تحميل رواية احببته رغما عني بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كنت نايم على سريري وكانت الساعة عدت نص الليل. سمعت تليفوني بيرن. خدت التليفون من على الكرسي وبصيت فيه، كان رقم دولي غريب. "مين ده؟" سمعت صوت أعرفه وبعد كلمتين همست: "علاء؟" "أيوه أنا علاء يا عم، يعني مين هيكلمك بعد نص الليل ويقرفك غيري؟" قلت: "يا عم أنت تتصل في أي وقت يعجبك، عامل إيه؟ وكيف أخبارك؟" علاء كان سافر دولة عربية يشتغل فيها ولي أكتر من سنتين مكلمنيش خالص. همس: "والله الأحوال مش تمام، بس أنا مش بكلمك عشان كده، أنا عايزك في موضوع مهم يا ريت تصحصح لي كده؟" حسيت بقلق غريب، وإن علاء واقع في...
رواية احببته رغما عني الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
كانت رودينة مسترخية على سريرها. فجأة، أصدر هاتفها وميضًا، رسالة جديدة. ظهر اسم علاء على الشاشة.
التقطت رودينة أنفاسها، شعرت بوخزة أمل مختلطة بالخوف. ارتعدت يداها وهي تفتح الرسالة، كأنها تدرك أن هذه الكلمات قد تحمل تغييرًا جذريًا في حياتها. قرأت في سرها، كلمة تلو الأخرى. وكلما مضت عيناها إلى السطر التالي، كانت كأنها تغرق أكثر في بحيرة من الوحل.
"رودينة، لازم نكون واقعيين. أنا مش هرجع البلد تاني، حياتي هنا استقرت ومافيش مكان للعلاقة دي. الأفضل ننهي الموضوع من غير وجع أكتر."
بقيت عينا رودينة معلقتين على الكلمات الأخيرة، كأنها تتأكد أنها قرأتها بشكل صحيح. تجمدت ملامح وجهها للحظة، وكأن جسدها يرفض استيعاب ما تراه.
ثم، ببطء، سقطت يدها التي تحمل الهاتف إلى جانبها. وبقي الهاتف مستندًا على الفراش، والشاشة ما زالت مضيئة بالكلمات التي تشعر وكأنها خنجر يطعن قلبها مرارًا وتكرارًا.
راحت دموعها تنزل بصمت، واحدة تلو الأخرى، باردة على وجنتيها. شعرت بثقل لا يمكن وصفه في صدرها، كأن قلبها يُعصر بقبضة قاسية.
بدأ عقلها في استرجاع صورهم معًا: لقاءاتهم الأولى، الضحكات التي شاركوها، الوعود التي قطعها على نفسه. كل هذه الذكريات الآن تتحول إلى شظايا مؤلمة تمزقها، تنغرس في صدرها.
التقطت رودينة الهاتف مرة أخرى، قرأت الرسالة مجددًا، عيناها مشوشتان بالدموع. تربت بيدها على قلبها كأنها تحاول تهدئة الألم الذي يكاد يخنقها، تسأل نفسها بصوت داخلي: "ليه؟ ليه يسبني كده؟ بالشكل ده؟"
ألقت رودينة الهاتف على السرير بعصبية. نهضت واقفة تشعر بضعف في ساقيها، تعود للجلوس وتغطي وجهها بيديها. تملأ شهقاتها المكتومة الغرفة.
تمد يدها إلى خصلات شعرها، تعبث بها بعصبية، وكأنها تحاول أن تجد مخرجًا من هذا الكابوس. نظرت إلى المرآة أمامها، ترى وجهًا شاحبًا وعينين منتفختين من الدموع.
"إنها لا تعرفها، وهي ليست رودينة التي كانت منذ لحظة. غير مصدقة، تحاول استيعاب الأمر. يعني كل شيء انتهى؟"
هناك شيء داخلها مشوش. كانت تشعر بأن ما يقتلها ليس الحب بل الخيانة، الخيانة التي لم تتوقعها.
أرسلت رودينة إلى علاء، وصفته بالخائن القذر وطلبت منه أن كان يمتلك شرفًا أن لا يذكر أمر الرسالة إلى آدم، على الأقل سيكون فعل شيئًا صائبًا في حياته، وأغلقت الهاتف.
سمعت صوت آدم أمام باب الشقة يطرق الباب. ركضت نحو الحمام، غسلت وجهها وعادت بسرعة إلى الأريكة عند دخول آدم.
"السلام عليكم." رفع آدم صوته.
"وعليكم السلام يا آدم." تشعر رودينة في نبرة آدم بعض الحنية، رفق مغلف، تلميح بالمواساة.
"أتراه يعرف؟" تسأل نفسها.
"تتعشى؟"
رفع آدم وجهًا متشككًا وبدت على شفتيه ابتسامة. "أه، هتتعشى."
سارت رودينة تجاه المطبخ محاولة أن تبدو طبيعية، لكنها لا تشعر أنها طبيعية حتى لو كانت كذلك.
يهمس آدم: "محتاجة مساعدة؟"
يعرف آدم الرد: "خليك عندك، أوعى تقربي مني."
تلتفت رودينة وعلى وجهها ابتسامة: "لو كنت مصر، مفيش مانع."
أطلق آدم ابتسامة. "رسالة علاء تأخرت ولا إيه؟" ربما لم تصل بعد. ثم يقف لحظة على باب المطبخ وهو غير قادر عن منع نفسه من التساؤل عن سبب تغير عادات رودينة فجأة.
داخل المطبخ، وقفت رودينة حاطة إصبعها على ذقنها بتفكير.
"آدم، ناولني الطبق ده؟"
رفع آدم يده وأحضر الطبق. "تفضلي."
"وده كمان." وتشاور بيدها.
"حاضر." يهمس آدم بطاعة ثم يضحك. "اعترفي أنك قصيرة؟"
زمّت رودينة شفتيها وهي تحدق في وجه آدم. رفعت حاجبها الأيمن. "وسع، طيب أنا هوريك."
وقفت رودينة على أطراف قدميها وبانت قسماتها داخل عباءة ضيقة. تلك الانحنائات التي جعلت آدم يرتعش.
يهمس آدم في سره: "إنها تشبه أحد لوحات دافنشي الهاربة من متحف اللوفر."
