استيقظت نهى باكراً كعادتها، اتجهت ببصرها تجاه نسرين تطمئن عليها، تهتف بهمساتٍ: "أخيرًا نامت… الحمدلله." أمسكت بهاتفها لتُجرِي اتصالاً بوالدتها تطمئن عليها وأحوالها. "أيوه يا ماما، عاملة إيه ياحبيبتي، وبابا رجع من السفرية اللي تبع شغله ولا لسه؟ أجابتها والدتها: "لا يا نهى، ده حتى سأل عليكي وقولت له إنك لسه مرجعتيش وإنك مع صاحبتك، بس هيرجع كمان كام يوم إن شاء الله. هي عاملة إيه دلوقتي؟
أكيد الموضوع صعب عليها، ربنا يقويها ويصبرها ويعوضها خير." أمنت نهى على دعاء والدتها: "آمين ياماما. بصي أنا ممكن أقعد مع نسرين كام يوم ياماما، مش هقدر أسيبها في الظروف دي دلوقتي أبدًا، ولا إيه رأيك يا أمي؟ "أيوه طبعًا، خليكي معاها وأنا هحضر لكم الغداء وأجي أطمن عليكم وأقعد معاكم كام يوم، أصل انتوا بنات لوحدكم في فيلا. أنا من امبارح قلبي واكلني عليكي. أنا هقوم أجهز نفسي وأجيلكم." أردفت بها والدة نهى بعد حسم أمرها.
أجابتها نهى بسعادة: "ياريت يا ماما، انتي وحشتيني أصلًا، وأكيد عارفة نسرين بتحبك قد إيه. ربنا يخليكي لينا ياماما." ما إن أنهت مكالمتها حين سمعت خطوات الخادمة تجاه الغرفة، جائت تخبرها بمجيء أمجد ليطمئن على حال نسرين. "قوليله إنها نايمة دلوقتي وأنا مش هقدر أصحّيها، ما صدقت إنها تنام وهي طول اليوم كانت صاحية تعبانة." أومأت لها الخادمة لتهبط مخبرة أمجد بذلك، ليردف الأخير عليها بصُراخ: "إيه قلة الذوق دي؟
هي مين أصلًا عشان تمنعني أشوف خطيبتي؟ اتفضلي، قولتلك صحّيها وإلا أنا هطلع أصحّيها بنفسي." أفاقت هي على هذا الصخب والضجيج، يرتجف جسدها من صرخاته التي دوت صداها أرجاء الفيلا. "إيه ده؟ لم تجد أحداً بجانبها، فعادت الذكريات تضرب رأسها من جديد، هل ستستيقظ كل صباح على هذا الصخب؟ أدركت حينها أنها بالفعل فقدت والدها، ماذا بإمكانها أن تفعل أمام طغيان هذا الرجل؟ ودّت لو تستطيع اقتلاعه من حياتها للأبد.
انتبه هو على صوت طرقات على باب منزلهم، استعد لفتح الباب مُنَادِياً: "رحمة، قومي ادخلي جوه، يارحمة، على ما أشوف مين بيخبط." تمتمت هي أثناء دُلُوفها إلى الغرفة: "حاضر يا أبيه أحمد، ومش هنسى هلبس الطرحة لو هخرج." قاطعها بابتسامة رسمها على ملامحه المشاكسة لهذه الصغيرة له، ليفتح باب المنزل ويتفاجئ بوجود سيدة بالعقد الخامس من العمر، يلحق بها شاب يبدو أنه ابنها. قامت بإلقاء التحية عليه، فيما أردف هو:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." ثم صمت بعض الوقت منتظراً سماع شيئاً يوضحون به سبب مجيئهم. تمتمت السيدة: "مش أنت أحمد برضو؟ تعجب هو حينها فأردف: "أيوه حضرتك، أقدر أساعدكم بحاجة." "إحنا جايين نزور الحاجة عشان عرفت إنها تعبانة شوية، قولت أجي أطمّن عليها." أردفت بها السيدة، بينما لاحظت علامات الترحاب الظاهرة على وجه أحمد. أفسح لهما المجال.
