بغرفة المستشفى ترقد هي بأحد الأسّره، تتصل يداها بالمحاليل بينما هي تغفو، أو هي مجبرة على ذلك ضعفًا، بل هروبًا من واقعها وألمًا. "أنا همشي دلوقتي يابنتي، هخلص إجراءات دفن منير. خليكي معاها ومتسبهاش يانهى، لازم يبقى حد جنبها. أنا رايح أنا وأمجد نخلص الإجراءات، أول ما أخلص هرجع أطمن عليها." أردف بها مجدي موجهاً حديثه لصديقتها نهى التي تقبع بأحد المقاعد بجانب فراش صديقتها بالمستشفى.
أجابته نهى: "أكيد يا انكل مجدي، أنا مش هقدر أسيب نسرين كده. اتفضل حضرتك ومتقلقش عليها. لو في أي حاجة هكلم حضرتك أقولك." في طريقه أثناء مغادرته المستشفى، لمح دخوله المهيب بالزي العسكري الذي يرتديه. أخذ يحدث نفسه: "الضابط أحمد إيه اللي جابه تاني؟ ماهو زميله الضابط مصطفى موجود، وهي البنت ناقصة استجواب منهم هما الاتنين، مش لما تفوق الأول." أثناء شروده، قاطعه صوت أحمد موجهاً له التحية. بعدما ردّ عليه مجدي التحية،
أردف له: "حضرتك الرائد.. نسرين دلوقتي تعبانة ومفقتش لسه، وبعدين هي مش هتقدر تتحمل انتو الاتنين تسألوها على أي حاجة دلوقتي، كفاية صدمتها بوفاة والدها. ارجوك أجل كل حاجة دلوقتي لحد بس ما تفوق." قاطعه بابتسامة مطمئنة له متمتماً بكلماتٍ: "اطمن يا أستاذ مجدي، أنا جاي عشان أقول لمصطفى ميتكلمش مع آنسة نسرين في أي حاجة دلوقتي، وأنا هتابع كل حاجة بنفسي."
رمقه مجدي نظرة امتنان وشكر لما يفعله من أجل نسرين، ولإحساسه بالصدق بكلامه، ولمحه لتلك النظرة بعينه. تلك النظرة تُعني الكثير لو صحَّ حدسه. لقد لمح هو نظرة أحمد لها من قبل عندما أتى المستشفى لحظة إصابة والدها ليطمئن عليها. *** في شركة الهواري، قامت هي بإرسال الإيميلات التي طلب منها أمجد إرسالها بتحديد موعد استلام الشحنة الجديدة من المواد الغذائية. أنهت ما تقوم بعمله، ثم أمسكت هاتفها.
"أيوه يا أمجد، هتيجي أمتي عشان تتمم باقي الشحنة ونستلمها ونمضي الورق؟ أجابها أمجد: "طيب، مسافة الطريق وجاي حالا. بس اعملي حسابك تكوني مجمعالي كل الورق اللي عاوزاني أمضي عليه عشان همشي تاني وأكمل باقي إجراءات دفن منير." أردفت شيرين: "تمام يا أمجد، مستنياك." أغلقت، بينما أردفت هي: "حلو كده، قريب أوي وهخلص منك." استأذن أمجد من مجدي بإخباره بأن لديه بعض الأشياء الهامة المتعلقة بالعمل، وعند انتهائها سيأتيه على الفور.
أردف مجدي: "روح يا أمجد شوف اللي وراك، أنا ممكن أخلص كل ده لوحدي أصلًا. عمومًا، لو احتجتك هقولك." *** بالمستشفى، دلف أحمد أخيرًا إلى غرفتها. وقعت عيناه عليها، تألم لرؤيتها بتلك الحالة. اجتاحت الوخزات قلبه مجددًا، كل مرة يراها بها بذلك الضعف أو الحزن يتمنى لو يأخذ نصيبها من الحزن كاملاً. لِمَ هي تحديدًا؟ لا يعلم. قاطعت نظرته تلك صوتٌ
آخر: "حضرتك هي لسه ما فقتش، بس الدكتور طمنا. أول لما تفوق تقدر حضرتك تسألها على اللي عاوزه." أشاح وجهه ينظر إليها. تلك الفتاة صديقتها نهى التي دوماً يحدثه عليها محمود. أفاق من شروده: "لا، أنا جاي أطمن بس." فاستأذن بالانصراف. عقب مغادرته الغرفة، توجّه إلى مصطفى مردفاً بكلمات: "تقدر يا مصطفى تروح أنت، أنا خلاص كلمت اللواء وهتابع باقي الموضوع بنفسي." قاطعت الدهشة ملامح وجه مصطفى حينما أردف: "إزاي يا ابني؟
ده الداخلية كلها عارفة إنك لسه مخلص المهمة اللي كلّفك بها اللواء رفعت وهتاخد إجازة. ده حتى كلنا قولنا أيوه يا عم، والعة معاك وهتاخد إجازة. الظاهر إننا حسدناك." قاطعه هو بحزن استشعر به صديقه: "لا، أنا أجلت إجازتي شوية وبلغت اللواء إن الموضوع بما إنه له علاقة بالقضية، فأنا هكمله لحد الآخر." "تمام، طيب أنا همشي. لو احتاجت أي حاجة قولي. بس أنت متأكد إنك مش محتاج حتى يوم ترتاح فيه؟ أردف بها مصطفى مستعداً للمغادرة.
