كانت ستتدخل لكن اتصدمت حين رفعوا مسدسات على وجهها. خافت كثيرا وقررت الذهاب، لكن وجدت الباب يفتح ويظهر كاسبر وهو عاري الصدر ويرتدي بنطال فقط، وشعره مبتل وفي يده منشفة. قال بجمود: دعوها. دخل لجناحه وتركهم. تبعته لتبتعد عن رجاله، وجدت الباب يقفل عليهم. ارتبكت. نظر لها كاسبر وهي تنظر إلى الباب. تنهد وقال ببرود: ماذا تريدين؟ نظرت إليه وهو ما زال عاري، وكتفاه العريضة وعضلاته المتفرعة بعروقه التي تزيده جاذبية.
أشاحت عيناها عنه وقالت: أين وضعته؟ : مَن؟ : الشاب الذي قتل... تنهدت ثم أكملت: الذي مات... أين هو؟ : ماذا تريدين منه؟ نظرت له أفيلا وقالت: ليس لك دخل بذلك. أخبرني أين أخذتموه. اقترب كاسبر منها وقال: هل كان حبيبك؟ توترت وقالت: لا... أجل. : أين هو؟ : ولماذا كنتِ خائفة منه عندما كان يتقرب منكِ؟ نظرت له أفيلا بدهشة، وكيف علم؟ هل رآهم؟
كان كاسبر ينظر من النافذة وهو يقود، وجد شاب وفتاة قريبان، لم يهتم بهم، لكن دقق بها وعلم من تكون. قال كاسبر: لا تجيدين الكذب. قالت أفيلا بصدمة وتساؤل: ماذا فعلتم به؟ قال كاسبر ببرود: لم نفعل له شيئًا. : ماذا تعني؟ : أنه على قيد الحياة. تحولت ملامح أفيلا وانفرجت أساريرها، قالت بلهفة: حقًا... أين هو إذا؟ : في المشفى القريبة من هنا. ابتسمت، شعرت بالاطمئنان وأن ما يخيفها قد انزاح من على قلبها. ذهبت بسرعة إلى الباب لتغادر.
: هل شعرتِ بالخوف أن تصبحي قاتلة للمرة الثانية؟ توقفت قدماها متسمّرة في مكانها مما قاله. ليردف وهو ينظر لها: أفيلا. انصدمت عندما ذكر اسمها للتو. التفت ببطء، نظرت له. التفت ببطء، نظرت إليه. كان واقفًا يضع يده في بنطاله وينظر لها ببرود. قالت بصوت ضعيف متقطع: ماذا قلت؟ : فتاة عمرها ١٧ عام تشاهد مقتل والديها أمام أعينها... من وراء ذكائها في الاختراق. انتهى من جملته الأخيرة ثم نظر إليها.
كانت واقفة متصنّمة تنظر للفراغ ولا تتحدث كالتمثال من كلامه، وعلى ملامحها الحزن وهي تتذكر. نظرت له بعين ممتلئة بالدموع وقالت: من تكون؟ : أود إخبارك، لكن إذا عرفت... قالها ببساطة. نظرت له باستغراب، فاكمل بجمود: سأضطر لقتلك. صدمت. سار تجاها بخطى ثابتة. كانت الدموع تسيل من عينها بعد ذكرها بوالديها. نظرت له بحنق وعيناها حمراء. قال كاسبر: لا أريد أذيتك، فأنا أحتاجك. : كيف؟
: سنتقابل كثيرًا بعد هذه المقابلة، وأخبرك فيما أريدك. : لا أظنك سأعلم إذا، لأن لن يكون هناك مقابلة. أتمنى ألا أراك ثانيًا. اقترب منها وأصبح مقابلاً له. نظر لها ببرود وقال: أنا من يحدد ذلك، وليس أنتِ. كانت أفيلا غاضبة والدموع تسيل من عينها وتنظر له بحنق وضيق. التفت وذهبت تغادر من هذا المكان للابتعاد عنه. دخلت أفيلا المشفى، سألت الاستقبال عن عمر وأنه أتى إليهم منذ قليل، فدلوها على غرفته. أدت شكرها وذهبت.
