دَلَفَتْ نَدِي الغُرْفَةَ: أَلَمْ تَسْتَيْقِظِي بَعْدُ؟ غَرَامُ وَتَتَنَفَّضُ مِنَ السَّرِيرِ: سَأُجَهِّزُ نَفْسِي فِي ثَوَانٍ. هَلِ اسْتَيْقَظَ الجَمِيعُ؟ نَدِي: لَا يُوجَدُ سِوَى السَّيِّدِ يُوسُفَ. رَكَضَ مِثْلَ كُلِّ يَوْمٍ. لَا تَعْلَمُ لِمَا ذِكْرُهُ تُقْشَعِرُّ بَدَنُهَا. مَا الَّذِي يَحْدُثُ لِي؟ نَدِي: سَأَذْهَبُ. هَيَّا ابْدَئِي بِالتَّنْظِيفِ حُلُمَا تَأْتِي مَايَا وَهَايْدِي. غَرَامُ بِهَمَّةٍ: حَسَنًا.
*** تَوَقَّفَ لِيَلْتَقِطَ أَنْفَاسَهُ. يَرْكُضُ مُنْذُ سَاعَةٍ، كَأَنَّهُ يُعَاقِبُ نَفْسَهُ. وَلَكِنْ لِمَاذَا تُتْعِبُ نَفْسَكَ؟ إِنَّهَا مُجَرَّدُ خَادِمَةٍ. رَفَعَ هَاتِفَهُ لِيَتَّصِلَ بِجَلَالٍ، مُدِيرِ أَعْمَالِهِ بِالخَارِجِ. يُوسُفَ: جَلَالُ، لِمَاذَا تَأَخَّرْتَ بِالرَّدِّ؟ جَلَالُ: هَلْ جَنَنْتَ؟ إِنَّهَا السَّاعَةُ السَّابِعَةُ صَبَاحًا. أَنَا غَارِقٌ بِالنَّوْمِ.
يُوسُفُ بِحَزْمٍ: هَلْ تُعَارِضُ كَلَامِي؟ جَلَالُ بِتَوَتُّرٍ: لَا، سَيِّدِي. يُوسُفُ: آخِرُ تَقَارِيرَ الأَمْسِ لَمْ تُرْسِلْهَا. جَلَالُ: أَعْتَذِرُ، سَيِّدِي. حَقًّا كُنْتُ مَرِيضًا. سَأُرْسِلُهَا حَالًا. يُوسُفُ: أَمَامَكَ نِصْفُ سَاعَةٍ وَأَجِدُهَا بِبَرِيدِي الإِلِكْتِرُونِيِّ. جَلَالُ: حَاضِرٌ، سَيِّدِي. ***
دَلَفَ يُوسُفُ إِلَى المَنْزِلِ. قَبَّلَ جَبِينَ وَالِدَتِهِ وَسَأَلَهَا إِنْ كَانَ بِاسِمٌ قَدْ جَاءَ. قَالَتْ: لَا، حَبِيبِي. لَا يَزَالُ فِي المُسْتَشْفَى. أَنَا قَلِقَةٌ عَلَيْهِ كَثِيرًا. تَنَاوَلَ هَاتِفَهُ وَاتَّصَلَ بِهِ. بَاسِمٌ: نَعَمْ، أَخِي. يُوسُفُ: لِمَاذَا لَمْ تَأْتِ بَعْدُ؟ بَاسِمٌ: نَحْنُ بِانْتِظَارِ مُحَمَّدٍ حَتَّى يُفِيقَ. يُوسُفُ: هَلَّا أَتَيْتَ وَبَدَّلْتَ مَلَابِسَكَ وَعُدْتَ؟
بَاسِمٌ: أَعْتَذِرُ، أَخِي. إِنَّ حَالَةَ وَالِدَتِهِ صَعْبَةٌ وَلَا أَسْتَطِيعُ تَرْكَ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ. يُوسُفُ بِقَلَقٍ: هَلْ تَبْكِي؟ بَاسِمٌ وَهُوَ يَمْسَحُ دُمُوعَهُ: لَا، أَخِي. فَقَطْ حَلْقِي يُؤْلِمُنِي. يُوسُفُ: أَنْتَ كَاذِبٌ أَحْمَقُ. سَآتِي إِلَيْكَ بَعْدَ سَاعَةٍ. بَاسِمٌ: حَسَنًا، أَخِي. أَغْلَقَ الهَاتِفَ فَوَجَدَ صَلَاحَ وَبَعْضَ أَصْدِقَائِهِ قَدْ جَاءُوا لِزِيَارَتِهِمْ.