"ساعدني يا رخم."
يقف آدم على مقربة منها، يرفع يده، يلتصق جسده بـ جسدها للحظة. لم تهرب رودينة، لكنها شعرت هي الأخرى بارتباك. وسمحت لجسدها المنحني أن يستقر في حضن آدم لثوانٍ قبل أن يحمر وجهها خجلًا وتبتعد عنه.
"قطع الطماطم يا آدم."
أمسك آدم حبات الطماطم ووضعها داخل طبق ثم بهدوء راح يقطع السلطات.
"علاء كلمك النهاردة يا آدم؟"
لا رد علاء بسرعة. لن يجرحها. سيترك هذا الأمر لعلاء. يعرف أن علاء سيرسل رسالته في أي لحظة.
تعثرت رودينة وقبل أن تسقط، أطلقت "آه" واستندت بذراع آدم وهي تهمس: "آسفة."
كانت قطع الدجاج المخلوطة بالتوابل تغلي داخل الإناء والزيت يبقبق على النار.
"ابعد شوية يا آدم لحسن طرطشة الزيت تحرقك."
تراجع آدم خطوتين وراح يتابع رودينة وهي تقلي قطع الدجاج في الزيت.
اعتصر قلبه الألم وهو يتأمل ملامح رودينة. عندما تصلها الرسالة سيكون وجهها شاحب ودموعها لا تنتهي. يشفق عليها في داخله وهو يلمح الفرحة على وجهها.
"اتفضل حضرتك يا أستاذ آدم على الطاولة، انتظر هناك. أنا هجيب الأكل وألحقك."
رواية احببته رغما عني الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
راقبت رودينة وهى تنتقل بين أغراض المطبخ، تنثر الملح والكمون وتقلب الخضار وتخلط السلطات وتتذوق الشوربة قبل أن تضع داخلها لسان العصفور، ثم غمست لقمة فى الملوخية بعد أن دلقت الطشة داخلها وكانت قطع الدجاجة تبقبق داخل الزيت.
"افتح الشباك علشان الريحه يا آدم" قلت.
"لكن الجو برد!!" صرخت رودينة.
"افتحه يهوى الشقه دقيقتين وبعد كده ابقا اقفلة."
وكنت اراقب رودينة بدقه متتبع ردود أفعالها وملامح وجهها طريقة الكلام، اى شيء يخبرنى ان كانت تلقت رسالة علاء من عدمه. لقد بدا لى غريب ومستبعد ان تكون رسالة الفراق وصلت إلى رودينة وتكون هذة ردة فعله.
نهضت فتحت الشرفة والنافذة، تسربت الرائحة نحو الشارع.
وقفت دقيقة في الشرفة، يدي على الهاتف تتحرك بغضب، طلبت من علاء يبعت رسالة لرودينة. ليه تأخر؟ ليه يسيب البنت على عماها كده؟ دى خيانة وقلة ذوق. المفروض يمتلك الشجاعة ويقلها الحقيقة. يقلها انا مش عايزك ولقيت واحدة غيرك وحبيتها او لقيت مصلحتي معاها، واننا مش لبعض يا رودينة وانك هتكملي طريقك لوحدك.
تنهدت ووقفت دقيقة احاول تخيل الموقف بعد ما ابعت الرسالة لعلاء، ثم يقوم علاء بتبليغ رودينة الخبر، تخيلته الان، قبل أن نتناول طعامنا، وكيف ان الأطباق ستسحق على الأرض ويملاء الصراخ الشقة.
فاجأني الهاتف بوميض غريب، فشل ارسال الرسالة. بصيت على الرقم لاتأكد، كان رقم علاء، ثم اعدت الإرسال، لم يستدل على الرقم. اتصلت بعلاء وكان هاتفه مغلق او غير موجود بالخدمة.
"ايه اللخبطة دي بقا؟ هو علاء اختار يعمل الندالة معايا انا كمان، يختفي ويجبرني ابلغ رودينة الخبر، ابلغها بقراره؟"
حسيت بلخبطة غريبة، يبقى اكيد رودينة متعرفش حاجة علشان كده بتتصرف على طبيعتها. وفكرت طيب لو تليفون علاء فضل مغلق هسيب رودينة على عماها كده؟ علاء اكيد هيفتح التليفون بكرة او بعده على أقصى تقدير.
"رودينة؟ مش دي بنت عمك؟" قلت وانا بركز في واحدة ماشية في الشارع.
"وقفت رودينة جنبي، اعتقد هي يا ادم."
"ايه إلى ممشيها وحدها في الشارع في وقت متأخر كده؟ وفيه شوية عيال صيع بيقفو على الناصية؟" همست.
"معرفش" قالت رودينة وهي بتفكر.
"هو عمك ساكن قرب من هنا؟"
"لا يا ادم مش هنا خالص، اصل دي تاني مرة نشوفها هنا مش غريبة دي؟ بكرة هبقى اكلمها واعرف منها كان فيه ايه."
"رودينة؟" ولفيت وشي ناحيتها. "هو انتي كلمتي بنت عمك عاتبتيها بعد الموقف اللي حصل منها؟"
"تقصد الكلام اللي قلته واحنا ماشيين مع بعضينا؟"
"ايوة."
"الصراحة لا يا ادم مجتش فرصة."
اها، وشعرت داخلي بضيق، كنت اتمنى لو كانت رودينة دافعت عني خاصه وانها تعرف انني بريء، وانني كنت أفعل كل ذلك من أجلها. وغمرني إحباط كبير، ألا تنطبق مقولة ان تعمل معروف في غير أهله على رودينة؟ أم انني استبق الأمور وأحملها أكثر من طاقتها؟ لقد كنت بالنسبة لها مجرد بديل مقبول، انها لم تفكر في ابدا بطريقة أخرى.
ثم لاحظت ابتسامتها ويدها الممدودة نحوي التي تجذبني نحو الطاولة. وقلت في سري ما الذي تغير؟
جلسنا على الطاولة ولم أشعر برغبة في تناول الطعام. وضعت لقمة في فمي وقلت، "رودينة انتي فكرتي ولو للحظة ان علاء ممكن مينزلش مصر تاني؟"
تغيرت ملامح رودينة، كأنني طعنتها بخنجر. وهمست "لا."
