-شوفت فيديوهات كتير ومش فاهمة. -طب ما تكلمي مستر فارس، أكيد هيساعدك. -مش هيرد عليا يا ماما، آخر مرة قالي إنه مبقاش المستر بتاعي ومبقاش ينفع نتكلم ولا نتقابل، هو ليه مينفعش يا ماما؟ أنا زعلت منه عشان مش عايز يبقى المستر بتاعي ومش هشوفه تاني. هنا أدركت أميرة السبب الأساسي خلف تلك النوبة من البكاء، فتنهدت باسمة وقالت:
-طيب متعيطيش، هو فعلاً معاه حق عشان أنتي مبقتش تروحي السنتر، وكمان مينفعش تتقابلوا من غير سبب ضروري لأنه أجنبي عنك يا دينا. حاولت دينا أن تهدأ وقالت: -أنا عارفة يا ماما، بس كمان مخنوقة ومضايقة عشان مبقتش أشوفه، أنا مش حابة كدا وعايزة أكون على تواصل معاه. أردفت أميرة بتردد ونظرة مترقبة: -الحل الوحيد عشان يكون موجود في حياتك غير إنه يكون مدرسك، هو الجواز أنا مش شايفة علاقة غير كدا تكفي تعلقك بيه!
-بس هو قالي إنه مش عايز يتجوز دلوقتي. سكتت أميرة لتفكر، هل تخبرها بما قاله الجد أم لا، ولكنها حسمت أمرها وقررت تأجيل الأمر وقالت وهي تمسح دموعها: -اتصلي بس عليه واطلبي منه يساعدك في المسألة، وبعد كدا الامتحانات نتكلم في الموضوع ده. قالت دينا بيأس: -مش هيرد. -ملكيش دعوة ابعتيله حتى على الواتس وصدقيني أول ما يشوف الرسالة هيرد، وأهم حاجة بطلي عياط.
-ما إن وطأت قدميها أرض الوطن، توجهت مباشرة إلى العقار الذي يملكه رمزي، دلفت إلى الشقة بمفتاحها الخاص، لتستقبلها عمتها عندما ركضت إليها لتعانقها بترحاب وشوق، ثم سألتها بلهفة واضحة: -حمدالله على سلامتك يا حبيبتي، طمنيني عنك يا حبيبة عمتك؟ منحتها أروى ابتسامة باهتة وردت قائلة: -بخير يا عمتي متقلقيش. تركتها وتقدمت إلى رمزي الذي يحاول التواصل مع باسل، فقاطعته أروى وهي تسأله بنبرة يشوبها ظلال القلق: -إيه اللي حصل يا خالي؟
سميرة أخدت الأملاك إزاي؟ والعيلة عايشين فين دلوقتي؟ وضع رمزي هاتفه جانبًا وأجابها قائلاً: -ساكنين في الطابق اللي فوق، متقلقيش عليهم. أومأت برأسها قبل أن تعقد حاجبيه وتسأله بترقب: -إزاي سميرة أخدت ورث حسام وفارس؟ أنا مش طلبت منك تسلمهم كل واحد ورثه؟ المصيبة دي حصلت إزاي؟ زفر رمزي بحرارة وقال: -ده مش وقت استجواب، أنا عايز باسل ضروري ومش قادر أوصله، لازم يكون موجود معانا بكرة ضروري، هو وفان مش كان معاكي؟
تلوت شفتيها ببسمة مستهزئة وقالت بلهجة فاترة: -أنا معرفش حد بالاسم ده، متسألنيش عنه تاني. ضيق ما بين حاجبيه وسألها باستغراب: -آمال هسأل مين؟ أنتم مش اتصالحتم؟ رمقته أروى بنظرة غامضة وتوجهت صوب الباب وهي تقول: -هروح مشوار وأجي. صرخ رمزي قائلاً: -هو أنا مش بكلمك؟ اقفي هنا وردي عليا. ردت عليه أروى ببرود: -لما أرجع نتكلم، إنما الأول هصحح نتيجة ثقتي في الناس.
