لم تتوقع يومًا أن يخرج هذا الكلام من فمه، هو نفس الذي تخلى عنها في ليلة زفافه، هو بذاته الذي صرخ في وجهها مرات لا تحصى. أمنيتها تتحقق الآن وفارس أحلامها قد جاء إليها على حصانه الأبيض، ولكنها لم تعلم أن القدر لم يمنحها موافقته بعد. في تلك اللحظة رن هاتفها برقم مصري. استقبلت الاتصال، لتتحدث ولاء بتحذير شديد: -أوعي تعطي باسل الأمان يا أروى، باسل متفق مع سميرة.
نقلت نظرها بين باسل والفراغ، ثم ابتعدت عنه لتصطدم أصابع أقدامها بحائط الشرفة. كانت تتمنى لو أنه حلم يقظها الألم. التفتت ناظرة إلى باسل الذي يتابعها في صمت، ثم نظرت إلى الفراغ مرة أخرى دون أن تنطق وكأنها قد فقدت النطق. فتحدثت ولاء مجددًا وقالت: -سمعاني يا أروى؟ مش بتردي عليا ليه؟ ردت عليها بصعوبة ظهرت على صوتها الذي خرج مهزوزًا وهي تقول: -كملي أنا معاكي. أضافت ولاء بنبرة حائرة:
-أنا من كام يوم كدا سمعت باسل بيتفق مع سميرة عليكي، وساعتها كانوا بيخططوا إزاي يبعدوا عنك الأدلة اللي مع المحامي. أدمعت عينيها، وهي تسألها بصوت مختنق: -إنتي متأكدة؟ -أنا متأكدة من اللي سمعته، بس نية باسل إيه أنا معرفش، بس قولت أعرفك تاخدي حذرك وخلاص. ابتلعت تلك الغصة التي التصقت بحلقها وقالت: -حاضر يا ولاء، متقلقيش عليا أنا كويسة وهرجع قريب.
أغمضت عينيها بشدة وكأنها ترجع تلك العبرات إلى منبعها الأصلي، ثم زفرت بحرارة والتفتت إلى باسل ببسمة باهتة: -ولاء عايزاني أرجع عشان العيلة قلقانة عليّ. منحها بسمة لطيفة واقترب منها ليخفي تلك الخصلة التي تمردت من أسفل الحجاب، وهمس بصوت عاشق: -وماله هننزل، بس لما جرحك يخف، ونقضي شوية وقت لوحدنا. اتسعت ابتسامتها قليلًا وردت عليه: -أنا هدخل آخد شاور وأجيلك تغير لي على الجرح قبل ما نخرج.
وقفت أمام المرآة وهي ترتب شعرها الذي لم يصل إليه الماء. شردت في هذا الوضع وهذا الغدر الذي لا ينتهي. كلما رأت أنها تقترب إلى بر الأمان، كانت سفينتها تتغلغل بها أكثر فأكثر إلى ما هو أشد من الهلاك. نظرت إلى انعكاسها بنظرات جامدة وهمست: -من حقي انبسط يومين على الأقل قبل ما أخسر كل حاجة. اصطنعت ابتسامة زائفة تسيطر بها على تلك العاصفة الثائرة بداخلها، ثم تحركت إلى باسل بشخصية حقيقية تمنت لو عاشت بدلًا من نسختها البائسة.
-ممكن يا زوجي العزيز تغير لي على الجرح عشان نلحق ننزل! ابتسم بحنان وقال: -من عيوني يا عيوني. انتهى من عمله طابعًا قبلة حانية على خصلات شعرها الداكنة، وقال: -خلصت يا زوجتي العزيزة، البسي طرحتك عشان ننطلق. ذهبا سويًا لتناول الطعام، ومن بعده إلى إحدى مراكز التسوق الكبيرة. هتفت أروى بحماس: -خلينا نطلع من السلم الكهربائي.
سارا جنبًا إلى جنب متشابكي الأيادي، لكنها توقفت أمام السلم مباشرة ولم تتقدم تلك الخطوة التي تجعلها على درجات السلم، وإنما نظرت إلى باسل بتوجس وقالت: -بخاف منه خلينا نرجع. -الله مش إنتي اللي قولتي نطلع بيه! -نفسي أستخدمه، بس أنا أول ما بأوصل هنا بحس إن رجلي اتجمدت ومبقدرش أطلع عليه، مع إني نفسي أجربه. ابتسم باسل بدوره: -مفيش مشكلة، يبقى رجلك التانية تشيلك وتطلع بيكي.