"لكن دا احتمال وارد يا رودينة لازم تحطيه في اعتبارك."
"احطه في بالي ليه؟" سألتني رودينة بنبرة حادة. "هو انت تعرف حاجة يا ادم؟"
"لا."
"طيب ليه الكلام دا بقا؟"
صمت لحظة، اكتم أسراري داخلي. "لأن الإنسان لازم يجهز نفسه لكل الاحتمالات يا رودينة."
"وانت مجهز نفسك لكل الاحتمالات يا ادم؟"
"ازاي؟" قلت بعدم فهم.
"فرضا يعني، مجرد احتمال زي كلامك، لو علاء مش هينزل مصر، لو قرر يتخلى عني فكرتي هتعمل ايه؟"
"الصراحة لا يا رودينة مفكرتش."
"طيب انا بسألك اهو لو حصل هتعمل ايه؟" وقضمت رودينة قطعة دجاج مقرمشة في فمها.
"اتفاقنا كان واضح يا رودينة وانا مفكرتش في أي احتمال تاني."
وقفت رودينة سابت الاكل ومشت.
"ايه مش هتكملي اكلك؟" قلت.
"لا نفسي سدت، ابقى شيل الأطباق ونظف الطاولة، انا داخلة انام."
"ليه مش هتنامي جنبي زي كل ليلة؟" قلت بهزار.
"لا، هنام في غرفتي، تصبح على خير."
وانا ادخن سيجارة حاولت أن افكر في كلام رودينة، ماذا كانت تقصد؟ ما وراء كلامها؟ وهل حقاً قلبي بدأ يميل نحوي حتى في وجود علاء؟ أكان تغيرها في الكلام والمعاملة تلميح بقبولي ليس كبديل بل اقتراح محتمل، ثم ذهبت لابعد من ذلك، هل معقول ان قلبها بدأ يدق نحوي؟ وان كان ذلك حقيقي فهل سأمنحها فرصة ام أسد الباب في وجهها؟
وكان هاجس داخلي يتصاعد باستمرار، ام هل تراك انت معجب بها؟ انت من دق قلبك بحبها دون أن تدري؟ كان من الصعب تفسير الاضطرابات النفسية التي تدور داخلي، بين رفض وتردد غمرني غموض وغبش وارتباك.
نظفت الأطباق والطاولة، صنعت فنجان شاي وجلست امام التلفاز وانا متغطى ببطانية على الكنبة في يدي الريموت ابدل القنوات بلا اهتمام وشرود.
سمعت بكاء رودينة، في البداية كان نحيب خافت، ثم تصاعد ليصبح صراخ مخنوق وضرب في الجدار.
"انا لم أفعل أي شيء يستدعي ذلك." قلت. وكان باب غرفتها مغلق عندما طرقت الباب. "رودينة انتي كويسة؟"
"ايوه كويسة يا ادم شوية صداع مش اكتر."
"طيب عايزه حاجة؟"
"لا متشكرة."
عدت مكاني تكورت على الكنبة ومددت جسدي نصف نومة على جانبي الأيمن امام التلفاز. انفتح باب غرفة رودينة، خرجت غسلت وجهها في الحمام، وقفت امام المرآة لحظة وسرحت شعرها. ثم بلا كلام رقدت امامي على الكنبة وغطت نفسها معي بالبطانية. كان ظهرها تجاهي وكان جسدها ملتصق بي.
رواية احببته رغما عني الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
كنت أسمع أنفاس رودينة وأشعر بحرارة جسدها، سكونها وتقوقعها داخلي كأنني أحتويها.
ورغبت أن أحتضنها بقوة، أن أعصرها وأضمها إلي.
ثم أدركت أنني في اللحظة التي سأحاوطها فيها بيدي لن يكون هناك أي فرصة للرجوع، سألتصق أنا وهي ببعضنا إلى الأبد.
وكيف أحتضن أنثى تعشق غيري؟
إن رودينة ارتكبت جريمة العشق وأنا لست قاضي عادل.
قد تنسى المرأة أي شيء، لكنها لا تنسى حبها الأول.
ثم أنها حتى تلك اللحظة لم تبدِ لي أي شيء، لم تصرح لي أنها قد تتخلى عن حب علاء، أو حتى أن تصبح حرة.
لم تبدِ أي إشارة على كرهه أو نية الابتعاد عنه.
منعت نفسي عن الحركة، تسمرت في مكاني، كنت في مأزق وأعرف أن مقاومتي ستخور رغمًا عني.
كما أعرف أنها ليست لي وأنني لست لها وأنها زوجتي.
وأن كل واحد منا سيشق طريقه أما اليوم أو في الغد.
فلا أوسخ الصفحة البيضاء النظيفة، إن هذا أقل ما يمكنني فعله، ألا أتسبب لها في جرح أنا الآخر.
"الجو بارد جدًا"، همست رودينة وهي تتكور على نفسها.
"قلت: أعرف، أنا أيضًا أشعر بالبرد."
"لكن جسدك دافئ يا آدم؟"
"لأنني كنت تحت الغطاء لفترة طويلة جدًا يا سيدتي."
"طيب امنحني بعض الدفء يا أخي؟" همست رودينة بمزاح.
"كان بودي"، قلت بنبرة مازحة أيضًا.
جذبت رودينة يدي فوقها ولصقت رأسها بصدري.
شممت عطرها ورائحة جسدها وتسللت إلى نعومة جسدها.
شعرت بكل شيء دفعة واحدة.
"قلت: رودينة؟"
"قالت: ماذا؟"
"همست: أنا."
"أنا."
"قالت: تكمل كلمتي، متوتر صح؟"
"كلمة متوتر قليلة على ما أشعر به."
ضحكت رودينة، لكنها لم تحاول الهرب.
وأدركت أنها تعرف شيئًا، تخفي شيئًا، ترغب بشيء.
"هل من الممكن أن يأتي يوم تحبني فيه يا آدم؟"
"قلت: ولما قد يحدث ذلك؟ كلانا يعرف أننا لسنا لبعض."
"همست رودينة بضعف: أحب أن أعرف إذا كان لا يضايقك؟"
"لما لا يا رودينة؟"
"لا أحد يعرف ما ينتظره وما تخبئه الأيام."