بمرور الوقت، كانت تعدو بخطوات سريعة إلى قصر المعز، حاول الحارس منعها لكنها لم تهتم لصراخه، ودلفت سريعًا لتطلب من ولاء التي استقبلتها أن تنادي سميرة للقائها، ولم يستغرق الأمر سوى لحظات قليلة وكأنها كانت بانتظارها. تحركت إليها وهو تنطق بصوت ساخر يشوبه ظلال الانتصار: -أهلاً بمرات ابني، أهلاً بالغالية اللي هتبقى مطلقة كمان كام يوم. ضحكت أروى بسخرية مماثلة وردت عليها قائلة:
-تصدقي يا سوسو، إني بطلاقي من باسل هتبقى خدمتيني خدمة العمر. حدقت بها سميرة بنظرات تنم عن عدم الفهم، فأكملت أروى وهو تضغط على مخارج الأحرف: -أصل أنا بردو مينفعش أكمل حياتي وأنا على زمة واحد ابن أمه، لاء وكمان تاجر هيروين محبوس ورا القضبان في الكويت.
كانت أروى تتابع قسمات وجهها التي تغيرت إلى ما يخالف تلك العنجهة والغرور وشعورها بالانتصار، حيث اتسعت حدقتي سميرة، وتساقطت بقايا ابتسامتها الماكرو أرضًا، وانطفأ ذلك الكبرياء في عينيها، وكأن ما قالته أروى صفعها بقوة على وجهها، فغمغمت بصدمة: -قلتي إيه على باسل؟ ضحكت أروى مجددًا وأجابت باستخفاف:
-واضح إن فهمك على قدك عشان كدا هوضحلك أكتر، أنا لما عرفت إن بيسو طليقي باعتبار ما سيكون يعني، بيساعد ماما وضحك على أولاد عمه وكمان عايز يخفي الأدلة اللي تثبت براءة بابي، قررت إني أتغدى قبل ما إيه... كانت جملة أروى الأخيرة وكأنها تسأل سميرة عن تكملة المثل، ولكن ما حدث هو أن هدرت سميرة في وجهها بغضبٍ قائلة: -اخلصي عملتي إيه في ابني؟ حاولت أروى إثارة غضبها أكثر، فتحركت لتجلس أمامها واضعة قدم فوق الأخرى، واسترسلت:
-واضح إنك مش عارفة المثل، مع إنه مشهور جداً، بس يلا أنا هكمله، بصي يا حماتي أنا قررت أتغدى بيه قبل ما يتعشى بيا، فعملت إيه بقى جبت كمية حلوة كدا من الهيروين وحطيتها في شنطة السفر اللي كانت معاه، وبلغت عنه. حركت سميرة رأسها مرات متتالية، لا تريد أن تستوعب ما قالته أروى، فهتفت برفض: -انتي كذابة، لأن ابني لما سافر الكويت مكنش معاه شنطة هدوم، جالك بطوله. ردت عليها أروى بازدراء:
-صباح الخير يا حجة، ابنك معايا في الكويت بقاله أكتر من أسبوعين، يعني لو جالي من غير هدوم عشان يثبت الدور وإنه كان قلقان عليّ وكدا، فأحب أقولك إنه اشترى لبس منك هناك، ما هو مش هيبقى تاجر هيروين ومش لاقي هدوم يلبسها، ولا أنتي إيه رأيك؟ لن تتمكن من رؤية ابنها يعاني وتقف هكذا مكتوفة الأيدي، فسرعان ما استدارت لتغادر، ولكنها توقفت والتفتت مرة أخرى إلى أروى ونطقت بتوعد، زادت خطورته تلك الشرارات الغاضبة
التي تتطاير من عينيها: -أنا هخرج ابني، بس اعرفي إنك فتحتي على نفسك أبواب جهنم. استوت أروى على قدميها وقالت ساخرة: -قبل ما تتحمأي كدا اسمعي الكلام اللي هقوله، وهو ممكن تعملي خير يحميكي انتي من جهنم اللي في الآخرة، بس أنا واثقة إنك حاجزة صف أول في جهنم. -اتمادي أكتر وتجاوزي حدودك يا أروى، عشان لما الكرة تبقى ملعبي هخليكي تخسري خسارة عقلك الصغير ده مش هيستوعبها. أردفت أروى دون اهتمام لما سمعته من سميرة:
-بلاش هبد شوية لأنك بقيتي كحكوحة ومن أول ثانية في الماتش هتطبي ساكتة، المهم مش موضوعنا، لو مفكرة إنك لما تسافري الكويت هتخرجي ابن أمه من السجن تبقى غلطانة لأنك هتحصليه، أصل أنا عاملة حسابك في مفاجأة صغننة كدا. أشارت أروى بإصبعي السبابة والإبهام وكأنها تريها حجم المفاجأة، وأكملت:
-أنا فتحت قضية العلاج الفاسد، وقدمت ضدك شكوى هناك وكلت محامي ومعاه نسخة من الأدلة، يعني بمجرد ما حضرتك تسافري هيتقبض عليكي انتي كمان، كل الأدلة بقت معايا وهقدر أرجع حق بابا وسمعته اللي دمرتيها.