أنهى حديثه عندما انحنى ليحملها بين ذراعيه وتقدم بها صوب الدرج، في حين أنها قد تعلقت برقبته ومنحته بسمة هادئة، ثم تابعت الدرج المتحرك في سعادة تعلنها قسمات الوجه. -نزلني بقى يا بيسو، زمانك تعبت. رمقها بسهام عاشقة وقال: -لو عشت عمري كله بالوضع ده عمري ما أتعب، بالعكس هكون مبسوط ومرتاح عشان حبيبتي جنبي وفي حضني.
أخفت وجهها أسفل كفيها كتعبير عن الخجل، مما جعل باسل يميل برأسه قليلًا، وطبع قبلة رقيقة على يديها، ليبتعد قائلًا: -شيلي إيدك الحلوين عشان أنزلك. لكنها لم تصغ إليه، فكرر فعلته مرة أخرى، وهذه المرة أبعدت يديها سريعًا ونطقت بوجهٍ مشتعل: -نزلني بسرعة قبل ما الناس تاخد بالها من قلة أدبك. اتسعت حدقتاه قائلًا: -قلة أدب! ده إنتي مراتي يعني حقي! -حقك أيوه بس فين الحياء؟ نزلني بقى. -طب أهو.
نطق بتلك الجملة محاولًا أن يسرق منها قبلة أخرى، لكنها أبعدت وجهه بيدها وقالت بفزع: -والله هعيط يا بيسو، نزلني عشان خاطري. حرك رأسه نفيًا، فقالت بجدية: -عشان خاطري يا باسل، أنا بجد بتحرج ومش بحب ألفت انتباه الناس وخصوصًا لو الوضع محرج كده. امتثل لطلبها وأنزلها أرضًا، ثم أمسك يدها قائلًا: -خلاص أنا آسف، حقك عليا.
تسوقا سويًا في وسط من البهجة والسعادة، وكأنهما قد نسيا تلك اللعنة التي تسمى سميرة. وللمرة الأولى منذ زمن طويل خرجت ضحكاتها إثر تلك الدعابات التي يقولها باسل. كانت سعيدة برفقة زوجها حتى وإن كان لفترة مؤقتة، فهي ستسرق من الزمن بضع من اللحظات، لعلها بذلك تمتلك سلاحًا يحميها من الحزن القادم.
أعادها باسل إلى المنزل وتوجه بمفرده قاصدًا المكتب الخاص بمحامي والدته. وبعد محاولات كثيرة في منعه، لم يعبأ بها باسل وإنما دفع الباب بقوة ودلف إلى ذلك الرجل الذي قد مال شعره للون الأبيض، وتجعدت بشرته، فبذلك قد امتلك ما يلزم من العمر ليصبح في نهاية عقده الرابع. هذا الرجل هو ماجد الصواف الذي ساهم في تدمير عائلة أروى، عندما أخفى الأدلة التي تثبت براءة والدها. أشار إلى مساعده الذي خرج، والتفت إلى باسل قائلًا:
-اتفضل يا باسل بيه. تقدم باسل ليجلس واضعًا قدم فوق الأخرى، وأعاد لثام البرود مرة أخرى، فنطق بصرامة وقال: -٣٠ مليون دولار في مقابل الأوراق اللي معاك. رفع ماجد حاجبيه بذهول وقال: -متأكد هتدفع المبلغ ده؟ ده والدتك نفسها دفعت مليون بالعافية. زفر باسل قائلًا: -أنا مش جاي اتناقش معاك، أنا جاي عشان أخلص، وحالًا. -ولو رفضت عرضك؟
-والله براحتك، أنت عارف كويس أنت بتتعامل مع مين، يعني مش صعب عليا آخد منك العقود دي بطريقة إجبارية، فشوف أنت تحب إيه وأنا معاك. -أنا بحب الفلوس. لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة، قبل أن ينطق قائلًا: -يبقى هات العقود وانزل معايا استلم فلوسك. وصلا إلى المرآب، فاقترب باسل ليخرج من سيارته حقيبة مليئة بالنقود. ومد يده إلى ماجد قائلًا: -هات العقود الأول أتأكد منها وبعدين تاخد فلوسك.
أعطاه ماجد العقود وهو يطالع تلك الحقيبة بجشعٍ يتطاير من عينيه. لم يعرف أن تلك الأموال سوف تشعل حريقًا تنتهي به حياته المهنية وحريته.