مَلَكُ: طِفْلِي حَبِيبِي لَمْ يَسْتَرِحْ مِنْ سَفَرِهِ وَذَلِكَ الفَتَى الَّذِي بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ. يَا إِلَهِي، ارْجُو أَنْ يُعَافَيَا. يُوسُفُ: سَيَكُونُ بِخَيْرٍ. لَا تَقْلَقِي. أَتَتْ غَرَامُ فَرَمَقَهَا يُوسُفُ بِطَرَفِ عَيْنِهِ. فَارْتَبَكَتْ وَقَالَتْ وَهِيَ تَفْرُكُ يَدَيْهَا: الفُطُورُ جَاهِزٌ، سَيِّدَتِي. مَلَكُ بِحُزْنٍ: كَيْفَ لِي أَنْ آكُلَ وَوَلَدِي بَعِيدٌ هَكَذَا؟
غَرَامُ: أَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا؟ مَلَكُ: إِنَّهُ لَا يَأْكُلُ عِنْدَمَا يَكُونُ حَزِينًا. يَفْقِدُ شَهِيَّتَهُ فَوْرًا. تَأَلَّمَتْ غَرَامُ وَزَمَّتْ شَفَتَيْهَا بِحُزْنٍ. لَاحَظَ يُوسُفُ قَلَقَهَا. لَا يَدْرِي لِمَا يُزْعِجُهُ الأَمْرُ. غَرَامُ بِخَوْفٍ مِنْ رَدِّ فِعْلِهِمْ: هَلْ أُحْضِرَ لَهُ وَجْبَةً وَنُرْسِلُهَا مَعَ السَّيِّدِ يُوسُفَ لَهُ؟ مَلَكُ: فِكْرَةٌ جَيِّدَةٌ. يُوسُفُ، خُذْ مَعَكَ طَعَامًا لَهُ.
يُوسُفُ بِهُدُوءٍ: حَسَنًا. أَلَنْ نَأْكُلَ؟ مَلَكُ: هَيَّا بِنَا. ***
حَضَّرَتْ غَرَامُ الطَّعَامَ وَأَخَذَتْ وَرَقَةً صَغِيرَةً وَكَتَبَتْ: "عِنْدَمَا تَحْزَنُ، تَأَكَّدْ أَنَّ جَسَدَكَ قَوِيٌّ لِكَيْ تَتَحَمَّلَ أَلَمَ الحُزْنِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرٌ. وَعِنْدَمَا تُسَرُّ يَكُونُ جَسَدُكَ قَوِيًّا عَلَى تِلْكَ الفَرْحَةِ الَّتِي سَوْفَ تُغْمِرُكَ حِينَئِذٍ. تَنَاوَلْ طَعَامَكَ حَتَّى لَا تَفْقِدَ لَذَّةَ الفَرْحَةِ وَأَنْتَ ضَعِيفٌ. غَرَامُ".
وَضَعَتِ الرِّسَالَةَ فِي كِيسٍ حَتَّى لَا تُفْسِدَهَا الطَّعَامَ وَغَلَّفَتْهُ. وَأَعْطَتْهُ لِلسَّيِّدِ يُوسُفَ عِنْدَ بَابِ المَنْزِلِ. رَمَقَهَا فَنَظَرَتْ بِالاتِّجَاهِ الآخَرِ. فَقَالَ بِهُدُوءٍ وَهُوَ يَأْخُذُ الطَّعَامَ: غَرَامُ. غَرَامُ بِخَوْفٍ وَارْتِجَافٍ: نَعَمْ، سَيِّدِي. يُوسُفُ: لَدَيْكِ مَوْعِدٌ اللَّيْلَةَ. لَمْ نُنْهِي حَدِيثَنَا، أَوْ بِالأَحْرَى لَمْ نَبْدَأْ.
