موتًا رحيمًا بالنسبة إليكم."
نظر له الرجلان بخوف ومن ما يفكر فيه. التفت إليهم وعاد وقف أمامهم. نظر لهم وإلى خوفهم الذي ظهر على جبهتهم من تعرقهم، قال: "ما زلتم تجهلون مكاني." لم يرد أي منهم. فدفع الكرسيين بقدمه. انصدم الاثنان وحاولا تثبيت أقدامهم ليعيدوا انتظام الكرسي. تقدم منهم. نظروا له بخوف. "ماذا تفعل؟ دفعهم بقوة أكبر عن ذي قبل فتراجعوا للخلف كثيراً. اثنان خلفهم، فكانوا يقتربون من حافة البناء. نظروا إليه وقلوبهم على وشك التوقف من شدة خوفهم.
"لا، أرجوك." "انتظر." دفعه بقدمه بقوة دون أن يستمع إليهم، فتراجع الكرسي كثيراً. صرخوا بقوة. "سأخبرك." مال الكرسي وكان على وشك السقوط، لكن في اللحظة الأخيرة توقف ولم يقع. فتحت أعينهم ليجدوا أنفسهم بين الهواء، وكان "كاسبر" ممسكاً الكرسي الذي كان بأكمله للخارج عدا قدم واحدة. نظروا للأسفل فقشعر بدنهم خوفاً. "أين هو؟ قال "كاسبر" ذلك، فنظروا إليه. "في منزل بعيد عند مزرعة الشمالية."
صمت قليلاً وهو يفكر، ثم سحبهم للداخل ليأخذوا أنفاسهم. اقترب الرجال منهم وقاموا بفك قيودهم. نظروا لهم بدهشة، لكن وجدوهم يفكّونهم من على الكرسيين فقط ويجعلونهم يقفون. تقدموا من "كاسبر". "إن لم يكن "روبرت" هناك، تعلمون ما سيحدث لكم." أومأوا برؤوسهم بتفهم. أشار لرجاله، فأخذوهم وذهبوا. أمسك هاتفه وقام بمكالمة. انتظر قليلاً حتى جاءه الرد. "لنتقابل." ***
كان "كاسبر" واقفاً يضع يده في جيبه والأخرى يمسك بها قلماً، يفكر وواقف ورجاله واقفون عند سيارتهم. جاءت سيارة لتستوقف بجانبهم. فتح الباب وترجل "حاتم". نظر إليهم وإلى "كاسبر" وهو يعطيه ظهره. نظر إلى رجاله الواقفين، ثم اقترب منه ووقف بجانبه. "أردت مقابلتي." "علمت بأن منصبك قد قل." "هل اشتهرت لذلك الحد؟ الفضل يعود لك يا رجل المافيا." "أستطيع أن أرتب لك مع ترقية أيضاً." قال باستغراب: "وكيف سيحدث هذا؟
"باتفاق الذي سيعقد بيننا." "اتفاق!! أتحاول أن ترشيني لأتوقف عن الإلحاق بك؟ رد عليه بكل هدوء: "لتلحق بي كما تشاء. فعلها الكثير قبلك ولم ينالوا سوى تضييع وقتهم." "لأنهم مرعوبون منكم. أما أنا فلست كذلك. أخبرني لماذا تريدني؟ "أخبرتك." "لن أخدمك في شيء من أعمالك لأصل لرتبتي ثانياً." "لم أقل هذا." تعجب كثيراً منه وقال: "ماذا إذا؟ "سيكون في تخصص عملك من ضمن مهماتك." "لا أفهم شيئاً مما تعنيه." نظر له "كاسبر"
وقال: "لتقفل التسجيل الذي تسجله لي أولاً، ثم نتحدث." اتسعت عينا "حاتم" ونظر له بشدة، فكيف علم أنه بالفعل يضع جهازاً ليسجل له كل كلمة يقولها. "كيف عرفت؟ "لم أكن لأتفوه كلاماً يستدعيك لتسجيل. لست أحمق. أنا أقدم لك مساعدة." تعجب من كلامه. أخرج الجهاز، كان صغيراً بعض الشيء، يضعه في حزام بنطاله. أغلقه وأعاده لجيبه وقال: "هل غيرت مسارك وأصبحت تساعد الشرطة؟ لم يرد عليه. بينما نظر لرجاله، أومأ برؤوسهم.