وقفت عند الباب مترددة، أطرقت برفق ثم فتحت. ألقت نظرة، تنهدت ثم دخلت. نظر عمر إليها، تفاجأ من وجودها. اعتدل في جلسته وكان يشعر بضعف في جسده. : ظننتك غادرتِ. قال ذلك، فتعجبت أفيلا، لكن علمت أنه يظن أنها من أحضرته لهنا. قالت: كيف حالك الآن؟ نظر لها ولم يتوقع أن تقول له ذلك، قال: أفضل. أومأت أفيلا له. قال: أعتذر. نظرت له، أضاف بحرج: اعتذر على كل شيء، أعلم أنني أخطأت عندما خدعتك وحاولت أن... : فلتهتم بنفسك.
قاطعته بغير اكتراث، فلا تريد أن تتذكر. أضافت وهي تستدير: على الرحب. ذهبت أفيلا، لكن أوقفها عمر قائلاً: هل بإمكانك أن تأخذيني للمنزل؟ توقفت، نظرت له باستغراب. فقال: لا، لا أقصد أي شيء صدقيني، فقط أخبرني الطبيب أن لا يمكنني العودة بمفردي، لحدوث أي أعراض في الطريق أثناء قيادتي... رأسي ليست على ما يرام. علمت أنه يقصد اصطدامه البالغ بالحجر ونزيفه، حيث موصل بوريده خرطوم دماء تعويضًا عن دمائه الذي فقدها.
: لذلك يجب أن يرافقني أحد، وإلا لن أستطيع الخروج... أردف بتوضيح: لا أحب البقاء في المشفى. لم تبدِ أي تعبيرات الاهتمام على وجهها بأي ما قاله، فكيف ترافق ذلك الشخص ثانيًا. التفت لتذهب، لكن شعرت بالمسؤولية لأنه هنا بسببها. تنهدت وقالت: أعطني رقم والديك لأتصل بهم. أخرجت هاتفها تنتظره أن يخبرها بالرقم، لكن لاحظت صمته. نظرت له باستغراب: والداي متوفيان. صمتت لوهلة ثم قالت: عائلتك؟ أليس لديك أحد؟
: لدي أخت كبيرة متزوجة، لكن لا أريد أن أقلقها على لا شيء. أعادت هاتفها وقالت ساخرة: أتريدني أن أصدق ما تقوله؟ : إنك محقة... اعتذر مرة أخرى. يمكنك الذهاب. نظرت له أفيلا وهو يستند ليقف. شعرت ببعض الشفقة حياله من أجل والديه، فهو مثلها. تريد تصديقه لتساعده لأنها لا ترفض مساعدة أحد، لكن خائفة من حيلة... فهو خدعها ولا تنسى ما حاول فعله في الصباح. فذهبت وتركته. كان عمر يسير وممرضة تسنده إلى أن خرج من المشفى.
توقف عن السير حين وجد أفيلا واقفة ولم تذهب بعد، وبجانبها سيارة أجرة وكأنها تنتظره. نظرت له، اقتربت منه، نظرت للممرضة فشكرتها. وبدون أن تتفوه بأي كلمة أخرى مدت يدها وهي تنظر بعيدًا بمعنى أن يسند عليها. تفاجأ كثيرًا، أمسك يدها واستند عليها. قالت الممرضة بابتسامة: حبيبتك جميلة، تبدوان ثنائي رائع. نظرت أفيلا لها بدهشة من كلامها وعن أي ثنائي تتحدث. نظر عمر إليها، وجدها تتطلع إلى ممرضة حتى وهي تذهب.
ابتسم عندما رأى صدمتها ظاهرة على وجهها. لهم بينما هو تذكر لقبها "حبيبته". توقفت السيارة أمام عمارة. خرجت، مدت أفيلا يدها إليه. أمسكها وخرج. أخبرت السائق أن ينتظر. أسندته إلى أول الدرجات حتى دخلا البناء. وقفت وقالت: لا أستطيع أن أوصلك أكثر من هذا. ابتسم عمر ابتسامة خفيفة وقال: أعلم... أشكرك كثيرًا. نظرت له أفيلا لثوانٍ ثم ذهبت. دلفَت إلى السيارة وغادرت. كان عمر ما زال واقفًا ينظر لها إلى أن ابتعدت عن عينيه.
