الفصل 5 | من 23 فصل

رواية أحفاد المعز الفصل الخامس 5 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
24
كلمة
3,957
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

–بتحبيه؟ مرتبطين يعني؟ تلوى ثغرها ببسمة ساخرة وأردفت: –على فكرة دا المستر بتاعي، مش واحد زميلي. أضافت «أميرة» سريعًا وبحماس لما تألفه «دينا»: –انا هجوزك له، ايه رايك؟ تحولت نظرتها الساخرة إلى صدمة جعلتها تسأل بترقب: –انتي بتهزري صح؟ –لاء، و الله بتكلم بجد. تنهدت «دينا» وأردفت بقلة حيلة: –ماما ممكن تخرجي عشان عايزة انام؟ –مش تعرفيني رأيك الأول؟ تحدثت «دينا» بضيق: –رأي في ايه؟

أولاً دا المستر بتاعي وبيشرح لنا في السنتر لفترة مؤقتة وبعدها مش هنشوفه تاني، ثانيًا مفيش بينا حب ولا الكلام الأهبل ده، ثالثًا بقى والأهم أنا لسه صغيرة على موضوع الجواز ده، رابعًا بقى خدي العصير دا معاكي وانتي خارجة عشان أنا مش بحب العصاير أصلًا. نطقت بجملتها الأخيرة وهي تناولها كأس العصير، ثم نهضت لتتخلص من ثوبها وتستبدله بملابس البيت الأكثر أريحية. ***

أشرقت الشمس بضوئها الساطع، وأشعتها الحانية التي بددت برودة الليل، وتسربت إلى غرفة «أروى» التي كانت تتحدث في الهاتف، فقالت: –خلاص أنا هحاول أكسبهم لصفي وأحببهم فيا، وخصوصًا «باسل» لأنه هو أكتر واحد هيصعب علينا نقل الأملاك، لكن لو وثق فيا وحبني ساعتها الموضوع هيكون سهل جدًا وهنوصل لهدفنا. جاءها صوته مؤيدًا: –أيوه فعلًا معاكي حق، وعشان كدا الفترة دي لازم كمان نقلل مقابلتنا، وخلي وقتك كله للأحفاد. سألته سريعًا:

–يعني مش هنتقابل بالليل حتى؟ –ولا حتى بالليل. أردفت باعتراض: –طب ما هما بيكونوا نايمين بالليل إيه اللي يمنع إننا نتقابل، أنا مش حابة كدا. –معلش يا حبيبتي بس إحنا مجبرين على كدا، على الأقل في الفترة الحالية. نفخت بضيق وأردفت: –خلاص يا عسل، يارب نخلص بسرعة عشان أنا الوضع دا مش مريحني….. هقفل بقى وهروح أشوف باسل بيه عشان أبدأ الخطة الجديدة.

كان «باسل» في غرفته واقفًا أمام المرآة، ويصفف شعره بذهن شارد، أفاقته «أروى» عندما طرقت على الباب المفتوح، فنظر إلى صورتها التي عكستها المرآة، فبادرت هي بالحديث حينما سألته بلطف: –ممكن أدخل؟ تأخر في رده عليها، ولكنه ما إن أنهى ما كان يفعله حتى اعتدل في وقفته ناظرًا إليها وهو يقول: –طبعًا اتفضلي. دلفت إليه بخطوات ثابتة، وسألته وهي تقف أمامه: –عامل إيه النهاردة يا بيسو…..؟

كان محدقًا بها بنظرات جامدة، لم تستطع تفسيرها، ولكنها أضافت سريعًا بأسف: –أنا آسفة قولت بيسو غصب عني. كانت تنتظر منه أن يحدثها بنبرة ساخطة، ولكن كانت الصدمة من نصيبها عندما منحها للمرة الأولى بسمته الصادقة التي قد زادته وسامة، وأردف بلطف لما تألفه: –ولا يهمك، تقدري تناديني زي ما انتي عايزة. اتسعت حدقتاها بدهشة من تغيره المفاجئ، فسألها ببسمة واسعة: –مالك؟ انتي كويسة؟

