في ثانية كان يمد يده في الهواء وهو يصرخ بعنف هز أرجاء المكان: -لارا! شهقت بصدمة وقبل أن تبدي أي رد فعل سقطت على الأرض من صفعته التي هوت على وجهها! دقائق مرت وهي جالسة على الأرض تضع يدها على وجنتها وتتنفس بقوة. اشتعل فتيل الغضب لديها، فنهضت واستدارت له، وقبل أن تصرخ عليه تسمرت مكانها وهي تراه جالساً على حافة السرير واضعاً رأسه بين يديه... وهادئ بشكل مريب!
نزلت دموعها، وبرغم غضبها الشديد منه لكن لم يكن عليها أن تكلمه هكذا. جلست هي الأخرى على الأريكة المقابلة له، وأخفضت عيناها. بقيت هكذا فترة حتى سمعت صوته الهادئ يتمتم: -فريدة كانت عارفة عنك حاجات كتير وكانت هتأذيكي هي وبنتها، فأنا هددتهم وسفرتهم بره البلد علشان يبعدوا عنك. رفعت رأسها بصدمة هامسة: -يؤذوني في إيه؟ بنبرة حادة أجابها: -فريدة كانت هتيجي القصر وتحاول تستفزك وتجرحك، فاهمة قصدي؟
يعني بنت مجرم، وكده. وفوق ده كله أنا عاقبتهم لأنهم عرفوكي بكل حاجة. لارا بسخرية: -آه، أنت كنت عايزني أعيش في كذبة وأفضل تحت طوعك، مش كده؟ نهض من مكانه بقوة. شعر بشياطينه تلف حوله، اقترب منها ببطء وهو يتفرس في ملامحها وعلامات أصابعه عليها. وقف أمامها وتمتم بنبرة شقت قلبها رعباً: -حطي في بالك إن كلامك من شوية منسيتوش، وأكيد أنتِ مستغربة إزاي أنا هادي كده، بس كل حاجة في وقتها حلوة، ورب العزة هخليكي تندمي.
لارا بابتسامة واثقة: -مش أنا اللي بخاف، وأوعى تفكر إنك عشان ضربتني هعيط وأترجاك تسامحني. وضع يده في جيبه وعاد للخلف بضع خطوات مردفاً: -لالا، متفهمنيش غلط. القلم ده كان رد فعل طبيعي، ولسه الجاي أحلى، متستعجليش. نظرته الحادة وصوته جعلاها ترتعب بعض الشيء، لكنها بادلته نفس النظرات ودلفت للحمام. بمجرد أن اختفت من أمامه، ضغط على شعره بشدة وشرارات الانفعال تنطلق من حدقتيه. "بقولك إنك مش طبيعي، أنت مريض نفسي ولازم تتعالج!
همس وهو يتطلع لفراغها: -لغاية دلوقتي محدش استجرى يكلمني كده، إزاي بقى حتة عيلة زيك تقلل أدب معايا؟ ماشي يا لارا، حسابك معايا تقل أوي. أما لارا فبمجرد أن دخلت للحمام استندت على بابه وهتفت بصدمة: -هو أكيد مش ناوي على خير. هدوؤه ده بيخوف... المفروض يكون متعصب و... اتسعت عيناها ووضعت يدها على فمها مرددة: -وهو قالي هيندم على كلامي، بس إزاي؟
يعمل اللي يعمله، أنا مش خايفة. وبعدين أنا مغلطتش، هو بيستعمل نفوذه وسلطته بطريقة وحشة ويهدد غيره. إيه عرفني إنه بعد الست فريدة وجميلة علشاني. صمتت فجأة وغرق ذهنها في كلمة "من أجلي". هل هو فعل هذا من أجلها حقاً؟ ربما كلامها هذه المرة جرحه حقاً حتى وإن لم يظهر ذلك. هي أرادت استفزازه كالعادة، لكن الحروف خرجت من لسانها دون قصد. تنهدت باستياء من نفسها، ثم اتجهت للمرآة، وضعت يدها على وجهها وهمست بغيظ:
-لا يستاهل، أنا مغلطتش أبداً. هو مريض ولازم يتعالج، وأصلاً كان لازم أرد له بدل القلم عشرة. عمتاً هعصبه تاني ولو حاول يرفع إيده تاني هكسرها له. ابتسمت مجيبة على نفسها: -أنا لو عصبته تاني ههرب من قدامه ومش هوريه وشي، أحسن يموتني. ده بني آدم مجنون وبيعملها. لم تلبث أن تنهي كلامها حتى سمعت صوت الباب يفتح، انتفضت بخضة واستدارت وجدت أدهم يدخل وهو ينزع تيشرته. صاحت بقوة وهي تعدل ملابسها: -أنت مجنون؟ إزاي تدخل عليا كده؟
