في فيلا منير المنشاوي صباحًا. قابعًا على أحد مقاعد مائدة الطعام، منتظرًا مجيء ابنته، مردفًا لأحد الخدم: "هي كل ده نسرين نايمة ولا إيه؟ أجابه أحد الخدم: "لا يا منير باشا، الهانم صحيت وزمانها نازلة حالًا تفطر مع حضرتك." كادت تنهي حديثها حين قاطعها دخول نسرين، تسحب أحد المقاعد وتجلس عليها بصمت، متناولة إفطارها. قاطع أباها الصمت قائلاً: "مفيش صباح الخير حتى.. عادي، أصل أنا معرفتش أربي."
همّت هي أن تتفوّه بها، قاطعها هو مخبرًا إياها: "النهاردة هتنزلي تختاري باقي الحاجات اللي ناقصاكي عشان حددنا معاد الفرح خلاص." تجهّمت ملامحها، شعرت أنها فقدت القدرة على النطق والمقاومة. دارت حرب شرسة داخلها، ما الذي عليها فعله الآن؟ كيف تُنقذ نفسها من هذه الزيجة؟ قطع شرودها والدها حينما أردف: "ولما تخلصوا نتقابل كلنا في…" ذكر اسم أحد المطاعم الشهيرة، "نتغدى ونتكلم في باقي التفاصيل."
أنهت طعامها الذي لم تتذوق منه شيئًا، راكضة تجاه غرفتها. وما إن دلفت غرفتها، أسرعت مهاتفة صديقتها تخبرها، بدهشة تارة وببكاء تارة أخرى، متمتمة بضع كلمات: "اعمل إيه قوليلي يا نهى؟ أهرب؟ هيجيبوني تاني. أموت نفسي؟ حرام عليا. أرضى إني أتجوز إنسان مش بطيقه ولا بحبه وخاين كمان؟ طيب أعمل إيه؟ أنهت كلماتها ببكاء، وأردفت وسط دموعها: "نهى، لو قولتلك تعالي معايا تيجي؟ أنا مش عاوزة أروح معاه في أي مكان لوحدي أبدًا…"
على الجانب الآخر. رنّ هاتفه مجيبًا هو: "محمود! أخيرًا يا ابني افتكرتني. ها بقى، أقابلك فين؟ أردف بها أحمد مقاطعًا صديقه حينما أخبره شيئًا، ضحك بسخرية: "لا والله مش فاضي أنا أقابلك في النادي.. بص، أنا مسحول هنا في كمين وقريب مني مطعم كده وأنا متغدتش، والله ما تيجي أقابلك هناك." محمود: "يااااه يا عم، هو انت على طول كده؟ همّك على بطنك. ماشي، موافق. أنا في الطريق أهو."
أغلق هاتفه حينما وجّه تعليماته لزملائه من الضباط والجنود في الكمين، مردفًا لهم: "هروح مشوار مهم كده ربع ساعة. مش عاوز عربية تعدي من غير تفتيشها كويس وتاخدوا بالكم من كل حاجة." ألقى تعليماته ثم غادر متجهًا لصديقه. عنده هو في الفندق.
أمسك الجهاز المسؤول عن المراقبة عن بعد خاصته، مراقبًا بها فيلا منير المنشاوي. أدرك حجم قوة الحماية المحيطة بالفيلا، وعلم موعد مغادرته من الفيلا صباحًا، كما علم موعد عودته للفيلا. لا يستطيع مراقبته عن قرب أكثر، فهو إلى الآن يحتاج يقلل ظهور عثمان متولي. بعد إدراكه أن عثمان متولي تحت المراقبة أيضًا، أزال القناع من وجهه، ثم أردف بشر:
"انت كنت نافعني أووووي، وخصوصًا إنك ملكش أهل ولا حد يسأل عن سبب اختفائك من أول وصولك مصر. بس الظابط ده إيه خلاه أصلًا يشك فيك يا عثمان…؟ في أحد المطاعم الشهيرة. رن هاتفه مردفًا: "خير، في حاجة؟ على الجانب الآخر، صوت أنثوي يخبره بضرورة مجيئه لاستلام شحنة من البضائع وإمضاء كافة الورق المتبقي. أجاب هو: "مش انتي عارفة إني في مشوار دلوقتي يا شيرين؟ شيرين:
"وأعتقد أن حضرتك قولتلي إن شحنة الأغذية دي خصوصًا هتستلمها بنفسك عشان أول تعامل ليك معاهم، وإني أبلغك على طول." أمجد: "خلاص، أنا جاي أهو." أغلق هاتفه متعجلًا، ناظرًا لهما مردفًا: "طيب، أنا هستأذن بقى يا نسرين، بس في شغل مهم جدًا لازم أكون بنفسي موجود معاهم. بس أنا مش سايبك لوحدك، معاكي نهى ومنير باشا زمانه على وصول، وأنا هكلمه أبلغه إني اضطريت أمشي." غادر هو عائدًا للشركة.
