الفصل 1 | من 28 فصل

رواية احببت من لا يراني الفصل الأول 1 - بقلم سحر السحرتي

المشاهدات
33
كلمة
4,535
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

في منتصف الليل كانت تتسلل دون أن يراها أحد، لكن أدهم انتبه لغلق باب شقة عمه التي بجوار شقته، فذهب ليرى من الذي خرج في ذلك الوقت المتأخر. وجد سماء تصعد إلى السطح بهدوء وحرص ألا يسمعها أحد، ودخلت الغرفة المخصصة لوضع الكراكيب، وسمعها تقول:

"أنا جيت يا حبيبي اتأخرت عليك… عامل إيه. لا أسكت أحسن حد يسمعنا… بس بس بالراحة… هههههه لا مش هتاخد حاجة غير بمزاجي. هااه… أي كدة… طيب خد زعلانة منك… هههههه طب خلاص أوعى بقى خليني أنزل أحسن حد يحس بيا بعدين تبقى مشكلة." طرق أدهم باب الغرفة بشدة، فخرجت وهي مرتع -بة من نظراته، فامسكها من ذراعها بقوة: "مين اللي جوة وبتعملي إيه معاه؟ حاولت جذب يدها منه، لكنه أحكم قبضته عليها: "سيب ايدي ما تمسكنيش كدة بتوجعني."

"دي أنا هشرب من دمك، مين اللي جوة؟ "أي… أي… هقول بس أوعى تقول لبابا." "دي أنا هقول وأفض -حك عشان يعرف المصيبة اللي بنت مراته عاملاها ويط -ردك من بيته." امسك هاتفه واتصل على عمه، وهي بدأت في البكاء من كلماته الج -ارحة: "الو معلش يا عمي صحيتكم من النوم اطلع على السطح ضروري دلوقتي… لما تطلع هتعرف." أغلق الخط ثم نظر إليها بانتصار، أنه أخيراً سوف يتخلص منها هي ووالدتها: "دقائق وأخر يوم ليك هنا أنت وأمك في البيت ده."

نظرت باستغراب من كلماته وتفكيره الغير متوقع: "انت بتعمل كده ليه ومش طايقنا؟ هو كان عمك اتجوز على مامتك؟ "دي اتجوز بعد مراته ما مات -ت." "أصله ما عرفش يختار، اتجوز خياطة مش من مستوانا." قبل أن يكمل باقي كلامه الج -ارح، كان عمه قد صعد: "إيه ده، أنت ماسك سماء بالشكل ده ليه؟ "طلعت تتسحب ومعاها واحد جوة وخا -يفة يطلع ويا عالم كانت بتعمل إيه معاه، تخيل أنت." تعص -بت سماء وسحبت ذراعها من بين يديه: "أنا ما اسمحلكش."

"مش مكسوفة من نفسك؟ إيه البجاحة دي؟ لك عين تردي وتعلي صوتك؟ اللي زيك يحط عينه في الأرض. اصبري فضي -حتك هتبقى على كل لسان في الشارع." امسكت يد زوج والدتها وقبلتها: "أيوه أسلوب الدحل -بة مش هياكل معانا المرة دي لو مفكرة إنك كده بتنقذي نفسك." لم تعره اهتمام وأكملت: "أنا آسفة يا بابا، حقك عليا، كان المفروض استأذن منك عشان أجيبه، بس هو مريض وخفت ترفض، كان هيم -وت لو سبته في الشارع." "هو مين؟

وفهميني بالراحة واحدة واحدة كده." "ده عنتر اتعور في رجله ومش قادر يمشي عليها، وكنت بطلع له أكل." "وحبيبك ده ملوش بيت يلمه؟ "لا يا بابا." قبل أن تكمل: "طلعيه ولا مش راجل ما عندوش الشجاعة يواجهنا ويدافع عنك… شفت بتعمل إيه من وراك، وعاملة حجتها إنه تعبان. لازم تتط -رد من البيت، دي هت -سئ لسمعتنا بأخلاقها دي."