"آدم؟"
وصمتت رودينة كأنها أمام اعتراف سيحدد مصيرها إلى الأبد.
"قلت: ماذا؟"
"قالت بحزن ونبرة تعيسة منكسرة: علاء تخلى عني."
ثم صمتت حتى ظننت أنها نامت.
"اليوم وصلتني رسالة منه، رسالة اعتذار، تستطيع أن تقول جواب نهاية خدمة."
"تصور بعد كل هذا الحب وكل تلك السنين قال لي: إحنا مش لبعض."
ثم همست: "أنا حياتي تدمرت يا آدم، انتهت."
لم أعرف ما علي قوله، كيف أواسي إنسان مذبوح؟
"كنت تعرف صح؟" واصلت رودينة كلامها، "ولكنك لزمت الصمت حتى لا تجرح مشاعري."
"سبحان الله، رغم أنني أكن حب لغيرك وتزوجتك كي أنتظر غيرك، كنت أنت أكثر حرصًا علي منه."
"آدم؟ هل من الممكن أن تحبني يومًا ما؟"
"أيمكن أن تمنحني فرصة للعيش معك؟"
ثم قالت: "أعرف أنك لا تحبني، لكن أعرف أيضًا أنه لا توجد امرأة في حياتك."
"آدم، لقد تعبت من كل شيء، من نفسي، من علاء، من الحياة."
وجدت يدي تربت على كتف رودينة برفق.
"لكنك بالطبع تسأل نفسك، كيف أمنح امرأة تحب شخصًا آخر فرصة؟"
"معك حق، أنا لا أستحق فرصة، أنا أستحق الموت."
"لكن إذا كانت لديك رغبة لتعرف، وأنا لا أقول هذا لأبررني."
"لقد قسى علي علاء، وإن حبه في قلبي سيموت، مات، لا مكان له أبدًا."
"آدم؟"
ولمست رودينة وجهي بشفتيها.
"إذا كنت ستطلقني، أرجوك انتظر بعض الوقت."
"امنحني بعض الوقت للتعافي، فأنا أوشك على الموت كمداً."
"أعرف أن كل ذلك ليس ذنبك، أليست الحياة غريبة يا آدم؟"
"أعني قصتنا، أن يجد شخص مثلك نفسه في هذا المأزق التعيس مع فتاة كانت تحب غيره وتطلب منه عدم التخلي عنها."
"آدم؟"
وهمست رودينة بيأس: "أشعر أنني أنانية ولا أفكر إلا في نفسي."
"لكن..." وصمتت رودينة.
"إذا لم أفعل ذلك، لا أعرف ما يمكن أن يوصلني إليه عقلي."
سكنت رودينة في حضني، كانت يدي تحيطها كلها وجسدينا ملتصقين مثل الفراء بالغنم.
"لا تخبرني برأيك الآن يا آدم، امنح نفسك الوقت وامنحني بعض الحياة قبل أن تصدر أمرك بقتلي."
"قلت: بماذا تقولين ذلك يا رودينة؟"
"قالت: لأنني أعرف أنك رجل."
"قلت: وما علاقة كل ذلك بكوني رجل؟"
"قالت: لأنك رجل حقيقي، قد لا تقبل بفتاة في حياتها قصة حب كتبت تفاصيلها بنفسك."
استدارت رودينة لتواجهني وأصبح وجهها في وجهي وجسدها في جسدي وكلها في كلي.
"أنت شخص رائع يا آدم، إنني لا أقول هذا الآن في تلك اللحظة لأؤثر على قرارك أو مشاعرك."
"أنا أقول الكلام الذي منعني احترام حبي لعلاء من البوح به قبل ذلك."
"لكن الآن وقد بت حرة ومذبوحة، عليك أن تعرف أنني كنت أراقبك وأنني كنت أعجب بكل حركاتك."
"كنت أتجسس عليك وفي أكثر من مرة تمنيت أن تحتضنني مثل الأنواع."
"وعندما كنت في المطبخ وكانت عيونك تلتهمني كنت أشعر بذلك."
"بل هناك أكثر من ذلك."
"الموقف البايخ، أعني عندما شككت والدتي في رجولتي وطلبت تأكيد، كدت أصرخ في وجهها: أنت لا تعرفين أي شيء."
"آدم!"
ثم صمتت رودينة، خنقتها الكلمات وخانتها الشجاعة.
"همست: مش لازم تبرري أي حاجة يا رودينة."
لمست رودينة خدي بيدها الناعمة وابتسمت.
"هتسبني يا آدم صح؟"
"أنا كنت عارفة إنك كنت مستني رسالة علاء عشان تتحرر مني."
"أبسط يا عم، الفرصة جتلك أخيرًا بقيت حر وبكرة الشقة تفضى عليك من غير رودينة وتعيش فيها براحتك."
"آدم!؟"
ثم قبلتني رودينة بقوة.
"انسى كل حاجة أنا قلتها ليك، أنت مش مضطر تعمل أي حاجة عشاني."
"بكرة الصبح أنا هسيب الشقة، عايزة منك بس تديني شوية وقت ألاقي سبب للطلاق ما يسببش ليك أي خسائر."
حطيت إيدي على فم رودينة.
"اسكتي، متتكلميش تاني، أنا لسه هفكر، بفكر."
وقضمت أذنها بفمي.
رواية احببته رغما عني الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
أشرقت الشمس وعلت فوق سقف البناية، ولما فتحت عيوني لم أجدها في حضني أو حتى قريبة مني. لم تكن رودينة موجودة في الشقة كلها عندما تحركت لأصنع شاي الصباح.
وضعت باكت شاي إنجليش بريك فاست داخل ماء الكوب المغلي واحتويت الكوب بين يدي، ثم وقعت عيني على ورقة. ورغم خطها السيء تمكنت من قراءتها: "لقد رحلت يا آدم، تمتع بوقتك. أرجو أن تتذكرني ولو حتى صدفة عندما تجلس في الشرفة تدخن سيجارتك الصباحية وأنت تراقب الباعة الجائلين، أن تفتقد حركتي المستمرة داخل الشقة من أجل إثارة انتباهك، وأخيراً طعامي اللذيذ الذي كنت أطهيه كل يوم، كان لذيذاً لا تنكر."