أدهم ببرود: -دي أوضتي والحمام بتاعي، ولو عايزة تستحمي اتفضلي، في أكتر من حمام موجود بالقصر. لارا بعصبية: -ولما في أكتر من حمام جاي هنا ليه؟ ولا هي قلة أدب وخلاص. توقف عن الحركة واقترب منها عاري الصدر، وقف أمامها، فحدثت نفسها: -يا دي النيلة! إيه العضلات دي كلها؟ أفاقت من شرودها على كلامه: -وهو أنا لما أدخل على مراتي أبقى قليل الأدب؟ تلعثمت مجيبة بخجل حاولت إخفائه: -ت... تقصد إيه؟
ابتسم باتساع لتطالعه بحب غارقة في جمال عيناه الخضراوتان ووسامته التي تزداد مع ابتسامته. قالت بداخلها: -يخربيتك! أنت حلو كده إزاي يا أخي؟ يا ريت تفضل تضحك دايماً بدل التكشيرة طول الوقت. -احم احم. تنحنح بخشونة عندما أدرك شرودها، هزت رأسها ونظرت له بخنق. أدهم بخبث مغمغماً: -أقصد إني لغاية دلوقتي محترم، بس مضمنش هعمل إيه بالفترات الجاية. الاستفزاز جعل شرايينها ترتعد خوفاً. لعبة يجيدها بإتقان، دائماً ما يجعل أعصابها تتلف.
رفعت إصبعها في وجهه قائلة بحدة: -بص ااا... قاطعها وهو يخفض إصبعها: -هششش، اهدي كده، وإيدك أوعى ترفعيها، تمام يا حلوة؟ يلا اطلعي بقى. تأملته بذهول وغباء، ثم تحركت وخرجت من الحمام. ابتسم وهو يهتف: -دي أكيد اتجننت. أخذ حماماً قصيراً وخرج، وجد لارا نائمة، فارتدى ملابسه بهدوء وغادر. ركب سيارته وطلب أحد الأرقام منتظراً الرد. في ذلك الوقت.
كانت جاكلين مستلقية على فراشها غارقة في نومها عندما رن هاتفها. تململت بضيق وفتحت عينيها، أخذت هاتفها، وعندما رأت المتصل فتحت الخط: -الو طارق. طارق بابتسامة: -إزيك يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟ تمتمت الأخرى بابتسامة: -كويسة الحمد لله. طارق: -يارب دايماً. المهم انزلي وافتحيلي الباب، أنا واقف تحت. نهضت جالسة وقالت بتعجب: -أنت تحت؟ استنى ثواني. خرجت من الغرفة مسرعة ونزلت للأسفل، فتحت الباب لتجده واقفاً أمامها: -اتفضل.
ابتسم ودلف للداخل. جلس في الصالون وجلست هي بجانبه وقالت: -إيه اللي جابك؟ طارق بمشاكسة: -إيه يا جاكي؟ إنتي نسيتي إننا كتبنا كتابنا النهارده وبقيتي مراتي؟ جاكلين بهدوء: -بس يا طارق، حتى لو كتبنا الكتاب، بس مينفعش تجيلي في نص الليل وأنا قاعدة لوحدي. طارق بابتسامة: -يعني ينفع أجلك لما متكونيش قاعدة لوحدك؟ تجهمت مجدداً: -افهمني أنا... قاطعها بضحكة وهو يقول: -أنا بهزر يا جاكي، متقلقيش كده. أمسك يدها وتابع بجدية:
-بصي، أنا عارف حدودي ومستحيل أضايقك، وبعدين إنتي عارفاني كويس. ياترى حاولت أضايقك أو أتقرب منك قبل كده؟ أنا مش عايزك تخافي مني أو تفكري إني ممكن أأذيكي. لأني بحبك. ابتسمت بسعادة وتمتمت: -وأنا كمان بحبك. ثم تابعت بلؤم: وإيه "محاولتش أضايقك" دي؟ إنت نسيت إنك من قبل حاولت تبوسني. حك فروة رأسه وأجاب: -سامحي يا حبيبتي، المسامح كريم. جاكلين بمزاح: -والزعلان فازلين. نظر لها وقهقه عالياً، وفجأة رن هاتفه فقال بضيق:
-ده وقته يتصل دلوقتي. نظرت هي لاسم المتصل وهتفت: -رد، يمكن تكون حاجة مهمة. أومأ وفتح الخط مغمغماً بحنق: -إيه يا أدهم؟ إنت مصمم تقطع عليا اللحظات المهمة في حياتي كده. أدهم بهدوء وهو يقود السيارة: -بطل رغي كتير وتعالى عايزك. طارق: -في إيه؟ أدهم: -مفيش، أنا وعماد قاعدين مع بعض، تعالى اقعد معانا بدل ما تروح للبنت بنص الليل. ضحك طارق مجيباً: -أنت حاطط ليا جواسيس كمان؟ أدهم:
-لا يا حيلتها، بس أنا عارفك كويس. تعالا يلا بالمكان المعتاد. طارق بإيجاز: -أنا جاي حالا. أغلق الخط ونهض: -أنا رايح، خدي بالك من نفسك تمام. أومأت بابتسامة فبادلها إياها وخرج. تنهدت بحالمية وتمتمت: أنا وقت ما حبيت... حبيت واحد مجنون. ضحكت بخفة وصعدت لغرفتها. في غرفة حياة. كانت تتراسل مع عماد حتى بعث لها "عارفة يا حبيبتي أخوكي ده هيموتني وأنا عازب." حياة باستغراب: "ليه بقى؟
عماد: "هههههه، آهو قاعد قدامي ومش عارف أكلمك وأسمع صوتك." حياة: "آهاااا، طب لما يجي هوريه الشات ويشوف كلامك عليه." عماد: "إنتي قلبك أبيض يا حياة؟ حياة: "لا يا عمدة، أنا قلبي أسود." عماد: "طب لما أفضي لك هوريكي." حياة: "متقدرش ههههه." عماد: "ماشي، أما أوريتك. يلا أنا قاعد مع أخوكي وهياخد باله. تصبحي على خير." حياة: "وأنت من أهله." أغلقت هاتفها وابتسمت، ثم استلقت على سريرها ونامت.
ساد الصمت قليلاً حتى أطلق عماد ضحكة حاول كتمها. نظر له أدهم بحدة: -أنا قلت حاجة بتضحك يا عماد؟ عماد وهو يحاول كتم ضحكاته: -آسف آسف ههههه، بس الصراحة ضحكتني. طارق: -آه والله، أدهم بجلالة قدره مراته بتقوله قليل الأدب. هي الصراحة معاها حق، بس... قاطعه بنظرة حارقة فحمحم: -أنا أقصد يعني هي غلطانة، مكنش ينفع تقول كده. أدهم بضجر: -طب اخرسوا، هتفضلوا تتكلموا على مراتي. عماد بغمزة: -غيران يا دومي.
وكزه بخفة وتعالت ضحكاتهم تعم المكان. في صباح اليوم التالي. كانت تقف أمام المرآة تمشط شعرها الذهبي بشرود. أفاقت على صوت فتح الباب، استدارت وجدت أدهم يدخل، فعضت على شفتيها بغيظ وقالت: -عجبتك السهرة. نظر لها برفعة حاجب في تعجب، ثم ابتسم باستمتاع: -عجبتني أوووي، خاصة الحلويات اللي كانت هناك. أدركت ما يقصده جيداً، فرمقته بنظرة حادة هاتفة بحنق: -حلويات هاااا. اقتربت منه ووقفت أمامه، وضعت يدها على خصرها وقالت:
-ويا ترى الحلويات دي اسمها إيه؟ أدهم: -عايزة تعرفي ليه؟ جزت على أسنانها وتمتمت: -أنت معندكش ريحة الدم أبداً؟ إزاي بتكون متجوز وبتسهر وبتشرب؟ إزاي يا ربي. تحركت وتجاوزته لتذهب، لكنه أمسك ذراعها بقوة، سحبها لتلتصق به، فشهقت ورفعت بصرها إليه. أدهم بحدة: -لما بكون بكلمك متتحركيش، حتى أخلص، واضح. شعرت بالألم في ذراعها فقالت: -عايز إيه دلوقتي يعني؟ ابتسم بسخرية مداعباً وجنتها بأصابعه وتمتم:
-عايزك تعرفي إني ساكتلك بمزاجي، وبسمع كلامك السم وبضحك، بس أوعي تسوقي فيها، لآني بتعصب بسرعة. مفهوم يا مراتي؟ أبعدت يده عنها بقوة وأجابت بأعين نارية متمردة: -تؤ، مش فاهمة يا جوزي. وأعلى ما في خيالك أركبه. أدهم بتهديد: -آخر كلام عندك. لارا بتحدي: -آه، آخر كلام يا وقح. احتدت عيناه بغضب من كلامه. مد يده ليمسكها، لكنها هربت من أمامه بخفة وركضت خارج الغرفة. ادهم بصوت عالٍ: -رايحة فين تعاااالي. ركض خلفها وخرج. عندما رأته،
زادت في سرعتها وهي تصرخ: -و حيوان كمان و ااااااااااه... ببساطة قد التوت قدمها لتترنح وتسقط من أعلى الدرج! ادهم بفزع: لااااراا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!