غلبها النوم جويرية وهى تفكر فيمن جذبها إليه من الوهلة الأولى. فهو رجل غير كل الرجال الذين صادفتهم في حياتها، بل مختلف تماماً من حيث المنظر العام والسلوك والكلام.
وحين غلبها النوم، زارها خالد في أحلامها. لتجده يركب على فرس أبيض جميل ويرتدي ملابس بيضاء، ثم ينزل ليأخذ يديها لتركب معه. وما أن ركبت معه حتى تحول لون الفستان الذي ترتديه إلى أبيض ناصع مرصع بالجواهر. وأخذ يركض بها في بستان جميل مليء بالأشجار والورود. وأخذت تضحك من فرط سعادتها. وما بين اللحظة والأخرى يختلس النظر إليها من ورائه، فخفضت طرفها خجلاً. فتسأله بتودد: "أنت وخدني على فين؟ خالد بابتسامته الساحرة وهو ينظر إليها:
"إلى الجنة." ثم أفاقت جويرية من الحلم الجميل على صوت والدتها توقظها من النوم. فقد حان موعد العمل. استيقظت جويرية ويعلو وجهها ابتسامة جميلة من أثر ما حلمت به. جويرية بتثاؤب وهى تضع يدها على فمها: "صباح الفل على ست الكل." فريدة، مامت جويرية: "يسعد صباحك يا جوري يا ضنايا." جويرية بحب: "ثواني يا قمر وهكون محضرة لك أحلى فطار يا ست الكل." وتطبع قبلة حانية على وجنتيها. فريدة بحنان الأم:
"مش عاوزاكي تتأخري على الشغل عشان صاحب المحل ما يكلمكيش كلمة كده ولا كده." جويرية بثقة: "صاحب مين؟ لا متقلقيش، ده ميقدرش يستغني عني." فريدة بتعجب: "إزاي يعني يا بنتي؟ جويرية: "طبعاً، كل الزباين بتيجي عشان خاطري أنا. أمال مش شايفة بنتك ولا إيه؟ جمال وحلاوة وخفة دم. فتلاقي الزبون ييجي مرة واتنين وتلاتة." فريدة بقلق: "بس خلي بالك يا بنتي الناس بقت وحشة، ومتتميعيش في الكلام اللي يفتكروكي شمال والعياذ بالله."
جويرية تعقد حاجبيها: "لا متخفيش يا أمي، أنا أحط صباعي في عين أكبر تخين فيهم لو حد اتجرأ وقالي كلمة كده ولا كده. أنا آه حلوة ولساني حلو بس بأدب." فريدة بقلق: "ربنا يحفظك يا جوري يا قمر." وتدخل جويرية تحضر الفطار المعتبر: فول وفلافل وبتنجان وبطاطس مقلية. وتقعد مع مامتها وأخواتها البنات بسمة ونسمة يفطروا. بسمة: "متنسيش يا جوري تجيبي لي اللي قلتلك عليه." جويرية: "قلت لي إيه يا لمضة؟ أنا عارفة طلباتك مبتخلصش." بسمة بزعل:
"يوووه، هو انتي كل شوية تنسي؟ أم جويرية: "وبعدين يا بسمة أختك وراها شغل. وقت تاني يا حبيبتي." جويرية بحب: "سيبيها يا ماما. قولي لي تاني يا بسمة عشان نسيت. معلش." بسمة بخجل: "أنا كنت عايزة طقم جديد أروح بيه الدرس بدل العيال كل شوية يقولولي هو انتي معندكيش غير ده، ليه مش بتغيري زينا. و ببقى مكسوفة ومش عارفة أرد عليهم أقول إيه." جويرية تدمع عينيها:
"حاضر يا عيون أختك، أسبوع واحد أقبض مرتبى ويكون عندك أحلى طقم تشيكى بيه قدام زمايلك." بسمة بفرحة: "بجد يا جوري؟ جويرية بابتسامة: "بجد يا عين أختك." فتلقى بسمة بنفسها في حضن أختها، فتدمع عين والدتهما. نسمة، الاخت الأصغر، تعقد حاجبيها غضباً وتزفر غضباً. جويرية بضحك: "فيه إيه يا ست البنات، وآخر العنقود نسوم حبيبة أختها؟ نسمة بدلع: "يعني هتجيبي طقم لبسمة وأنا هتجيبي لي إيه أنا كمان؟ أم جويرية بغضب:
"واحدة واحدة على اختكوا مش كده هتقطع نفسها يعني." بسمة: "مرة وانتي مرة يا نسمة الشهر الجاي إن شاء الله." فتبكي نسمة، وترأف لحالها جويرية فتقبلها وتحملها بين ذراعيها. جويرية بحب: "لا متبكيش يا حبيبتي، شوفي عايزاني أجيب لك إيه وأنا أجيب لك." نسمة بفرحة: "عايزة شنطة للمدرسة جديدة. العيال كلهم جايين السنة دي بشنط جديدة حلوة كده بعجل وأنا بس شنطتي من السنة اللي فاتت ومقطعة من جنب والسوستة بايظة بتاعتها." أم جويرية:
"هاتيها أخيطها لك وأصلح لك السوستة." نسمة: "لا أنا عايزة واحدة جديدة زيهم." جويرية تفكر: هو المرتب هيكفي إيه ولا إيه، وكان نفسي أجيب شوز جديد لنفسي عشان القديم من كتر الريحة والجاية اتفرتك، بس مش مهم هخيطه وهجيب لنسمة الشنطة عشان تفرح. جويرية بابتسامة: "حاضر يا نسومة، هاخدك انتي وبسمة وتجيبوا اللي عايزينه كله إن شاء الله." أم جويرية بدموع: "معلش يا ضي عيني، اتحملتي الهم بدري بدري، وتعبانة معانا أنا وأخواتك." جويرية:
"متقوليش كده يا ست الكل، أنا عيني عشانكم. المهم ربنا يخليكي لينا ويقدرني أراعي أخواتي لغاية ما يخلصوا تعليمهم." جويرية باستعجال: "ياه، أنا اتأخرت أوي. بس لازم أجيب لك علاجك الأول جمبك عشان متنسيش." وتعطي جويرية العلاج لوالدتها ثم تقبلها وتودعها. ثم تتوكل على الله وتذهب لعملها بالمحل.
على جانب آخر، في إحدى الشقق على أطراف المدينة، يسكن بها مجموعة من الشباب المتطرفين من الجماعة التكفيريين، الذين تم للأسف عمل لهم غسيل مخ. وأقنعوهم بأن يقيموا بعمليات إرهابية وتفجيرية ويضحوا بأنفسهم ظانين أنهم بذلك شهداء وسيدخلون الجنة. ولكن للأسف هم في النار جزاء للقتل الأبرياء بدون ذنب وإرهاب ناس لا حيلة لهم. فنجد معنا أحد الأشخاص، ويعتبر رئيسهم في العملية التي تم تحديدها، يدعى شنقيطي، وهو اسم مستعار له، قائلاً:
"لقد حدد لنا الشيخ الهدف وما علينا إلا انتظار الموعد وتنفيذ المهمة." أبو غسان، وهو اسم مستعار أيضاً: "وإلى أن يتم تحديد اليوم، علينا بصنع القنابل وما يلزم الانفجار، والذهاب إلى الهدف لمعاينته." شنقيطي: "وهو كذلك. وفقنا الله وأطاح بهم. وأمدنا الله قريباً بمدد جديد يساعدنا في إتمام ما كلفنا به." خالد يفكر في جويرية محدثاً نفسه: "خسارة البنت دي في اللي عملته في نفسها، فهي لؤلؤة جميلة، لازم يزينها الحجاب."
جويرية أيضاً تفكر في خالد وعزمت أن تذهب إليه مرة أخرى لتحاول أن تجذبه إليها. وفعلاً ذهبت إليه. جويرية: "السلام عليكم." خالد عرف صوتها: "وعليكم السلام أختنا." وكان محضر لها كتاب عن الحجاب، فقلبه كان يحدثه أنها ستأتي مرة أخرى. خالد: "اتفضلي الكتاب ده هدية مني، ويا ريت تقرئيه." جويرية في نفسها: "كتاب؟ هو أنا لسه تلميذة؟ يلا زي بعضه، أي حاجة منه حلوة." جويرية: "شكراً، هدية مقبولة منك."
