انتفضت بصدمة وتمتمت: -ح... حامل؟ أجابت الدكتورة بابتسامة مردفة: -اعملي التحاليل دي بعد إذنك، فاوضي التحاليل اللي قدام عشان نعرف، مع إني متأكدة إنك حامل، وبعدين تعالي عندي عشان أكتب لك على أدوية وفيتامينات. هزت رأسها بآلية ونهضت مسرعة. توجهت للغرفة وأجرت التحاليل، وبعد نصف ساعة رأت النتيجة: Positif!! سقطت دمعة منها وشفتاها ترتجفان. أخفت التحاليل في حقيبة يدها وخرجت مسرعة. ركبت سيارة أجرة وعادت للفندق وهي تفكر...
ما الذي سيحدث؟ كان جالسًا على صخرة كبيرة في المكان الذي يعشقه، نفس المكان الذي جلب له لارا ذات مرة. أغمض عينيه وشعر بقشعريرة تسير في سائر جسده بسبب لفحات الهواء البارد التي تصيبه. كم اشتاق لها، تلك الفتاة الشقراء -قطة أم عيون زرق -كما أسماها! يا الله، غابت عنه لمدة أسبوع كامل ولا يعلم إن كان سيجدها أم لا. شعر بحركة بجانبه، فتح عينيه ولف رأسه، وجد طارق وعماد يجلسون بجانبه. -في جديد.
نطق بها أدهم وهو يحدق بعماد، فأجابه الآخر مغمغمًا بأسف: -لأ، مش موجودة في أي مكان، دورنا عليها في كل الفنادق والمستشفيات بس ملهاش أثر... مش ممكن تكون سافرت على بلدها؟ نظر له أدهم بحدة ممزوجة بالقلق، فأسرع طارق بالقول: -لا، مفيش حجز باسمها، والحراس مالين المطار، حتى السفارة الأمريكية، إحنا مراقبينها 24 ساعة، يعني مش هتعرف تسافر أصلًا. زفر بضيق واضح وهو يلعن تحت أنفاسه، فأفاقه عماد من شروده:
-بس السؤال المهم، هي راحت ليه؟ أنت عملتلها إيه يا أدهم. -مش عارف. نطق بها في شرود تام، ثم فجأة انتصب واقفًا وهو يحدثهما بجدية: -أنا رايح، عرفوني بأي جديد. غادر دون أن يستمع لردّهما، فتمتم عماد بابتسامة وهو يطالع صديقه: -وانت مالك يا صاحبي، مدايق ليه. طارق بأسى: -متخانق مع جاكلين... امبارح فقدت أعصابي عليها وضربتها. -بتقول إيه؟ نطق بها عماد في ذهول وهو يحدجه بعينيه السوداء الحادة كالصقر، فروى له طارق ما حدث،
وبعدما انتهى: -مكنش المفروض أعمل كده، صح؟ -أنت بتعتقد إيه؟ غمغم الآخر بسخط: -مش بإيدي والله، أنت عارفني عصبي، بس بداري عصبيتي بضحكتي عشان جاكلين متخافش مني، بس امبارح هببت بالكلام وبتشتم صاحبي وقدامي، دي قللت من قيمتي، أمها لما مرضيتش تسمع كلامي، كان المفروض أعمل إيه يعني. عماد بهدوء:
-بص، مش هقولك عملت كده ليه، لأن العصبية دي كلنا بنتشارك فيها، بس لازم تقدر وضعها يا طارق، مامتها ماتت من فترة قليلة، وأختها اللي اتربت معاها اختفت فجأة، عادي جدًا تفقد أعصابها وتغلط في الكلام... متستقواش عليها يا صاحبي. نظر له بطرف عينه في سخرية مازحة: -سيدي يا سيدي، بقينا نقول حكم الله يسهلو يا عم. وكزه في كتفه مردفًا بمياعة: -اتكسف أنا.
ارتفعت ضحكاتهم تغزو المكان، ثم بثانية كان طارق يركض لسيارته، ركبها وانطلق بها بسرعة بعدما أدرك ما سيفعله. بينما الآخر ظل جالسًا حتى بعث رسالة لحياة في حسابها على الفيس: "وحشتيني يا قلبي". وصلت لارا للفندق، دلفت لغرفتها وتسطلحت على سريرها تفكر في شرود... كيف ستتخلص من هذه "المصيبة" كما تعتقد!
