داخل مكتب من أهم مكاتب إدارة الأمن العام بمديرية أمن الاسكندريه، اختلطت أصوات مجموعة من الشباب والبنات بثورة عارمة ضد موقف أحد الظباط من تجمعهم ورفضهم لقرارات عميد كلية التجارة وتنظيم المظاهرات المعارضة له. ومن بين هذه الأصوات ارتفع صوت فتاة من ضمن المجموعة، ومن عباراتها ظهرت وكأنها قائدة المجموعة، ترفض تدخل الأمن فيما أسمته بمظاهرة سلمية.
وفجأة أسكتهم صوت أجش قوي يعبر عن شدة وحزم صاحبه. وكيف لا يكون حازم وقوي وهو صوت الرائد (مؤيد رسلان) الذي اشتهر بجبروته وقوته وعلا صيته في الآونة الأخيرة بعد إحباطه لأخطر العمليات الإرهابية والقبض على منظميها. مؤيد وهو يطرق بكفه الغليظ على سطح مكتبه: "بااااااس أنت وهو وهي. إيه شوية طلبة فشلة عاوزين يمشوا الجامعة على مزاجهم، وفي الآخر تعتدوا على أمن الجامعة."
ذعر الجميع من نبرة صوته وحدته، وانزعجوا من مجموعة الاتهامات التي لم ولن يقوموا بها، فهم لم يعتدوا على أمن الجامعة نهائياً. ولكن تلك الجنية صغيرة الحجم، صاحبة الشعر الذهبى الطويل، والعيون الرمادية المائلة للأزرق، والشفاه الوردية، التي شقت صفوف مجموعة الطلبة الثوار وخرجت معترضة دون أدنى إحساس بالذعر والخوف من حدته ولا مظهره وهيبته وضخامة جسده، وصرخت بأعلى صوتها: "نعم حضرتك بتقول إيه؟ اعتداء من مين وعلى مين؟
إحنا عملنا مظاهرة صامتة يا أفندم، ولولا تدخل الأمن والعميد وبلطجية العميد كان زمانها انتهت بعد التجمع بساعة، لكن هما اللي اعتدوا علينا لمجرد إننا رافضين قرارات ظالمة من سيادة العميد." مؤيد: "وإنتي مين بقى يا شاطرة؟ إنتي الزعيمة بتاعتهم؟ شادن: "أولاً: أنا اسمي شادن الجمال مش شاطرة. ثانياً: أنا مش زعيمة ولا حد فينا زعيم، كلنا زي بعض، مجموعة طلبة مظلومين من نظام مستبد." مؤيد بانفعال:
"إنتي مجنونة يابنتي مش عارفة بتتكلمي مع مين؟ إنتي كمان بتعترضي على النظام؟ شادن: "واضح إن حضرتك فهمتني غلط، أنا بعترض على نظام الجامعة والدكاترة اللي بيحددوا درجاتنا بنسبة مبيعات إصداراتهم من كتب ومراجع، مش بيحددوها بمجهودنا ولا ثقافتنا، نظام عقيم وإحنا رافضينه." مؤيد: "وإنتي بقى ياباربي هانم اللي هتغيري النظام؟ إنتي وزملاتك؟ شادن معترضة: "حضرتك أنا قولت اسمي شادن الجمال مش باربي." مؤيد بابتسامة:
"بس أنا بقى من أول ما شفتك وأنا حاسس إني واقف قدامي عروسة الباربي." كان تشبيه مؤيد لشادن بأنها شخصية الرسوم المتحركة الدمية "باربي" معشوقة البنات، تشبيه دقيق، مما جعل جميع زملائها ينظرون إليها وهم يحاولون كبت ضحكاتهم، فهم أيضاً يرونها هكذا ويعلمون جيداً أن هذا التشبيه يستفز أعصابها وأنها تغضب بشدة منه. أما شادن، فبعد ما رأت كبت زملائها وصديقاتها لضحكاتهم، فما كان منها غير الغضب والانفعال عليه. شادن:
"ممكن أفهم إنتوا بتضحكوا على إيه؟ على فكرة أنا عارفة، وأعتقد إحنا في موقف يستاهل إننا نركز وندافع عن نفسنا، مش تضحكوا عليا." كانت شادن تكلمهم بصوت يكاد يكون مسموع، ولكنه وصل إلى مسامع مؤيد، واستشعر غضبها، ولكنه شرد بذهنه في هذه الفتاة، فكيف يكون مظهرها كالأطفال وبداخلها ثائرة شجاعة وقوية لا تهاب شيئاً. فاق من شروده على أصوات مشاحنات بين المجموعة أمامه. فصاح بهم: مؤيد: "إيه؟