واختلست نظرات له، وهو برضه محاولش يرفع نظره ليها. جويرية: "الراجل ده هيجنني، يعني مديني كتاب وبرضه مش بيبص لي." جويرية تأخذ الكتاب وتشوف العنوان: الحجاب. فتقول لنفسها: "حجاب إيه؟ منه حلوة كده والحجاب حجاب القلب والمهم من جوه أبيض. يبقى حتة القماشة دي مش هتقدم ولا تأخر. هيفهموا كده إمتى؟ وأخذت الكتاب وشكرته وخرجت من عنده وراحت المحل. وحطت الكتاب في شنطتها ومهتمتش بيه، محدثة نفسها: "المهم إنه منه وخلاص."
وكملت شغلها عادي جداً وراحت البيت. وجت تنام لمحت صورة خالد في عينيها، فحاولت تبعده عن تفكيرها. وأخذت تتقلب يمين شمال، برضه مش عارفة تنام. فقالت: "لما أقرأ كده في الكتاب اللي أدهولي أسلي نفسي بيه شوية، يمكن أنام وأنا بقرأه."
فتحت جويرية أول صفحة عن جمال وفضائل الحجاب وأنه يزيد المرأة جمالاً ويمنحها الستر والعفة وتكون كالؤلؤة المصونة عن أعين الذئاب. فعجبتها أول صفحة وقعدت تقرأ ومحستش بنفسها إلا وهي مخلصة الكتاب، ولقت دموعها بتنزل، خصوصاً لما قرأت الأنشودة الجميلة دي في نهاية الكتاب: يا أختنا بالله لا يغويكِ ذا الشيطان إن الحجاب فريضة من ربنا المنان أنا سمعنا أختنا قولاً عجــــــاب قالوا كلاماً لا يسر عن الحجـــــاب
قالوا ظلاماً حالكاً بين الثيــــــاب قالوا خياماً علقت فوق الرقاــــــب نادوا بتحرير الفتاة وألفوا فيه الكتاب رسموا طريقاً للتبرج لا يضيعه الشباب يا أختنا هذا عواء الحاقدين من الذئاب النار مثوى الظالمين لهم عقاب والله يكشف ظلمهم يوم الحساب والجنه المأوى ويا حسن المآب وشعرت جويرية براحة نفسية ولا أول مرة يدخل في قلبها حب الحجاب. وعرفت أنه فرض لأنها كانت الأول بتفتكر أنه مجرد منظر والمهم القلب.
فقررت تلبس الحجاب، لكن معندهاش لسه لبس مناسب، فكل لبسها ضيق ومكشوف. فأخذت عباية من عند مامتها وطرحة عقبال ما تشتري حجاب ولبس مناسب. فطلعت عباية سودة وطرحة لونها وردي ولبستها وبصت لنفسها في المراية. يمين شمال، جاها وسواس يقول لها: "إيه ده اللي عملاه في نفسك؟ الناس هتضحك من منظرك كده، ومحدش هيبص لك تاني من شكلك ده." جويرية: "لا لا مش هلبسه وهرجع لبسي تاني." ولسه بتخلع الحجاب، دخلت عليها مامتها:
"ما شاء الله تبارك الله. إيه الجمال ده يا جوري؟ الطرحة هتاكل منك حتة. مكنتش أعرف إنك هتحلوى زيادة بالحجاب. فسبحان الله الستر جميل يا بنتي. ربنا يسترِك دنيا وآخرة." جويرية: "بجد يا ماما شكلي حلو ولا هيضحكوا عليه؟ ماما: "هيضحكوا عليكي ليه؟ بالعكس هيحترموكِ أكتر. صدقيني يا بنتي الناس بطبعها بتحب التدين، وإن كان بيبصوا لك ومعجبين بيكي قبل الحجاب فتبقى نظرة رغبة لسلعة سهلة كده، لكن دلوقتي هتبقى نظرة احترام."
جويرية باست رأس مامتها: "ربنا يخليكي لي يا ست الكل. بس لسه مكسوفة، أنزل بيه؟ ماما: "انزلي توكلي على الله." ونزلت جويرية بالحجاب لأول مرة. فماذا سيكون وقع المفاجأة على الناس وزملائها في العمل وصاحب العمل؟ هل سيرضى عن حجابها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!