كانت تقف عائشة خلفه، فقد دخلت منذ عدة ثوانٍ فقط، وكانت على وشك أن تسأله: "بتكلم مين؟ " إلى أن أتاها الرد. ليشعر عمر بأنفاس حوله، ليلتفت ويجدها عائشة. عمر بارتباك: عائشة! ميار بصدمة: مين؟ عائشة والدموع لمعت في عينيها، ولكن حاولت أن تخفيها، لتتحرك من أمامه وبدون أن تعيره أي انتباه. عمر: ميار، اقفلي دلوقتي. ميار: استني يا عمر، عمر! ليغلق عمر معها الهاتف ويتجه خلف عائشة. عمر بارتباك: أنتي فهمتي غلط يا عائشة.
عائشة بابتسامة تخفي بها ألمها وحزنها: فهمت إيه؟ عمر: اللي سمعتيه يا عائشة. عائشة: حصل خير يا عمر. لتكمل حديثها: أنا نازلة أجهز معاهم الغدا، عايز حاجة قبل ما أنزل؟ عمر بنظرة استغراب: لا شكرًا. توجهت عائشة إلى الأسفل وهي تحبس دموعها بكسرة، لتتوجه إلى غرفتها في الأسفل وتبدأ في نوبة بكاء شديدة.
عائشة في نفسها: يعني أنا استحملت غيابك سنتين وعدم اهتمامك، وكمان راجع بتعذبني وبتجرح فيا، وفي الآخر أسمعك بتكلم واحدة وبتقولوا "يا حبيبي"، ليه كده يا عمر؟ بتعمل فيا كده ليه؟ أنت شوفت مني إيه لكل دا؟ ليقطع حديثها مع نفسها طرقات على الباب. عائشة مسحت دموعها بسرعة وأذنت للطارق بالدخول. خديجة وهي تدخل: إيه بقى يا عائشة؟ بعتينا كده من أول يوم جواز. عمر شكله هياخدك مننا. عائشة
بابتسامة تداري بها وجعها: أنا مقدرش أبيعك يا حبيبتي، أنتي رفيقتي. خديجة وأحست من نبرة صوت عائشة بالوجع لتهتف بحزن: عائشة، عمر مزعلك صح؟ عائشة بارتباك: لا، ليه بتقولي كده؟ خديجة: بصي يا عائشة، متحاوليش تخبي عليا، باين عليك الزعل أوي حتى لو بتحاولي تداريه، وبعدين أنا بنت عمك وصحبتك وأختك قبل كل حاجة، وبحس بحزنك ودا باين عليك حتى لو بتحاولي تخفيه. عائشة بدموع وبقلة حيلة وهي ترتمي بين أحضانها: أنا تعبانة أوي يا خديجة.
خديجة وهي تربط على ظهرها: مش بقولك بحس بيك؟ في إيه بقى؟ احكيلي، أنا عارفة إن عمر أكيد السبب بس قوليلي ممكن أقدر أساعدك. عائشة بتفكير وهي تخرج من بين يديها: هو عمر كان مجبر على جوازنا؟ خديجة باستغراب: ليه بتقولي كده؟ عائشة: جاوبيني يا خديجة. خديجة: لا طبعًا، وهو كمان اللي طلب يتجوزك، وبعدين عمر دكتور وعايش بره وكبير كفاية إنه ياخد قراره من نفسه يا عائشة.
لتكمل خديجة: أنا عارفة إنه كان بعيد بعد كتب كتابكم ومقدرش يسعدك ولا يقدم أي شيء من واجباته كزوج، وبردو اهتمامه بيك كان بسيط بس أنتي عارفة إنه كان مشغول جدًا، والدليل على كده أول ما خلص رجع مصر على طول، وبعدين يا عائشة دا دورك بقى. عائشة بتساؤل: دوري أنا؟ خديجة: أيوه طبعًا، لازم تقربي المسافات بينكم. عائشة: أنا كنت بفكر في كده. خديجة: خلاص، خدي الخطوة وأنا معاك. عائشة: بحبك يا خديجة. خديجة: وأنا كمان يا قلب خديجة.