نظر لهم "حاتم" باستغراب. وجدوا يخرجون من السيارات رجلين مقيدين ويقربونهم منه. نظر حاتم إلى "كاسبر" بشدة وقال: "ما هذا؟ "سأدعك تقبض على أحد رجال المافيا، وعندما تقبض عليه نكون قد استفدنا نحن الاثنان." "وماذا ستستفيد أنت؟ "لا يعنيك." "كيف لا يعنيني؟ يجب أن أعلم الأمر كاملاً، وإلا لن أساعدك في الإمساك به." "أظنني غير قادر على ذلك. أستطيع أن أقتص من ذلك الرجل بمفردي دون أية مساعدة من أحد." "لماذا لم تفعلها إذا؟
"وعد قطعته يقيدني." طالعه بعدم فهم، لكنه كان محقاً. فهو ليس بحاجة له ولمساعدته. يستطيع أن ينهي أي أحد يقف أمامه. "أنا أعرض عليك عرضاً، إذا وافقت فأنت الكاسب، وإذا رفضت فهذا يعود إليك." نظر "حاتم" للرجال والرجلين المقيدين، عاد نظر إلى "كاسبر" وقال: "وكيف سأقبض عليه وليس معي دليل واحد ضده؟ مكانه، ومعلومات، وكل شيء. يجب أن يكون هناك تخطيط حوله."
"أعلم مكانه وسوف تحصل على الدلائل بنفسك. أريدك فقط أن تجهز قواتك، فبعد ساعة سأكون عنده." قال بدعش: "بعد ساعة؟ نظر إلى ساعته يده وأردف: "هل سنقبض عليه اليوم؟ ما زلت لا أعلم من يكون وما دوري في هذه الخطة؟ استدار مقابله وقال: "ستعلم كل شيء عندما نصل." *** في الليل بألمانيا، كان "عمر" ما زال مستيقظاً. خرج من شقته ليشتري بعض الأغراض التي يحتاجها. نزل من العمارة، فتح المصعد، خرج، لكن توقف عندما وجد "ريلا" في وجهه.
نظرت له، وأنه لم يخرج، فدخلت المصعد وضغطت على رقم شقتها. "أين كنتِ في ذلك الوقت؟ "لماذا تسأل؟ قال بحدة: "أين كنتِ يا "ريلا"؟ نظرت له من تحوله وقالت: "مع أصدقائي." اقترب عمر منها. نظرت له بتوتر ليقول: "لا أريد رؤيتكِ عائدة في ذلك الوقت مجدداً." "هل أنا طفلة لأخذ إذن منك؟ فتح المصعد، كانت ستخرج. أمسكها وهو يقترب منها. نظرت له وهو قريب منها وينظر إليها. "عمر، ما خطبك؟ "لستِ طفلة، لكنني أغار."
تعلقت عيناها بعينه حين قال ذلك. "ماذا قلت؟ لامس وجهها بحنان وقال: "أنني أغار عليك، هل احترمتِ ذلك؟ كانت غير قادرة على التفوه بكلمة، لكن أومأت برأسها إيجاباً دون أن تعي. ابتعد عنها وذهب وهو يبتسم عليها. دخلت "ريلا" شقتها وهي غاضبة. خلعت جاكتها، جلست وهي تتذمر لأنها أطاعته فيما قاله. سمعت صوت الباب، ذهبت لتفتح، لتجده "عمر". "نسيت إخباري شيئاً آخر." "هل تضايقتِ من كلامي؟ نظرة
له ومن لهجته الحنونة أردف: "لا أتحكم بك. أنا فقط خائف عليك، لا أريدكِ أن تعودي متأخرة هكذا لأنكِ تهمينني كثيراً." لم تعلم ما تقوله، لقد أسكتها بكلامه وهدأ غضبها. مد يده. نظرت له، وجدت نوع الشوكولاتة الذي تفضله بشدة. ابتسمت. كان "عمر" قد اشتراها لها ليسعدها، وبالفعل رأى ابتسامتها. "من أين علمت أني أحب هذا النوع؟ "لا تشغلي بالك." أخذته منه ليقول قبل رحيله: "اذهبي للنوم." غادر وتركها.
