في صباح اليوم التالي وبعد مرور أطول الليالي على الجميع، سواء سيادة الرائد مؤيد الذي بقى ليلته بأكملها يراقب غرفة الاحتجاز خشية من أن يصيبها مكروه ويتسبب عناده في أذية تلك الجنية الرقيقة التي أثرت قلبه من طلتها الأولى. أما شادن فباتت ليلتها تحارب مخاوفها وتجهز بذهنها دفاعاتها عن نفسها وقتما تعرض على وكيل النائب العام، ولكن كان كل ما يؤرقها حال أسرتها الهادئة بعد ما علموا بما حدث لها.
أما عن أسرة شادن، فبعد أن وصل إلى مسامعهم خبر احتجاز ابنتهم بمديرية الأمن من زملائها وقصوا عليهم ما حدث مع هذا الضابط المتعجرف من وجهة نظرهم. قام والد شادن بمحاولات كثيرة لإنقاذ ابنته، فهو أيضاً طبيب مشهور ومعظم مرضاه من الطبقات الراقية وأصحاب النفوذ والسلطة بالمدينة.
ولكن جميع محاولاته كللت بالفشل، فكل من يعلم بمكان احتجازها يتهرب من المساعدة، ولم يكن أمامه غير أن يذهب بنفسه للسؤال عن ابنته وعلم أنها سترحل إلى النيابة في الصباح الباكر. وبالفعل كان في انتظارها على باب المبنى أسرتها بأكملها، والدها الطبيب هشام الجمال ووالدتها السيدة الرقيقة شاهيناز سالم، والتي تشبه شادن إلى حد كبير.
وجاءت لحظة خروج شادن، والتي ظلت تتحرك بيد العسكري الممسكة بها حتى تلقت بنفسها في حضن والدتها ووالدها. وبالفعل استطاعت الوصول لأحضانهم الدافئة التي منحتها الحنان والقوة لمجابهة ما هو آت. شاهيناز: كده برده ياشوشو تعملي في نفسك كده. هشام: حبيبتي ماتخافيش، أنا عرفت من زملاتك إللي حصل، انتي صح وربنا هينصرك والظابط إللي عمل فيكي كده منه لله. شادن ببكاء وانهيار: مش عارفه أشمعنا أنا يابابى، ده خرج كل أصحابي.
شاهيناز باعتراض: بس زملاتك كمان قالوا إنك رديتي عليه وهاجمتيه بزيادة ياشوشو. لم تستطع شادن الرد على والدتها من شدة جذب العسكري المكلف بمرافقتها إلى سراي النيابة لها للصعود لعربة الترحيلات. وصلت شادن إلى سراي النيابة، ولن تكن تعلم أن تلك العيون التي باتت الليل بأكمله تحرسها وتراقبها وصلت في نفس الوقت معها إلى سراي النيابة لمعرفة ما سيحدث.
وبالرغم من أنه يعلم جيداً أنها سيتم إخلاء سبيلها بسبب ما كتبه في محضر التحريات عنها وعن الواقعة، إلا أنه أصر وتحامل على نفسه بعد مناوبة ليلتين كاملتين بالمديرية لتأدية مهام عمله ويطمئن على سلامة خروجها. قام الجندي المقيم أمام غرفة السيد وكيل النائب العام: شادن هشام الجمال. شادن: أيوة أنا. الجندي: تعالي ادخلي، البيه وكيل النيابة عاوزك.
نظرت شادن إلى والدها ووالدتها اللذان لحقوا بها إلى سراي النيابة ومعهم المحامي الخاص بالعائلة. تقدم المحامي من وكيل النيابة: طارق رشاد المحامي وحاضر مع المتهمة شادن الجمال.. مع تحفظي على توصيفها بالمتهمة. رفع وكيل النيابة بصره عن الأوراق التي أمامه، وقبل أن يجيب عن حديث المحامي، وقعت عيناه على أميرة من أميرات ديزني، ولكنه وصفها بالأميرة الحزينة بعد ما رأى بعيونها الدموع الحبيسة.