قرأت الرسالة وأنا أبتسم، وسألت نفسي: "ليه الرسالة توقفت عند تلك النقطة؟ ليه رودينة مذكرتش أي حاجة تانية؟ وما الغرض من كل ذلك؟"
أنهيت كوب الشاي وجلست أمام التلفاز، ولم أتخيل أن يتسرب إلي شعور الوحدة بتلك السرعة.
في وسط شرودي، انطرق باب الشقة. حدقت في ساعة يدي القديمة، كانت الحادية عشرة صباحًا. "أنا مش منتظر زيارة ولا معارف لدي في هذه الحارة العفنة."
سحقت عقب السيجارة بيدي، "معقول تكون رودينة عاملة خدعة؟"
فتحت الباب ثم تسمرت في مكاني من الصدمة.
"مين؟"
"بنت عم رودينة." همست وهي على الباب تحدق داخل الشقة.
"قلت بسرعة: رودينة مش هنا."
"قالت: ليه طلقتها؟"
للحظة سكت لساني وتوقف عقلي. "انتي بتقولي كده ليه؟" همست. "أصلها مش موجودة، وبعدين إحنا هنتكلم على الباب؟ ممكن أدخل؟"
"قلت: اتفضلي."
"إيه سبب الزيارة المفاجأة دي؟"
"قالت: أنا جايه أعتذرلك."
"قلت: تعتذري ليه؟"
"قالت: من الموقف البايخ اللي عملته معاك في الشارع."
فكرت في سري: "أكيد رودينة كلمتها لما فتحتها في الموضوع ده أول امبارح."
"قلت: محصلش حاجة، كان موقف وعدّى."
"حقيقي أستاذ آدم أنا آسفة جداً مش عارفة إزاي قلت كده."
"قلت: أسفك مقبول يا..."
"قالت: اسمي رزان."
"ماشي يا رزان، اعتذارك مقبول، تشربى إيه؟"
ابتسمت رزان بخجل. "هو أنا ممكن أطلب منك حاجة؟"
"قلت: اتفضلي."
"قالت: هشرب شاي بس ممكن أعمله بنفسي؟"
استغربت طلبها، لكنها همست: "ارجوك؟ نفسي أستخدم مطبخ رودينة."
"قلت: ماشي مفيش مشكلة." وكان باب الشقة مفتوح ولا توجد أي خطورة.
نهضت رزان وقصدت المطبخ.
"أستاذ آدم فين الشاي؟"
"قلت: فوق عندك."
"فين السكر؟" همست في الدرج اللي تحت. بعدها وقفت ومشيت على المطبخ. شاورت ليها على كل حاجة ورجعت مكاني.
وصلت رزان بالشاي وجلست، نحت حقيبة ظهرها جانبًا.
"وقالت: متقلقش مش هضيع وقت كتير، هشرب الشاي وأمشي!"
"قلت بكسوف: ولا يهمك، لكنى كنت أتمنى أن ترحل."
رزان تشبه رودينة، ربما أكثر جمالًا. وجسدها مضبوط. في عينيها نظرة غريبة وغامضة.
احتسيت الشاي مع رزان وشعرت بثقل في رأسي وجسدي.
"قلت: رزان أنا حاسس إني مش على طبيعتي ولازم أنام."
"قالت رزان: آه عادي مفيش مشكلة، أنا هقوم أمشي."
فتحت عيني، كنت نائمًا على السرير. حاولت أن أتذكر تلك المدة المقطوعة من ذاكرتي. آخر ما أتذكره أن رزان كانت راحلة. ولما أغلقت رزان باب الشقة، ذهبت لسريري ونمت. كانت حالة غريبة، لكن لم أشغل بالي أكثر.
كنت مقرر أخرج أقابل صحابي، أخذت شاور وبدلت هدومي ووقفت قدام المراية أفكر أكلم رودينة ولا لأ.
ويدوبك هخرج، الباب خبط.
"قلت: إيه اليوم الغريب ده؟"
فتحت الباب بغضب، وجدت رزان واقفة بابتسامة تجر حقيبة خلفها.
"قلت: إيه ده؟"
أزاحت رزان يدي لبعيد وسط دهشتي ودخلت الشقة. "فين غرفتي يا آدم؟"
"صرخت بهوس: غرفة إيه؟ انتي فاكرة نفسك في فندق؟"
"همست رزان بنبرة باردة: مش عيب تقول كده لمراتك؟"
رواية احببته رغما عني الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
سألت وأنا أكاد أضحك: "مراتي؟"
"أيوه مراتك يا سي آدم، هو أنا مش شبهها ولا إيه؟"
دفعت رزان يدي لتتحرك، فأمسكت بها من كتفها.
"دفعتها إلى خارج الشقة! اسمعي يا بت، أنا مش ناقص جنان، انت كنتي عملتي مصيبة، روحي حليها بعيد عني."
"أنا مش مجنونة يا أدم، أنا مراتك والله، هو انت فقدت الذاكرة ولا إيه؟"
"اتفضلي امشي من هنا، بلا ذاكرة بلا زفت!! انتي فين أهلك أصلاً وإزاي يسمحوا ليكي تعملي كده؟"
ابتسمت رزان: "هو أنا بعمل حاجة حرام يا أدم؟ انت اتجوزتني على سنة الله ورسوله، اسمع لو كنت فاكرني بنت شمال تقضي معاها ليلة وتسيبها، تبقى غلطان! انت ناسي نفسك عملت إيه امبارح؟"
رفعت يدي لأصفعها، كنت قد وصلت للنهاية واكتفيت من تلك المزحة.
"اندفعت رزان بعيد عني. انت هتضرني؟"
وأخرجت من جيبها ورقة، ألقتها في وجهي.
"أنا مش جاية أتبلى عليك، أنا بنت ناس يا أدم، ولا يمكن أعمل الغلط أبداً."
كان عقد زواج مؤرخ بتاريخ أمس. تفحصت الورقة، بدت حقيقية.
كانت رزان قعدت على الكنبة.
"ها صدقت؟"
صرخت: "إيه اللعبة القذرة دي يا بت انتي؟ انتي مزورة العقد ده؟"
"اتصل بالشرطة!" همست رزان وهي تخرج سيجارة من سجائري وتدفعها في فمي.