أقفلت الباب وهي سعيدة، ليس من أجل الشوكولاتة فقط، لأنه من أحضرها لها. *** في مصر بالمساء، في مكان خالٍ يثير الريبة. توقف "كاسبر" بسيارته، وكان بمفرده، ليس معه أحد. ترجل من السيارة وتقدم من مبنى يبعث منه ضوء خافت. كان رجلان واقفين. التفتوا إليه ورفعوا أسلحتهم في وجهه على الفور. لكنه لم يعرهم اهتماماً، ورفع يديه بأنه لا يحمل سلاحاً. تخطاهم وهو يدخل. نظروا إليه، ثم نظروا حولهم وأخفضوا أسلحتهم.
في أحد الغرف، كان رجال محاطين بشخص جالس على الكرسي، يده مبتورة. وكان أمامه حقيبة معبأة بالممنوعات ليلتقط إحداها وهو يرسم ابتسامة. فتح الباب بقوة. فزع من الصوت والتفت على الفور. كان "روبرت". نظر إلى "كاسبر" بصدمة من وجوده. "وأخيراً رأيت وجهك." رفع الرجال أسلحتهم عليه على الفور، لكن لم يرمش له جفن. قال "روبرت": "من سمح لك؟ "أنا." قال ذلك بجمود وهو يتقدم، يتخللهم ويجلس على أريكة أمامه.
نظر إلى رجاله، كان لا يزال يصوبون بأسلحتهم على "كاسبر" وهو ينظر له بقوة. "كيف علمت بمكاني؟ "سؤال وجيه. لكن عليك أن تسأل أتباعك." نظر حوله بشك وقال: "ما الذي تقصده؟ "رجالك لا يكنون الإخلاص لك. في أول دقيقتين اعترفوا على الفور." ظهر الغضب على وجهه وقال: "سحقاً لهؤلاء الحشرات." حاول إخفاء ثورته. ابتسم وقال: "دعك مني وأخبرني أين رجالك؟ ألست خائفاً بمجيئك بمفردك؟ أنك على حافة الموت هنا."
"لا أحتاج لرجال ليحموني، فأنا مكلف بحماية نفسي." وكان يقصد رجاله. أراح ظهره وأردف: "جئت لنتحدث." "أخطأت بمجيئك هذا، لكن لا بأس. لنتحدث، ومن ثم أقتلك." ابتسم "كاسبر" بسخرية من ثقته. نظر "روبرت" لرجاله، فخفضوا أسلحتهم. في مكان بعيد قليلاً، كان يوجد سيارتين شرطة وثلاث سيارات بها رجال "كاسبر". وكان "حاتم" جالس معهم ويضع في أذنه سماعة يتواصل بها مع "كاسبر".
وعلى قدميه لاب توب، وتوجد شاشة سوداء وبها خط مستقيم، وكان هذا موقع جهاز الذي معه ويسجل حديثه. قال "روبرت": "افتقدتك كثيراً. منذ ذلك اليوم التي قامت زوجتك بقتلك ولم أراك مجدداً." ابتسم بشر وهو يحيي ذاكرته ومشهد قتله داخل رأسه ويقول: "أخبرني كيف عدت على قيد الحياة وسامحتها بتلك السهولة؟ تنهد بضيق، ثم ارتدى هدوءه: "عار عليك. لقد أسأت سمعتنا حين استخدمت امرأة لتصل بها إلى مبتغاك مني. ما فعلته هي لم تستطع أنت فعله."