غَرَامُ: سَيِّدِي، ارْجُوكَ. أُرِيدُ فَقَطْ عَمَلًا وَبَيْتًا يَأْوِينِي. لَا تُوَرِّطْنِي بِشَيْءٍ، ارْجُوكَ. يُوسُفُ بِمَكْرٍ: حَسَنًا، وَلَكِنْ بَعْدَهُ شُرُوطٌ. عِنْدَمَا آتِي سَوْفَ نَعْقِدُ صَفْقَةً. غَرَامُ: أَيُّ... لَمْ تُكْمِلْ حَدِيثَهَا فَغَادَرَ بِهُدُوءٍ وَلَا مُبَالَاةٍ. انْفَجَرَتْ غَرَامُ بِغَضَبٍ: كَمْ هُوَ مَغْرُورٌ! لِمَا كُلُّ هَذَا التَّكَبُّرِ؟ كَيْفَ يَكُونُ أَخَا بَاسِمٍ؟ لَا أَفْهَمُ. ***
فِي المُسْتَشْفَى، أَتَتْ أَرْوَى بِالطَّبْعِ. لَا تَدْرِي عَنْ فِعْلَتِهَا بِتِلْكَ الرُّوحِ البَرِيئَةِ الَّتِي أَوْجَعَتْ قَلْبَهُ بِكَلِمَاتِهَا اللَّاذِعَةِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَأْتِ لِطَلَبِ الغُفْرَانِ، بَلْ أَتَتْ لِأَنَّ بَاسِمًا هُنَا. وَأَكْثَرُ الفَتَيَاتِ أَتَتْ لِأَنَّ بَاسِمًا أَيْضًا هُنَا. وَهُنَاكَ تِلْكَ الرَّقِيقَةُ الَّتِي تَقِفُ بَعِيدًا، تَتَطَلَّعُ لِلغُرْفَةِ بِحُزْنٍ وَانْكِسَارٍ. لَطَالَمَا أَحَبَّتْ مُحَمَّدًا، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ بِحُبِّهِ لِأَرْوَى، وَلَا تَقْوَى عَلَى البَوْحِ بِحُبٍّ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ أَخْلَاقَهَا لَا تَسْمَحُ بِذَلِكَ.
بَاسِمٌ بِغَضَبٍ: تَوَقَّفِي! أَنْتِ فِي مُسْتَشْفًى وَلَيْسَ مَلْهًى. أَرْوَى: لِمَاذَا تَغْضَبُ هَكَذَا؟ مَا الَّذِي فَعَلْتُهُ؟ بَاسِمٌ بِغَضَبٍ: انْزِلِي يَدَيْكِ عَنِّي وَاحْتَرِمِي نَفْسَكِ أَمَامَ الآخَرِينَ. أَلَيْسَ عِنْدَكِ كَرَامَةٌ؟ أَرْوَى بِغَضَبٍ: لِمَاذَا تَجْرَحُنِي بِكَلِمَاتِكَ هَذِهِ؟
بَاسِمٌ بِصَوْتٍ عَالٍ وَالجَمِيعُ يَسْمَعُ: قَلْبِي يَحْتَرِقُ عَلَى صَدِيقِي بِالدَّاخِلِ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ. أَنْتَظِرُ خَوْفًا أَنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ أَوْ أَفْقِدُهُ، وَأَنْتِ تَقُولِينَ هَذِهِ التَّفَّهَاتِ. هَيَّا اخْرُجِي عَلَيْكِ اللَّعْنَةُ.