عائشة: أنا عايزة آخد الحاجات اللي بحتاجها وأطلعها شقتي. خديجة: تمام، وأنا هساعدك إننا نجمعها. بدءا في جمع أشياء عائشة لنقلها إلى شقتها في الأعلى، ولم يتركا إلا أشياء بسيطة. خديجة: بقولك إيه، اللبس اللي كنتي شارياه جديد للفرح أكيد مش متظبط، لو كده سيبيه وفي يوم فاضي نرتبه مع بعض. عائشة: تمام. *** كانت تجلس في الجنينة بهدوء وشرود واضح. عمر: سرحانة في إيه؟ عائشة بانتباه: لا عادي.
عمر وهو يجلس بجوارها: عاملة إيه في دراستك؟ عائشة: الحمد لله، بس الترم دا صعب شوية. وبعدين، "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، وربنا بيقدم لنا اللي فيه الخير. عمر: عندك حق، ولو محتاجة حاجة أنا ممكن أشرحهالك. عائشة: تمام، بس لما ترتاح من سفرك. ليسود صمتًا لبعض الدقائق. ليقطعه عمر هاتفًا: على فكرة أنا عارف إنك سمعتي. عائشة بهدوء: سمعت إيه؟ عمر: وأنا بتكلم في الفون.
ليكمل: في بريطانيا الدنيا مختلفة عن هنا، يعني لما قالتلي... عائشة بمقاطعة: وأنا واثقة فيك يا عمر. عمر في نفسه: واثقة فيا؟ طيب إزاي وأنا بعيد عنك بقالي مدة ومتعرفيش عني حاجة. ليكمل بتوهان: آه آه. عائشة: بستأذن، أنا هقوم آخد حاجتي من هنا وهطلع أرتبها في الشقة. عمر: استني، أنا هطلعهم عنك. عائشة: مش عايزة أتعبك. عمر: ولا تعب ولا حاجة. *** في الريسبشن. كان يجلس أحمد مع والدته وخالته وابنة خالته.
أحمد: خالتو، هو عمر وعائشة فين؟ فاطمة: مش عارفة، أكيد في شقتهم، أحمد كان بياخد حاجة عائشة من شوية. أحمد بمزاح: آه قولوا كده بقى، عائشة ما صدقت عمر رجع وباعتنا. زينب بمزاح أيضًا: لا يا أحمد مش للدرجادي، هتبقي تسأل علينا. خديجة بابتسامة: لا أحمد عندو حق، شكلهم نسيونا. فاطمة: حتى أنتي يا خديجة! أحمد: أيوه طبعًا يا خالتو، تقدر تقول غير كده؟ زينب: كنت هتعملها إيه يا دكتور أحمد؟ أحمد بمرح: ولا حاجة يا أمي، بنهزر إيه؟
مبتهزروش؟ زينب وهي تلقي عليه بالخددية: لا، بنهزر يا حبيبي ولازم تجرب. وساد جو من المرح والحب بينهم. ليهتف أحمد أخيرًا: لا أنا كده تعبت، هتوضى بقى علشان العصر على أذان، وبعدين أقرأ قرآن، وبعدين بقى مش هوصيكم. فاطمة باستغراب: هتوصينا على إيه؟ أحمد: يا خالتو طبعًا الأكل، هو أنا بطلب منكم حاجة غيره؟ فاطمة: لا في دي عندك حق يا قلب خالتك. ليقطع حديثهم خديجة. خديجة: وأنا إيه بقى يا ست ماما؟
فاطمة: يا ربي قاعدة مع أطفال، أنتوا لا يمكن تكونوا دكاترة! أحمد وخديجة في صوت واحد: ممممممكن جدًا إلا... فاطمة وزينب في صوت واحدة أيضًا: لا، إحنا سايبنكم في جنانكم وقايمين. أحمد: أنتوا كده صح؟ ليكمل موجهًا كلامه لخديجة: هاتي المصاحف يا بنتي، وأنا هتوضى وهاجي تاني. خديجة: حاضر. *** في شقة عمر وعائشة. كان يجلس عمر في الريسبشن وهو يتصفح هاتفه.
في الداخل كانت عائشة انتهت من ترتيب الدولاب، ولم يتبقَ سوى جزء بسيط من ملابسها التي سوف تنقلها إلى الغرفة الأخرى، وهو جزء بسيط من احتياجاتها فقط وليس جميع أشيائها. وبعد دقائق جلست على الفراش تلتقط أنفاسها بصعوبة. أما عمر فتوجه نحو غرفته، وجدها مرتبة ومنسقة. عمر: كده كويس. ليتوجه نحو الدولاب ليجد نصفه يتزين بملابسها والنصف الآخر يتزين بملابسه. عمر باستغراب: إيه دا؟ ولكن لم يهتم ليستلقي على الفراش بتعب واضح.