"بالراحة يا أدهم، خلينا نفهم الأول… نادي عليه يا سماء خليه يخرج عشان نفهم كل حاجة، لأن لغاية دلوقتي مش فاهم أي حاجة، إزاي تدخلي حد غريب البيت لمجرد إنه مريض." وضعت يدها داخل فمها وأطلقت صافرة صغيرة، فخرج جرو جري -ح قدمه مربوطة، فحملته وقبلته: "هو ده يا أدهم اللي مصحيني من النوم عشانه وعامل الهليلة دي؟ طب استفسر الأول بدل ما تصحيني من أحلى نومة… الله يكسفك، عايزني أعمل مشكلة وفضي -حة عشان ده." بحنية أمسكها من أذنها:

"وانت يا بنت يا سماء مش قايل لك كام مرة بلاش تدخلي الكلاب في البيت." "أنا دخلته على السطح، وانت شايف هيم -وت، أسيبه؟ يرضيك ده ابن بسبوسة." "يق -طع بسبوسة اللي كل شوية تز -ع عيال وانت شاغلة نفسك بيهم." احتضنت عنتر وردت بكل براءة: "ما تقولش كده يا بابا، دي بسبوسة طيبة." "طيبة قوي يا أختي، بتدي لها أكلك من اللحمة ومخلصة على مصروفك." "مش لسه والدة وعايزة تتغذى." "هتف

-قعي مرارتي من حبك للحيوانات. حطي سي عنتر في الأوضة جوة، واما يخف ما أشوفش وشه لا هو ولا أمه. آخر مرة قربتي تقلبي البيت جنينة حيوانات، وربنا يستر لما أمك تعرف مش هحوشها عنك." "لا يا بابا بلاش تقول لها، هتطير شبشبين على راسي." "أحسن تستاهلي، زي ما طيرتي النوم من عيني." وشد أدهم من ذراعه وهمس في أذنه: "طلع سماء من دماغك وسيبك من الكلام اللي خطيبتك كل شوية بتملاه في ودانك." "لمياء مش بتقول لي حاجة."

"لا يا أدهم، بنتي وأنا عارفها، وكانت رافضة جوازي بعد أمي… لكن انت شفت بنفسك قاعد لوحدي بعد ما سافرت زي قرد قطع… البنت وأمها شايلينني في عينيهم… انت طول عمرك راجل يا أدهم ووقفت معايا بدل أبوك اللي سافر وساب شغلتنا ومست -عر منها، وأنا بعتبرك أكتر من ابني، فخليك دايماً في نظري كبير." "حاضر يا عمي، أنا آسف." "يلا يا ست سماء، وبعد كده ابقي اطلعي لعنتر بتاعك بالنهار، بلاش تجيبي لنا الكلام من اللي ما يسواش."

"أنا ما يسواش يا عمي." "مش قصدي عليك، خدتها على نفسك ليه." وضحك: "حاضر يا بابا، نازلة وراك، اسبقني هلف له الرباط كويس وأحصلك." "اقف معاها يا أدهم لغاية لما تخلص." "حاضر يا عمي، أمر." بدأت سماء في إعادة ربط الج -رح للكلب وتحدثت بسخرية: "إيه يا عنتر، سامع حد عايز يعتذر… أنا ما افتكرش، هو بيتهم الناس ظل -م؟ مش… مش مشكلة هي يعني، كانت أول مرة." قال بتافف: "اخلصي وانجزي بقى، عايز أنام." "ما تروح تنام، هو أنا كنت ماسكاك."