"أنا عايزة أتحبس!"
قلت: "طبعاً هكلم الشرطة وهكلم أهلك وهطربقها فوق دماغك."
"تفضل."
رمت رزان تليفونها تجاهي.
"تليفون بابا مسجل عندك، طربقها وشوف هيحصلك إيه."
لم أتردد، سجلت الرقم وهاتفت الرجل الذي بدا مذعورًا.
قلت: "تعالى خد بنتك من عندي قبل ما أرميها في الشارع. بنتك وصلت هنا وبتتبلى عليا وتقول إنها مراتي."
قال الرجل: "أنا جاي حالا، ارجوك متعملش فيها أي حاجة، سيبها عندك لحد ما أوصل."
تنهدت بارتياح وقعدت على الكنبة.
"ولعت سيجارة وقلت ببرود لرزان: "تولعي؟"
قالت رزان: "آه يا ريت، بس اوعى تقول لأبويا إني بدخن، أبويا ما يعرفش إني بدخن."
وقلت في سري: "هذه الفتاة مجنونة حقاً، وعلي أن آخذها على قد عقلها لحين وصول والده."
تمددت رزان على الكنبة.
همست: "تصدق الكنبة دي مريحة؟ الواحد ممكن يفكر ينام عليها ويسيب غرفته."
ضحكت غصب عني وبصيت على الساعة.
"والدك ممكن يوصل في لحظة، قدامك فرصة تهربي، تروحي أي مصيبة بعيد عني."
نهضت رزان: "تصدق كويس إنك فكرتني."
وفتحت باب الثلاجة.
"هو انت عندك أكل يطبخ؟ أصل والدي بيحب الأكل جدا."
وسحبت لحمة نيئة ودخلت بها المطبخ.
"دي مجنونة حقيقي، والأفضل أبعد عنها لحد ما أبوها يجي ياخدها."
وبسرعة طهت رزان اللحمة وطبخت خضار وأرز، ثم عادت تجلس وهي متعرقة.
"لحظة وطرق باب الشقة."
اندفع منه رجل خلفه شابان قويان.
"أين هي؟" ومسح بعينه الشقة.
قلت بسخرية: "في المطبخ بتعملك أكل."
صرخ الرجل: "انتِ يزفت، يا زفت فينك؟"
واندفع بغضب نحو المطبخ.
جر رزان من شعرها وأسقطها على الأرض.
"بتفضحيني على آخر أيامي يا رزان، والله لأقتلك!"
صرخت رزان: "تقتلني ليه؟ أنا اتجوزت الراجل ده على سنة الله ورسوله وعقد الجواز اهو."
أمسك الرجل الورقة، وكانت وظيفته محامي على ما يبدو، ثم بدأت ملامحه تهدأ.
"امبارح جيت هنا أعتذر لآدم، هو جوز رودينة بنت عمي على فكرة."
انفتح فم الرجل بصدمة.
"لكن رزان أردفت: "كنت شككت في رجولته قبل كده، سمعت من مرات عمي كلام مينفعش أقوله. أنا عارفة إني غلطت إني دخلت شقة راجل غريب، لكن دا هو اللي حصل. وآدم بعد شوية حاله اتغير وحاول يتهجم عليا، عشان يثبتلي إنه راجل وإن كل الكلام اللي اتقال عنه مكنش حقيقي. قاومت ومكنش قدامي حل غير إني أطلب منه إنه يتجوزني، ودا اللي حصل يا بابا."
"البنت دي بتكذب! بنتكم كدابة! العقد ده مزور!"
رفع الرجل يده: "العقد سليم يا أستاذ آدم."
صرخت: "مستحيل! أنا هتصل بالشرطة!"
"بلاش فضايح!" صرخ أخ رزان.
"أختي غلطت، لكن عقد الجواز صحيح."
قلت وأنا أنهض وأصرخ: "الحركات دي مش هتتخيل عليا! اللعبة اللي بتلعبوها لا يمكن تتم! خد بنتك يا راجل انت وامشي من هنا!"
"تأدب!" صرخ أخ رزان الآخر.
"مش كفاية إنك هاجمت أختي وكنت هتغتصبها؟"
وكلمة من هنا وكلمة من هنا، تشابكنا بالأيدي وضربنا بعضنا.
وارتفع صوت صراخنا حتى حضر الجيران ووصلت شرطة النجدة.
ومعها سيارة إسعاف، فقد تعرضت لإصابة فوق حاجبي الأيمن.
نظف جرحي ووضع لاصق طبي فوقه.
ثم أخذونا إلى قسم الشرطة.
وراح ضابط المباحث يحقق معنا واحد تلو الآخر.
في المحضر اتهمت رزان وأهلها بالتزوير وطالبت ضابط الشرطة أن يثبت الحقيقة.
أخرجني ضابط الشرطة إلى الاستراحة واستمع لرزان وأهلها، ثم طلبني مرة أخرى للتحقيق أمامه.
قال الضابط: "انت عملت المحضر زي ما طلبت، وعايز أساعدك."
قلت: "ياباشا، عقد الجواز مزور، دي مش إمضتي، أنا بطالب بعرض العقد على خبير خطوط، أنا متأكد إن الحقيقة هتظهر."
قال الضابط: "ماشي، انت هتضطر تقضي الليلة معانا في الحجز لحد ما نعرض العقد على خبير خطوط بكرة."
"تمام ياباشا، وبكرة لما الحقيقة تبان لازم البنت دي وأهلها ياخدوا عقابهم."
"تمام يا أستاذ آدم، يا عسكري خد المتهم على الحجز."
قلت: "لو سمحت يا باشا، أنا مش متهم، وبكرة تعرف إن كلامي ما فيهوش ولا حرف كدب."
"معلش يا أستاذ آدم، انت متهم زيك زيهم إلى أن يفصل خبير الخطوط في صحة العقد."
قلت بغضب: "ماشي ياباشا، ماشي."
رواية احببته رغما عني الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
جلس ادم وسط المجرمين والشمامين والحشاشين وضاربي الترامادول وسارقي المحافظ في الأتوبيسات.
