شعر أحمد بالضجيج حوله، بل إن صح التعبير أفاق حينما سمع صوتها. هي فقط، أدركها تهتف بغضب يتخلله نحيب: "أنا كام مرة أقولك متلمسنيش، أبعد بعيد عني بقى." قاطعها أمجد مشدداً من قبضته على رسغها: "أنا عملتلك إيه لكل ده؟ أنا كنت بساعدك ترجعي أوضتك وكنت ماسك إيدك أوصلك." أزاحت يديه بعنف بعيداً عن ذراعيها مردفة: "وأنا قولتلك مش عاوزاك تلمسني ولا تساعدني، أنا معايا نهى وانكل مجدي." قاطعهم هو واضعاً يديه بعنف على كتف أمجد:
"مش الآنسة قالتلك متلمسهاش؟ اتفضل امشي." اكتسحت علامات التعجب وجه أمجد حينما سمع الصوت آتياً من خلفه. أشاح وجهه إلى مصدر الصوت مردفاً: "وحضرتك مالك بقى؟ دي خطيبتي." أردف أحمد بنبرات واثقة: "لأ، أنا مالي ومالي ونص كمان. ومطولش معايا في الكلام عشان أنت عارف إني بقيت المسؤول عن القضية دي وكل حاجة تخصني فيها بما فيهم الآنسة نسرين نفسها."
رفع أمجد إحدى حاجبيه دليلاً على الدهشة والذهول من هو ليتحدث بتلك النبرة المتمَلِّكَه. تدخل مجدي مردفاً بكلمات لتهدئة الوضع: "خلاص يا أمجد استنى هنا وأنا أكون خلصت باقي الإجراءات ونهى تساعد نسرين ونمشي من هنا، وأنت تبقى توصلنا بعربيتك."
دلف غرفتها مردفاً لها بكلمات تشعر هي بنبرته الحانية التي يتخللها القلق عليها. باتت تحفظ نبرته تلك بل أصبحت تنتظرها بشغف ليس إلا لشعورها بأن صوته يأتي بعتمة قلبها يبعثرها، لينير شيئاً ما بتلك العتمة. "البقاء لله يا آنسة نسرين. زي ما عرفتي أنا بقيت المسؤول عن القضية ومحدش هيستجوبك في أي حاجة غيري أنا. وأنا هستنى لما تبقي أحسن." أنهى كلماته تلك. وجه لها تلك النظرة التي جعلتها تشعر برجفة تناغمت مع ضربات قلبها.
أردفت هي بهمهمات: "شكراً لحضرتك." تقدم خطوات باتجاه باب الغرفة، يحرك مقبضه لفتحه، معلناً مغادرته. ظلت تنظر بأثره مرددة لنفسها: "أكيد دي مش هتبقى آخر مرة أشوفك فيها." قبل مغادرته المستشفى قابل مجدي بالردهة. أخبره بتلك الكلمات: "كام يوم إن شاء الله هاجي الفيلا عشان نقفل القضية دي. اعتقد إن آنسة نسرين هتكون بقت أحسن وهحط حراسة على الفيلا تاني فترة كده بس نكون اطمنا إن الأوضاع بقت أحسن وبعد كده كل حاجة هترجع لطبيعتها."
أنهى عبارته ساحباً كارت صغير من جيبه، قام بإعطائه لمجدي مردفاً: "الرقم اللي في الكارت ده رقمي الشخصي. لو حاجة حصلت أو الآنسة حبت تقفل القضية قبل كده كلمني وبلغني وأنا هعمل اللازم." أجابه مجدي: "إن شاء الله. متشكر جداً لحضرتك على اهتمامك." أردف أحمد ممتناً: "على إيه ده واجبي. بعد إذن حضرتك." دلف أدهم منزله، بعد عودته من منزل الحاجة حميدة. "حمد الله ع السلامة ياحبيبي خير؟
نزلت كده ومقولتليش حتى إنك نازل وأنا معرفتش غير لما كنت بناديلك وأنت مردتش. بعدها دورت عليك ملقتكش. كنت فين يا أدهم؟ هتفت بها والدته متعجبة من ملامح وجهه التي تعلوها علامات السعادة والبهجة، بينما أردف هو: "ماما، على فكرة في حد من الجيران مريض مش عاوزة تروحي تزوريه وتاخدي ثواب زيارة المريض." اندهشت هي من عبارته، تعلم أن لا علاقة له بأحد من الجيران. أردفت بحيرة: "جيران مين؟
مانت عارف ملناش علاقة بحد غير بالجيران اللي في البيت ومحدش منهم تعبان." قاطعها أدهم: "لأ دول جيران تانيين أنتِ متعرفيهاش. بس إن شاء الله نعرفهم قريب أووووى لما أروح أنا وأنتي كده نزور والدتهم عشان تعبانة جداً و…" قص عليها ما حدث. أنهى حديثه فأجابته هي: "لأ يا ابني دي أصول لازم نروح برضه ونطمن عليهم." تعجبت بداخلها من اهتمامه بهم وخاصةً عندما ذكر اسم رحمة. رأت تلك الابتسامة التي تسللت منه دون إرادته وارتسمت بملامحه.