"عمي قال لي استنى البرنسيسة." "ولما انت رافض تستنى، ما قلتش الكلام ده له ليه؟ "مش بحب أزعله." "خلاص قربت أخلص، لو عايز تنزل اتفضل." "لا، مت -نيل، مستنيك." "مش هتعتذر بقى؟ "على إيه؟ انت اللي غلطانة، طالعة تتسحبي زي الح -رامية، واللي يسمعك وانت بتكلميه يفكرك بتعملي حاجة غل -ط." "وطلعت س -ئ الظن، مش هسيبك غير وانت معتذر." رد وهو مغ -صوب ومن بين أسنانه: "آسف، كويس كده، اخلصي بقى." "هي دي طريقة اعتذار؟

… هو أنا ليه حاسة إنك مش طايقنا وعايز عمك يطلق ماما؟ "هو أنا فعلاً مش طايقكم… وبعدين ما أنا قلت لك إنكم مش من مستوانا." "هو المستوى المادي هو اللي بيحكم، يعني الأخلاق مش في حساباتك؟ "أكيد في حساباتي، بس لازم يكون الشخص من نفس الطبقة." "آآآه، عشان كده هتتجوز بنت عمك؟ "هو انت هتصاحبيني؟ ردت بس -خرية: "لا، هو أنا أطول… اتفضل، خلصت." نزلت معه وكل واحد منهم دخل إلى شقته.

أدهم شاب في الـ 24 من عمره، متخرج من كلية الهندسة، لكنه يعمل مع عمه في محلات الجزّارة، مهنة أجداده. وعمه أكبر إخوته وشيخ الجزارين في المنطقة. رفض عاصم والد أدهم أنه يعمل جزار وهرب وسافر يعمل في الخارج، ويأتي كل إجازة، وأخوه سلطان هو الذي يتولى مسؤولية الأسرة، لهذا أدهم يحترمه كثيراً. سماء فتاة ذات 16 سنة، تزوجت أمها من والدها وهي صغيرة السن، لم تحتمل العيش معه لس -وء خلقه، فتطلقت وهي حامل بها.

لم تر سماء والدها نهائياً، فقد أخذتها أمها وابتعدت عنه حتى لا يؤذي -هم أو يحرمها منها. أما عن والدها فلم يبحث عنهم أبداً. تزوجت أميرة والدة سماء من سلطان منذ عام تقريباً، بعد أن ظل عازباً وحيداً بعد وفاة زوجته، ولمدة عام تقريباً، ولقد عوض كل منهم الآخر بما يفتقده… هي وابنتها عوضهما عن حب والاهتمام… أما أميرة وسماء عوضاه عن الدفء الأسري. أحبته سماء وأصبحت تناديه "بابا" بدلاً عن والدها الذي لم يكلف نفسه العنا

-ء لرؤيتها مرة واحدة طوال عمرها، رغم أنه يعلم أين توجد. كانت أميرة تعمل بالتفصيل، فهي موهوبة ولم تحتاج لمساعدة أحد، كل الناس تحترمها وتتسابق للتفصيل عندها. كانت تصمم ملابس سماء بنفسها، وكانت تبدو دائماً في منتهى الجمال. *** **عودة للماضي منذ عام قبل زواج أميرة من سلطان**

يوم عيد الأضحى، كان سلطان يوزع الأضحية على سكان المنطقة كعادته، وكان من ضمنهم أميرة وسماء، فهو يصر على جميع الناس أن تأخذ منه، وهم احتراما له ولشراء وده، وحتى لا يحزن لأنه دائماً حنون وكريم معهم، لا يردون يده. همست سماء في أذنه: "ممكن يا معلم شوية عضم؟ "ليه يا سماء؟ عايزة شوربة؟ "لا عشان بسبوسة أصلها حامل." "بسبوسة دي خالتك؟ "لا، الكلبة اللي في الخرابة." "وإيه اللي بيوديك هناك؟

"عشان أحطلها أكل وآخد بالي منها، أصلها طيبة وغلبانة." سحبتها أمها من ذراعها: "بتعملي إيه؟ "مفيش، بسلم على المعلم وأشكره على اللحمة." "إحنا أخذنا لحمة، عيب كده، عايزة إيه تاني؟ ضحك سلطان: "سيبيها، أنا وهي أصحاب." "مش عايز -ها تض -ايقك." "تض -ايقني، ده أنا بحبها زي لمياء بنتي. ادخلي يا سماء المحل، خلي أدهم يكلمني." جريت بسرعة قبل أن تعترض أمها: "أدهم… أدهم… أدهم… كلم المعلم سلطان." رد بحده من عفويتها:

"اسمي المعلم أدهم… هو أنا بلعب معاكي في الشارع؟ ردت بسخرية: "طب كلم يا معلم أدهم، عمك عايزك بسرعة بس." نظر لها بتعجب وذهب لعمه. همس سلطان لأدهم أن يعطيها بعض العظام، فأخذتهم سماء وكانت في منتهى السعادة وأسرعت بالجري. "هي مالها بتجري كده ليه؟ مبسوطة بشوية عضم ولا كأنها واخدة 5 كيلو لحمة؟ "طيبة وعلى نياتها وبتحب الحيوانات، وهتاخدهم للكلبة اللي في الخرابة." ما زال الناس في الشارع يحتفلون بالعيد.

عادت سماء بعد أن وضعت العظم لبسبوسة، وهي تركب عجلة قد استأجرتها. وقفت إحدى جاراتهم بجانب أمها: "هي بنتك مش كبرت على ركوب العجل؟ "سيبيها تفرح، النهارده عيد، وإحنا ملناش قرايب، وأنا واقفة معاها." "أخليها إيه؟ هي مش بته -د أبداً، طول ما هي رايحة جاية في الشارع كده ومفكرة نفسها بنت 8 سنين." لم يمر سوى عدة دقائق حتى سقطت سماء من فوق العجلة وبدأت في الص -راخ من ال -م في قدمها. فدف -عت أمها جارتها:

"حرام عليكي، منك لله، قولي ما شاء الله، هتجيبي أجل البنت." أسرعت لترى ابنتها وهي تبكي: "مالك يا حبيبتي؟ "رجلي يا ماما، مش قادرة أحركها، ولا عارفة وقعت إزاي." "قومي معايا في البيت نشوفها." "يا ماما بقول لك مش قادرة أدوس عليها." بدأت أميرة تستنجد بالناس في الشارع حتى يساعدها أحد على حملها.

هب سلطان لنجدتها، فقد كان ما زال في الشارع ينهي بعض الأعمال أو يتظاهر بذلك، فقد كان يراقب أميرة دون أن يلحظ أحد. وهب سريعا لمساعدتها قبل أي شخص. نادى على ابن أخيه: "شيل يا أدهم البنت وديها البيت، وأنا هتصل على الدكتور." "مفيش داعي يا معلم، وديها البيت، وأنا هبعت للشيخ حسان يرقيها، منها لله اللي كانت السبب." "هي أم زغلول اللي عيدت عليها؟ "هي بتحسدنا على إيه؟

هتجيب أجل البنت اللي حيلتي عشان ركبت العجلة شوية تفرح بالعيد." "معلش، ربنا يهديها، أهي كل عيد لازم تستلم حد، ويظهر سماء اللي عليها الدور، بس خير إن شاء الله." حمل أدهم سماء بين يديه وكانت تبكي: "اجمدي شوية، ما كنتي مش مبطلة كلام وتنطيط." "ما القر ده اللي وقعني." "واضح إنك كويسة، لسانك زي المبرد." "طب امسكني كويس، أوعى توقعني." "انت كمان هتتأمري؟ مش تحمدي ربنا إني شايلك كل المسافة دي."

"لو مش قادر، قعدني على الرصيف وريح شوية، رغم أن المسافة قريبة." "مش من تقلك." "آه، أنا رفيعة وخفيفة، ولو ريحت الناس هتقول عليك خ -ع." "أنا مش هقعدك على الرصيف، أنا هرزعك في الأرض، مش عارف الوقعة ليه صابتك في رجلك، كانت تبقى في لسانك وارتحنا." بمسكنة وحزن بعد أن تذكرت حالها: "آه يا رجلي… آآآه." "دلوقتي افتكرتي، وآه يا رجلي." شعر الاثنان بشعور غريب، لكن كل منهم لم يشغل باله وتعمد تجاهله.

