يلا بقى يا رورو قومي بطلي كسل عاوز أفطر معاكي قبل ما أنزل الشغل. كان أحمد يُفتعل ضجيجًا في غرفتها، فقد اشتاق لها فعليًا، اشتاق لمشاكساتها معه، اشتاق للمكوث معها ومع والدته قليلاً. هي ابنته أولًا وأخته ثانيًا، صغيرته المدللة. قبل وفاة والده بيوم، يتذكر جيدًا ما حدث منذ ثلاثة عشر عامًا. دلف اللواء عبد الرحمن مصطفى، والده، إلى غرفته متمتمًا بكلمات لم ينسها أبدًا في حياته: "انت صاحي يا أحمد؟
أجابه أحمد: "أيوه يا بابا لسه منمتش، في حاجة حضرتك؟
لاحظ ملامح القلق تكتسح وجه أبيه، محاولًا إخفاءها، مردفًا: "انت عارف إنك راجل البيت يا أحمد، لازم تاخد بالك من أمك وأختك الصغيرة دي، أنا بكرة عندي مهمة، في كل مهمة بروحها بقلق ما أرجعش، وبفكر فيكم. أوقات كتير كنت بفكر أسيب الشغل وأستقيل وأعيش حياة طبيعية من غير قلق ولا خوف عليكم، لكن برجع أقول ده واجبي. لو مت في شغلي هكون شهيد وهتفضل ذكرايا عايشة معاكم طول الوقت، تفتكروني وتفتخروا بيّا، عشان كده عمري ما قدرت أسيبه. أنا مستودعكم عند ربنا يا ابني، أنا بحبك أوي وبحب اختك وامك، أنتم كل حياتي، عشت بتقي ربنا في شغلي وفيكم عشان ربنا يكرمي فيكم ويحافظ لي عليكم ولو مش وسطكم."
أنهى كلامه طابعًا قبلة على جبين ولده، ثم غادر الغرفة، تاركًا الريبة والقلق تملأ قلب أحمد. لكنه دعا الله أن يعود والده سالمًا. اليوم التالي لم يعد هو، بل عادت بدلته وأشيائه فقط. بكى وقتها بكاءً لم يبكه بحياته قط. كان في التاسعة عشر من عمره، في عامه الثاني بكلية الشرطة، كوالده، وكانت أخته في عامها الرابع. أفاق من شروده، مستمعًا لصوت رحمه مردفة: "صباح الخير يا أبيه، في حد يصحّي حد كده؟
قاطعها بمشاكسة: "لما الحد ده يكون نومه تقيل زيك يبقى لازم يصحى كده واكتر كمان، يلا قومي نفطر سوا عشان نازل الشغل يا لمضة." بلمح البصر وجدها تقفز من السرير مردفة بسرور: "بجد يا أبيه هنفطر سوا؟ بقالي كتير مش بشوفك أصلًا." ابتسم لها مردفًا: "أيوه، وخلّصي بقى وبطلي رغي، أنا أصلًا ناوي أخلص القضية اللي شغال فيها دي وآخد إجازة ونقضيها سوا أنا وأنتي وأمي، نسافر أي مكان ونغيّر جو." في شركة الهواري.
رفع أمجد هاتفه يطلب سكرتيرته الخاصة، مهاتفًا: "شيرين تعالي حالًا." أتت شيرين متمتمة: "كنت عايزني في حاجة يا أمجد بيه؟ قاطعها هو: "لا بيه إيه، متتهزريش، مالك كده في إيه؟ اعتلت علامات الدهشة وجهها لتردف: "مش أنت اللي كنت قلت لي أقولك كده آخر مرة وزعقت فيا جامد لما ناديتلك أمجد بس؟
قاطعها هو: "لا ياحلوة، قدام الناس وباقي الموظفين بس، لكن بيني وبينك عادي. بصي ياشيرين، أنا مقدر إنك بتغيري عليا، وأقصى حاجة أتوقعها منك إنك تسعي بأي طريقة إني أكون ليكي ومكملش مع نسرين، بس بقولك تاني، لو اتجوزتها ده في مصلحتنا، افهمي. يلا بقى عشان عايزك النهارده نقضي ليلة حلوة كده سوا، وهاتي لي الملف الخاص بالشحنة الجديدة اللي هتيجي." أردفت متسائلة: "شايفاك مهتم أوي بالعملاء الجدد دول."