تلقائيًا وجدت نفسها تقترب منه وتتفحص درجة حرارته بيدها التي وضعت على جبهته، ولكن سرعان ما ابتعدت عنه وهي تسأل: –هو تعب امبارح أثر عليك ولا إيه؟ ضحك بصوته الرجولي، الذي تمثل لقلبها وكأنه محفز يعمل على زيادة نبضاته، وشردت هي في تفاصيل وجهه الجذابة، وقد لاحظ هو ذلك فقال غامزًا بعينيه: –حفيدك قمر مش كدا؟ انتبهت لحركته، فحاولت تغيير الموضوع وهي تسأله بنبرة جاهدت لجعلها طبيعية: –انت عامل إيه دلوقتي؟

بلاش تنزل الشركة النهاردة، وخليك في البيت. أجابها بامتنان: –مفيش لزوم للإجازة، أنا الحمد لله بقيت بخير والفضل يرجعلك. تحدثت أروى ببسمة رقيقة: –الفضل لله، ثم لـ «فارس» اللي خرج بالليل وجاب علاج عشانك، وفضل سهران جنبك طول الليل. –هو قالي إن أنتي اللي بعتيه يجيب العلاج، وإنك فضلت جنبي لحد ما المحلول خلص والحرارة نزلت، وإن انتي كمان اللي جهزتي الأكل عشاني وخللتيه يصحيني عشان آكل….. وقال لي قد إيه كنتي خايفة عليّ.

تشدقت مردفة بصدق: –إحنا عيلة واحدة يا «باسل» وأنا فعلًا بخاف عليك…. قصدي عليكم…. حتى لو كان وجودي هنا مش مرغوب فيه. أردف باسل بندم: –أنا آسف على أسلوبي معاكي في الأيام اللي فاتت، وأوعدك إن ده مش هيتقرر تاني، وبالنسبة ليا فأنا بتراجع عن الكلام اللي قولته امبارح…. أنا فعلًا بقيت حابب وجودك معانا.

لم تعرف بماذا تنطق، فهذا التغيير المفاجئ جعل لسانها ينعقد، فلم تعد قادرة على إخراج الكلمات التي قد ماتت وتلاشت، بسبب تجاوزه المسافة التي قد حافظت عليها بينهما عندما اقترب منها محتضنًا إياها. لم يستغرق عناقه لها سوى قلة من الثواني، ولكن ذلك كان كافيًا ليجعلها تتجمد في موضعها، ابتعد عنها قائلًا: –بجد شكرًا ليكي. رمشت بعينيها عدة مرات ثم نطقت بتغيب: –الشكر لله. تخطاها متجهًا صوب الباب، وهو يقول: –يلا خلينا نفطر سوا.

لم تتحرك وبقيت كما هي تطالعه فقط دون أن تنطق بحرف واحد، فاستدار ناظرًا إليها وهو يقول: –على فكرة… تقدري تناديني بالاسم اللي يعجبك…. بيسو بيسو معنديش مشكلة. تلفظ بجملته الأخيرة وغادر الغرفة تاركًا عقلها يستوعب شخصيته الجديدة. ***

كانت تهبط إلى الأسفل ببسمة لم تفارق ثغرها، عندما تناهى إلى سمعها صوت جهوري يتحدث بلهجة غاضبة، فعجلت من خطواتها واتجهت إلى غرفة الجلوس، لتتفاجئ بثلاثة رجال وبرفقتهم امرأة، قد جاءوا للمطالبة بحقهم في الميراث والأملاك التي تركها «راشد أحمد المُعز». انضمت «أروى» إلى «باسل» الذي كان معهم بمفرده، وسألته بجدية: –مين الناس دي؟ وأملاك إيه اللي بيتكلموا عليها؟ نطقت السيدة الأربعينية التي كانت ترتدي خمارًا باللون الأسود:

–عايزين حقنا في أملاك المرحوم عمنا، ولا أنتم هتلهفوا كل ده لوحدكم! طالعتها «أروى» بحاجب مرفوع وأردفت بتهكم: –نلهف إيه وبتاع إيه؟! هو مين حضرتك أصلًا؟ أردفت الأخرى بنبرة ساخرة يشوبها قلة من الغيظ: –هو انتي مبتسمعيش ولا إيه يا حلوة؟ بقولك المرحوم يبقى عمنا، يعني إحنا ولاد إخواته! سألتها «أروى» مجددًا بترقب: –وإيه المطلوب مننا؟