في ملهى ليلي، دخل كاسبر وكان مرافقه رجلان من رجاله. نظر للمكان ورائحة الخمر التي تفوح منه. ذهب بلا مبالاة، بينما كانت امرأة تقف على منصة تمسك بعمود وتتمايل. انخفضت حين رأته لتصبح مقابل وجهه. توقف كاسبر ونظر إليها: لم أرَ ذلك الوجه هنا من قبل. نظر الرجلان إلى سيدهم الذي كان ثابتًا. نزلت المرأة واقتربت منه، رفعت يديها لتلمس وجهه. أمسك يدها رجل: الزمي مكانك. أبعدها، نظرت له بحنق وقالت: يدك قاسية على امرأة ناعمة مثلي.
تنهد كاسبر ومنعهم من التحدث وقال: تعلمين أين أجد رجلاً يدعى مدحت. : مدحت... إنه... كادت أن تتحدث لكن صمتت وقالت بمكر: وماذا ستعطيني إن أخبرتك؟ : كم تريدين؟ : تمهل، أنا لا أريد المال... لم يفهم. اقتربت منه وقالت بصوت أنثوي: إنني أريد رجلاً. همست له في أذنه وقالت: أريدك أنت... لن تكون زبونًا لي، فأنا من أبتغيك. لم تجد ردًا. نظرت له، ابتسمت وقالت: ماذا قلت؟ : لكِ هذا. : لنذهب إذًا. أمسكت يده ووضعتها على كتفها وأخذته.
نظر الرجلان إلى سيدهم باستغراب. دخلا لغرفة وحين أُغلقت الباب واقتربت منه لتجده يحاوطها بين الجدار. ابتسمت وقالت: على رسلك. اقترب منها. لنترك العنان إليه. سمعت صوتًا كصوت صلاح. تعجبت، شعرت بشيء. نظرت واتسعت قدحتا عيناها حين وجدته يضع مسدسًا عند خصرها. : ماذا تفعل؟ قالتها بصوت مرتجف. لينظر له بعينيه المخيفتين ويقول: ألا زلتِ تريدينني؟ سار الخوف في جسدها ونفت برأسها. : جيد... أين يكون؟
نظرت للمسدس بخوف وقالت: في الطابق السفلي عبر ممر السلم. صمت ونزل سلاحه وقال ببرود: لا تعبثي مع أحد لا تعلمين من يكون. نظرت إليه ليردف: قد يكلفك ذلك حياتك. أومأت برأسها بفهم. ابتعد عنها بهدوء وأعاد وضع مسدسه في بنطاله وذهب. نظرت إليه لتأخذ أنفاسها التي كبحتها بشدة خوفها. كان الرجلان واقفين ليجدوا كاسبر ظهر بثباته ولم ترافقه المرأة. ذهب دون أن ينظر لهما.
تبعوه ليذهب لأسفل ويسير بممر حتى سمع صوتًا بإحدى أركان الغرفة العازلة. دخل وجد رجلاً يجلس وامرأتان بجانبه من فتيات الليل يرتدون ملابس كاشفة لجميع مفاتنهن، يتغازلن به وكان يلمسهن ويرسم ابتسامة على ثغره. رأى كاسبر قال: أين كنت؟ انتظرتك كثيرًا. جلس وهو يقول بثقة: للخارج. نظرت الأمرأتان إليه والرجل كذلك، فهذا الملهى ملكه. رفع عينيه إليه ببرود. تنهد وقال: انتظروني في الخارج وأنا سآتي إليكما.