دلف باسل إلى شقته وهو ينادي أروى. مرت لحظات قليلة قبل أن تخرج إليه تلك الحورية. بشرتها الناعمة التي تزينت بمساحيق التجميل، فبرزت ملامحها صارخة الجمال. أنفها الحاد المرتفع بشموخ يليق بها، وتلك الأعين التي تحددت بكحل أسود، نزولًا إلى تلك الشفاه الصغيرة التي كُسيت بلون أحمر قاتم تميز بلمعة خفيفة.
مشيت إليه بخفة وكأن الأرض لا تقدر على حمل خطاها. كانت ابتسامتها تمنح الهواء دفئًا لم يألفه من قبل. نظر إليها بنظرات تحمل الكثير من المشاعر، ولكن ما فاق تلك المشاعر هو اندهاشه من طلتها الخاطفة للأنفاس. أمعن النظر بهيئتها بداية من شعرها المنسدل في تموجات لطيفة، مرورًا بذلك الثوب الذي يظهر ترقوتيها، وبالكاد فهو يستر مسافة لابأس بها من فخذيها، وصولًا إلى قدميها ذي الكعب المرتفع، والذي أضاف لمسة جمالية إلى قدميها بعدما طُليت أظافرها بلون الزبيب الأحمر تشابهًا بثوبها الذي أبرز لون بشرتها البيضاء.
تجمدت قدماه، وتخشبت الكلمات على شفتيه. وقفت أروى أمامه مباشرة وسألته بصوتها الناعم: -إيه رأيك يا بيسو؟ تحشرج صوته عندما أجابها: -جميلة. -والفستان ده حلو؟ -أوي. ضيقت ما بين حاجبيها وقالت: -مش باين إن المفاجأة عجبتك، أنا هدخل أغير. كادت أن تتحرك من أمامه، ولكن أخيرًا قد عاد إلى وعيه، فباغتها بحركة سريعة عندما سحبها صوبه، فاصطدمت بصدره العريض. في حين أنه دقق النظر في عينيها قائلًا: -لابسة كده ليه؟
عاملة لي مفاجأة ليه يا مدام، بتجري رجلي لإيه. حركت كتفيها ببراءة وقالت: -ولا حاجة، أجُر رجلك لإيه يعني، أنا مش محتاجة أعمل حاجة عشان أجر رجلك، إنت بتيجي لوحدك. ابتسم قائلًا بهيام واضح: -دي حقيقة أنا واقع في حبك بطريقة لا توصف، عاشق متيم، ودايب في أروى مراتي حبيبتي، وجمالها الطبيعي وأقل حاجة منها بتبهرني وبتشد ليها أكتر وأكتر، فما بالك بقى بالمنظر الفتاك اللي إنتي فيه ده! تعلق برقبته وقالت بغرور مصطنع: -أقل حاجة عندي.
حاوط باسل خصرها ومال برقبته قليلًا، لكنها تراجعت سريعًا عندما سحبت ذراعيها ورجعت بجسدها للوراء وقالت بنبرة لا تعرف شيئًا عن دلال الفتيات: -متخليش دماغك تروح بعيد يا بيسو، أنا بحاول أحتفل معاك بعيد ميلادك، فاحترم نفسك. ضحك باسل ليشاكسها قائلًا: -حاضر هحترم نفسي، بس بالله عليكي اتكلمي بالصوت الرقيق اللي كان من شوية بلاش أحس إني متجوز واحد صاحبي. أومأت برأسها وقالت: -حاضر يا بيسو، يلا تعالى معايا.