زفرت السيدة بضيق وهي تضرب بإحدى يديها على كفة اليد الأخرى، ورمقت «أروى» بصبرٍ أوشك على النفاذ، فتدخل ذلك الرجل الذي يرتدي قميصًا أبيض قد خُطط بخطوط ملونة، وكان يرفع بنطاله القماش بمسافة لا بأس بها عن مستوى الخصر. تشدق مردفًا بهدوء: –يا آنسة إحنا هنا عشان بالصلاة على النبي كدا عايزين ناخد حقنا. رددت أروى سريعًا: –اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين……. طب حضراتكم يعني بأي وجه حق بتطلبوا ورث؟

على حسب علمي إن راشد المعز ملهوش شركاء…. أنتم بقى عايزين إيه؟ ابتسم باسل بخفة وأردف بدلًا عنهم: –لأ دي كلها أملاك جدي وشغل جدي لوحده، محدش كان شريك معاه، هما أصلًا مكنش في منهم حد يعرف جدي وهو عايش. قالت أروى تلقائيًا: –كدا محدش منهم ليه حاجة عندنا. نظرت إليها السيدة وتحدثت بغضب: –يعني إيه كلامك ده؟ هتمنعونا عن حقنا؟ نقلت أروى نظرها بين هذه الأوجه الأربع، ونظراتهم التي احتلت من الغضب، ثم أردفت ببشاشة: –لأ إزاي!

حقكم هتاخدوه، بس اتفضلوا اقعدوا. تهللت أساريرهم، وكانوا على وشك الجلوس ولكن سرعان ما تحطمت آمالهم الوهمية، وتراجعوا عن الجلوس عندما أكملت «أروى» حديثها ببرود: –تحبوا تطلبوا حقكم حاجة سخنة ولا عصير؟ هتفت السيدة في وجهها: –تقصدي إيه يا بت انتي؟ هناخد حقنا شاي؟ كان باسل يتابع ما يحدث في صمت، أما أروى فقد أجابت قائلة: –أيوه حقكم هو شاي، وممكن نحط فاكهة كمان، أنتم ضيوف برضو ولازم نكرمكم.

تحدث ذلك الرجل قصير القامة، صاحب الشعر المجعد وهو يقول بتهكم: –إحنا مش ضيوف، إحنا لينا في القصر ده زيكم بالظبط. تنهدت «أروى» وعقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم أردفت بضيق مخفف: –كل اللي ليكم عندنا هو واجب الضيافة، لا أكتر ولا أقل. اقتربت تلك السيدة من أروي راغبة في دفعها، ولكن أوقفها باسل عندما تحرك واقفًا أمام أروى، قائلًا بتحذير:

–أوعي تفكري تقربي منها وإلا هيكون ليا تصرف تاني معاكم، أنا بسمع كلامكم الأهبل من ساعتها وأنا ساكت، لكن توصل لإنك تمدي إيدك عليها فده مش هسمح بيه أبدًا، ويايلا حتى واجب الضيافة ده كمان مش هتاخدوه. سألته السيدة بتهكم: –يعني إيه. أردف باسل بجمود: –يعني مع السلامة. نظرت إليهم السيدة والشرر يتطاير من عينيها، ثم نطقت بتوعد: –والله هتندموا، وافتكروا كلامي….. أنتم اللي هتيجوا بنفسكم وتعطونا أكتر من حقنا كمان.