بغض النظر عن خلافها مع أدهم، لكنها ليست واعية لدرجة أن تتحمل مسؤولية طفل، فهي عاشت طوال حياتها في الدلال ولم تخدم نفسها من قبل أبدًا، إذا كيف ستصبح أمًا؟ وكيف سيصبح جسدها؟ هذا ما كانت تفكر به! أطلقت تنهيدة حيرة وهمست: -يعني فوق ما أنا مش لاقية فرصة أحجز التذكرة وأسافر، تجيلي حكاية الحمل ده Cheet! قالت الكلمة الأخيرة بغضب وأردفت بحزم: -أنا لازم أنزل البيبي فورًا... بس حرام كده.
وضعت يداها على وجهها، وكم شعرت بالحاجة لحضنه الدافئ وعضلات ذراعيه الضخمة تلتف حول جسدها. ترى ما هو جنس الطفل وهل سيكون شبهها أم شبه والده؟ هبت جالسة فجأة وأخذت هاتفها، طلبت أحد الأرقام وانتظرت الرد. في هذه الأثناء كانت جاكلين تستحم، خرجت من الحمام وهي تلف المنشفة حولها وتضع الأخرى على شعرها. كادت تجلس على السرير لكن سمعت صوتًا رجوليًا قويًا يهتف: -نهارك أسود، إيه اللي انتي لابساه ده!
شهقت بخضة وهي تلتف لترى طارق مستندًا على الباب وهو يطالعها بنظرات ذهول ممزوج بالرغبة، فقالت بحدة وهي ترفع الغطاء على جسدها: -أنت بتعمل إيه هنا وإزاي تدخل على أوضتي كده. قهقه بعلو صوته وهو يقترب منها ببطء، أثار التوتر بداخلها: -أي بنت كانت مكانك في الوضع ده كانت هتهرب ع الحمام أو متقدرش تتكلم من الكسوف، بس انتي ماشاء الله يعني. -أنا كده عاجبك أو لأ... وبعدين أنت جيت ليه؟ عايز تكمل اللي عملته امبارح؟
قالتها بسخرية جعلته يغتاظ منها، فوقف بجانبها وتمتم بخفوت: -بصي اااا... قاطعته هاتفه بسرعة وهي ترى اسم لارا على شاشة هاتفها: -مش عايزة أسمع حاجة منك وروح دلوقتي لو سمحت. عقد حاجباه بسخط جلي، ثم نظر لحيث هي تنظر، وقبل أن يلاحظ اسم المتصل، دفعته في صدره وهي تصيح به: -Just go! -حاضر، أنا رايح، بس هرجعلك تاني. واه نسيت أقولك، أولًا اتعدلي في كلامك لأني مش عايز أتغابى عليكي. وضعت يدها على خصرها وهو تقول باستخفاف: -وتانيا؟
ارتسمت ابتسامة خبث على وجهه وهو يغمغم بخبث واضح: -تانيا ابقي اقفلي باب الأوضة عليكي واطلعي من الحمام بهدومك عشان مش كل مرة همشي وأسيبك. قبل قبلة على وجنتها وغادر سريعًا، فتنهدت براحة ووضعت يدها على قلبها: -يخربيت كده، كنت هروح في داهية لو شاف اسم لارا... ثم تابعت بغضب: -واصلًا هو جه ليه؟ لو مفكر إني هسامحه بعد ضربه ليا يبقى غلطان، محدش اتجرأ يمد إيده على جاكلين الأسيوطي من قبل، بس هو...
قاطعه كلامها صوت رنين الهاتف ثانية، فأخذت الهاتف وفتحت الخط: -Hi. -جـاكي، أنا حامل. قالتها الأخرى بتوتر، فعقدت جاكلين حاجبها بغباء: -بتقولي إيه؟ حامل إزاي؟ لارا بنفاذ صبر: -هيكون إزاي يعني، فيه إيه يا جاكي، ركزي معايا شوية. جاكلين بعدما استوعبت كلامها: -بس امتى حصل ده، وإنتي عرفتي إزاي. لارا بنبرة متجهمة: -النهاردة الصبح روحت عملت التحاليل وطلعت حامل ومن فترة كويسة. أنا خايفة، لازم أعمل إيه. -تجهضيه طبعًا.