دلف إلى منزله وأخيراً لينعم ببعض الراحة والتي افتقدها حقاً. "ياماما.. يا رحمة.. أنتوا فين وإيه الهدوء ده؟ مش عادتكم يعني؟ هتف بها بينما كان ممسكاً مقبض باب غرفة والدته، يدلف الغرفة ويتفاجأ بوالدته مستلقية على الفراش بجانبها رحمة تنظر إليها بحزن وقلق. ليهتف بقلق: "فيه إيه يا رحمة؟ مالها ماما؟ عندما رأته ألقت نفسها بأحضانه باكية تهتف بعبارات متقطعة يتخللها النحيب: "أنت كنت فين يا ابيه؟
ماما كانت هتضيع مننا. كلمتك كتير مردتش عليا وأنت عارف إحنا منعرفش حد خالص ولا لينا علاقة بحد." زاد من احتضانها ممسداً عليها باحتواء والد وليس أخ مردفاً لها: "أنا آسف يا حبيبتي، كنت مخلي التليفون سايلنت. ولما شوفت مكالماتك كنت في الطريق جايلكم وعشان كده متصلتش تاني. إيه اللي حصل يا حبيبتي!؟ أردفت هي:
"ماما جالها غيبوبة سكر وأنا معرفتش اتصرف خالص. ممكن تبقى تعلمني أعمل إيه لو سمحت عشان أنا من غيرك كنت محتاسة جداً ومعرفتش اتصرف. لولا جارنا ده هو اللي أنقذ الموقف وجابلنا دكتور." قاطعها بدهشة: "جارنا مين ده؟ وإنتي عرفتيه منين؟ أخبرته بما حدث. أردف لها متفهماً: "طيب، كتر خيره. ابقى لما أشوفه وأتعرف عليه أشكرة بنفسي." كادت أن تهمس بكلمات وحمدت الله أنها لم تنطقها وإلا لكان لأخيها موقف آخر غير الهادئ هذا. ابتلعت
كلماتها مرددة بداخلها: "إيه ده؟ هو ابيه أحمد مايعرفوش؟ أمال أدهم يعرفه إزاي؟ بفيلا منير المنشاوي: دَلفت نسرين الفيلا معها نهى صديقتها التي أصرت عليها أنها ستبقى بجانبها إلى أن تتحسن حالتها بعد أن استأذنت من والدتها. هتفت نهى: "اطلعي ارتاحي شوية يانسرين، أنتِ تعبانة. تعالي أساعدك." أومأت لها نسرين بصمت.
حينما دلفت غرفتها بكت بكاءً لم تبكه من قبل. علمت أنها أصبحت وحيدة فعلياً لا سند لها سوى الله. فقدت والديها، فقدت الحب والأمان. كان أمانها وإن كان يقسو عليها ولم تشعر يوماً بالراحة معه بعد فقدانها والدتها. لكن على الأقل كانت تشعر بالاطمئنان، تعلم لا أحد بإمكانه أذيّتها. أما الآن تركها هو فماذا ستفعل بعد رحيله بمفردها. أردفت بهمهمات متقطعة يتخللها البكاء:
"اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها. أنا راضية يارب بس أعمل إيه؟ مش قادرة. هعيش إزاي دلوقتي؟ مش مرتاحة. محدش هيسبني في حالي. يارب أنت عارف ضعفي وعالم بكسرتي. قويني هونها عليا يارب واجبر قلبي وصبرني." تسللت عباراته إليها وهو على فراش الموت: "متخليش حد يسلبك روحك ويقهرك زي ما أنا عملت. متكونيش ضعيفة. سامحيني يابنتي." تمتمت بصوت مبحوح: "الله يرحمك يابابا." في شركة الهوارى:
"بكرة يا شيري يا حبيبتي هروح لها الفيلا أفتحها في موضوع جوازنا وهي هتوافق. عارفه ليه؟ عشان أسهم باباها اللي كان داخل بيها شراكة معانا في الشركة وعشان أنا الوحيد اللي هقدر أتمم كل الصفقات اللي كان منير بيه داخل فيها. من الآخر هي ملهاش حد دلوقتي. وأنا اللي هكون قدامها وده هيخليها توافق." قاطعته شيرين مردفة: "وافرض رفضت هتخليها توافق إزاي؟ أطلق ضحكة يشوبها السخرية:
"عيب عليكي دي قدرات وأنا عارف لو موافقتش هعمل إيه بالظبط وهلعب بالورقة الرابحة." علمت شيرين بنيته بالتحديد عند نطقه بتلك العبارات: "بما أن أسهم الشركة بتروح للورثة في حالة وفاتهم وبما إني هتجوزها وهخليها تتنازل لي عن الأسهم دي وهضُم الشركتين على بعض وتبقى مجموعة شركات الهوارى ساعتها هي مش هيبقى ليها لازمة. بس هي حلوة مفيش مانع أفضل متجوزها وأفضل أنا وأنتي يا شيري سوا كده." قاطعته هي: "يعني مش هتتجوزني!؟ قاطعها هو:
"لأ، منا مش عاوز شوشرة ودوشة. جواز مش هتجوز أنا هقضيها كده. أنا حتى هضطر أتجوزها هي عشان أنفذ خطتي. بعدها أشوف يا أطلقها وتبقى مَحيِلتهَاش حاجة، يا أخليها وأتمتع بيها. مش عارف لسه ظروفها معايا إيه."
انطلقت شيرين بغضب متجهة لمنزلها، هرولت مسرعة لغرفتها، تُخرج جهاز اللاب توب الخاص بها وتلك الفلاشه الصغيرة لتقوم بتحميل كافة الملفات التي تخص صفقات المواد الغذائية التي تتم بينه وبين الشركة الأجنبية إليه؛ مردفة بغضب ونظرة يتخللها انتظارها للانتقام منه: "كده خلصت اللعبة خلاص. قولتلك خاف من اللعبة لتكسرك يا أمجد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!