نظرت «أروى» في أثرهم بشرود قطعه «باسل» عندما سألها بترقب: –هو جدي متكلمش معاكي عنهم أبدًا؟ انتبهت «أروى» إلى سؤاله، فردت عليه بتوتر: –لأ…. معرفش عنهم حاجة، أنا أول مرة أشوفهم. أماء لها برأسه قبل أن ينطق باسمًا: –عمومًا متقلقيش، لو رجعوا تاني أنا هتعامل معاهم. ***

في تلك الأثناء كانت دينا في غرفتها تستعد للخروج، فكانت تضع كتبها اللازمة داخل حقيبة الظهر، وما إن انتهت حتى أغلقت سحاب الحقيبة، وحملتها وتوجهت بها إلى الخارج، وبينما كانت تنتعل حذائها الرياضي، جاءت إليها «أميرة» من خلفها وهي تسأل: –ها يا دينا، فكرتي في الموضوع بتاع امبارح؟ سألتها دينا وهي تعقد رباط الحذاء: –موضوع إيه؟ –جوازك من المستر بتاعك؟ تلوى ثغرها ببسمة ساخرة، وأردفت: –جوازي!! هو انتي لسه بتفكري في الكلام ده؟

قالت أميرة باعتراض: –ومش هفكر فيه ليه؟ ده موضوع مهم. –هو إيه ده اللي مهم! انتي مهتمة بالموضوع وكأنه متقدم وعايزة يتجوزني وأنا اللي مأخرة الرد! –أيوه طبعًا مهتمة، هو حد يطول إنه يناسب عيلة المُعز! قالت دينا بحنق: –بصي يا ماما موضوع مستر فارس ده يتشال من دماغك خالص، أقولك شيلي موضوع الجواز ده نهائي من دماغك لا المستر ولا غيره، أنا لسه صغيرة وعايزة أكمل تعليمي، فحليني من دماغك بقى. ردت عليها أميرة بتهكم: –صغيرة إيه؟

ده انتي هتقفلي العشرين قريب! وبعدين لازم تستغلي الفرص، جوازك من ابن المُعز هيرفع مستوانا الاجتماعي رفعة جامدة، ده إحنا هنبقى في مكانة تانية خالص. منحتها دينا نظرة حزينة وقالت بسخرية: –لا مكانة تانية ولا تالتة، كل كلامك ده على الفاضي فوفريه، أنا مش صفقة عايزة تكسبي منها فلوس. نطقت بجملتها الأخيرة وهي تفتح الباب وقبل أن تغادر التفتت إلى والدتها وقالت: –على فكرة…… أنا لسه مكملتش ١٨ سنة عشان أكمل العشرين…… يا ماما.

كانت تقف على جانب الطريق وتغمغم بصوت خفيض مع تلك الموسيقى الأجنبية الصاخبة التي تعزلها عن الوسط المحيط، وما إن وصلت الحافلة التي كانت تنتظرها حتى أنزلت هذه السماعة معلقة إياها حول رقبتها، وتحركت لتصعد إلى الحافلة. لم يكن هناك سوى كرسي شاغر بين النافذة وبين ذلك الشاب الذي تكسوه بدلة رسمية، ويستند بجبهته على يديه المعقودتين على مسند المقعد الأمامي. تحدثت «دينا» بجدية قائلة: –بعد إذن حضرتك ممكن تعديني؟

لم تجد منه ردًا فكررت جملتها وهي تربت على كتفه بزاوية هاتفها، وهنا انتبه لها وشرع بوجهه ناظرًا إليها، لتتفاجئ بأنه حسام المُعز ذلك المتغطرس الذي قابلته ليلة أمس، ولكنها لم تحفل بكونها تعرفه وقالت مجددًا: –ممكن تعديني عشان أقعد؟ أفسح لها الطريق، فتجاوزته وجلست بجواره واضعة حقيبتها فوق قدميها، وأعادت تشغيل السماعة مرة أخرى، فلم يكن هو راضيًا عن ذلك الوضع وتجاهلها له، فالتقط السماعة نازعًا إياها عن أذنيها،

وسألها بكبر وعنجهة: –هو انتي مش عارفة أنا مين؟ مش فاكراني؟ لم تجبه وإنما أخذت ما يخصها وأعادت تشغيلها مرة أخرى، وانشغلت في رؤية الطريق، تحت نظرات الحيرة والاستغراب اللائي كان حسام يرمقها بهما، فهذه هي المرة الأولى التي تتجاهله فتاة بعدما تحدث إليها. ولم يسكت عن الأمر، حيث في هذه المرة قد انتزع هاتفها من بين يديها ولمس على شاشته لاغيًا تشغيل تلك النغمة الموسيقية التي كان تستمع إليها، فنظرت إليه دينا وهذه المرة