بصعوبة قد استوعبت تلك الكارثة، ولم يعد بمقدورها أن تستوعب صدمة أخرى، تجمدت الكلمات في أذنيها، وغاص بصرها في الفراغ، وكأنها تشاهد ما فعلته في تلك السنوات ينهار أمامها الآن قطعة قطعة، وكلما زاد الصمت كانت تشعر بتلك الكارثة تتمدد بداخلها، وتضغط على صدرها، حتى صار التنفس مهمة شاقة عليها، وأصبحت كمن انقطع الأكسجين عن عقله، فلم تعد لديها القدرة على التفكير. اقتربت منها أروى ورتبت على كتفها، ثم همست
يظهر تلذذها بسقوط عدوتها: -غمة وبتزول يا حماتي، غمة وبتزول يا عدوتي اللدودة. وأخيراً بدأت أروى تجني ثمار انتقامها، فقد استوطن الفرح قلبها عندما رأت سميرة تبكي للمرة الأولى منذ أن عرفتها، فقالت أروى سريعاً: -لاء بلاش عياط حاولي تكتمي في نفسك يمكن تموتي بساكتة قلبية ولا حاجة. نطقت سميرة من بين بكائها: -باسل ملهوش ذنب.
-دا كونك أمه بس دا ذنب كبير، المهم لو عايزة باسل يخرج فعلاً يبقى ترجعي الأملاك اللي سرقتيه، معاكي لحد بكرة غير كدا مقدرش أساعد باسل، وأنتي لا هتقدري تساعديه ولا تساعدي نفسك عشان هقدم ضدك قضية في مصر كمان. استأذن بقى عشان تعيطي براحتك. -على صعيدٍ آخر. كان فارس يتحدث إلى حسام في غرفتها المشتركة، لينقطع حديثهما عندما جاءت إليهما فداء وقالت: -مكالمة عشانك يا فارس. قال مستغربًا: -مكالمة عشاني من فونك أنتي؟
وضعت الهاتف في يده وقالت: -اتكلم بس وأنت هتعرف. وضع الهاتف على أذنه وما كاد يسأل عن هوية المتحدث، سمع صوتها المحبب إلى قلبه، في هذه اللحظة اندفع قلبه خافقًا بتتابع متزايد، وكأنه يرحب بها، أو كأنه يتراقص طربًا لسماع صوت حبيبته، جاءه صوتها مجددًا عندما قالت: -أنا دينا يا فارس، سامعني؟ عليها فارس بارتباك واضح: -سامعك يا دينا، سامعك. لاحت ابتسامة مشاكسة على شفتي حسام الذي أردف قائلاً: -أيوه يا عم حبيبة القلب، الله يسهله.
أبعد فارس الهاتف سريعًا وتحدث بصوت خافت: -جرا إيه يا ابني أنت ما تحترم نفسك! أكمل حسام ممازحًا: -هو أنا كذبت؟ مش دي الحقيقة! قال فارس بحذر: -دي الحقيقة بس هي متعرفش، اتكتم بقى أو أقولك أخرج من الأوضة خالص. -أنت بتطردني؟ -أيوه بطردك. قال حسام ساخرًا: -يعني هي جت عليك ما أنا دايماً مطرود. كان في صوته شيء من الحزن، وحينما انتهى من جملته غادر الغرفة، فنظر فارس إلى شقيقته قائلاً: -شكله زعل هو أنا اتكلمت بأسلوب مش كويس؟
حركت فداء كتفيه، لعدم المعرفة، وقالت: -رد أنت بس على دينا وأنا هخرج أشوف حسام ماله. عاد فارس ليتحدث إلى دينا مرة أخرى، لكنه وجدها قد أنهت الاتصال، فوضع هاتف شقيقته جانبًا واستعان بهاتفه ليعاود الاتصال بها، وفي هذه اللحظة عندما أجابت عليه كانت نبرتها باردة: -نعم يا فارس؟ بتتصل عليا ليه؟ ابتسم فارس بسخرية وقال: -والله؟ دا على أساس إن اللي اتصل على أختي من شوية كان خيالك؟ -لاء كنت أنا اللي اتصلت.