غضب كثيراً من رده الذي أحرجها. قال: "لا تقلق، فأنا من سيفعلها هذه المرة." "إلى ماذا تسعى؟ علمت أنك أصبحت واحداً من المافيا." ابتسم قال: "هذا صحيح. كنت أجتهد تلك السنوات حتى تصبح مقابلتنا منصفة مثل الآن." "اممم، هذا جيد." نظر له من سخريته. أكمل: "وماذا فعلت من خلال رحلتك في المافيا؟ أراك واقفاً في مكانك لأنك غبي، كما كان ينعتك والدك دائماً، بالأحمق، ويبعدك عن أعمالنا." غضب كثيراً
وقال: "لم أعد ذلك الأحمق الصغير الذي يهتم بذلك الهراء. لقد أخذت محبة والدي بذكائك وقوتك. صنعك أبي تشبه الوحوش بلا رحمة التي لا تستطيع الرياح إخمادها. كان يتفاخر بذلك كثيراً وكيف أصبحت، بينما أنا لم يعلمني ذلك قط. كنت متقدماً مني، وإن كان علمني واهتم بي لأصبحت مثلك." "لا تقل مثلي، لأنك لن تصبح كذلك وإن عافرت طوال مسيرتك." تضايق "روبرت" منه كثيراً،
لكن قال: "أنك لا تعرف لأي حد تغيرت. خلال سنوات فقدانك لذاكرتك، لقد قمت ببيع أسلحة تضاهي مبتدأ مثلي، ممنوعات صدرتها لبلدان، قمت بعقد صفقات بين المافيا ليصير لي مكان بينهما وأدخل لهذه الدائرة، وبالفعل نجحت، لكن لم أصل لمكانتك." "كبرت كثيراً. هل فعلت كل ذلك؟ "وما زلت أطور من ذاتي. فسوف أدخل مع 'كرسام' في نوع مخدرات جديدة عالية يطمح إليها الجميع، أظنك تعلمها بتأكيد." لم يهتم
كل ذلك ليقول بلا مبالاة: "ولماذا كنت تختبئ مني؟ ابتسم وقال: "لم أختبئ، فقط انتظرت حتى تعود لك ذاكرتك وأرى إذا كنت ما زلت تحبها أم لا. وإذا لم تكن تحبها كما أخبرتني، فليس لها نفع وسأقتلها." رفع يده المبتورة وقال: "أترى ما فعلته بي؟ أنني أريد الانتقام منها بسبب تلك الإعاقة. لكن اتضح أنك تعشقها يا أخي. من كان يصدق أنك ستقع في حب امرأة قط وتكون هي من يلقي بحتفك."
كان حاتم يسمع الحديث كاملاً وموجات الصوت تظهر على شاشة اللاب توب، ومستغرب عن أي امرأة يتحدثون. هل تكون "أفيلا"؟ قال روبرت: "لماذا ما زلت تنقذها مني؟ سأقتلها في هاتين الحالتين، حتى بعدما أقتلك." ابتسم بهدوء لما قاله ورد عليه بسخرية: "بعدما تقتلني... إذا لم يحدث ما تريده، لأنك لا تستطيع قتلي." "لكنني استطعت من قبل." "لم يكن أنت." ""أفيلا" هي صاحبة الفضل، لكن لا تنسَ أنني من جعلتها تقتلك."
صدم "حاتم" من سماع ذلك الاسم. هل قال "أفيلا"؟ هل لها دخل بتلك الأمور؟ وما هذا الذي يسمعه؟ هل حاولت قتل زوجها من قبل؟ كيف دفعوها لفعل ذلك؟ إذا... لحظة... هل تعلم هوية زوجها ومن يكون؟ أتعلِم أنه من المافيا؟ تذكرها وهي تدافع عنه ولم تنبش بأي معلومة يخبرها به وعن مدى خطورته. بل كانت لا تأبه لسماع أي شيء ضده، على الرغم من معرفتها بمن يكون، تحبه ذلك الحب الشديد. أفاقه صوت "روبرت" فعاد لسماع حديثهم. "ذوقك في النسائي مميز."