أسرعت أميرة تفتح باب شقتها التي كانت في الدور الأرضي وقريبة جداً من منزل ومحل سلطان. دخلوا جميعاً وبعض الجارات كي يطمئنوا على ابنتها. "أحطها فين يا أم سماء؟ "أوضتها على اليمين." "شكراً يا معلم أدهم، تعبناك معانا." "لا تعب ولا حاجة، بس هي تقوم وتصدعنا." "يا رب… أنا كلمت الشيخ حسان وجاي بعد نص ساعة… تسلم يا معلم سلطان، ما اتحرمش من ذوقك."

"خلينا معاكي على ما يجي ويمشي عشان ما تبقيش معاه لوحدك. كل الستات راحوا بيوتهم يعيدوا." "متشكره، بس هعطلك." "ولا عطله ولا حاجة، إحنا خلاص فرقنا اللحمة، وانت عارفة العيال عندي كلهم مسافرين… وأول ما يوصل الشيخ، أدهم ممكن يمشي." "يبقى تفطروا معانا لقمة كده صغيرة… ده أنا مشوّحة حتة كبدة، إنما إيه تستاهل بقكم." "ما لوش لزوم نتعبك معانا."

"أبداً والله، ما تيجي، دي أول مرة تنوروني في بيتي، وطول عمرنا بنفطر لوحدنا. أول يوم العيد أختي مسافرة مع جوزها وبتنزل كل كام سنة. أمانة ما تكسفني." "خلاص، اللي تشوفيه." أعدت أميرة الطعام ووضعته، وتناولوه جميعاً بجانب سماء حتى تستطيع مشاركتهم. كانت الجلسة كلها ضحك مع سماء وعليها حتى تبتعد عن الحزن على ما أصابها.

بجانب أن الطعام كان لذيذاً، مما زاد إعجاب سلطان بأميرة، التي كان دائماً يشعر بالإعجاب والاحترام لها، لأنها حملت مسؤولية ابنتها وحدها ولم تمد يدها لأحد، حتى في أحلك الأوقات. كما حافظت على نفسها، فهي صغيرة وجميلة جداً. لقد تزوجت وأنجبت في سن صغيرة، من يراها بجانب سماء يعتقد أنها أختها الصغيرة. قد حاول الكثيرون التقرب لها، ولكنها اختارت أن تربي ابنتها وتكتفي بها. حضر الشيخ حسان، واستأذن أدهم بالانصراف.

قام الشيخ برقيه سماء، التي كانت تردد معه آيات القرآن، فهي تحفظ الكثير منه. كانت سماء تبكي وتتساءل: "هو أنا مش هعرف أمشي تاني؟ رد عليها الشيخ: "لا يا بنتي، إن شاء الله كام يوم وربنا يكتب لك الشفاء. أنا عديت على أم زغلول وخليتها تتوضأ وجبت ميه الوضوء معايا." أعطى والدتها الماء: "خليها تستحمى وترقي نفسها كل يوم الصبح وبالليل، وربنا يحفظها ويشفيها ويهدي أم زغلول… أنا تقريباً بقيت شغال معاها، هي تحسد وأنا أعالج."

ضحكوا جميعاً، فقد قال ذلك كي يذهب عنهم ال -م قليلاً. انصرف الشيخ، واستأذن سلطان أيضاً بالذهاب، لكن قلبه كان معلقاً مع أميرة، فقد كانت جلستها من أسعد لحظات حياته، حتى زوجته المتوفية لم تكن جلستها بهذه الروح. فبعض النساء ترزق حلاوة روح تجعل المكان كأنه الجنة، وقد كانت أميرة… وابنتها ورثت ذلك منها. نفذت أميرة كلام الشيخ، وبدأت سماء تتحرك قليلاً. حضرت أم زغلول وهي خجلة، تعتذر عما بدر منها لأميرة.