"متأكد، روّح أنت يا مصطفى." تمتم بتلك الكلمات أحمد وهو يتجه إلى أحد المقاعد يقبع بها. *** في منزل الحاجة حميدة، والدة أحمد: هتفت رحمة لوالدتها: "ماما، أنا نازلة عشان الدرس يا حبيبتي. عاوزة حاجة مني؟ صمت، لم تسمع إجابة والدتها للنداء، فظنت أنها ربما لا تستطيع التحدث لأنها تؤدي فرضها. أردفت هي: "طيب حبيبتي، أنا نازلة عشان اتأخرت. ادعيلي معاكي وإنتي بتصلي." اتجهت إلى باب المنزل لتفتحه، لكنها
توقفت قلقة محدثة نفسها: "أما أروح أطمن على ماما الأول وبعدين أنزل." استدارت هي عائدة إلى غرفة والدتها لتطرق باب الغرفة. لم تستمع لأي إجابة منها، لتقوم هي بفتحه، لتتفاجأ بما ترى. *** يقف آدم كعادته بالشرفة منتظراً إيّاها بشغف ولهفة. نظر إلى ساعته ليجد أن موعد نزولها من المنزل قد فات منذ ما يقارب الربع ساعة تحديداً. أردف هو بلوعة قلب واشتياق رؤيتها: "هتنزلِ امتى يا رحمة بقى؟ نفسي أشوفك." ***
تتحدث ببكاء وخوف على والدتها، ممسكة الهاتف بيديها، مردفة: "أبيه أحمد مبيردش على تليفونه ليه بس؟ أصابها الإحباط بأن يجيب أخوها مكالماتها. تركت هاتفها واتجهت لوالدتها مرة أخرى بعدما تأكدت أنها تتنفس بانتظام. تمتمت: "دي أكيد غيبوبة سكر وأنا معرفش أتعامل معاها إزاي، بس ابيه أحمد هو اللي عارف أعمل إيه، بس يارب."
تذكرت وجود صيدلية ومركز طبي بالقرب من منزلهم. تركت والدتها، هبطت على الدرج مسرعة متألمة تطلب المساعدة من أي مكان. رآها هو آتية من بعيد على غير عادة، وكأنها مشتتة وتائهة تبحث عن شيء ما. أحسّ بها تهرول بخطواتها تكاد تسقط من سرعة خطواتها وعدم تركيزها. شعر هو بوجود خطبٍ ما. هبط درج المنزل وهرول إليها مسرعاً.
عند رحمة، وسط شرودها وعيناها التي ترى ضبابية الأشياء من كثرة الدموع التي تنساب على وجنتيها والدموع التي توشك على السقوط منتظرة دورها هي الأخرى. سمِعَت صوتٍ ما يهتف لها: "أساعدك بحاجة يا آنسة رحمة؟ لم تشعر بنفسها عندما رمقته ببصرها مردفة إليه: "ماما تعبانة أوي وأنا مش عارفة أعمل إيه." قاطعها هو: "حالا هجيب لها دكتور، أنا هتصل بيه دلوقتي." ***
بالمستشفى، بعدما أفاقت نسرين، كان هو بالخارج قابعاً بأحد المقاعد. أغفل قليلاً حيث اعترف لنفسه أخيرًا أنه ما كان يجب عليه الذهاب للمستشفى، بل كان عليه الذهاب إلى المنزل للراحة بعض الوقت. بعدما أفاقت نسرين، حدثتهم مردفة: "عاوزة أشوف بابا بعد إذنكم قبل ما تدفنوه، ينفع؟ قاطعها مجدي: "بس إنتي يابنتي تعبانة، يُفضل تبقى في المستشفى لحد ما نطمن عليكي." أردفت هي: "لا، أنا بقيت أحسن. من فضلك عاوزة أمشي يا انكل مجدي."
تمتم مجدي بكلماتٍ: "خلاص يابنتي، اللي عايزه ربنا هيكون. إحنا خلصنا كل حاجة بالمستشفى، هو هنا وهيخرج عشان يدفن كمان شوية. تعالي يابنتي." ذهبت هي، بينما كانت بطريقها تخرج من الغرفة، وجدت عيناها عليه. رأته بحالة مرهقة يجلس بالمقعد المقابل لغرفتها، يضع قدماً على الأخرى، يخبئ وجهه بين راحة يديه مستكيناً، مطأطأ رأسه للأسفل. تعجبت هي من حالته تلك. بعدها أدركت أنه كان يغفو قليلاً.
نظرت لصديقتها ولمجدي: "أخبروها بأنه أتى بعدما علم بخبر وفاة والدها وأنه أصبح الضابط المسؤول عن القضية بديل الضابط مصطفى." رمقته بنظرة حزينة مُحمّلة بالعتاب والإشفاق بحالته تلك لتتركه، وتواصل طريقها بمساعدة صديقتها لتلقي نظرة الوداع الأخيرة على والدها. *** دلف الدكتور منزل الحاجة حميدة. بعد الفحص طمأنهم عليها بأنها بالفعل أصابتها غيبوبة سكر نظراً للهبوط بمعدل السكر لديها. قام بإعطائها بعض الحقن مردفاً
بكلمات: "الحمدلله إنكم لحقتوها، لو كنتوا استنيتوا عليها كده كان الموضوع تطور لحاجات تانية خطر. هي هتبقى كويسة بعد الحقن دي." يقف جوارها، شكر الدكتور وقام بإيصاله، بينما اتجه إليها مردفاً: "طيب أنا هنزل أجيب الدوا اللي الدكتور كتبه وهطلع أديولك." أنهى كلامه متجهاً لباب المنزل، سمع كلماتٍ أوقفته مكانه بل وأثارت بقلبه التوتر والخفقان، بينما ارتسمت ابتسامة على ملامحهِ ليستدير ناظراً إليها. لتردف رحمة بنبرة يشوبها
الخجل الواضح بصوتها: "مش عارفة من غيرك أنا كنت هتصرف إزاي، متشكرة لحضرتك جداً. مش حضرتك أستاذ آدم برضو؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!