تحولت تلك الابتسامة الساخرة إلى أخرى حانية بينما يقول: -طيب عايزة إيه يا دينا؟ اندفعت دينا قائلة: -عايزة أشوفك، فاضي إمتى؟ سألها فارس باستغراب: -عايزة تشوفيني ليه؟ -في مسائل واقفة قصادي مش عارفة أحلاها. -تمام الموضوع سهل، صوريهم وابعتيهم على الواتس وأنا هشرح لك ريكوردات أو هعمل فيديو وأبعته. تحطم ذلك الأمل الأخير لديها، فقالت بيأس: -ماشي يا فارس.
أما على الجانب الآخر فعندما خرجت فداء لتتحدث إلى حسام، وجدته جاور وفاء وداليا جالسًا بينهما، ثم نطق قائلاً: -أنا جعان يا حلوين، عندكم إيه يتاكل؟ ردت عليه داليا قائلة: -جرا إيه يا حبيبي من لما جينا هنا وأنت اسم الله عليك مش مبطل أكل، هي المصيبة اللي حصلت دي مش على بالك؟ رد عليها حسام بنبرة لا تحمل شيء من الاهتمام: -يعني أموت جوع يعني عام يبقى موت وخراب ديار؟ تدخلت وفاء في الحوار قائلة:
-بعد الشر عليك من الموت يا حبيبي، ادخلي يا فداء جهزي الأكل عشان حسام. دون أن تعترض فداء، تحركت إلى المطبخ لتسمع صوت حسام يمنعها قائلاً: -لاء خلاص مش عايز أكل. استدارت إليه فداء وقالت: -دا أنا هجهزلك في ثواني. رد عليها حسام بنبرة جافة: -قولتلك لاء، يبقى خلاص. استغربت فداء تلك النبرة التي تشعرها وكأنه يعود إلى سابق عهده، في حين زجرته داليا قائلة: -ما ترد عليها كويس، الحق عليها عايزة تاكل.
قبل ينطق بحرف آخر، صدح هاتفه معلنًا عن اتصال من باسل، فسرعان ما استقبله قائلاً: -أيوه يا باسل أنت... قاطع باسل حديثه عندما قال: -أنا في مصيبة يا حسام، اتقبض عليا في المطار بهيروين، حاول تتواصل مع أروى لأنها في الكويت لوحدها وأنا خايف عليها. اتسعت حدقتي حسام، وهب واقفًا كمن لدغته حية: -هيروين إيه اللي اتمسكت بيه؟ دا مصيبة سودا، وكمان بتكلمني من رقمك الكويتي؟ يعني أنت مقبوض عليك هناك؟ رد عليه باسل بنبرة قلقة:
-اسمعني بس أنا استأذنت الظابط اللي هنا عشان أكلمك، وهحاول أستأذنه عشان أتكلم مع محامي هنا، بس أهم حاجة دلوقتي تخلي بالكم من أروى اتصل عليها تنزل مصر. يلا أنا هقفل دلوقتي. نقل حسام نظره بين الواقفات حوله، وتحدث بنوعٍ من الذهول: -باسل اتقبض عليه بتهمة تجارة هيروين! الصدمة قد ألجمت أفواههن، ومرت عليهن لحظات من الصمت، قطعتها وفاء عندما وضعت يدها على رأسها قائلة: -المصايب بتيجي ورا بعضها، يارب سلم، ربنا يسترها.