"خلي بالك يا أم زغلول، ممكن حد يم -وت بسببك. قولي على طول ما شاء الله. الناس بدأت تبعد عنك وانت طيبة وعارفة إنك مش قاصدة." "تصدقي انت الوحيدة يا أم سماء اللي بتقولي عليا طيبة، حقك عليا بالله عليك ما تزعليش." "ولا يهمك، بس خذي بالك، أنا بحبك زي أختي وبنصحك لوجه الله." "حاضر، ما هو المرة دي الشيخ اداني كلمتين وقال إن الناس كلمته عشان يبلغني أعزل من الشارع." "يا خبر! للدرجة دي؟ شفتي وصلت لإيه؟

اعملي بس زي ما بقول لك وما حدش هيكلمك." "هو أنا يعني بعمل إيه؟ "بتبصي للي في إيد غيرك، الرضا بالمقسوم عبادة، ربنا بيكافئ الإنسان الصابر." "أنا أصلي اتبهدلت قوي." "وانت مفكرة إن الناس كلها مرتاحة؟ حتى الأغنياء تعبانين، بس ربنا بيراضينا والحمد لله دائماً وأبداً على كل شيء." "الحمد لله، عندك حق." عاد سلطان على بيته وهو يفكر في أميرة التي لم تغب عن تفكيره. عاد أدهم أيضاً لمنزله الذي كان عبارة عن شقة بجوار شقة عمه.

يسكن أدهم وسلطان في منزل العائلة المكون من عدة طوابق، كان يسكنها عدد من المستأجرين، لكن بعد أن أصبح سلطان ميسور الحال، أخرجهم وعوضهم حتى لا يكون أي غريب يسكن معهم. استخدم سلطان هذه الشقق في تخزين بعض الأغراض إلى أن يقوم بتجديدهم واستغلالهم لأغراض أخرى. قام أدهم بتغيير ملابسه واستعد ليكلم خطيبته لمياء ليعيد عليها. لمياء هي ابنة عمه، سافرت لتكمل دراستها في الخارج وتقيم مع والده عاصم، لولا ذلك لما سمح لها والدها بالسفر.

أرادت لمياء دراسة الطب، ولكنها لم تتوفق في المجموع الخاص بتلك الكلية. "صباح الخير يا قلبي، كل سنة وانت طيبة يا حبيبتي." "وانت طيب يا حبيبي، اتأخرت ليه؟ "على ما وزعنا اللحمة وحصلت حاجة كده، هبقى أحكي لك عليها بعدين." "لحمة تاني؟ هو انت مش ناوي تشتغل بشهادتك بقى وتسيبك من مهنة الجزّارة دي؟ "هو إحنا هنبدأ نفس الموال؟ انت وحشتيني… ومش كفاية بابا سابها لعمي، ودي مهنة جدودنا."

"الدنيا بتتطور يا أدهم، وعمي أخذ القرار الصح، وإحنا دلوقتي معانا فلوس كتير، إيه المانع لما نتغير… سيب بابا عمره ما هيتغير وهيعيش ويم -وت جزار." "أنا عمي هو اللي رباني أنا وأختي، لأن بابا هرب وكان بعيد عننا بنشوفه في الإجازات بس، فعمي له حق عليّ أكتر من أبويا، وعمري ما هزعله… كفاية إخواتك كمان قلدوا بابا وشافوا شغل في محافظات تانية بعيد عشان تبقى حجة يبعدوا عن المهنة اللي ما تقللش من قيمة حد." سمع صوت والده:

"شكراً يا أستاذ أدهم، هي دي المعايدة بتاعتك لابوك؟ بتقول عليه هرب؟ أحب أفكرك إني ما حبيتهاش، ولما جيت تشتغل مع عمك سألتك إذا كنت مغ -صوب عشان هو اللي رباك، قلت إنك بتحبها… وأنا بأيد إن كل إنسان يشتغل اللي بيحبه." "بابا، كل سنة وانت طيب، وعقل بنت أخوك بلاش تملى دماغها، لأن من أيام جدي وأنا بحب المهنة دي زي ما انت قلت، وأنا بقيت مهندس، بس عشان أليق بالدكتورة لمياء، أكتر من كده ما حدش يضغط عليّ في الموضوع ده، سلام."