ليرتفع آذان العصر في هذه الأثناء. (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله) لتنتبه عائشة في هذه الأثناء ولتبتسم بحب: أنا هبدأ من دلوقتي. توضأت عائشة واستعدت وتوجهت إلى غرفته وطرقت عدة طرقات. عمر بانتباه: اتفضل.
عائشة بابتسامة: عمر. عمر وهو يعتدل ويجلس أمامها وينظر إليها لأول مرة منذ رجوعه هاتفًا: نعم يا عائشة. عائشة: العصر أذّن. لتصمت لبعض الثواني. عمر بابتسامة: تمام يا عائشة، هتوضى وأنتي جهزي المصلى. عائشة بابتسامة جميلة: حاضر يا عمر، هو أصلًا المصلى جاهز، أنا عاملة مكان مخصص في الشقة. عمر: بجد؟ طيب تمام. بعد دقائق خرج عمر واندهش من جمال المكان. هاتفًا: إيه الجمال دا؟ فكرة حلوة جدًا. عائشة: عجبتك؟ عمر: أيوه جدًا.
وبعد ذلك بدأ أن يصلي بها بخشوع وصوت عذب. وكان شكلهما مبهج. وبعد دقائق انتهى عمر من الصلاة لينظر إليها ويبتسم. عائشة بابتسامة: عارف يا عمر؟ عمر: إيه يا عائشة؟ عائشة بسعادة: من يوم كتب كتابنا وأنا كنت بتمنى إني أصلي وتكون أنت الإمام. عمر: وإن شاء الله مش آخر مرة. عائشة بحب: دي هتكون أحلى حاجة. لتكمل: ممكن نسبح شوية ونقرأ قرآن؟ عمر: أنتي بتعملي كده دايمًا بعد كل صلاة؟
عائشة بابتسامة: أيوه، على قد ما بنقدر بنعمل كده أنا وخديجة، دايمًا لينا ورد يومي، واتعلمنا كده على فترات، وكل ما حد فينا كان يعرف حاجة جديدة كان ينصح التاني بيها، مثلًا التسبيح بعد كل صلاة خديجة اللي قالتلي عليه. الحديث: (أُمِروا أن يسبِّحوا دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ، ويحمَدوا ثلاثًا وثلاثينَ، ويكبِّروا أربعًا وثلاثينَ) وطبعًا فضل التسبيح بعد الصلاة إن للتسبيح بعد الصلاة فضائل عظيمة:
أولًا: غفران الذنوب مهما بلغت كثرتها، ودليل ذلك: (غُفِرَتْ خطاياه وإنْ كانتْ مِثلَ زَبَدِ البحرِ) ثانيًا: الذكر بعد الصلاة من أفعال الصالحين والرسول -صلى الله عليه وسلم ثالثًا: بيكون بمقام الصدقة، قال -صلى الله عليه وسلم (إنَّ بكُلِّ تسبيحةٍ صدقةً، وكُلِّ تكبيرةٍ صدقةً، وكُلِّ تحميدةٍ صدقةً)
عمر كان يستمع لحديثها باستغراب وإعجاب أيضًا، فهو طول فترة استقراره في بريطانيا كان يرى أشياء أخرى جذبته، ولكن من الواضح أنه تناسى انتماءه لأسرة تشتهر بالتدين إلى حد كبير. عائشة: روحت فين؟ عمر: آه تمام، تقرأي أنتي ولا أقرأ أنا؟ عائشة: أقرأ أنت بس بعد التسبيح. بدأ عمر في التسبيح ومن ثم بدأ قراءة أول سورة البقرة. ودا كان شكلهم. بعد عدة دقائق. عائشة: الله، الوقت دا أنا عمري ما هنساه أبدًا.