نظر "كاسبر" إليه ليردف بخبث: "لا أنكر إعجابي بها. أتعلم أني اشتهيتها أثناء مماتك." جمع قبضته وتحولت ملامحه الهادئة إلى غضب بركاني. سمع صوت من سماعته الذي في أذنه: "اهدأ، لا تدعه يغضبك." كان ذلك "حاتم". أكمل: "أنت بمفردك، لذلك تحكم بنفسك. سنقتحم قريباً بعدما نأخذ ما نريده." هدأ من نفسه، فكان كلامه محقاً.
قال "روبرت": "كانت محاولة قتلي لك ناجحة. أتطلع إلى الثانية بعد دقائق وسأتأكد بنفسي من موتك. كدت تفارق الحياة، لا أعلم كيف أنقذوك ومن له يد بذلك." "أشعر بالخيبة من كلامك، ألست سعيدة برؤية أخاك؟ ضحك فور أن قال ذلك. قال: "لكنني سأشتاق لك مجدداً." لن تدوم هذه السعادة كثيراً. ابتسم وهو يقول من بين هدوئه: "حزين على هذه الثقة. أحببت اللعب معك." "كيف أبدو يا أخي؟ اختفت ابتسامته، نظر له وأردف: "أحمق."
نظر له بغضب، ومن نعته بالأحمق كاد أن يتحدث، لكنه سمع صوت ضجيج مرتفع بالخارج. قال روبرت بتساؤل: "ما الذي يجري؟ نظر له كاسبر وهو ينظر للباب. ورجاله ركلوه بقوة في وجهه. سقط روبرت على الأرض. نظروا له رجاله. صوبوا على كاسبر، لكنه أسرع وأمسك روبرت. وجه مسدسه. نظر روبرت إليه بضيق وقال: "أطلقوا عليه، لا تهتموا بي."
كانوا حائرين، لا يعلمون ماذا يفعلون. ثم فتح الباب ودخل الشرطة. فرفعوا أسلحتهم وصوبوا عليهم. وحدث اشتباك حتى ألقوا القبض عليهم. اقترب حاتم من كاسبر الذي كان يمسك بـ روبرت العالق في صدمته. "لتفتخر بإنجازاتك معنا." نظر إلى كاسبر بضيق وقال: "هل أصبحت تعمل مع الشرطة الآن؟ "مفاجأة، أليس كذلك؟ قال بغضب: "أيها الوغد، لن أمررها لك." وضع القيود بيده، وضعهم وأشار لهم أن يأخذوه. قال حاتم: "هذا لا يعني أنني سأتركك."
نظر له وأردف: "سأبحث خلفك حتى أقبض عليك أنت الآخر." "لن يحدث." "كيف؟ "انقطعت عن هذا الطريق." قال ساخراً: "أتُحاول خداعي؟ لم يهتم بما قاله. مد يده وهو يقول: "أين التسجيل؟ تنهد بضيق وقال: "إنك تأخذ حذرك من كل شيء. رجالك لم يسمحوا لي بحفظه عندي إلا بعدما تراه وتتأكد من إخفاء صوتك." قام كاسبر بتعديل المسجل، حيث قام بفبركة صوته كي لا يكون له صلة بهذا الأمر. ثم أعطاه له. أخذها منه. ثم رأوا رجال الشرطة يضعون أمامه حقائب.
"هذا كل ما في الداخل." انحنى حاتم ورأى ما بها. ليجد ممنوعات وأسلحة كثيرة. أومأوا بتفهم وأشار لهم. ذهبوا ووضعوا في سيارتهم. "لم أكن أعلم أنني سأقولها، لكن... نظر إلى كاسبر وأردف: "أشكرك، فقد ساعدتنا." نظر له من شكره. ذهب ليدلف لسيارته ويرحل. ليتبعه رجاله. نظر لهم حاتم. ثم ركب مع الشرطة وقال: "لنذهب."