أغلق المكالمة وهو غاض -ب من محبوبته التي كان يريد أن تغمره بكلمات الحب في هذا العيد، وحدث نفسه: "قفلتيني منك يا شيخة، ح -رام عليكي." سمع طرقاً على الباب، فأذن للطارق بالدخول. كان عمار صديق عمره وابن خالته: "إيه يا وحش، كل سنة وانت طيب… مالك؟ شكلك كلمت الجماعة وكالعادة نك -دت عليك… هي خلصت وصلة النكد الدائم بدري؟ "ناصح قوي طول عمرك… آه يا سيدي، نفس الموضوع، ما بتزهقش."

"أوعى يا أدهم، عمك يروح فيها، ده مسنود عليك، غير إنك بتحبها." "عارف، ومستغرب إزاي بنته وبتحر -ني أسيبه." "ما هي واخواتها طول عمرهم بيكرهوا مهنته، رغم إنهم عايشين في عزها… سيبك، يلا نخرج، حاكم أنا بستنى إجازة العيد عشان أستريح من سحلة الشغل." دخلت أخته دون أن تطرق الباب: "ادهم، ماما بتقول لك يلا عشان تفطر." "مش تتن -يلي تخبطي؟ يمكن بغير." "بتغير قدام عمار إزاي يعني؟ "طب يا لمضة، قولي لماما إني فطرت." عمار بسرعة:

"أنا لسه يا سماح، وجاي، مش هتأخر." بضحكة شقية: "هو حد عزم عليك؟ "عندك حق، ده بيتي، آكل من غير عزومة." أغلقت الباب وهي تضحك، وأكمل كلامه مع أدهم: "يا أخي، عامل وحش الشاشة على الناس كلها، وتيجي مع لمياء وتبقى قط سيامي." "عمار، ملكش دعوة، أنا بحبها من واحنا صغيرين." "وأنا طول عمري حاسس إنها مش بتحبك، مش عارف ليه، وكل همها مصلحتها." "عمار، هنعيدها لم الدور، كفاية عليا هي… ويلا عشان تط -فح وننزل." "اطف

-ح يا عم الملافظ سعد، هي تنكد عليك ويطلع على جتتنا، افرد بوزك ده في الخروج أحسن، أسيبك وأخرج من غيرك." بنظرة تهديد: "هو انت تقدر؟ "مش بقولك وحش الشاشة." دفعه بمزح: "يلا يا أخويا." "لا، مكسوف آكل." "من إمتى يا واد؟ دي انت ناقص تاكلنا." والده أدهم: "أمال انت فطرت فين يا أدهم… اقعد يا عمار يا حبيبي." "عند أم سماء، أنا وعمي مسكنا فيها عشان نشكرها بعد ما ساعدناها في موضوع بنتها." "آه صحيح، أخبارها إيه؟

أنا كنت في البلكونة وشفتها. يا حبيبتي، زي ما يكون حد زقها من فوق العجلة." "الحمد لله، الشيخ حسان عمل الواجب، وبدأت تحرك رجلها على خفيف." "ربنا يعين أمها، ياما اتبهدلت عشانها، بيحسدوها على إيه؟ دول ناس غلابة." "بس تصدقي، الفطار كان طعمه حلو قوي." "هي أميرة الشارع بيشكر في نفسها؟ "وانت دُقّت أكلها؟ "آه، يوم ما سماء نجحت في الإعدادية وزعت أرز باللبن، إنما كان طعم بشكل."

بعد الأكل، كان أدهم يستعد للخروج. فتح باب الشقة ووجد عمه خارج من باب بيته. "أدهم، لما ترجع عايزك في موضوع." "خير يا عمي، لو ضروري بلاش ننزل." "لا يا حبيبي، بس أخذت قرار وعايز رأيك." "حاضر يا عمي، أول ما أرجع هعدي عليك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...