لَمْ يَرَ أَحَدٌ غَضَبَ بَاسِمٍ مِنْ قَبْلُ. هَذَا تَجَاوَزَ كُلَّ الحُدُودِ. دَائِمًا كَانَ يُرَاعِي مَشَاعِرَ الآخَرِينَ، وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا كَانَ جُزْءًا مِنْهُ، وَيَخْشَى فِقْدَانَهُ. فَسُحْقًا لِلجَمِيعِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
جَاءَ يُوسُفُ وَمَعَهُ عِدَّةُ أَطِبَّاءٍ لِيَطْمَئِنُّوا عَنْ مُحَمَّدٍ. الجَمِيعُ وَقَفَ بِرَهْبَةٍ، وَالجَمِيعُ يُفْسِحُ المَجَالَ. كَيْفَ لَا وَهُوَ يُوسُفُ شِهَابُ الدِّينِ العُثْمَانِيُّ. جَلَسَ بَاسِمٌ عَلَى الأَرْضِ، قَدَمَاهُ لَا تَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. يُوسُفُ: هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟
بَاسِمٌ بِتَعَبٍ وَيُسْنِدُ رَأْسَهُ عَلَى الحَائِطِ كَمَنْ سُحِبَتْ رُوحُهُ: لَا، يَا أَخِي. أَنَا مُتْعَبٌ. يُوسُفُ وَمَدَّ لَهُ الطَّعَامَ: هَيَّا تَنَاوَلْ. يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قَوِيًّا. بَاسِمٌ: لَا شَهِيَّةَ لِي. يُوسُفُ بِمَكْرٍ: سَوْفَ تُحْزِنُ وَالِدَتُكَ، فَقَدْ أَمَرَتْ غَرَامُ بِإِعْدَادِهِ. بَاسِمٌ وَانْتَبَهَ: غَرَامُ؟ أَقْصِدُ لَمْ أُتْعِبْ أُمِّي نَفْسَهَا. سَأَكُونُ بِخَيْرٍ.
يُوسُفُ وَقَدْ بَلَعَ غَضَبَهُ، فَقَدْ كَانَ اخْتِبَارًا، وَلَكِنْ مَرْحَبًا بِالجَحِيمِ: تَفَضَّلْ، هَا هُوَ. سَأُغَادِرُ. سَأَتَفَقَّدُ المَشَارِيعَ الَّتِي هُنَا. بَاسِمٌ وَهُوَ يَأْخُذُ الطَّعَامَ: شُكْرًا أَخِي. غَادَرَ يُوسُفُ وَفِي رَأْسِهِ خُطَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ.
أَخَذَ بَاسِمٌ الطَّعَامَ وَذَهَبَ إِلَى حَدِيقَةِ المُسْتَشْفَى. فَتَحَ الإِنَاءَ فَوَجَدَ الطَّعَامَ مُزَيَّنًا بِطَرِيقَةٍ مِثَالِيَّةٍ، فَابْتَسَمَ، وَلَكِنْ لَا شَهِيَّةَ لَهُ. فَلَفَتَ انْتِبَاهَهُ وَرَقَةٌ بِجِوَارِهِ. فَأَخَذَهَا: "عِنْدَمَا تَحْزَنُ، تَأَكَّدْ أَنَّ جَسَدَكَ قَوِيٌّ لِكَيْ تَتَحَمَّلَ أَلَمَ الحُزْنِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرٌ. وَعِنْدَمَا تُسَرُّ يَكُونُ جَسَدُكَ قَوِيًّا عَلَى تِلْكَ الفَرْحَةِ الَّتِي سَوْفَ تُغْمِرُكَ حِينَئِذٍ. تَنَاوَلْ طَعَامَكَ حَتَّى لَا تَفْقِدَ لَذَّةَ الفَرْحَةِ وَأَنْتَ ضَعِيفٌ. غَرَامُ".
بَاسِمٌ وَهُوَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ: تِلْكَ الفَتَاةُ سَوْفَ تَجْعَلُنِي أَجُنُّ بِالتَّأْكِيدِ. وَأَخَذَ يَتَنَاوَلُ طَعَامَهُ بِنَهَمٍ حَتَّى أَنْهَاهُ كُلَّهُ. مَرَّ اليَوْمُ مَابَيْنَ زِيَارَاتِ أَصْدِقَاءِ مُحَمَّدٍ لِلْمُسْتَشْفَى، وَيُوسُفُ فِي عَمَلِهِ. (اتِّصَالٌ مِنْ حُورٍ) مَلَكُ: نَعَمْ، صَغِيرَتِي. حُورٌ: سَآتِي غَدًا. مَلَكُ بِفَرَحٍ: حَقًّا؟ سَأُحَضِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، عَزِيزَتِي. حُورٌ: شُكْرًا.