أومأت له وذهبت وهم يتركونهما يتطلعان في كاسبر ورجاله. اعتدل مدحت وقال: لم تعطني ردك على صفقتنا. : صفقة خاسرة. قال وقال: أتتحدث بجدية... أتعلم ما يعادل الأرباح الذي ستأخذها حين تستلم المخطوطات تلك؟ : ليست معك لأستلمها، فلا تسبق أفعالك... ما دام لم تجد بعد من يحل تعقيدتها. : لهذا حدثتك أنت لتحلها... ما أعرفه أنك لا تجد صعوبة بأي عمل يخص أعمالنا. : إنني أتيت لمصر لهذه الصفقة. نظر
له من نبرته فقال ببرود: هذا يعني أني لا أضيع مجيئي عبثًا. : ماذا تقصد؟ : إن لم تجد مخطوطة ذلك النظم، سآخذ روحًا بدلاً منه. نظر له بشدة وقال بغضب: أتهددني بمكاني؟ : أنا لا أهدد... أنفذ فقط. وقف يعلن رحيله. أوقفه مدحت وقال: أخبرتك المشكلة ليست في المخطوطة، هناك من يجب أن يحلها ونستطيع أن ننهي عليه بعدما ينتهي. : لتجدها قبلًا والباقي علي. قال ذلك وهو يلتفت ليذهب. أوقفه وهو يقول: تعني أنك وجدت شخصًا موثوقًا؟
صمت كاسبر قليلاً، أكمل سيره دون أن يرد وتبعه رجاله. جلس مدحت بضيق وهو يشرب كأسًا ويقول: ذلك المغرور. عادت أفيلا إلى منزلها، وجدت عمها وجيد ورجل آخر جالسًا معه لا تعرفه. نظرت له باستغراب وقالت: عمي. نظر لها وقد انتبه لوجودها قال: لما تأخرتِ هكذا، أين كنتِ؟ : حدث أمر ما قام بتأخيري. نظرت لذلك الرجل، فلاحظ وجيد ذلك فقال: هذا الطبيب هشام. نظرت له باستغراب. فقال هشام بابتسامة هادئة: مرحبًا أفيلا.
قالت باستغراب: أتعرف اسمي؟ : أخبرني السيد وجيد عنك. : عني أنا؟!! نظرت لوجيد وقالت بقلق: عمي هل أنت بخير؟ رد عليها: أجل. : لِما الطبيب إذا؟ نظر وجيد لهشام قال: سوف أخبرك. اجلسي... سأعود بعد قليل. ابتسم هشام له، وأفيلا لا تفهم شيئًا بعد، وتتساءل ما الذي يحدث وإلى أين عمها يذهب ويدعها مع رجل غريب. قال هشام: اجلسي... دعينا نتحدث قليلًا. نظرت لثوانٍ ثم جلست. قال وهو يطالعها: هل أنتِ خائفة مني؟
: أظنني لا أعرفك حتى لا أخاف من كونك غريبًا عني. ابتسم قال: الحق معك... لكن لم أقصد ذلك، أردت أن أخبرك أن نكون أصدقاء. صمتت قليلاً ثم قالت: في أي تخصص أنت؟ تعجب من سؤالها قال: لماذا تسألين؟ : أريد أن أعلم، ألا يحق لي أن أسأل عن صديقي لأعرفه عليه؟ لم يكن هشام يريد أن تعلم كونه طبيبًا، لكن وجيد تسرع وأخبرها. تنهد قال: طبيب نفسي. أدارت وجهها وابتسمت بسخرية ثم قالت: ما سبب وجودك؟ هل أنا الحالة؟
نظرت له وأردفت قائلة: هل جئت لتعالجني؟ : لستِ مريضة، أنا فقط... قاطعته أفيلا قالت: لكنني كذلك، أنا مجنونة وهذا سبب الذي أتيت أنت من أجله. نظر لها بتعجب، كان سيتحدث لكنها سبقته. قالت وهي تقف: أتريد أن ترى؟ لم يفهم. وجدها تذهب. اقتربت من منضدة، نظر لها باستغراب، فامسكت مزهرية ودفعتها بقوة. وقعت على الأرض وتكسرت إلى أشلاء. وقف هشام في فزع، نظر إلى الزجاج. أمسكت أفيلا زجاجة ودفعتها لتنكسر هي الأخرى.