سحبته من يديه ودلفت به إلى حجرة الجلوس، وقالت بحماس: -جهزت بلايستيشن عشان نلعب سوا عارفة إنك بتحب اللعبة دي، وكمان عملتلك كيكة القهوة اللي بتحبها، وعلى فكرة بقى أنا تعبت فيها ولازم تقولي طعمها حلو حتى لو وحشة لأني أصلاً فاشلة في المطبخ ودي الحاجة الوحيدة اللي اتعلمتها عشانك. تأثر باسل لما فعلته لأجله، حتى أدمعت عيناه، فأردف قائلًا: -تعرفي إني محتفلتش بعيد ميلادي من لما بابا مات؟
وعمر ما حد كان بيقولي كل سنة وإنت طيب غير جدي. فرت دمعة من عينيه، أزالتها أروى بعيدًا وقالت بحنان: -من النهاردة مش هيعدي عيد ميلادك غير لما نحتفل بيه سوا واحنا مع بعض، وهنحتفل كل مرة بطريقة والدك الله يرحمه. سألها بنبرة فضولية: -عرفتي عني الحاجات دي إزاي؟ تنهدت أروى وقالت: -كدا هتخليني أعترف بحاجة مش عايزة أعترف بيها. ضيق باسل ما بين حاجبيها، وسألها: -تعترفي بإيه؟
اقتربت منه وأطالت النظر إلى عينيه، وعندما حثها قلبها على الحديث، نطقت قائلة: -أنا عرفت باسل المعز من حوالي أربع سنين أو يمكن أكتر، أنا عمري ما أُعجبت بشاب، وكنت بستغرب يعني إيه واحدة ممكن تحب شاب وتوافق تتجوزه وتكون ضامنة إنها بعد كده مش هتحب غيره!!!!
كنت حذرة جدًا لما يتعلق الموضوع بالجواز عشان كنت عايزة أتجوز حد أكون مقتنعة وأنا معاه إني مش هبقى عايزة غيره، عايزة واحد وأنا معاه محسش إني ضيعت من إيدي جوازة أحسن......... لحد ما جيت لبابا الشركة في يوم وساعتها كنت مستنياه عشان نرجع البيت سوا.......
وساعتها شفتك من أول نظرة ليك اتخطفت، اتبدلت وبقيت واحدة تانية، عمري ما دققت في ملامح ولاد إلا إنت الكاريزما الصارخة اللي عندك شدتني فضلت أتأملك وإنت بتتكلم في الفون وتباعتك بعيني لحد ما دخلت الشركة، كنت حاسة بقلبي عايز يخرج من مكانه، ومن ساعتها بقيت دايمًا أفكر فيك، عارف........
أنا كنت لما ببقى زعلانة وأفتكرك أحس إن الدنيا بتضحكلي، ويوم ورا التاني كنت بتعلق بيك أكتر وعايزة أعرف عنك حاجات أكتر، عايزة أعرف إنت مين وبدأت أتلكك عشان أروح لبابا الشركة عشان أشوفك، بس شوفتك مرة واحدة عرفت فيها اسمك من الدكتور المساعد اللي كان شغال مع بابا، بقيت متيمة بواحد اسمه باسل المعز، كنت حاطة شروط في العريس اللي هوافق عليه، وكنت رافضة بعض العيوب لكني كنت عايزاك من غير أي شرط حتى لو فيك العيوب اللي مش عايزاها.........
يوم ما عرفت إنك عايز تتجوزني أنا حرفيًا فضلت أسبوع مش عارفة أنام من كتر الفرحة والتخيلات اللي رسمتها عن مستقبلي معاك، لدرجة إني اخترت المكان اللي نروح فيه شهر العسل. قاطعها باسل سائلًا: -كنتي عايزة نروح فين؟ -فونتانا دي مونتريڤي نافورة العشاق في إيطاليا. هز رأسه بخفة طالبًا منها أن تكمل: -بس يا سيدي وانت عارف إيه اللي حصل بقى بعد ما اتجوزنا، بس أغلبية المعلومات اللي عرفتها عنك كانت من جدك قبل ما يتوفى.
حاوطها باسل بذراعيه قائلًا بترقب: -فين بقى الاعتراف اللي في الموضوع؟! في حاجة ناقصة!!! عقدت أروى حاجبيها وقالت: -ناقص إيه؟؟ -أعتقد إن كلامك ده كان اعتراف حب، لكن عشان يكمل في جملة من كلمتين لازم تتقال، صح ولا أنا غلطان!! استعانت أروى بأنامل يدها الناعمة، وضربت على وجهه بخفة وقالت: -يلا يا بابا تعال نلعب مش وقت، فلسفة. بمرور الوقت أردف باسل ساخرًا:
-يا شيخة عن أبو الرومانسية اللي تخليكي بالجمال اللي إنتي فيه ده عشان تلعبي معايا بلايستيشن، هو إنتي أبويا عشان تحتفلي كده بعيد ميلادي!!!! ربتت على كتفه بسخرية مماثلة وقالت: -ألعب يا بيسو، ألعب وإنت ساكت مش كفاية خسران خمسة. -بزمتك ده أسلوب! محتاجة تتعلمي كتير عن الرومانسية. -حاضر هاخد كورس، ألعب بقى وإنت ساكت.