مَلَكُ بِضِيقٍ لِأَنَّ حُورَ لَا تَتَكَلَّمُ كَثِيرًا وَهَادِئَةٌ: هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ؟ هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟ حُورٌ: نَعَمْ، أَشْكُرُكِ عَلَى السُّؤَالِ. مَلَكُ بِحُزْنٍ: صَغِيرَتِي، حَاوِلِي أَنْ تُخَفِّفِي عَنْ نَفْسِكِ. حُورٌ: سَأَذْهَبُ لِأُنْهِيَ فُرُوضِي. إِلَى اللِّقَاءِ. مَلَكُ بِتَنَهُّدَةٍ: إِلَى اللِّقَاءِ.
دَلَفَ يُوسُفُ وَهُوَ يَنْزِعُ الجَاكِتَ وَيُلْقِيهِ عَلَى الكُرْسِيِّ، وَيَنَامُ عَلَى قَدَمَيْ وَالِدَتِهِ بِتَعَبٍ. مَلَكُ: صَغِيرِي، تَعِبَ اليَوْمَ كَثِيرًا. يُوسُفُ: لَمْ أَنَمْ مُنْذُ البَارِحَةِ. مَلَكُ بِقَلَقٍ: لَمْ، صَغِيرِي؟ هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟ يُوسُفُ بِسُخْرِيَةٍ: إِذَا سَمِعَكَ أَحَدُ إِخْوَتِي سَيَجْعَلُونَ مِنِّي مَسْخَرَةً. مَلَكُ: لِمَاذَا؟
أَنْتَ صَغِيرِي مَهْمَا كَبُرْتَ، يَا فَتَى، هَلْ تَفْهَمُ؟ يُوسُفُ بِابْتِسَامَةٍ: أُحِبُّكِ. مَلَكُ: وَأَنَا أَيْضًا، صَغِيرِي. أَيْ، صَحِيحٌ. حُورٌ سَوْفَ تَأْتِي غَدًا. اعْتَدَلَ يُوسُفُ وَزَفَرَ بِضِيقٍ، وَوَقَفَ وَغَادَرَ. مَلَكُ بِقَلَقٍ: أَرْجُو أَنْ يَتَصَالَحَا هَذِهِ المَرَّةَ. *** نَدِي: سَأَذْهَبُ أَنَا يَا غَرَامُ. هَلْ تُرِيدِينَ شَيْئًا؟
غَرَامُ بِحَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهَا: أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكِ سِرًّا، وَلَكِنْ عِدِينِي أَنْ لَا تُخْبِرِي أَحَدًا. نَدِي بِاسْتِغْرَابٍ: أَعِدُكِ. غَرَامُ: أَوَّلًا، هَلْ السَّيِّدُ يُوسُفُ عَلَى عَلَاقَةٍ بِفَتَيَاتٍ؟ نَدِي: لِمَاذَا تَسْأَلِينَ؟ غَرَامُ: أَجِيبِي فَقَطْ. نَدِي: حَسَنًا. نَعَمْ، الكَثِيرُ وَالكُثِيرُ. هَلْ سَمِعْتِ شَيْئًا؟ غَرَامُ: حَسَنًا. سَأَحْكِي لَكِ... نَدِي: يَا إِلَهِي! كَيْفَ فَعَلَ هَذَا؟
غَرَامُ: أَنَا خَائِفَةٌ يَا دَادَةُ. هَلْ فَعَلَ مِثْلَ تِلْكَ الأُمُورِ مَعَ خَدَمٍ؟ نَدِي: هَلْ جَنَنْتِ؟ إِنَّهُ السَّيِّدُ يُوسُفُ. إِنَّمَا الفَتَيَاتُ فَقَطْ ذَوَاتُ نُفُوذٍ وَعَائِلَاتٌ كَبِيرَةٌ بِالمُجْتَمَعِ. غَرَامُ بِحُزْنٍ: إِذًا لِمَاذَا يَقْتَرِبُ مِنِّي هَكَذَا؟
نَدِي بِقَلَقٍ: طِفْلَتِي، ابْتَعِدِي عَنْهُ، أَرْجُوكِ. سَأَحْزَنُ إِنْ تَحَطَّمْتِ بِسَبَبِهِ. لَا تَقْتَرِبِي مِنْهُ وَلَا تُحِبِّيهِ. إِنَّهُ هَادِئٌ فَقَطْ، وَلَكِنَّ هَذَا الهُدُوءَ الَّذِي يَسْبِقُ العَاصِفَةَ. يُوسُفُ وَحْشٌ شَرِسٌ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَفَقَةٌ. سَوْفَ تَكُونِينَ وَرَقَةً يَسْتَطِيعُ إِحْرَاقَكِ بِأَيِّ وَقْتٍ. ابْتَعِدِي عَنْهُ.