قال هشام بصدمة: ماذا تفعلين؟ : عالجني، ألست هنا من أجل ذلك؟ قالتها بغضب وصوت مرتفع. نظر لها. قالت بسخرية: هذا هو الجنون، هل رأيته؟ أمسكت زجاجة أخرى وكسرتها وسارت تدفع من حولها أي شيء. جاء وجيد بسرعة، وجد زجاجًا على الأرض بجانب أفيلا وهشام واقف يحاول تهدئتها ويطلب منها أن تتوقف من حالتها الجنونية هذه. قال وجيد: ماذا يحدث؟ نظرت أفيلا إليه، توقفت. ابتسمت بسخرية وقالت: كيف تراني يا عمي؟ أكملت
بانفعال وعلى وشك الانهيار: كيف تراني لتحضر لي طبيبًا نفسيًا؟ حزن وجيد قال: كنت أريد مساعدتك، لقد خشيت عليك... : مساعدتي في ماذا؟ من قال لك أنني أريد مساعدة من أحد... مما خشيت ها؟ أكملت باستدراك: تقصد الجروح التي وجدتها علي، تريد أن تعلم كيف جرحت صحيح؟ نظر لها ومن نبرتها أضافت بجدية: إنه أنا. صدم وجيد من قولها هذا. : أنا من أقوم بجرح جسدي، تغمرني السعادة عندما أفعل ذلك. نظرت إلى هشام الذي كان يتطلع
فيها بشدة ويراقب تصرفاتها: لا أظنك متفاجئًا، المجانين يفعلون بأنفسهم أكثر من ذلك. خطت تجاهه لتكمل بجدية: المجانين يقتلون أنفسهم أحيانًا. ألقت نظرة خذلان عليه ثم ذهبت. دخلت غرفتها وقفلَت الباب بقوة. حزن وجيد كثيرًا ولعن نفسه أنه أحضر هشام. نظر له تنهد قال بحرج: اعتذر، هي فقط غاضبة لأنني لم أخبرها قبل مجيئك. : لا بأس. قال هشام ذلك ثم ذهب وهو يتذكر تحول أفيلا بإثبات جنونها له وغضبها. لم يفعل أحد هذا من قبل معه...
كانوا يدعون العقلانية وأنها مجرد عقدة بحياتهم، ليست مثلها تريد أن تثبت ما ليس فيه. لم يقتنع بتمثيلها بل شعر بوجود ما يؤثر عليها. على حسب دراسته يعلم بنظر إلى شخص في عينه، وقد رأى أن داخلها ما تخفيه عن الجميع ولا تريد أن تخرجه لأي أحد كان. فبعض الأسرار لا يستطيع المرء أن يبوح بها مهما طال الدهر، يبقيها لصديقه الرفيق الملازم طوال رحلته في الحياة، وهي نفسه.
كانت أفيلا جالسة في غرفتها تجمع قبضتها وتضم كفي يدها وتجرح أصابعها بأظفارها وتحركها عليها بعنف، وكأنها تريد أن تلسع جلدها. لا تشعر وغير مبالية. كانت تنظر للفراغ وعيناها متجمع بها الدموع، لا تجرؤ على السيل. ليست هي من تبكي، بل نفسها التي أوصلتها لهنا. النفس تبكي على نفسها أحيانًا. سمعت رنين هاتفها، المكالمة من ألمانيا. لم ترد عليه وتركته إلى أن صمت من تلقاء نفسه.
مرت أيام ولم تذهب أفيلا إلى الجامعة منذ ذاك اليوم، ولم تتحدث مع عمها وغادر المنزل. كانت حين تتذكر ما فعلته أمامهم تشعر بالضيق، فتمنع نفسها أن تفكر في هذا. ذهبت إلى الجامعة. عندما دخلت وجدت هدير وأصدقائها واقفين. لم تهتم بهم وأكملت سيرها. نادت هدير عليها حين رأتها. تركتهم واقتربت منها. قالت هدير: مرحبًا أفيلا. أومأت لها. قالت هدير: لماذا لم تأتي الأيام الفائتة؟ : كنت مريضة. : لم يأتِ عمر أيضًا مثلك.