إنتوا نسيتوا إنتوا فين وإيه اللي هيتعمل فيكم؟ حالة من الذعر أصابت الجميع، فهم لأول مرة يتواجدون بهذا المكان مثل المجرمين والإرهابيين معتادي الإجرام، وكل ما يعرفوه عن هذا المبنى أن الداخل به مفقود، كما تعودنا جميعاً أن نستمع، فهم ليسوا أصحاب نشاط سياسي حتى يتعرضوا لهذا الموقف. مؤيد: "إيه؟ سكتوا يعني؟ وإنتي يا قائدة المسيرة ماعندكيش حاجة تقوليها؟ شادن:
"والله يا أفندم لو حضرتك هتصدقنا هنتكلم، لكن لو مش هتصدق تقدر تحولنا على النيابة وهي تبث في أمرنا." مؤيد وقد تدفقت الدماء بعروقه مما أدى لبروزها: "حلو أوي، ماتيجي تقعدي مكاني وتعلميني أعمل إيه وما أعملش إيه؟ بنت إنتي، أنا همشيهم كلهم وإنتي اللي هتشرفينا هنا." شادن بقوة وشجاعته: "أنا ماعملتش حاجة غلط، وقولت لحضرتك قبل كده اسمي شادن إيه؟ بنت دي." مؤيد وهو يضغط على زر بمكتبه: "أنا هخليكي تقولي أنا اسمي بنت، لا وايه؟
هنسيكي اسمك ده خالص اللي إنتي فرحانة بيه، وبعدين تعالي هنا، إيه الاسم الغريب ده؟ يعني إيه شادن؟ وقفت تنظر له وتتأمله وكأنه خرجت له رأس أخرى، وبداخل عقلها تلعن هذا المجنون، كيف له أن يطلب معنى اسمها ويسخر منها في نفس الوقت، وماذا يقصد بأنه سينسيها اسمها. قطع عليها لحظات الشرود والتأمل دخول أحد العساكر الذي تم استدعائه من قبل مؤيد وهو يؤدي التحية العسكرية. مؤيد: "خد الأنسة ع الحجز الانفرادي لحد ما نحولها النيابة."
الطلبة: "يا أفندم هي ماتقصدش حاجة، ولو هنخرج نخرج كلنا أو نكون معاها ونتعرض كلنا ع النيابة." مؤيد: "لا يا شهم منك ليه، إنتوا هتخرجوا وهي لأ." أحد الطلبة: "لكن ده مش عدل، حضرتك هي عملت إيه يعني؟ وأثناء هذه المجادلات كانت شادن ترتجف داخلياً، ولكنها لم تظهر خوفها مهما كلفها الأمر. مؤيد بانفعال وحدة: "كلمة واحدة من غير مناقشة، يلا خدها من هنا وأخلي سبيل الباقيين."
نفذ العسكري الأمر وبدأ بجذب شادن وإخراجها من الغرفة الخاصة بمؤيد، وإخبار زملائه بتكملة إجراءات إخلاء سبيل بقية الطلبة. وصلت شادن إلى غرفة الحجز الانفرادي ووجدت مقعد من الخشب، جلست عليه وهي تضم جسدها بذراعيها، وبدأت دموعها تنساب على بشرتها الحليبيه.
سمحت لخوفها بالظهور، ولم تكن تعلم أن الغرفة المحتجزة بها مراقبة بالكاميرات، وأن من قام باحتجازها يتابع تحركاتها بمنتهى الدقة، وقلبه لم يطاوعه على فعل أكثر من ذلك بتلك البريئة التي خطفت قلبه من النظرة الأولى. أما عقله فكان يرفض عنادها وتحديها، وقرر تأديبها حتى لا تضع نفسها بهذا الموقف مرة أخرى. فبالرغم من إعجابه برأيهم ورفضهم للقرارات الظالمة، إلا أنه لم يعجب بتحديها له هو شخصياً.
كان على يقين تام أن لا تهمة لها وأنها ستخرج من سراي النيابة بمنتهى السهولة. ولكن، لم يكن يعلم أن قلبه سيتعلق بها، وأنه زج بها للمكان الخطأ، وأنه سيصبح له غريم ينازعه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!