توجه حسام مباشرة إلى رمزي، ومن خلفه الجميع حتى فارس التي وافته فداء بما حدث، كانت طرقاتهم على الباب تنم عن حجم الكارثة التي حلت عليهم، انقطع تتابع ضربات الباب عندما فتح لهم رمزي. فبادر حسام قائلاً بهلع: -مصيبة وكارثة نزلت على دماغنا. سأله رمزي بنبرة يشوبها ظلال القلق: -حصل إيه تاني؟ أجاب فارس بدلاً من ابن عمه: -باسل اتقبض عليه بهيروين في المطار. هتف رمزي بصدمة: -بتقولوا إيه؟ ازاي؟ تدخلت فداء وقالت باستنتاج:
-أكيد طبعًا حد حطله الزفت ده، لأن باسل مستحيل يعمل كدا. أردف رمزي بصوت حائر: -الوحيد اللي ممكن يعمل كدا هو ماجد الصواف بس دا اتقبض عليه، ازاي دا حصل؟ مين اللي ممكن يعمل كدا؟ وليه أصلًا؟ -أنا اللي عملت كدا، وعملت كدا عشان بكرهه. نطقت أروى بهذه الكلمات من خلفهم، فالتفتوا إليها جميعًا، وقسمات وجههم تخبرها بتلقيهم لصدمة جديدة، فابتسمت بانكسارٍ وقالت:
-زوجي العزيز اتفق مع أمه ضدي ومش بس كدا، دا كمان سلمها ورثكم، فقررت إني مش هسكت أكتر من كدا. هدوء تام قد خيم على الأرجاء، حتى خطا إليها رمزي، ودون أن ينطق ببنت شفة، رفع يده صافعًا إياها، لعلها بهذا الكف تسترجع رشدها، وضعت أروى يدها على خدها وتجمعت العبرات في عينيها، وصرخت بصوت يخنقه البكاء: -مش المفروض أتوقع منك حاجة غير كدا، ما أنت كمان خدعتني وخدعت راشد المعز واتفقت مع باسل على أولاد عمه!
بس أنا مش غلطانة أنا لعبت مع باسل بنفس طريقته. حرك رمزي رأسه بيأسٍ، وغمغم بنفور: -اتغيرتي يا أروى، الانتقام عمى عيونك. اقترب منها حسام هو الآخر قائلاً: -عملتي إيه؟ لعبتي معاه بنفس الطريقة؟ لو لعبتي بنفس طريقته مكنش زمانه في السجن دلوقتي! صرخ حسام في وجهها عندما نطق بجملته الأخيرة، فسحبه فارس من ذراعه قائلاً: -اهدي يا حسام، الزعيق مش هيحل حاجة. نفض حسام ذراعه بعيدًا وأكمل معاتبًا:
-لازم أزعق عشان الهانم تعرف إنها ارتكبت أكبر خطأ في حياتها، اللي أنتي سجنتيه ده كان بيحاول ينتقم من أمه عشانك، كل اللي حصل في الفترة الأخيرة بداية من اتفاق باسل مع سميرة نهاية بطردنا من القصر، كله خطة عشان نوقع سميرة، وتيجي تقولي جوزي اتفقي ضدك؟ فرت دمعة هاربة على وجنتها، فمسحتها أروى سريعًا وتشدقت قائلة برفض لصحة حديثهما: -بتكذبوا عليّ، أنتم عايزين تثبتوا إني غلطانة، بس لاء أنا مش غلطانة، أنتم بتكذبوا. شاركت وفاء
في الحوار قائلة بعتاب: -للدرجة دي يا أروى مش واثقة في حد؟ أنا وداليا وفداء منعرفش حاجة عن خطة الأملاك دي، بس بالرغم من كدا كنا متأكدين إن سميرة كلامها غلط وإن باسل عمره ما يغدر بنا، تيجي أنتي بقى متصدقيش جوزك وتخونيه وأنتي أكتر واحدة عارفة إنه اتظلم زيك؟ أجهشت أروى بالبكاء، وانهمرت دموعها كالسيل الجارف، وصرخت بنغمة أخرجت بها كل ما تشعر به من خذلان، وألم يعتمر بصدرها ويتمدد يومًا بعد يوم، فكانت كلماتها تقطع
نياط القلوب حينما قالت: -متقوليش إنه اتظلم! محدش اتظلم زي! محدش عاش اللي أنا عشته! محدش عاش وجعي وحرماني من أهلي! محدش فيكم اتهجر في يوم فرحه، الليلة اللي بيتقال عليها ليلة العمر كانت بداية السواد في حياتي! محدش فيكم جرب يبقى لعبة في إيد الشخص اللي حبه! محدش فيكم جرب وجعي، محدش فيكم اتخذل من كل اللي حواليه! محدش فيكم اتظلم زي، حتى باسل!