منحته نظرة ساخطة وغمغمت: –على فكرة دي اسمها قلة ذوق، هات الفون واتلم. تفقد الوسط المحيط، قبل أن ينظر إليها قائلًا بسخرية: –اتلم! هو حد قالك إني متبعثر؟ نفخت بضيق وهي تأخذ هاتفها قائلة: –سيبني في حالي بدل ما هقوم أنا وأبعترك. سألها بحيرة: –هو انتي فعلًا مش فاكرة أنا مين؟ أردفت باقتضاب: –لأ. همس بصوت قد وصل إليها: –معقول شربت كتير عشان كدا مش فاكرة أنا مين؟ أجابته ببرود: –أنا مش بشرب الزفت اللي انت بتشربه ده.

منحها بسمة واسعة وقال: –طب ما انتي فاكرة أهو، امال إيه بقى؟ أجابت بتهكم: –أيوه فاكرة، بس مش معنى إني شوفتك مرة يبقى خلاص بقينا أصحاب أو معرفة. ابتسم بعته قائلًا: –أيوه صح انتي امبارح برضو مكنتيش طايقة وجودي وعشان كدا متكلمناش فمش بقينا صحاب، إيه رأيك نتكلم شوية دلوقتي ونبقى صحاب. سألته بحاجب مرفوع: –هو أنت أهبل ولا بتستعبط! تحدث حسام باعتراض:

–كدا غلط، هي بتتقال أنت أهبل ولا بتستهبل، أو… أنت عبيط ولا بتستعبط…… ده الصح، مش كدا يا بنات؟ كان سؤاله الأخير موجهًا إلى الفتاتين الجالستين بمحاذاتهما، فحركت «دينا» رأسها بيأس وقالت: –ده انت مجنون! أضاف حسام ممازحًا: –أهي دي بقى بتتقال، أنت مجنون ولا هتتجنن علينا…… قالت دينا بضجر: –طب بعد إذنك يا حضرة الفيلسوف ممكن تسيبني في حالي! عشان أنا مش طايقة حد دلوقتي؟ تشدق مردفًا باستنكار:

–طب وأنا مالي، لو حد ده زعلك في حاجة بتخرجي عصبيتك عليا ليه! رمقته بطرف عينيها، وشرعت في وضع الهاتف والسماعة داخل حقيبتها، وأخرجت الكتاب الخاص بمادة الفيزياء، كي تستذكر بعض النقاط الهامة، ولكن ذلك الطائش الجالس بجانبها أحبط ما كانت ستفعله عندما سحب منها الكتاب قائلًا وهو يتفقد صفحاته: –انتي بتاخدي فيزيا عند مين؟ انتي عارفة…. أنا الفيزيا كانت لعبتي. نهضت واقفة وهتفت بضيق مكتوم: –نزلني على أول الشارع يا اسطا.

أغلق الكتاب ونظر إليها قائلًا: –انتي هتنزلي بسرعة كدا؟ ده إحنا لسه اتعرفنا ولا حتى قولتي بتاخدي فيزيا عند مين؟ التقطت كتابها من بين يديه وهي تصطك على أسنانها بغيظ، ثم قالت: –أيوه هنزل، مجبورة أنزل بسببك. قالت جملتها الأخيرة تزامنًا مع ذلك الكتاب الذي أُطبق على رأسه، قبل أن تتركه يتألم وتتحرك للهبوط من الحافلة، فوضع «حسام» يده موضع الضربة التي تلقاها للتو وقال بانزعاج:

–منك لله يا مفترية، أنا أصلًا عندي صداع، هلاقيه منك ولا من ستي الشيخة «أروى»! وأخيرًا وصل إلى وجهته، ومازال ممسكًا برأسه عند دخوله من البوابة الحديدية الكبيرة والتي هي نهاية لسور دائري، يحيط بمبنى الشركة. استدار سريعًا وهو يبحث بحدقيتيه عن «ميار» التي جاءت من خلفه وهي تناديه بصوت غاضب، وقفت قبالته وصرخت في وجهه: –ينفع اللي حضرتك عملته امبارح ده؟ ابتسم سائلًا: –عملت إيه يا بنت خالتي يا مزة؟