غَرَامُ بِخَوْفٍ: لَطَالَمَا نَظَرَتُهُ قَاتِلَةٌ، وَأَيْضًا سَوْدَاءُ، وَلَا أَسْتَطِيعُ فَهْمَهَا. نَدِي: لَا أَحَدَ يَفْهَمُ السَّيِّدَ يُوسُفَ. فَلْتَبْتَعِدِي فَقَطْ. سَأَذْهَبُ لَدَيَّ أَوْلَادٌ لِأُطْعِمَهَا. هَيَّا، تَصْبِحِينَ عَلَى خَيْرٍ. غَرَامُ بِشُرُودٍ تُفَكِّرُ فِيمَا قَالَتْهُ: تَصْبِحِينَ عَلَى خَيْرٍ. *** مَرَّتْ 24 سَاعَةً، وَبَدَأَتْ عُيُونُ مُحَمَّدٍ المُتَثَاقِلَةُ عَلَى الاسْتِجَابَةِ.
دَلَفَ بَاسِمٌ وَجَلَسَ بِحِوَارِهِ وَبِصَوْتٍ نَحِيبٍ: هَيَّا يَا أَحْمَقُ. أَعْلَمُ أَنَّكَ تَسْمَعُنِي. أَعْلَمُ أَنِّي تَرَكْتُكَ وَحِيدًا تِلْكَ اللَّيْلَةَ. آسِفٌ لِأَنِّي لَمْ آتِ. أَعْتَذِرُ لِأَنَّ حَبِيبَتَكَ الحَمْقَاءَ لَا تَهْتَمُّ بِكَ. لِيَضْحَكْ بِبُكَاءٍ. آسِفٌ، هِيَا لَا تَسْتَحِقُّكَ. مُحَمَّدٌ، أَنْتَ صَدِيقِي وَأَخِي. أَتَشَارَكُ مَعَكَ كُلَّ شَيْءٍ. أَحْتَاجُكَ الآنَ. أَشْعُرُ بِالوَحْدَةِ. أَحْتَاجُكَ يَا صَدِيقِي.
"أَنْزَلَ رَأْسَهُ عَلَى الفِرَاشِ وَيَبْكِي وَيُرَدِّدُ: أَحْتَاجُكَ أَنْ تَعِيشَ. أَحْتَاجُ وُجُودَكَ. لَا تَذْهَبْ وَتَتْرُكْنِي." دَقَائِقُ مِنَ البُكَاءِ حَتَّى شَعَرَ بِيَدٍ ثَقِيلَةٍ تَفْرُكُ رَأْسَهُ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ بِصَدْمَةٍ وَابْتَسَمَ بِعَدَمِ تَصْدِيقٍ: مُحَمَّدٌ! أَنَا لَا أُصَدِّقُ. لَقَدِ اسْتَيْقَظْتَ. سَأُحْضِرُ الطَّبِيبَ حَالًا.
"خَرَجَ بَاسِمٌ لِيُبَشِّرَ الكُلَّ، بَيْنَمَا دَلَفَتْ تِلْكَ الرَّقِيقَةُ دُونَ إِدْرَاكٍ بِاسْتِيقَاظِهِ، فَهِيَ الفُرْصَةُ الوَحِيدَةُ لِكَيْ تَرَاهُ." تَقُولُ بِصَوْتٍ مَوْجُوعٍ: مُحَمَّدٌ... عِنْدَمَا سَمِعْتُ بِالأَمْرِ، أُغْشِيَ عَلَيَّ حِينَئِذٍ. لَمْ أَتَصَوَّرْ أَنِّي سَأَسْمَعُ خَبَرًا سَيِّئًا كَهَذَا مُطْلَقًا. تَمَنَّيْتُ أَنْ أَصُمَّ عَلَى أَنْ أَسْمَعَ بِمَكْرُوهٍ يُصِيبُكَ.