ليكتفي عمر بالنظر إليها بابتسامة قائلًا: ربنا يسعدك دايمًا. ليكمل عمر: لو خلصتي كل اللي بتعمليه يلا بينا ننزل. عائشة: تمام، دقيقة بس. انتهت عائشة وتوجها سويًا إلى الأسفل. *** في الأسفل. زينب: كلمتي محمد ييجي بدري النهار ده؟ فاطمة: وزمانه على وصول. في هذه الأثناء كانت تدخل عائشة وخلفها عمر. عمر: السلام عليكم. رد عليه الجالسون السلام. عمر بتساؤل: جدي فين؟ زينب: في أوضته كان نايم. عمر: طيب بابا لسه مجاش من الشركة؟
فاطمة: على وصول. ليصدق أحمد في هذه الأثناء ويهتف بمرح: إيه يا عم عمر، ما أنت كنت غايب عننا كلنا، إيه يا ابني مش بنشوفك غير دقايق؟ عمر بابتسامة: إيه دا يا ابني؟ لسه زي ما أنت حتى بعد ما بقيت دكتور جامعي؟ أحمد بمزاح: وحتى لو بقيت أستاذ دكتور. عمر بابتسامة: لا دا أنا ربنا يصبرني عليك. أحمد: يا رب يا أخويا. ليكمل موجهًا حديثه لعائشة: وأنتي يا دكتورة عائشة ملكيش أهل تسألي عليهم؟ يا خسارة تعبي فيك!
عائشة بضحكة جذابة جعلت عمر ينظر إليها. لتهتف عائشة: تعب إيه دا؟ دا أنا اللي تعبت معاك فاكر يا أحمد؟ أحمد: لا مش فاكر، واسكتي أنتي علشان كلامك بيجيب مشاكل. عائشة: أنا بردو؟ خليني ساكتة. لتكمل خديجة: تصدقي يا عائشة، إحنا من صباح ربنا على الحال دا مع أحمد. لحد... أحمد مقاطعًا: اعترضي بقى، خليني أحرمك من الفقرة دي. خديجة: وعلى إيه؟ لا أنت صح. ليقطع تلك الحديث دخول محمد ليلقي عليهم السلام ويجلس معهم.
زينب: دقايق ونصحي عمي والغدا يكون جاهز. محمد: لا استنوا شوية، حسن جاي. أحمد: لا كده كتير، أنا لسه هستنى. خديجة: فات الكتير ما بقي إلا القليل. حسن وهو يترجل إلى الداخل: قليل إيه بقى؟ أحمد بمزاح: والله حماتك بتحبك، كنا لسه في سيرتك. حسن: أوي أوي يا أخويا، أنت هتقوليلي! لينظر حسن بدهشة: أنا بحلم ولا دي حقيقي؟ عمر وهو يقف ويتوجه إليه: لا حقيقي يا عمي. ليحتضنه عمر بشدة هاتفًا: أخبارك إيه؟ حسن بدهشة: الحمد لله، جيت إمتى؟
عمر: امبارح بليل، وقولت أعملهالك مفاجأة. حسن: وأحسن مفاجأة. محمد: طيب أنا هغير هدومي على ما تكونوا جهزتوا الغدا. وتوجهت زينب وفاطمة وعائشة لتحضير السفرة. واتجهت خديجة إلى غرفة جدها. وصعد عمر إلى شقته. حسن: إيه دا؟ هو أنا اللي هتدبس فيك ولا إيه؟ أحمد بحركة عفوية: كده يا عمي؟ الله يسامحك، محروم شهر من هزاري. حسن بضحك: الحمد لله يا رب. أحمد: كده يعني؟ طيب لغيت العقوبة. بعد دقائق رجع عمر وهو يحمل شنطة
في يده ليعطيها لعمه حسن: دي هديتك، معلش بقى حاجة بسيطة. حسن: يا حبيبي بسيطة إيه دي؟ كفاية إنها منك. أحمد بهزار: يا حبيبي لا، عائشة بتغير عليه. حسن: يا ابني قولي أعمل فيك إيه؟ أحمد: أي حاجة فيها أكل. رد الحاضرين السلام وجلس الجد حامد معهم. بعد مدة انتهوا من طعامهم وتوجهوا مرة أخرى إلى الريسبشن. وساد جو من السعادة والبهجة والمرح، ولم يخلُ من كلمات وأحاديث أحمد المضحكة ولا من حكم الجد حامد أيضًا.
الجد حامد بهدوء: عايز أبلغكم بحاجة. الحاضرون: اتفضل. الجد حامد: .............. محمد بدهشة: بجد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!