قالتها ببساطة، فصرخت الأخرى بانفعال: -أقتل ابني يعني! -ابنكو انتي وأدهم. هتفت بها في خبث، فهي استطاعت تخليصها من برودها، وتابعت قائلة: -إنتي عايزة تعملي إيه؟ لارا بقلة حيلة: -مش عارفة... أنا ضايعة. جاكلين بهدوء مشجع: -فكري كويس ومتتسرعيش يا لارا، وأوعي تعملي حاجة غبية... حجزتي التذاكر ولا لسه. لارا بضحكة بسيطة: -حجزتهم من امبارح، وبعد بكرة مسافرة. هتفت بحزن وهي تستلقي على فراشها: -يعني هتسبيني وتروحي إنتي بردو.
-ماهو طارق معاكي ولا نسيتي. ابتسمت بتهكم متمتمة: -اه نسيت، هو معايا فعلًا. لارا باستغراب من تغير نبرتها: -jaki are you okay? جاكلين بمرح وهي تحاول جاهدة إخفاء نبرة صوتها المتحشرجة: -تمام التمام يا حبي، إنتي أخبارك إيه، طمنيني عليكي. لارا: -ههههه مجنونة. احم، هو أخباره إيه. -مين ده؟ قالتها بعدم فهم مصطنع، فأردفت الأخرى بحدة: -أنت بتتغابى عليا... أدهم عامل إيه، بيدور عليا ولا لأ. جاكلين بتلقائية:
-قالب الدنيا عليكي، بس مش عارفة بيعمل إيه عشان يلاقيكي. -اها... طب ماشي، شكراً. هرن عليكي في وقت تاني، واوعى تخلي طارق يحس عليكي ويعرف إنك بتكلميني. -حاضر، متخافيش. أغلقت لارا الخط ووقفت، اتجهت لنافذة الغرفة واطلت منها على النجوم التي تحوم حول القمر المطل باستحياء بسبب الغيوم التي تغطيه. وضعت يدها على بطنها وهمست: -لا، مستحيل أقتل ابني. في القصر.
كانت حياة جالسة على الأريكة تراسل عماد، حتى سمعت صوت فتح الباب، أخفت الهاتف سريعًا ونظرت لأدهم الذي اتجه ليصعد السلالم. وقفت مسرعة وهتفت منادية: -أدهم! توقف مكانه دون أن ينظر لها، فاقتربت منه هاتفة بقلق: -أنت كويس؟ همهم وهو يصعد، فزفرت هامسة: -والله وطلعت بتعشق يا أدهم، ربنا يطمنك يا خويا وتلاقي قلبك اللي ضاع مع حبيبتك. غادرت لغرفتها واستلقت على سريرها وهي تراسل حبيبها وزوجها عماد... "الأنثى لما تحب بتحتاج للحنان...
الاهتمام... تحس إن ليها سند يحميها... بس لو اتجرحت مرة حبها هيتقلب عليك، فمتحاولش تجرح حواء عشان ميمسكش أذاها... دلف لغرفته وهو يترنح بعدما استطاع تمالك نفسه أمام شقيقته. ابتسم بسخرية على حالته التي وصل إليها، أخرج زجاجة الخمر من أحد الأدراج وهو يردد بثمل: -الـ... إيه الضابط أدهم بجلالة قدره واحترامه مراته هربت بدون سابق إنذار وهربت ليه ومع مين؟ مش عارف.
جلس على الأرض مستندًا على السرير وهو يفتح عينيه بصعوبة. تجرع زجاجة الخمر بطريقة مخيفة وسرعان ما قذفها على الحائط ليصرخ بقوة: -لييييه، ليه كل اللي بتعلق بيهم بيسيبوني، ليه محدش بيفضل جنبي، ليييه! أطلق آهة متألمة ليهمس بمرارة: -ليه سبتيني... بعد ما حبيتك! ضحك على نفسه بقوة، فها هو قد اعترف بمشاعره التي أخفاها بداخله لأكثر من سنة!