-بما إنك عاملة دور الأب بقى أنا رايح أنام، أصل أبويا كنا بعد ما نحتفل يقولي قوم نام عشان متتأخرش على المدرسة. علقت أروى هذه المباراة وقالت ببرود: -حيث كده بقى تصبح على خير يا بيسو. تنهد باسل بقلة حيلة، وخطا صوب غرفته، لكنه تجمد في موضعه عندما تناهى إلى سمعه صوتها الأنثوي الناعم: -على فكرة أنا حبيتك من أول مرة شوفتك فيها، ومازلت بحبك، وهفضل أحبك طول ما أنا بتنفس.
يُقسم أنه في هذا الوقت كادت أن تسمع صوت قلبه الهادر بحبها كشلالٍ لا يتوقف. عاد إليها مجددًا وسعادته المفرطة تسبقه إليها. وقف أمامها، مرددًا: -تاني كده؟ ضحكت بدلال لا يليق سواها، وكررت: -أنا بحبك يا بيسو، مغرمة بيك يا ابن المعز. تراقص قلبه طربًا، وتمددت ابتسامته إلى عينيه، ثم غمز بعينه وكأنه يخفي سرًا لا يعرفه سواهما: -حيث كده بقى، مينفعش الجمال ده كله يروح هدر.
اجتمعوا كعادتهم على مائدة الطعام، ولكل منهم عقل شارد في حياته الخاصة، لتأتي إليهم سميرة بصاعقة جديدة، حيث دلفت إليهم وتحدثت بعنجهة وغرور: -اعملوا حسابكم بعد ما تخلصوا فطاركم، وتاكلوا لما تشبعوا ابقوا لموا هدومكم وكل متعلقاتكم وشوفوا مكان تاني تعيشوا فيه غير بيتي. خرج حسام عن صمته ساخرًا: -بيت مين معلش! إنتي كبرتي وخرفت ولا إيه! حلي عن دماغنا عشان إحنا مش ناقصين وجع دماغ عندنا اللي مكفينا. تلوت
شفتيها ببسمة ساخرة وقالت: -والله أنا قلت اللي عندي، وجدعنة مني مش هاخد منكم العربيات خلوها، مين عارف ممكن متلاقوش مكان يلمكم. سألتها داليا بتعجب: -قصدك إيه يا سميرة! -قصدي إن كل أملاك المعز بقت باسمي، كله بفضل باسل ابني حبيبي. صعقوا من ما قالت، فقال فارس بشك: -الست دي أكيد كدابة، باسل عمره ما يعمل كده. حركت سميرة كتفيها دون اهتمام وقالت: -والله أنا قلت اللي عندي، لو مش مصدقين اسألوا رمزي.
استمعت ولاء إلى الحوار بأكمله، فأسرعت إلى الهاتف لتخبر أروى بما قد آلت إليه الأمور بفضل زوجها المصون. تململت أروى في نومها عندما صدح هاتفها بإشعار الرسائل. حملت الهاتف بتأفف، لكن ما إن قرأت محتوى الرسالة، احتلها نشاط غريب دفعها إلى تنفيذ خطتها على الفور كي تنتقم من باسل وسميرة. رمقته بنظرة غاضبة، ثم خرجت إلى غرفة أخرى، واتصلت على مريم التي ما إن استقبلت الاتصال، جاءها صوت أروى تقول:
-اتصرفي يا مريم وهاتيلي هيروين النهاردة. -أجيبلك منين يا مدام أروى، أنا مليش في الكلام ده. -دوري يا مريم، أكيد حواليكي حد بيشرب، أو مدمن الكلام ده، اتصرفي أنا مش عارفة حد هنا عشان أطلب منه. -طيب هشوف، بس إنتي عايزاه ليه؟ تحدثت أروى بقلب بارد: -هحطه لزوجي في شنطته عشان يتقبض عليه في المطار. اتسعت حدقتا مريم وقالت بصدمة: -إنتي متأكدة!
أنا عارفة إن بينكم مشاكل بس صدقيني ده باين عليه بيحبك، ده سايب كل حاجة وجالك عشان يطمن عليكي وبقالو أسبوعين بيهتم بيكي. لن تنخدع مجددًا بتلك المشاعر الزائفة التي يظهرها أمام الجميع من أجلها، فأردفت بحزم لا يقبل الجدال: -النهاردة يا مريم تجيلي ومعاكي اللي طلبته منك، عشان أنا هنزل مصر بكرة إن شاء الله. اقتربت أروى من باسل الذي يتصفح هاتفه باهتمام، ثم جلست بجانبه وقالت بجدية: -باسل خلينا ننزل مصر بكرة.