وما كان منه غير أنه قام من كرسيه وقدم لها كوب الماء الموضوع على مكتبه. وكيل النيابة: أتفضلي ياآنسة... معلش اسمك إيه. شادن: اسمي شادن هشام الجمال. وكيل النيابة: اتفضلي آنسة شادن وارتاحي. نظر المحامي المخضرم من تحت عدسات نظارته وأيقن أن بالأمر إعجاب من السيد وكيل النيابة بالمتهمة، ولما لا وهو شاب مكتمل الرجولة، هادئ الملامح، جذاب لأقصى درجة، يحمل ملامح صارمة ولكن بها الكثير من النضج والاعتدال بالقرارات.
وقرر أن يتحدث حتى يستطيع الخروج بموكلته من سراي النيابة. طارق: سيادة الوكيل، زي ما حضرتك قريت في المحضر إنهم كانوا مجموعة طلبة وأنهم وصلوا المديرية مع بعض، لكن هناك حصل تعنت واضطهاد لموكلتي. وكيل النيابة: لا، واضح من المحضر فعلاً إنها كانت شدة وقرصة ودن، بس هي مافيش عليها أي تهمة وهتخرج معاك حالاً. شادن بدهشة: هخرج.. طيب ليه الظابط عمل معايا كده. وكيل النيابة: كانوا بيخوفوكي بس. طارق: يعني نقدر نخرج حالاً يا أفندم.
وكيل النيابة: آه طبعاً، خلص حضرتك الإجراءات وتعالى استلمها. ومد له ورقة إخلاء السبيل حتى يتمكن من إنهاء الإجراءات، وكان من المفترض أن تخرج شادن خارج غرفة التحقيق، ولكن أصر وكيل النيابة على تواجدها حتى إنهاء الإجراءات. وفي الحقيقة هو كان يتحين الفرصة لكي يتحدث معها. وكيل النيابة: آنسة شادن، حاولي بلاش تدخلي نفسك في مشاكل، شكلك مش وش بهدلة، ده غير إنك بنت ناس.
شادن: أنا وزملاتي كنا بنطلب حقنا بمنتهى الأدب والهدوء، لكن هما إللي اتعرضولنا. وكيل النيابة: أنا عارف، بس أنا بقولك الأفضل ليكي. شادن: شكراً لحضرتك ولذوقك. وكيل النيابة: العفو، ده واجبي... أنتي في سنة أولى تجارة إنجليزي ياشادن. شادن: أيوة. وكيل النيابة: يعني لسه أول سنة، وبتعملي مظاهرات ودخلتي النيابة وقبلها المديرية، أومال في رابعة هتعملي إيه. ابتسمت شادن لطافته ولم تجب.
ولكنه أكمل حديثه: يعني يا عيني على خطيبك ولا إللي مرتبطة بيه، هتعملي له مظاهرات كل شوية. شادن بتلقائية: بس أنا مش مرتبطة ولا مخطوبة. فرحة سرت بقلب السيد وكيل النيابة، وكأن المغزى من حديثه معرفة أن ما كان يربطها علاقة بآخر أم لا. طرقات على باب المكتب تلاها دخول الجندي المكلف بالحراسة يبلغ بانتهاء المحامي من الإجراءات. وفي سابقة أولى من نوعها، يقوم السيد وكيل النيابة ويخرج مع متهم ماثل أمامه لايصاله لباب الخروج.
وحين ألتقى بوالد شادن، مد يده لمصافحته. وكيل النيابة: أهلاً بحضرتك دكتور هشام، أنا سليم الأعصر وكيل النيابة. هشام: أهلاً وسهلاً يا أفندم، تشرفت بمعرفة سيادتك. سليم: والدتي كانت بتتعالج عند حضرتك والحمد لله ربنا تم شفاها على إيديك. هشام: ربنا يحفظهالك دايماً، وأنا في خدمتك في أي وقت. سليم: شكراً يا دكتور، وإن شاء الله ليا زيارة قريب لحضرتك. هشام: تشرفني.
تصافحا الاثنان، واختبأت شادن بحضن والدتها بعد أن لمحت بعينها الرائد مؤيد من تسبب في احتجازها وهو يراقب المشهد من بعيد. ولم تكن تعلم أنه لم يطمئن لحديث سليم مع والدها، وأنه ندم أشد الندم أنه قام بعرضها على النيابة، وعلم أن من الآن بدأت تدق طبول الحرب بينه وبين غريمه السيد وكيل النائب العام على قلب تلك الجنية الصغيرة، عروسة الباربى كما يسميها، أو أميرة ديزني كما يسميها سليم الأعصر.
من سيفوز بقلبها، سجانها أم مطلق سراحها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!