نَزَلَتْ دُمُوعُهَا. مُحَمَّدٌ، لَطَالَمَا أَحْبَبْتُكَ. لَطَالَمَا احْتَمَيْتُ بِكَ. ارجوك استيقظ، لا تتركني. لازلت أريد أن أخبرك بمشاعري. تلك المشاعر الغبية. أعلم أنني لست من مستواك، ولكن... تباً. فأنا أعشق التراب التي تسير عليها. عد حتى لا أضيع. عد لأني أحتاجك حتى وإن كنت لا تدرك وجودي بجوارك دائماً. أنا أحــــــــــــــــبــــــــــــــــــــــــــك كثييييييرا. "ونزلت لتقبل يديه وسمعت صوت بالخارج، فركضت لتغادر
سريعاً." فتح محمد عينيه الممتلئة بالدموع: لم أكن أعلم... آسف. غفلت عمن يحبني. آسف يا قمر. آسف. دلف باسم ومعه الأطباء، وأخذوا يشخصون حالته. خرجت غرام إلى الحديقة ومعها كالعادة دفاترها وأقلامها. وأخذت ترسم وهي تهمهم بأغنيتها المفضلة. وجدت يداً تضع على عينيها، ففزعت ووقفت لتراه باسم يقف خلفها: لم خفتي هكذا؟ غرام بتوتر: لا شيء. اعتقدتك شخصاً آخر. باسم بغضب: وهل يجروء أحد على فعل ذلك؟
غرام: لا لا، لم أقصد. اعتقدت لصاً، شبحاً، شيئاً من هذا القبيل. باسم: حسناً. أنا جائع وأريد قهوة وفشار. سوف أذهب لأبدل ملابسي وأعود ريثما تحضرين، تمام يا غرامي؟ غرام بسعادة: حسناً. وقفت بالمطبخ تعد الطعام بحب وتعض شفتيها السفلى وهي تضع اللمسات الأخيرة. وأنفاس حارقة تخترق عنقها من فوق الحجاب. لتلتفت لتجد يوسف: ماذا سيدي؟ هل تريد شيئاً؟ يوسف: أريد قهوة. غرام: كان يمكن طلبها عن بعد وليس بهذا القرب.
يوسف بهدوء وهو يرفع يديه ليدخل خصل شعرها المتمرّدة: انتبهي حتى لا يرى أحد هذه الخصل. غرام بتوتر من لمساته: أشكرك، فلتُبعد ولا تلمسني. يوسف بهدوء وصوت كفحيح الأفاعي: هل لمستي لي سيئة؟ والباقين لمساتهم جيدة؟ "كان يقصد باسم عندما وضع يديه على عينيها، فقد رآه كل شيء." غرام بغضب: ما الذي تقصده؟ يوسف وهو يجز على أنيابه وأمسكها من رأسها وأركعها على الأرض وانحنى لها: لم تتجرأي أن ترفعي صوتك علي، أفهمتي؟
لتؤمئ بخوف، فالتقطتها لتقف من رأسها وهي تصرخ بألم ويقربها منه: اصعدي الآن إلى غرفتي ولا تغادريها حتى آذن لكي، فهمتي؟ تؤمئ بخوف أيضاً. ما هذا؟ لما عيناه حمراوين؟ لما غضب هكذا؟ أنا سأموت خوفاً. "تركتها لتركض نحو الغرفة، لا تهتم، لا تفهم، ولا تفكر، فقط الخوف مسيطر عليها. أتى باسم للمطبخ فوجد يوسف." باسم: ماذا تفعل هنا؟ يوسف: أتيت لأعد القهوة، ولكن ليس لي شهية. باسم: أين غرام؟ يوسف بهدوء: لماذا؟ باسم بتوتر: فقط جائع.
يوسف: أووه، حسناً. أعددت تلك الأطباق لك، تناولها. باسم: إذاً أين هي؟ يوسف: أنهِ طعامك يا باسم. سوف أذهب أنا. "خرج باسم يبحث عن غرام، لا يجدها. إذن ذهبت. أغمض عينيه بغضب. ترى أين ذهبت؟ دلف يوسف إلى الغرفة ووجدها متكورة حول نفسها تحاول جمع شتاتها. يوسف انحنى لمستواها وقال: اصعدي إلى الفراش. نظرت له وتوسعت عيناها: ما اللعنة التي تقولها؟ يوسف أمسكها من كتفيها وألقاها بقوة على السرير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!