أما هو، ما إن وطأت قَدماهُ المنزل أخذ يبحث عنها بعينيه، لعله يلمح طيفها ويُهدِّئ خفقان هذا القلب المضطرب الذي لم يعد لديه السيطرة عليه منذ رؤيتها للمرةِ الأولى. "انكل مجدي، الحقنا، نسرين مُنهارة ومش عارفة أعمل إيه معاها، واللي اسمه أمجد ده عمّال يزعّق فيها، تعالي بسرعة، أنا مش عارفة أتصرف معاه." أردفت بها نهى بعد أن أنهت مكالمتها، متجهة لهم تحاول تهدئة الوضع قليلاً، فهي تعلم صديقتها جيدًا ممَّا تخشى.
"ممكن توطي صوتك شويه يا أستاذ أمجد؟ حضرتك مش عارف إنك كده ممكن نعمل فيك قضية نتهمك فيها بكل بساطة إنك بتتهجم علينا وإحنا لوحدنا." قاطعها أمجد: "نعم؟ قولتي إيه؟ أتهجم على مين؟ وإنتوا برا الفيلا حراسة تسد عين الشمس، واللي أنا مش شايف لازمة ليها. وبعدين إنتي بتتدخلي ليه؟ أنا بتكلم أنا وخطيبتي، ملكيش دعوة إنتي." أنهى حديثه ناظرًا لنسرين يتمتم بحنق عليها من تصرفاتها وضعفها وبكائها المستمر الذي أصابه بالضجر منها:
"أنا مش كل ما أقولك كلمتين بصوت عالي تعيطي؟ بصي خلاص، اللي بيحميكي مات، وإنتي عارفة كويس أوي إن الأسهم دي أنا ممكن أضمها إزاي ليا بمعرفتي، وعارفة إنك ملكيش غيري، وأنا الوحيد اللي هعرف أدير أملاكك كلها عشان منير بيه كل أسراره وصفقاته معايا. فأنتي بقى حابة تضيعي نفسك بعندك ورفضك ليا؟ حلو، معنديش مانع، بس متجيش تزعلي لما تلاقي نفسك خسرتي كل حاجة." أنهى كلماته بابتسامة تهكُّم، مرددًا:
"فكّري كويس، إنتي من غيري هتخسري، ومحدش هيحميكِ مني. مع السلامة يا نسرين." دلف إلى الشركة مكفهر الوجه، فرأته شيرين. "مالك؟ في إيه يا أمجد؟ هي رفضتك برضه؟ مش قولتلك محدش هَيقدر يغصبها على جوازها مِنك بعد وفاة منير اللي هي بتسمع كلامه؟ مات خلاص." تمتم أمجد: "لا، أنا هددتها بالأسهم وإني أقدر أخسرها كل حاجة." قاطعته شيرين: "إنت بجد مصدق نفسك؟ إنت بتهددها بحاجة مش ليك أصلًا ومش من حقك! أسهم إيه اللي بتتكلم فيها؟
قاطعتها صفعة مُدوية على وجهها، مردفاً هو: "أنا لما أقول أقدر أعمل حاجة فأنا هقدر أعملها. الألم ده يعلّمك تثقي فيا أكتر من كده. ولما أكون متعصب تهدّيني، وبعدين إنتي معايا ولا معاها؟ اطلعي بره، روحي على مكتبك، مش عاوز أشوف وشك." يقبع هو بغرفته يتذكر ما حدث جيداً. نظرات أدهم لأخته وإرتباكها من نظراته تلك، وترحيب والدته الغير معهود بأحد. كم رأى سعادة والدته بعد انصرافهم، مردفة:
"يااااه، أخيرًا بقيت أعرف حد من الجيران. أنا مبسوطة أوووي يا أحمد بمعرفة الحاجة إلهام وابنها، شكلهم ناس محترمين." أجابها هو: "أيوه يا أمي، فعلاً محترمين، ده حتى ابنها طلب مني طلب غريب أوووي." بدت على ملامحها الريبة، أردفت هي: "خير يا ابني، ابنها طلب إيه منك؟ قاطع شروده رنين هاتفه. ما إن أجابه علم هوية المتصل، فهو مجدي. طلب منه رؤيته على الفور لأهمية الموضوع.