لم تعر اهتمامًا لذكره وذهبت. أوقفتها هدير قالت: أين ذهبتم؟ توقفت أفيلا، التفتت ونظرت لها. قالت هدير: عندما أخذك عمر من الملهى... : ما الذي تقصدينه؟ : لا أقصد شيئًا، لكن الأمر غريب، أنكم غادرتم ولم تعودوا ثانيًا والجامعة أيضًا لم تأتوا أنتما الاثنان منذ مدة، هل حدث شيء بينكما؟ : لا تثرثري كثيرًا. جاءها هذا الصوت من خلفها مقاطعًا كلامها. نظروا وجدوه عمر، كان على رأسه ضمادة صغيرة مكان جرحه. ذهبت أفيلا وتركتهم.
نظر عمر لها وهي تغادر. اقتربت هدير منه، وضعت يدها على رأسه قالت بقلق: ما هذا؟ : لا شأن لكِ. نظرت له ثم قالت: هل حصلت على مرادك؟ لا يبدو عليك. نظر عمر لها بضيق، ابتعد عنها وذهب وتركها هو الآخر. تعجبت منه وشعرت بالغضب من معاملته لها. اقتربت منها نسرين ابتسمت وضعت يديها عليها قالت: ماذا بك؟ : من الممكن أنها غاضبة من إحراج عمر لها. قالتها نيرا بسخرية. فرد سيف بمزاح: يكفي، سوف تبكي. قالت هدير بغضب: اصمت.
وقالت نسرين: اهدئي، كنا نمزح. لم ترد هدير عليها. اقتربت منها قالت: هل تغارين على عمر من أفيلا؟ قال أحمد: إنكِ من عرفتيه عليها بعدما أصبحت صديقتك، فلما الغيرة الآن؟ ضحكت نيرا قالت: لم تريد صداقتها، لقد طلب عمر منها ذلك فتقربت منها من أجله. قال أحمد: أيتها الحمقاء، الفتاة جميلة وصعبة المنال، ظننتيه سوف يستمتع قليلاً ويتركها. كانت هدير تستمع لهم وتشعر بالغضب الشديد من كلامهم.
ذهبت لتبتعد عنهم لأنهم لن يتركوها ويستمرون في مضايقتها. دخلت المدرج، استأذنت من الدكتور وجلست بجانب أفيلا التي لم تهتم بها. انتهت المحاضرة. جمعت أفيلا دفاترها. : هل تضايقتِ من كلامي؟ قالتها هدير بتساؤل. فردت أفيلا: لماذا أتضايق وأكترث لهراء؟ قالت ذلك ثم ذهبت. غضبت هدير من ردها عليها بهذه الطريقة وإحراجها. توقفت أفيلا قبل أن تخرج عندما رأت عمر يدخل. نظر لها قال: كيف حالك؟ صمتت قليلاً، نظرت للضمادة قالت: بخير، وأنت؟
: بخير أيضًا. : جيد. ابتسم عمر بهدوء إليها. نظرت له ثم ذهبت وكان يطالعها إلى أن خرجت. اقتربت هدير منه، أمسكته من ملابسه برقة وتدلل قالت: اشتقت لك. نظر عمر إليها ومن نبرتها: ألن تخبريني عما حدث معك؟ أمسك يدها. نظرت له، أبعدهما عنه وعاد خطوة للخلف يبتعد عنها ثم تركها وذهب. لتشيط غضبًا وتحاول تمالك أعصابها. في الليل استيقظت أفيلا من نومها، شعرت بالظمأ قليلاً. أبعدت الغطاء، أنزلت قدماها وخرجت.
اقتربت من الثلاجة، أضاءت الأنوار، أخذت قارورة ماء وأغلقتها. تنهدت والتفتت. سرعان تبدلت ملامحها، وقعت الزجاجة من يدها أثر الصدمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!