تناست غضبها وتراجعت عن نيتها بتلقينه درسًا، وسألته ببسمة واسعة: –بجد حلوة؟ أماء برأسه مؤيدًا: –حلوة بس!! ده انتي حلوة أوي، قمراية كدا. سألته مجددًا وهي تدور حول نفسها: –طب وإيه رأيك في الطقم الجديد ده؟ ابتسم لها قائلًا بحب: –جميل عليكي يا «ميار». سألته سريعًا باهتمام: –يعني تعتقد هيعجب «باسل»؟ أنا جبته باللون البترولي ده مع إني مش بحبه، بس مش مشكلة أهم حاجة باسل بيحبه وأكيد هيعجبه عليا.

شعر بضيق قد تبين على وجهه العابس، عندما أردف: –طيب يا ميار يا رب يعجبه….. أنا داخل الشركة. كاد أن يتحرك من أمامها ولكنها منعته عندما، قالت بصوت غاضب: –مش قبل ما تفسر اللي أنت عملته امبارح يا أستاذ، يعني إيه تسيبني برقص امبارح مع أصحابي وترجع البيت؟ أجابها بنبرة ساخرة: –وهو يعني الأستاذ ممدوح معرفش يوصلك البيت!

ثم إن أنا كنت شارب أصلًا يعني وجودي معاكي زي عدمه….. وكفاية عليكي كدا بقى أنا مش ناقص عقاب تاني من ستي الشيخة. كان «باسل» كعادته منهمكًا في عمله، عندما جاءت إليه «ميار» التي دفعت الباب ودلفت إليه دون أن تطلب إذن الدخول، زفر بضيق عندما وجدها أمامه بذلك الثوب الذي يظهر من جسدها أكثر مما يخفي، وأردف قائلًا بجمود: –مش فاضي لكلامك الفاضي اخرجي واقفي الباب وراكي. لم تعر قوله اهتمامًا وإنما اقتربت من مكتبه وهي تقول:

–هقعد معاك شوية بس عشان أنت وحشتني أوي يا حبيبي. تحدث بصوته الجهوري قائلًا بغضب: –أنا مش حبيبيك اخرجي ومتجيش هنا تاني، بدل ما أحرجك قدام الشركة كلها وأطلب الأمن يخرجك. نظرت إليه بضيق يخالطه الخوف وقالت بتراجع: –خلاص همشي. قبل أن تتحرك عن موضعها، لمحت تلك العلبة القطيفة التي قد تركتها «أروى» لـ «باسل» يوم أمس، فسألته «ميار» بترقب: –هي العلبة دي فيها إيه يا باسل؟ أنت جايب هدية لمين؟

انتبه «باسل» إلى تلك الهدية، فكان قد نسي أمرها تمامًا، فنظر إلى «ميار» قائلًا: –حاجة متخصكيش، يا ريت تخرجي برا بقى. لم تتحدث وإنما بقيت موضعها تنقل نظرها بينه وبين تلك العلبة القطيفة، وعندما حاول «باسل» أن يخفيها من أمامها، كانت يد «ميار» هي الأسرع في التقاطها. هب واقفًا كمن لدغته حية، وبخطوات سريعة كان واقفًا أمامها، فحدقت به بشكٍ قائلة: –أنت اتفزعت كدا ليه؟ أجاب بتهكم:

–أنا متفزعتش، وبعدين هاتي العلبة وملكش دعوة بحاجة مش ليكي. أردفت بإصرار: –طالما حاجة ليها علاقة بيك تبقى تخصني أنا يا باسل، أنا هشوف العلبة فيها إيه. هتف بغضب: –قولتلك لأ، هاتيها.

نطق بكلمته الأخيرة، محاولًا التقاطها من بين يديها، ولكنها رفعت يدها مانعةً إيه، فحاول تكرارًا وفي كل مرة كانت تحرك يدها في جهة معاكسة، ولكنها في النهاية استطاع أن يقبض على جزء من العلبة وعندما حاول أن يسحبها فعلت هي مثله ولكن في اتجاهين متضادين، فانقسمت العلبة إلى نصفين، وسقط ما بها أرضًا مظهرًا ملامح الصدمة على وجهيهما.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...