هتف مجيبًا: "طبعًا، بيقدموا عرض أقوى وبيدوني شحنة مواد غذائية بنص السعر اللي كنت بدفعه مع عملاء غيرهم بنفس الكمية." تساءلت هي: "بس مش كده غريب، مش يمكن يكونوا مش تمام؟ أردف أمجد: "بصي، كل اللي يهمني طالما تواريخ الحاجة مش منتهية كده، البضاعة اللي بناخدها سليمة." أردفت شيرين: "تمام، هجيب لك الملف حالًا." غادرت بينما ذهنها مشغول بشيء ما. فيلا منير المنشاوي. نسرين لاحظت اكتساح ملامح القلق والحيرة تعلو وجه أبيها،
أردفت: "بابا مالك، حساك مش تمام." قاطعها بنبرة قاسية: "انتي شاغلة بالك بيا ليه؟ ملكيش دعوة بيا طول ما انتي مش عاوزة تريحيني، يبقى تبعدي بعيد عني وميخصكيش. أقلق ولا أزعل، لما تريحيني وترضي خطيبك عنك هبقى أنا كمان كويس معاكي." صمتت هي، تمتمت بضعف: "أنا آسفة." غادرت متوجهة لغرفتها، بينما هو محدثًا نفسه: "من ساعة ما بطلوا يتعاملوا معايا وأنا بتوصلني تهديدات،
آخر مرة قالوا لي فيها: ده آخر تعامل بينا. رغم محاولاتي بكل الطرق إننا نكمل سوا في الأعمال المشتركة بينا، بس كان ردهم: إحنا لقينا عميل تاني بيدفع أكتر وبياخد مننا شحنات أكتر. وانت طبعًا عارف إن اللي ما يكملش معانا، أحسن له ميجبش سيرتنا بكلمة، أو أحسن لنا إحنا نخلّص عليه. ومن ساعتها وأنا بلغت الشرطة إني بتلقى تهديدات منهم، بس بما إن التهديد جاي من برّه، فأقصى حاجة يقدروا يقدموها لي الشرطة هو تأمين حياتي هنا."
في منزل اللواء رفعت. محاضنًا صديقه بحماس: "ايه يا أبو حميد، منور، ادخل، تعالي." على مائدة الطعام، يجلس كل منهم متحدثًا بموضوع واحد فقط. أحمد: "قول لي بقى، عرفت إيه عن عثمان متولي ده؟ ناظرًا لصديقه باهتمام.
أردف محمود: "فعلاً، هو قضى عمره كله في كندا، وبعدين الشركة اللي بيشتغل فيها لاحظوا إهماله في الشغل في آخر فترة، ولما الموضوع زاد ضغطوا عليه عشان يعرفوا السبب، عرفوا إنه متورط مع ناس شغلهم مش تمام، خد منهم فلوس ومعرفش يرجعها، فاضطر ياخد فلوس من الشغل محدش له علم بيها، اختلاس يعني أو سرقة. بلّغوا عنه واتحبس، وبعدها واحد خرّجه ورجع على مصر." قاطعه هو: "متعرفش مين خرجه يا محمود؟
مجيبًا: "آه، قالوا واحد كده اسمه مهدي باين." عند نطق اسمه، تبادل كلاً من أحمد واللواء رفعت نظرات لها معنى. بينما أردف رفعت: "كان عندك حق يا أحمد إنك تشك في عثمان متولي ده، الوحيد اللي هيوصلنا لمهدي فعلًا." قاطعه أحمد: "قلت لحضرتك يا فندم نستدعيه، قلت لي ده مش دليل، معنى كده نجيب كل الركاب ونسألهم عن مهدي لمجرد إنهم كلهم كانوا على نفس الطيارة مسافرين معاه، حضرتك مقتنعتش بوجهة نظري."
قاطعه اللواء بإجراء بعض المكالمات التي أمر فيها بالقبض على عثمان متولي واستدعائه بأمر من النيابة، مكلفًا أحمد بإحضاره. هتف محمود بهم قائلًا: "ايه يا جدعان؟ هو أنا مش ساعدتكم برضو ولا إيه؟ عشان تعرفوا ليا حبايبي في كل مكان." قاطعته ابتسامة والده المحببة التي يستطيع هو وحده رسمها على ملامح والده.
حينما اتجه نظره إلى أحمد مردفًا: "بقولك إيه، زي ما أنا ساعدتك ماتساعدني كده وهات لي معلومات عن البنت دي، بما إنك طلعت عارف صاحبتها." رمقه أحمد بجدية مردفًا: "ولا أعرف صاحبتها ولا حاجة، دي حاجة كده شغالين عليها وبالصدفة لمحت معلومات عنهم." أجابه محمود: "خلاص يا أحمد، أنت زعلت عشان بقولك أنت تعرف صاحبتها؟
طيب بصي، اعرف لي البنت إياها أم لسان طويل دي، اعرف لي معلومات عنها، اسمها حتى أو ساكنة فين، وأنا هتعامل مع الباقي لوحدي." أحمد: "هي اسمها نهى و عايشة مع والدتها، بس كده." قاطعه اللواء رفعت: "سيبك منه يا أحمد، ده فاضي. صحيح، مصطفى كلمني قالي إنك عديت عليه، خدت منه الملف الخاص بمنير المنشاوي." أحمد: "أيوه يافندم حصل، واطلعت على كل المعلومات اللي فيه ورجعته تاني." همّ بالانصراف والمغادرة، مودعًا اللواء وصديقه.
أما بالفندق الذي يتخفى به عثمان متولي. "خلاص أنا جهزت كل حاجة، العملية هتتم بكرة وبعدها تجيلي رسالة بباقي المبلغ اللي هيكون اتحول في رصيدي." أنهى مكالمته متمتمًا: "كل حاجة ماشية زي ما أنا عايز بالظبط." أعد سلاحه، مردفًا: "خلاص يا منير، النهاردة آخر يوم ليك في الحياة، بكرة مش هتبقى معانا، ألحق بقى ودّع حبايبك." ثم أطلق ضحكته الشيطانية المعتادة، التي دوى صوتها المكان بأكمله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!