الكل ينتظر موعد عرضه على النيابة، لأن النيابة لا تعمل سداح مداح، بل لها فترة صباحية وفترة مسائية. وعلى المجرمين ومثيري الشغب أن يحترموا مواعيد عمل وكلاء النيابة، لأنهم ليسوا بشراً عاديين.
احتاج ادم أن يشعل سيجارة، لكنه تذكر أن علبة السجائر طارت أثناء الخناقة.
"معك سيجارة؟" لكز ادم المجرم الذي يجلس بجواره.
همس الرجل: "لا والله." ثم ضيق الرجل حاجبه: "بص، اغمز الأمين حتى بخمسين وهو يجيب لك علبة سجاير."
مسك ادم حديد الحجز، ولوح للأمين: "عايز علبة سجاير يا باشا."
ولما اقترب الشرطي، دس ادم الخمسين جنيهاً في يده، ثم علبة السجاير.
أشعل ادم لفافة تبغ ومجها باستمتاع. أول مرة يدخل قسم الشرطة، ولما يدخل المركز يزج به في الحبس مثل المجرمين.
لكن غداً سيحطم الدنيا فوق رأس رزان وأهلها. الحق سيظهر، العقد مزور.
ثم شرد ادم وتذكر رودينة التي غادرته صباح اليوم. وهمس: "صدفة عجيبة."
راح النعاس يطبق على جفن ادم ورأسه تهتز داخل حجرته.
ثم أشرقت الشمس على خير.
وعندما أفاق، وجد أن علبة السجاير قد سرقت.
"في هذه البلد لا فرق إن كنت في قسم شرطة أو في الشارع، ستسرق على كل حال."
تنهد ادم بغيظ: "طيب، اللي لفح علبة السجاير يحدفني سيجارة؟"
وردت عليه أنفاس متعبة متهالكة، لا تعرف ما ينتظرها.
الساعة العاشرة صباحاً، سمع ادم اسمه.
"المتهم ادم علي الفهرجي."
"تعالى يا متهم، قابل النيابة."
جلس ادم أمام وكيل النيابة. شاب نحيل يرتدي بدلة أنيقة، شعره مشذب بعناية، ويرتدي نظارة طبية بعدسات لامعة.
كان يلبس في يده ساعة ماركة روليكس، وكل خمس لحظات يرفع كم بدلته وينزله ويهز الساعة في متلازمة لاحظها ادم من أول دقيقة.
"اسمك وسنك وعنوانك؟"
"ادم علي الفهرجي، 25 سنة، حي الحسين."
"أنت تتهم مراتك أنها زورت عقد الزواج يا ادم؟"
"مش مراتى يا باشا، لو مراتى كنت اتهمتها ليه!!"
رفع وكيل النيابة عينه وطرف حاجبه الأيمن وهو يرمق ادم لثوان.
"سيد ادم! أنت تتهم المدعوة رزان أحمد فرغلي بتزوير عقد الجواز الخاص بك؟"
"أيوه يا باشا، مظبوط."
"امس طلبت عرض عقد الزواج على خبير خطوط؟"
"مظبوط يا باشا."
"أنت متأكد أن خبير الخطوط سيؤكد حجتك أن العقد مزور؟"
"تمام يا باشا."
"يعني أنت منتظر تقرير خبير الخطوط ومتأكد منه؟"
"أيوه يا باشا، ومش عايز أي حاجة غيره. هيوصل تقرير الخبير وحضرتك هتعرف كل حاجة بنفسك."
"إيه أقوالك في اتهامك لوالد مراتك أحمد فرغلي متولي وابنيه بالتعدي عليك داخل شقتك؟"
"يا باشا، مش مراتى، والراجل ده أنا أول مرة أشوفه هو وأولاده."
"اسمع يا ادم. أنت متهم على ذمة قضية، ومراتك وحماك متهمين على ذمة نفس القضية. ولحين وصول تقرير الخبير، رزان مراتك وأنت متهم وحماك متهم. ويا ريت متقاطعنيش مرة تانية إلا لو كان عندك أقوال جديدة حابب تضيفها."
"رد على السؤال لو سمحت؟"
همس ادم بخنق: "كانت خناقة محدودة نابعة من سوء فهم يا باشا. لما تظهر الحقيقة أنا هتنزّل عن المحضر ضد مقتحمي شقتي."
"عندك أقوال تانية يا ادم؟"
"لا يا باشا، ما عنديش."
"طيب، اتفضل. يا عسكري؟ خده على الحجز."
خارج غرفة التحقيق، صادف أحمد فرغلي وأولاده وبنته رزان.
بص عليه الراجل بغضب وحقد دفين، وما كان ناقص غير يقوم يضربني. وأنا همست في سري: "كنت أدب بنتك في الأول، مكنش حاجة من كل ده حصلت."
في الفترة المسائية، طلبوني تاني، لكن في مكتب ضابط المباحث، وكان أحمد فرغلي موجود وأولاده.
"تفضل اقعد يا أستاذ ادم."
قلت: "لو سمحت يا فندم، أنا مش عايز أقعد معاهم."
بصلي الضابط بقرف: "تفضل اقعد يا ادم، متعطلنيش."
قعدت غصب عني. قال ضابط الشرطة بعد ما أشعل سيجارة: "تقرير الخبير وصل."
صرخت: "الحمد لله، ظهر الحق."
"اسكت يا ادم!" صرخ ضابط المباحث بنبرة متوعدة.
خرج ضابط المباحث الملف وعيني تعلقت بالأوراق.
كنت بصرخ في سري: "انطق، اخلص."
رفع الضابط عينه: "تقرير الخبير بيقول العقد سليم."
صرخت: "مستحيل! إيه اللي بيحصل ده؟ تهريج!"
رفع الضابط ايده وصرخ: "احترم نفسك يلا، وإلا والله هحبسك بنفسي. مش كفاية جاي هنا وعاملك هوجة على الفاضي؟"
قلت: "يا باشا، والله العقد ده مضروب."
"أنت بتشكك في ورق الحكومة يا ادم؟"
قلت بسرعة: "لا يا باشا، لا."
همس الضابط: "طيب، اسكت. نساوينكم وافقوا يتنازلوا عن المحضر. تقدر تاخد مراتك وتروح شقتك."
انصدمت. حسيت الكرسي نزل بيا في الأرض. قلت: "لا، لا."