ارتدى ملابسه مسرعًا، هبط الدرج، يقود سيارته ذاهبًا إلى المكان المُتَفق عليه. "بص يا ابني، أنا هدخل في الموضوع على طول، الموضوع متعلق بنسرين." صمت ليرى وقع اسمها عليه، وليُثبت لنفسه صحة حدسه أن الذي يقبع أمامه مهتم فعلياً لأمرها، بل إن الموضوع يتخطى الاهتمام بكثير. رأى آثار القلق تكتسح ملامحه، ليهتف أحمد: "خير، أنسة نسرين مالها؟ إذاً، فليتحدث هو بارتياح.
ارتسمت ابتسامة جانبية على ملامحه دليل على طمأنينته أنه ذهب للشخص الصحيح، لم يلحظها أحمد لانشغاله. تمتم مجدي: "نسرين في خطر يا أحمد، أمجد مش سايبها في حالها وبيهددها إنه يخسرها كل حاجة مقابل إنها تتجوّزُه. هي المرة دي مطلبتش مني مساعدة لأنها لجأت ليا قبل كده ومقدرتش أساعدها، فأنت لو عندك حل بس نبعد أمجد عنها لحد ما ترتب أمورها ونشوف نقدر نعمل إيه." آخر كلمة وقعت على مسامعه هي (تتجوّزُه)
، بعدها لم ينتبه لأي من كلمات مجدي. تمتم أحمد وكأنه يتحدث ليُذكّر نفسه بشيء، مرددًا: "متقلقش خالص، مش هتتجوز حد ومش هتخسر حاجة من أملاك والدها." بعد إذنكم. همّ بالمغادرة، قاطعه مجدي بعباراتٍ أخرى أوضحت له الكثير مما كان يجهله بشأنها، بل كانت تُصِيبُه الحيرة في كل مرة يراها بتلك الحالة:
"هي نسرين كمان بتخاف من الصوت العالي، بس مش خوف زي اللي انت فاهمه أو الخوف العادي، لا دي فوبيا، حالة مرضية كده أو حالة غريبة بتحصلّها لما بتسمع صوت عالي أو يكون الصوت موجه ليها، أو من الآخر أي حد يتكلم معاها بزعيق بتتعب. خد بالك بس من الموضوع ده." يقود سيارته متجهاً إليها، يؤنّب نفسه بكل مرة تحدث إليها بغضب، وبّخ نفسه بشدة. بينما توّعد لأمجد. دلف مدخل الفيلا، بينما تمتم لأحد الجنود المكلفين بحماية الفيلا: "إيه؟
في أي حاجة غريبة حصلت؟ أردف له أحدهم أنه منذ بضع ساعات أتى شخص مُحدثاً صَخَب بالداخل. قاطعه أحمد مردفاً: "طيب لو شوفته تاني امنعه من الدخول، فاهم؟ وبلغني على طول." الجندي: "تمام يافندم." دلف هو للفيلا. ألقى التحية على نهى، متمتماً بحس دُعابة: "في ناس كده واكلين دماغي بيكي، ده حتى كلّفوني إني أعمل عنّك تحريات، تخيلي." قاطعته هي بتلعثم: "ا ا أنا مين ده؟ أنا معملتش حاجة والله."
قاطعها بابتسامة اكتسحت ملامحه بتسلية، فيبدو أنه وجد من تساعدهُ أخيراً في خطته. أردف هو: "يَـا بنتي متخافيش كده أوووي، عموماً لو عاوزاني أساعدك فأنا هساعدك، بس فيه مقابل." أردفت بتوتر لُوحِظ على ملامحها: "ياريت ياحضرة الظابط، وأنا هساعدك بكل اللي أقدر عليه." يُردف بتلك الابتسامة الواثقة: "حلو. مقولتليش فين نسرين بقى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!