فهو أحبها منذ التقى بها أول مرة، تعلق بعينيها وقوتها وتمردها، وكان يقسو عليها لينساها، ولكن... لم يستطع! مسح على وجهه وهو يهمس بحقد وعيناه تقدحان شررًا: -بس هدفعك التمن غالي أوي يا لارا، صدقيني، هبقى أسوأ كوابيسك، بعد ما لاقيكي، مش أنا اللي بيسيب حاجة ليه، ملكه هو... وإنتي ملكي! أفاق على صوت رنين هاتفه، نظر للشاشة وجد طارق، ففتح الخط قائلاً بضجر: -فيه إيه. طارق بجدية:
-مش أنت قولتلي أراقب تليفون جاكلين وأعرف بتكلم مين. -أيوه. ابتسم بثقة وهو يردف: -أنا عرفت إن جاكي بتكلم مراتك، شفت اسمها مكتوب على الفون لما رن وحفظت رقمها كمان. نهض بسرعة وهو يردد بلهفة واضحة: -بجد! طب أنا جاي حالا. أغلق الهاتف وغادر سريعًا، استقل سيارته وانطلق بسرعة تسابق الرياح! بعد مدة. دلف لغرفة الكمبيوترات، وجد طارق وعماد واقفين بانتظاره، اقترب منهم مغمغمًا بجدية: -قدرتو توصلو لحاجة. طارق
وهو يشير للحاسوب أمامه: -إحنا على وشك نلاقي المكان اللي مراتك بتتكلم عنه، والظاهر إنه مش بعيد جداً عن هنا. وكمان كاميرات المراقبة صورت الدكتورة من أسبوع، وللأسف مقدرناش نعرف راحت فين، بس رقم التاكسي معايا وهنستجوبه أخدها على فين. ابتسم بتوعد وهمس بصوت كحفيف الأفعى: -أخيراً هلاقيكي يا لارا وهعرف شغلي معاكي. طالعه عماد وطارق بقلق من مظهره ليهتفا بصوت واحد: -هتعمل إيه!! أدهم ببرود وهو يلويهم ظهره:
-ملكوش دعوة. مصطفى فين؟ عماد برسمية: -بيستجوب صاحب التاكسي. -تمام. نطق بها وهو يخرج من الغرفة، فتمتم عماد وهو يحدق بصديقه: -انت رحت تصالح مراتك ولا تتجسس عليها؟ -الاتنين. قالها بضحكة، فضحك الآخر معه هاتفا: -أنا رايح أكمل كلام مع المزة بتاعتي، وأسيبك أنت مع الغول اللي بره ده. *** صباح اليوم التالي. توقف بسيارته أمام الفندق، ترجل منها هو ورفاقه، تحدث مع أحد الحراس بسماعة البلوتوث:
-اقفل طرق المنطقة دي، متسيبش عربية تعدي، فاهم!! دلف وأخرج بطاقته للموظف، فهتف برعب بسيط: -حضرتك البنت اللي كانت حاجزة الأوضة دي طلعت من الأوتيل مبارح بالليل. أدهم بحزم: -هترجع إمتى يعني؟ الموظف وهو يبلع ريقه بتوتر: -أنا أقصد يا باشا إنها دفعت التكاليف وسابت الفندق نهائياً. سمعه عماد، فهمس لطارق: -نهارنا أسود علينا وعلى اللي خلفونا. جز على أسنانه بعنف وهو يشد قبضته بقسوة، نطق بأنفاس متسارعة: -كانت قاعدة في أنهي أوضة؟
-أحم، الأوضة رقم 256. صعد بسرعة للغرفة، لا يعلم لماذا يذهب إليها، فهي غير موجودة فيها، لكنه يريد معرفة أين كانت تمكث. هذا ما أقنع نفسه به. فتح الباب ودخل، أغمض عينيه يستنشق رائحة عبيرها الذي يحتل الغرفة، فتنهد بأسى. لقد اشتاق لها حقاً. كاد يخرج بعدما استعاد نفسه، وبدأت شياطينه بغزو أفكاره، لكنه لمح عدة أوراق مرمية على الأرض. اتجه لها وانخفض حمل الأوراق بيده يقرأ محتواها، ومع كل كلمة تتسع عيناه الخضراء أكثر وهو يهمس:
-لارا حامل!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!