ترك ما يفعله وانتبه إليها قائلًا: -ما خلينا شوية. -لأ بقالنا كتير، العيلة وحشتني وكمان عايزة أشوف هنعمل إيه في الأيام الجاية. داعب خدها بحنان شديد وابتسم قائلًا: -كل حاجة هتبقى بخير متقلقيش، أنا معاكي ومش هتخلى عنك. أردفت أروى بغموض: -طيب ولو أنا اتخليت عنك؟ رد عليها بنبرة واثقة: -مستحيل تعمليها، ده إنتي الحقيقة الوحيدة في حياتي.
منحته بسمة هادئة، واقتربت لتأخذه بين ذراعيها للمرة الأخيرة، وكأنها تمنحه عناق الوداع. ابتعدت عنه عندما رن جرس الباب، فنهضت قائلة: -طلبت من مريم شوية حاجات، هروح أفتح لها. حملت عنها تلك الأكياس التي دُس بأحدهما ما طلبته منها أروى، وبادرت مريم بصوت خافت: -فكري مرة تانية، عشان اللي هتعمليه هيضيع مدة كبيرة من عمر باسل، وهتبقى أخدتيه بذنب أمه، وصدقيني هتندمي بعدين. لن يتغير القرار، الانتقام يعني الانتقام، فقالت أروى:
-لو حابة ترجعي مصر مع والدتك، متحمليش هم السكن، إنتي بس عرفيني. -لأ مش هنرجع، ماما عايشة على ذكريات بابا ورافضة ترجع مصر، وإحنا مبسوطين مع عيلة بابا هنا. -تمام، بس عايزة منك طلب أخير، اتصلي عليّ بكرة الساعة عشرة ونص الصبح، ضروري يا مريم. تحركا معًا إلى المطار، ولكن ما إن ترجلا من سيارة الأجرة، صدح هاتفها باتصال من مريم كما أوصتها أروى. ابتعدت أروى لبضع دقائق ثم عادت إلى باسل بوجه مذعور، وقالت:
-مش هينفع أنزل مصر معاك، اسبقني وأنا هحصلك. سألها باسل باستغراب واضح: -ليه؟ حصل إيه؟ -مريم مامتها تعبانة وأنا لازم أكون معاها، لأن ماما قبل ما تموت وصتني عليهم. قال باسل بهدوء: -خلاص هفضل معاكي. -لأ مينفعش. -ليه. هدرت أروى بحزن: -عشان مامتك أخدت الأملاك وطردت العيلة من القصر، وإنت لازم ترجع عشان تقف جنبهم وتشوف حل المشكلة دي. أصابه الذهول مما سمعه، فقالت بحزن زائف يناقض ما بداخلها من غضب ونفور:
-لازم ترجع يا باسل، العيلة ملهاش غيرك. زفر باسل زفرة حارة، لا يعرف ماذا عليه أن يفعل، فهو الآن بين نارين، لا يرغب في تركها وحيدة فهو يخشى عليها من ماجد وسميرة، ومن الناحية الأخرى عائلته التي لم تكتف سميرة من إذلالهم. رفعت أروى عنه الحيرة عندما قالت: -أنا هبقى بخير، وكلها كام يوم أطمن بس على والدة مريم وأرجع مصر، لكن العيلة منعرفش وضعهم إيه، فأنت لازم ترجع.
منحها باسل عناقًا دافئًا وهو يمسح على ظهرها، ويطلب منها أن تعتني بنفسها جيدًا. لم يعرف بأنها تجهز الأمور لتتخلص منه، وهو الذي ينفطر قلبه قلقًا عليها. تابعه أروى بعينيها حتى اختفى عن نظرها، فارتسمت بسمة جانبية على شفتيها هامسة لنفسها: -مع السلامة يا بيسو. أخرجت من حقيبتها تلك العقود التي استحوذت عليها سابقًا دون علمه. في هذه اللحظة أدمعت عينيها، لكنها أخذت نفسًا طويلًا وغمغمت من بين شفتيها:
-إنت تستاهل اللي هيحصلك يا باسل، أنا مش غلطانة، أنا مش غلطانة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!