باسل اللي اتجوزني بطلب من أمه، وسابني وسافر بطلب من أمه من غير ما يكلف نفسه ويفكر في البنت اللي اسمها اتربط باسمه، مفكرش مصيري إيه في غيابه، مكلفش نفسه حتى يرفع سماعة تليفون ويسأل عليا عشان أقوله إن أمه بتتغذى على ذلي! حتى لما فكرت أدي جوازي فرصة تانية راح باسل واتفق مع سميرة ضدي تاني عشان يضيع حق أهلي، وفكان لازم بعد دا كله انتقم منه. ارتفع صوت حسام ليوبخها قائلاً:
-يا غبية أنتي انتقمتي من الشخص اللي كان بيحاول ينتقم لك، افهمي بقى قولتلك كانت خطة هو مش مصدق سميرة ولا مسامحها على اللي عملته، انتي لو مكنتيش سافرتي الكويت كنتي عرفتي إنه اختارك أنتي مش هي، متعرفيش إن باسل اتصل علينا من شوية عشان نخلي بالنا منك، انتي مدركة إنه بدل ما يطلب نساعده هو طلب نهتم بيكي عشان متتعرضيش لأذى! تعلقت عينيها برمزي وهي تسأله بصوت خافت من بين شهقاتها: -حسام بيكذب صح يا خالي؟ أجابها رمزي بازدراء:
-بتسأليني ليه مش أنا خدعتك؟ مش أنتي مبقتيش تثقي فيا؟ نسيتي إن اللي ماتت وحياتها اتدمرت قبلك دي تبقى أختي، مكلفتيش نفسك تسأليني أنا سلمت سميرة الأملاك ليه! أصدرت حكمك علينا من غير ما تعرفي الحقيقة، بعد اللي عملتيه مع باسل ده بقيتي تفرقي إيه عن سميرة!!!! مع الأسف يا أروى انتي غلطانة المرة دي وغلطك كبير. زادت وتيرة بكائها، فاقتربت منها فداء التي احتضنتها وهي تربت على ظهرها بحنان لتواسيها، في حين خرج فارس عن صمته قائلاً:
-أعتقد دا مش وقت العتاب يا جماعة، لازم فينا يسافر ونهتم بقضية باسل. زفر رمزي زفرة حارة، وتحدث بعدما رمقها بنظرة تحمل الكثير من الخيبة في طياتها: -خد حسام وسافروا، وأنا هحل موضوع سميرة وهحصلكم.
-دلفت أروى إلى غرفتها بخطوات متثاقلة، كحال أنفاسها التي طوقت بذنبها كحجر يشدها إلى أعماق البحر، توقفت أمام المرآة وتجمدت عينيها على انعكاسها، فكانت ترى نسختها الأسوأ، وذلك الذنب الذي ارتكبته عرضًا مباشرًا أمام حدقتيها، لم تكن تعرف أن سيرها في طريق الانتقام سينهش براءتها نهشًا، لم تعرف أن الانتقام لن يعيد إليها سعادتها بل سيطفئ ما تبقى لديها، انتقلت من دور الضحية إلى الجاني، أصبحت جائرة وبصفتها الجديدة لم تلحق الأذى سوى بزوجها، وحبيبها باسل، ذلك العاشق الباحث عن أمانها، حقها، وسعادته فكانت مكافئته أن يُزج به في السجن بتدبيرٍ منها.
كان كل نفس تستنشقه بمثابة شظايا زجاج تخترق قلبها، ومن بين تلك اللحظات المريرة أراد عقلها أن يتضاعف شعورها بالذنب، فتوقف الزمن عند تلك اللحظة ليتردد فيها صوت باسل في أذنيها وهو يخبرها أنه يراها الحقيقة الوحيدة في حياته، في هذه الأثناء تسارعت ضربات قلبها احتجاجًا وكأنه يرغب في الخروج، وبذلك يخبرها أنها لا تمتلك ما يكفي من المشاعر لتستحق هذا القلب.
تتابع تلك الجملة جعلها تنفعل بشدة، وكأن بركانًا بداخلها ظل يغلي حتى جاءت لحظة الانفجار، فحركت أروى ذراعيها بغضب شديد وهي تدفع تلك الأشياء بعيدًا عن منضدة الزينة، ثم انحنت وأخذت إحدى زجاجات العطر، ورمتها صوب المرآة التي تهشمت تزامنًا مع صراخ أروى التي بدت وكأنها تخرج ما يعتمر في صدرها من ضجيج الضمير. ألقت بنفسها أرضًا لتنتحب بشدة، غير عابئة بطرقات الباب، وندائهم القلق عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!