غادروا هم الآخرين. وكان سعيداً بما حدث وتخطيط كاسبر في الدخول وإيقاعهم في الكلام. لم يتوقع قط أن يسجل له ليسلمه للشرطة. إنه بالفعل يتعامل بذكائه. إذا أراد إنهاء أحدٍ منهم، لا يتجه للقانون. لذلك لم يتوقع هذا منه قط. ستثبت تهمة روبرت ويتحققوا من أمره ثم يرسلوه إلى وطنه. فهم أيضاً يبحثون عنه ويحاكموه هناك ويسجنوه. فيجب أن يسجن في بلده. *** في المشفى كانت أفيلا في عملها تشخص حالة مريض. رن هاتفها. خرجت لتجيب. وكان هو.
"أين أنتِ؟ "في المشفى." "أريد أن أراكِ." "الآن؟! فكانت أثناء دوامها وهو يعلم ذلك. وكعادته لا يطلب أن يراها كثيراً. فكانت حائرة. "أجل، سأنتظرك في مكاننا." أنهى المكالمة على ذلك، تاركاً إياها في تعجبها. "مكاننا؟ " ماذا كان يقصد بذلك؟ وعن أي مكان يتحدث؟ صمت قليلاً إلا أن أدركت مقصده. *** كان كاسبر واقفاً مسنداً على السيارة في المكان الذي كانوا يقفون فيه قديماً في الحديقة الخلفية لمول.
توقفت سيارة بقربه. لتترجل أفيلا وتتقدم منه. تبسمت حين رأته. وقفت بجانبه وأسندت على السيارة مثله، دون أن تتفوه بكلمة. نظر لها وهو يتذكرها قديماً. وكذلك هي كانت تراه وتقوم بإحياء ذكرياتهم. صمتوا. وأخذ كل منهم يوقظ أرواحهم المترابطة وتذكيره بأنفسهم بتلك الوقفة. قاطع ذلك الصمت كاسبر وهو يقول: "كيف كان يومك؟ "جيد. وأنت؟ صمت قليلاً ثم قال: "على ما يرام." ابتسمت وقالت: "أهذا أفضل من السابق؟ "إلى الآن لا أعرف."
صمتت وهي تجهل ما يقوله. "أين تريدين أن يكون زفافك؟ تبدلت ملامحها تدريجياً وهي تستوعب ما قاله. نظرت له بشدة من هدوئه عكس دهشتها. "ماذا قلت؟ "حفلة زفافك، أين تريدين فعلها؟ قالت بصدمة: "أي حفل زفاف؟ ولمن؟ وماذا تقصد؟ "أخبرتك أنني سأقوم بكل تحضيرات الزواج لاحقاً بسبب استعجالي. وها أنا الآن أنفذ ما قلته." نظر لها وأردف: "إنني لا أخلف بوعدي." كانت تبحلق فيه ويجف لسانها عن التحدث. ابتسم وقال:
"أظنك نسيتِ ذلك. فلقد مرت سنوات ونحن متزوجان." "أجل، ما فائدة الزفاف الآن؟ "ألا تريدين ذلك؟ نفت برأسها وهي تقول: "بالطبع أريد. هل يوجد أهم من ذلك لدى الفتاة؟ ابتسم وقال: "لتنسي أننا متزوجان. وها أنا الآن أطلبك من جديد." تجمعت الدموع داخل عينيها لفرط السعادة. "أنت لا تمزح، صحيح؟ أمسك يدها وقال: "لا يا أفيلا، إنني لا أمزح." رفع عينيه إليها وقال بهيام: "تقبلين الزواج بي؟
ارتسمت ابتسامة على وجهها وعيناها تتلألأ كنجمة ساحرة. انقضت عليه وهي تعانقه وتقول: "بالطبع." نظر لها من اندفاعها بهذه القوة. ابتعدت عنه بحرج وقالت: "أعتذر." رفعت عينيها بحرج وقالت: "هل بالغت في ردة فعلي؟ سحبها وطوق عليها بذراعيه بقلب مطمئن. فكان هو الخطر الذي يخاف عليها منه. ويسعى لإبعاد هذا الخطر لأي ثمن كان. ابتسمت وهي تنظر له لتبادله العناق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!