قلت: "اطلب حضرتك الشهود، وهما هيقولوا الحقيقة."
رفع الضابط عينه: "هو هستنى تعليمات سيادتك؟ الشهود أكدوا أن العقد سليم."
قلت: "طيب يا باشا، لو هي مراتى بحق وحقيقي وأنا كداب، أكيد دخلت عليها طبعاً."
كمل همس الضابط ببرود: "أنا عايز تحليل يا باشا. التحليل هيثبت إني ملمستش البنت دي."
صرخ حماي أحمد فرغلي: "ما تحترم نفسك يا جدع أنت! أنت بتقول أي كلام وخلاص؟"
رفعت رزان وشها وقالت: "أنا موافقة يا بابا."
الضابط بص لرزان وبصلي. "ولو إن ده ملوش لازمة، لأن عدم دخولك على مراتك لا يعني إنها مش مراتك. فيه ناس كتير متجوزة بقالها شهور ومدخلوش على زوجاتهم. لكن علشان أريحك وبموافقة خصيمك في المعرض، أنا ممكن أوافق أعمل التحليل."
قلت: "أنا مش عايز غير كده يا باشا، وبعدها مش هفتح بوقي تاني."
الضابط خرجنا بره المكتب. وبعد شوية بعت معانا أمين شرطة وعسكري على المعمل.
رواية احببته رغما عني الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
داخل المعمل، أصررت أن ننتظر نتيجة التحليل. جلسنا في غرفة الانتظار، وبعد شوية دخلت حماتي كالعاصفة من باب المعمل تجر خلفها رودينة.
زعق صوت حماتي:
"تعالي يا أختي شوفي جوزك بيعمل إيه!"
رفعت دماغي، والتقطت عيني بعيني رودينة التي تحمل حزناً دفيناً.
همست رودينة: "آدم..."
كدت أنهض،
"استنى عندك!" صرخت حماتي. "أنا مش جايبة رودينة علشان تتعرفي جوزك اتجوز عليكي يا حلوة. ومش أي حد، لا لا، دا اختار بنت عمك أحمد، رزان!"
فتحت فمي لأشرح.
صرخت حماتي: "اسكت، متفتحش بقك، متتأثرش على بنتي، أنا عرفت كل حاجة."
قلت: "محصلش."
رفعت حماتي صوتها:
"ابقى كدب الشرطة بقى يا معلم، ما انت بتاع مشاكل، أنا عارفاك. أنا شوفت عقد الجواز بعيني. بقا يا فاجر تحاول تغتصب البت الغلبانة رزان، ولما تفشل جوزها قال إيه ليلة والسلام. لكن حاسب عندك، إحنا عيلتنا رجالة قوي."
وبصت على والد رزان وأخويها.
قلت: "بقولك محصلش، الحقيقة هتظهر دلوقتي."
"الحقيقة ظهرت خلاص، يلا بينا يا متهم. يا ما تحت السواقي دواهي."
بصيت لأمين الشرطة بغضب.
صرخت: "انت بتهبب؟ تقول إيه؟"
"انت بتتعدى على الشرطة يا متهم؟ والله لأوريك."
ورفع التحليل الذي أثبت فيه وجود الحمض النووي الخاص بي داخل رزان.
"يالهوي، يالهوي! بتلعب على البت وبت عمها!" صرخت حماتي. "طلق بنتي حالا دلوقتي."
"اتجوزت ودا شرع الله، لكن اتجوزت من غير موافقة بنتي. يعني بنتي هتاخد كل حاجة منك، وهتاخد نفقة، وربنا لأسجنك يا فاجر. قبل كده ضربتني وبهدلتني وجوزي سامحك، لكن النهاردة هاخد حقي تالت ومتلت."
توقفت في ذهول وأنا أشعر بالعار والخزي، أترجح بين نظرات حماتي ونظرات والد رزان التي تنصب علي مثل الماء المغلي.
"خلاص يا ماما، كفاية كده." همست رودينة بضعف.
"اسكتي انتي يا هانم، متفتحيش بقك. طلق بنتي يا آدم."
"يا ماما، خلاص بقى!" صرخت رودينة وهي تندفع خارج المعمل.
جرني أمين الشرطة نحو القسم، وجرى كل شيء كأنني مخدر.
أنسابئي تنازلوا عن المحضر. قالوا: "إحنا أهل أصول ومش هنحبس جوز بنتنا، لكن حقنا هناخده كامل. انت أخدت بنتنا غصب ولازم تدفع التمن."
خرجنا من قسم الشرطة. والد وقف عربية وصرخ في بنته:
"اركبى معانا."
رزان وقفت بثبات:
"لا يا بابا، أنا هرجع بيت جوزي."
كنت أسمع الكلام وأنا في حالة صدمة. والد رزان بيضربها ورزان بتصرخ وتقول:
"يا بابا، مش هينفع أرجع دلوقتي. الناس تقول عليه إيه؟ خاطية؟ لازم أفضل هناك شوية قبل ما يطلقني."
رجعنا على شقتنا كلنا. رزان وأنا ووالدها وأخواتها، وسمعته بيقولها:
"لو ضربك أو مد إيده عليكي كلميني، وربنا لأقتله. الشقة شقتك وهاخدها لك منه، دي أقل حاجة يدفعها نظير إنه تهجم عليكي وأخدك غصب."
دارت بي الدنيا. خرجت على الشرفة، ولعت سيجارة وحاولت أنسى كل الصراخ اللي كان حواليا.
"إزاي دا حصل؟"
راجعت بالذاكرة. رزان عندي بتعتذر. شربنا شاي. بعدها أنا نمت. ثم رجعت رزان تدعي إنها مراتي.
"الشاى؟ أكيد الشاي كان فيه حاجة."
بصيت في ساعتي، كان مر أربعة وعشرين ساعة على وقت الحادثة.
نزلت بسرعة وسط استغراب حماي وأولاده. كنت متشبث بآمل أخير، أدعو أن لا أفقده.
رواية احببته رغما عني الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
الشاى؟اكيد الشاى كان فيه حاجه، بصيت فى ساعتى كان مر اربعه وعشرين ساعه على وقت الحادثهنزلت بسرعه وسط استغراب حماى وأولاده كنت متشبث بآمل اخير ادعو ان لا افقده