مرت لحظات، دلف بها أحمد المطعم ليرى صديقه يشير له. اتجه إليه مصافحًا بحنين لصديق الطفولة الذي عاد تواً بعد غياب ثلاث سنوات أقامهم بالخارج: "إيه التأخير ده؟ انت مكنتش كده زمان، كنت قبل المعاد بتبقى موجود." قاطعه أحمد قائلاً: "ده كان زمان قبل ما أبقى ظابط والتزامات ومسؤوليات. وانت مبسوط بقى في شغلك؟ أجابه محمود:
"يا ابني، لو لم أكن مهندس لوددت أن أكون مهندس. لا، ما كانش ينفع أبقى زي أبويا. جو الظباط ده مليش فيه. والصراحة اللواء رفعت جدع معايا لما قالي ادخل اللي انت عاوزه، أنا مش هغصبك على حاجة." صوت رنين قطع حديثهم. أجاب أحمد صمت لحظة قبل أن يردف قائلاً: "فعلاً اللي حسبته لقيته…." في منزل الحاجة حميدة. "قومي ارتاحي شوية يا رحمة يا حبيبتي، بقالك كتير قاعدة بتذاكري." هتفت بها حميدة، مرفقة بحال ابنتها. رحمة:
"أنا فعلًا تعبت يا أمي، شوية محتاجة أفصل. أنا هقوم أرتاح شوية." أغلقت بعض الكتب أمامها، بينما شردت في ذكرى هذا الشاب. لم تراه مرة أخرى. ترددت كلماته بذهنها: "أنا أدهم، جاركم على فكرة." لم تتساءل ذات يوم هل المنطقة بأكملها يقطن بها هذا الشاب؟ لم تراه من قبل، لا هو ولا غيره. حين تكون بالخارج، تسير خطواتها مثبتة بصرها أمامها، غاضة بصرها، لم تلاحظ أحد من الأساس. من أين له أن يعجب بها؟
هذه المرة الأولى التي تراه بها. لم تره بعدها ثانية. هاهي خرجت بعدها أكثر من مرة، بل أكثر من يوم، لم تره.
زار طيفها خياله. هذه المرة العاشرة بل أكثر. لم يعد يكترث بعدد المرات التي رغب بها النوم وكان طيفها يؤرقه. يتخيلها نسمة أضاءت حياته، ملأت كل الفراغ بها. وقع أسير ضحكتها العذبة، براءة نظراتها، دموعها التي تنساب، ليس إلا لعلامة واحدة فقدتها في الاختبار. عشق تفاصيلها. كتم في قلبه كل ذلك لصغر سنها. بينما وعد نفسه بأنه لن يستطيع الانتظار أكثر بعد. سيبوح عما بقلبه قريبًا. في شركة أمجد الهواري. "جهزتي كل الورق يا شيرين؟
" أردف بها أمجد. شيرين: "كله تمام يا أمجد." قاطعها هو: "نعم، استنى كده، بصي.. في الشركة قدام الموظفين، أنا أمجد بيه. بيني وبينك، قوليلي اللي انتي عايزاه." شيرين: "من امتى الكلام ده؟ أمجد: "لا، ده من زمان بس انتي اللي مش واخده بالك." شيرين بتهجّم: "على فكرة مش من مصلحتك تقلب عليا أنا عشان اللي عارفاه عنك مش قليل." أمجد بنبرة غاضبة:
"وانت مش من مصلحتك تخونيني أو تبقي عدوتي عشان حياتك في إيدي أنا وبس، وممكن في ثانية أنهيها." ارتبكت ملامحها، ثم أردفت بنبرة لينة متصنعة: "مالك يا أمجد بيه؟ بتتكلم معايا ليه كده؟ أنا عملت إيه لده كله؟ قاطعها أمجد بحدّة: "انتي يا شيرين بالنسبالي زي العروسة الماريونت. أنا اللي بقرر تعمل إيه وتقول إيه وتروح فين. غير كده، انتي أصلًا مش هتعرفي تعيشي من غيري. اكسبَي ودّي أحسن." انهارت هي باكية:
"أنا عشان بحبك تذلّني وتعمل فيا كل ده؟ حبك ده بيموتني. بينهي حياتي. انت عندك حق، أنا لعبة في إيدك." تركها هو وسط دموعها، مغادرًا إياها متجهًا لمكتبه، غير مبالٍ بها. كفكفت هي عبراتها، عيناها تلمع باحمرار غاضبة: "قريب أوي اللعبة دي هتكسرك، مش انت اللي هتكسرني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!